الجمعة 26 محرم 1435

صفات داود عليه السلام في القرآن والسنة مميز

كتبه 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

صفات داود في القرآن والسنة

   بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على محمد رسول الله أما بعد : فقد رأيت أن يكون موضوع محاضرتي حول صفات داود عليه السلام في القرآن الكريم وكذا في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، تلك الصفات الجميلة والعظيمة التي تدعو قارئ القرآن إلى تعظيم داود عليه السلام ومحبته، وجعله أحد من يقتدى بهم في الأخلاق والعبادة، ولن تخلو هذه المحاضرة عن عقد مقارنة مع نصوص أسفار الكتاب المقدس، لبيان ما هو مصدق عندنا منها، وما هو مكذب وهو المخالف للقرآن للكريم والمخالف للكتاب المقدس نفسه.

   ونستهل الحديث بالتذكير أن ذكر داود ورد في تسع سور من القرآن، في سياقات متعددة ولأغراض مختلفة، وقد اخترت أجمع النصوص القرآنية لصفات داود عليه السلام لننطلق منها وهي الآيات 17-20 من سورة "ص"، حيث يقول الله تعالى: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20)

صفات داود عليه السلام في القرآن والسنة

أولا : العبودية لله تعالى

أول صفات داود عليه السلام صفة "العبادة"، قال تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا) فوصفه بالعبودية المضافة إلى الذات الإلهية؛ وفي ذلك تشريف لداود عليه السلام وتقريب، كما قال سبحانه في الآية الأخرى:(وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ) (ص:25)، بمعنى إنه يوم القيامة في مكانة عالية وله حسن المرجع وهو الجنة، وقد زاده الله تعالى تشريفا أن أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به في الصبر على الطاعة وعلى الابتلاء.

ثانيا : كثرة الصلاة والصيام

ومن تلك العبادات التي كان داود عليه السلام يداوم عليها الصلاة والصيام، حتى قال نبيا صلى الله عليه وسلم:« أحب الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما» (متفق عليه) والحديث يدل على أن ذلك كان شأنه في حياته كلها. وقال (في رواية لمسلم):«صم صوم داود، فإنه كان أعبد الناس» بمعنى لا يقارن به أحد في العبادة، وقال ابن كثير رحمه الله –وهو من كبار المحدثين والمفسرين والمؤرخين-:«وقد كان داود عليه السلام هو المقتدى به في ذلك الزمان في العدل وكثرةِ العبادة وأنواع القربات، حتى إنه كان لا يمضى ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلا ونهارا، كما قال تعالى: (اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ:13)».

   وإذا عقدنا مقارنة مع الكتاب المقدس فإننا نجد شيئا من الثناء على عبادة داود عليه السلام وطاعته في سياقات مقبولة، كما جاء في سفر الملوك الأول (إصحاح11/34) في سياق الحديث عن سليمان :«ولا آخذ كل المملكة من يده، بل أصيره رئيساً كل أيام حياته، لأجل داود عبدي، الذي اخترته، الذي حفظ وصاياي وفرائضي». وفي صموئيل الثاني (إصحاح22/19-23) عن داود عليه السلام:« فكان الرب سندي إلى مكان رحيب أخرجني وأنقذني، لأنه رضي عني، ولحسن أعمالي كافأني ولطهارة يدي جزاني خيرا، يرد علي لأني حفظت طرق الرب لم أعص إلهي، لأن جميع أحكامه أمامي وفرائضه لا أحيد عنها».

   كما أننا نجد فيه نصوصا أخرى تخالفها أعتقد أنها تحتاج إلى دراسة ونقد بحثا عمن كتبها وعن مصلحته في كتابتها، لأنه في تقديري لا فائدة منها إلا الحط من قدر داود عليه السلام ومن تدينه واستقامته، وأفضعها خبر الزنا بزوجة القائد "أوريا" ثم الكيد له من أجل قتله، -انظر صموئيل الثاني(إصحاح11/2-26). ومثله خبر رقصه كالسفهاء حتى انكشفت عورته، -انظر صموئيل الثاني (إصحاح 6/14-20).

   وقد وجدت في سفر يشوع بن سيراخ (إصحاح 49/4):« جميعهم أجرموا ما عدا داود وحزقيا ويوشيا» يعني الملوك، ومعنى أجرموا بمعنى اقترفوا الكبائر، لأن صغائر الذنوب لا يسلم منها الأنبياء فكيف بالملوك. وهذا السفر لا يعترف البروتستانت فحذفوه من الكتاب المقدس، وكان غيره أولى بالحذف كتلك النصوص المسيئة لداود عليه السلام ومثل نشيد الأنشاد المسيء لسليمان عليه السلام.

ثالثا : كمال القوة

   الصفة الثانية لداود عليه السلام المذكورة في الآيات أنه "ذو الأيد" والأيد القوة، وهي في حق داود تشمل قوة بدنه وقوته على الطاعة، إذ لا يقدر على صيامه وصلاته إلا قوي البدن. وتشمل قوة القلب والعزيمة أيضا.

   ومن مظاهر قوة داود عليه السلام الواردة في الكتاب المقدس قوة الرمي إذ كان يرمي الحجر بالمقلاع فلا يخطئ الرميَّة، وقوة القلب والصبر حيث صبر على حسد شاول (طالوت) ولم يقابل الإساءة بمثلها.

رابعا : الشجاعة والإقدام

   ومن مظاهر القوة أيضا الشجاعة والإقدام، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم عن داود عليه السلام:« ولا يفر إذا لاقى» (متفق عليه)، أي إنه لا يفر في المعارك، ومن أدلة شجاعته تحديه لجالوت وقتله إياه، قال تعالى (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) البقرة:250-251)

   ونلاحظ هنا فرقا بين حكاية الكتاب المقدس لحرب بني إسرائيل مع الفلسطينيين وحكاية القرآن، فالكتاب المقدس يجعلها حربا عرقية، والقرآن يجعلها حربا دينية فمقتلة داود عليه السلام للفلسطينيين وغيرهم لأجل كونهم عبدة أصنام غير موحدين لا لكونهم من عرق غير إسرائيلي.

   وفي الكتاب المقدس نجد قضية شجاعة داود عليه السلام ثابتة، وقتله لجالوت مثبت في صموئيل الأول (إصحاح 17/38 وما بعدها)، لكننا نجد في المقابل ما يعارض ذلك ففي صموئيل الثاني (إصحاح21/19) أن الذي قتل جالوت هو الحانان البيتلحمي، وإذا نظرنا في أحداث القصتين، وقارناهما مع ما ورد في سفر الأيام الأول (إصحاح 20/5) علمنا أن في الخبر الثاني خطأ، إذ الصواب أن الحانان إنما قتل أخا جالوت وليس جالوت، وبهذا نزيل التعارض ويذهب الإشكال وهو إشكال جزئي، لنضع أنفسنا أمام إشكال كلي كبير، وهو قبول وجود الخطأ في الكتاب المقدس.

خامسا : صناعة الدروع وإلانة الحديد

   ومن قوة داود عليه السلام صناعة الدروع الحديدية، بطريقة تحمي المقاتل ولا تعيق حركته في آن واحد، قد علمه الله تعالى كيفية صناعتها، كما قال: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (الأنبياء:80)

   ويتبع موضوع صناعة الدروع معجزة إلانة الحديد لداود عليه السلام، حتى إنه كان يفتله بيده لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة، كما قال الله تعالى: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (سبأ:10)

   ولم يشر الكتاب المقدس إلى صناعة داود للدروع ولا إلى معجزة إلانة الحديد مع عظم شأنها، مع أنه يذكر أحيانا تفاصيل أخرى تصل حد إلى التفاهة، وتجدر الإشارة إلى أن في الكتاب المقدس إشارة إلى كثرة الحديد الذي كان عند داود عليه السلام –كما في أخبار الأيام الأول (22/3،14،16)- لكن ليس هناك ذكر لمصدره ولا إلى طريقة تصنيعه.

سابعا : كان يأكل من عمل يده

   وقضية صناعة الدروع تسوقنا إلى أمر آخر مهم في سيرة داود عليه السلام-ملك اليهود-، فقد اتخذ هذه الصناعة مهنة يسترزق بها، وهذا من تواضعه ومن ورعه وتعففه عليه السلام، إذ كان يمكن أن يجعل لنفسه راتبا من خزينة الدولة كما هو شأن ملوك الأمم قبله وبعده، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ داود عليه السلام كان لا يأكل إِلا من عمل يديه». (رواه البخاري).

وقبل تولي الملك جاء في الكتاب المقدس أنه كان يرعى الغنم-صموئيل الأول إص16و17-، وهذا صحيح لأن نبينا صلى الله عليه وسلم قال:«مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ» (رواه البخاري).

ثامنا : كان أوابا

   والصفة الرابعة المذكورة في الآيات أن داود عليه السلام كان "أوابا"، والأواب فسر بعدة تفسيرات كلها صحيح ثابت في حق داود عليه السلام، ففسر بالمسبح لله تعالى كما قال تعالى:(وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)(سبأ/10)

وفسر بكثير التوبة والاستغفار، وكذلك كان داود عليه السلام.

وفسر "الأواب" بكثير الطاعة لله تعالى والوقاف عند شريعة الله تعالى، وهذا المعنى يعم التسبيح والاستغفار وغيرها.

تاسعا : التسبيح ومعجزة تسخير الجبال والطير

   والصفة الخامسة المذكورة في الآيات هي المداومة على تسبيح الله تعالى والثناء عليه في أول النهار وآخره، قال: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19)

   وقد اقترن التسبيح بمعجرة أخرى من معجزات داود عليه السلام، وهي أن الجبال كانت تسبح معه والطيور تجتمع إليه حين التسبيح فتردد معه تسبيحه، كما قال تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ).

   وهذا أمر خارق للعادة ومهم جدا ومع ذلك لم يشر إليه الكتاب المقدس.

عاشرا: حسن الصوت وخفة القراءة

   وهذه المعجزة تسوقنا للحديث عن صفة تميز بها داود عليه السلام في قراءته للزبور-المزامير- وهي حسن الصوت، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري الصحابي:«لو رأيتني البارحة، وأنا أسمعُ لقراءتك؟ لقد أُعْطِيتَ مِزْمارا من مزامير آل داود»(متفق عليه)، والمزمار: من آلات الغناء، وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم المزمار مثلا لحسن صوت داود -عليه السلام- وحلاوة نغمته، كأن في حلقه مزامير يزمر بها. ويخبرنا نبينا e أيضا عن خفة القراءة عليه، فقال e: «خُفِّفَ على داودَ القراءة، فكانَ يَأْمُرُ بدوابِّه أن تُسرَجَ، فيقرؤه قبل أن تُسرج دوابُّه ».(رواه البخاري وأحمد واللفظ له).

   وفي الكتاب المقدس نجد وصف داود عليه السلام بأنه إمام المغنين، وبأنه دعي ليضرب العود ليرتاح طالوت من مس شيطاني ابتلي به وهذا وإن كان قبل نبوة داود عليه السلام فإنه لا يليق به ويحط من قدره.

الحادي عشر : شد الملك

   والصفة السادسة في الآيات المذكورة "شدّ ملكه" هو تثبيته وتقويته وسلامته من أضرار الثورات الداخلية، ومن غلبة أعدائه عليه في حروبه.

   وحسب التوراة فقد ملك داود أربعين سنة، ومات وعمره سبعون سنة (صموئيل الثاني: إصحاح 5/4) وظل ملكه ثابتا.

والذي صح في حديث الرسول e في عمر داود عليه السلام أنه عاش مائة سنة، ولعل بعض حكايات الكتاب المقدس تؤكد هذا، حيث تذكر أنه شاخ وضعف جدا حتى لم يجدوا شيئا يدفئه، كما أول سفر الملوك الأول.

الثاني عشر : النبوة والعلم

الصفة السابعة في قوله تعالى (وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ) والحكمة هنا هي النبوة، وقد يراد بها العلم بالأشياء كما هي والعمل بالأمور على ما ينبغي، ونبوة داود عليه السلام لا شك فيها، وإن أنكرها اليهود، ومن أدلتها المعجزات التي حذفها اليهود من الكتاب المقدس، ومن أدلتها أيضا أن الله تعالى أوحى إليه بكتاب اسمه "الزبور"، قال تعالى (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55) (الإسراء/55)

   وزبور داود عليه السلام يوجد ضمن المزامير في أسفار الكتاب المقدس، وهي 150 مزمورا -أو 151 عند الأرثوذكس- وهذه المزامير ليست كلها لداود عليه السلام قطعا كالمزمور 104 الذي دلت بعض البحوث أنه مأخوذ من كتاب أخناتون، كما دلت دراسات نقدية أخرى أن بعض المزامير مأخوذة من أشعار الكنعانيين، لكن هناك نصوص يؤمن بها المسلمون ولا شك عندهم فيها.

وأولها جملة" الأبرار يَرِثُونَ الْأَرْضَ وَيَسْكُنُونَهَا إِلَى الْأَبَدِ " من مزمور(37 :29) فأنا أومن بها قبل أن أراها في الكتاب المقدس، لأن الله تعالى قال في القرآن الكريم: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء/105]

   ومنها بداية المزمور 48: (إن ربنا عظيم محمود جداً، وفي قرية إلهنا وفي جبله قدوس ومحمد) كلمة "محمد" تقرأ "محماد" بالعبرية إلى يومنا هذا، وترجمت في طبعات الكتاب المقدس إلى البهي أو الجميل، كما ترجم الاسم نفسه في مواضع أخرى من الكتاب المقدس إلى المشتهى، في حين أن الواجب في حق الأعلام أن تبقى على حالها ولا تترجم.

   وهناك أشياء أخرى نترك ذكرها خشية الإطالة، وحتى لا نخرج عن العنوان المختار للمحاضرة.

وأظن أن من لوازم إثبات المزامير في الكتاب المقدس إثبات نبوة داود عليه السلام، ولكن اليهود أصروا على تجريد داود عليه السلام من النبوة وذلك بحذف معجزاته وآثار النبوة في قصته، ونسبة القبائح والفواحش إليه، وزادوا على ذلك أن طعنوا في نسبه بجعله من ولد "فارَص" ابن يهوذا من الزنا، وهو الأب التاسع لداود حسب النسب المدعى، وذلك يؤكد نفي النبوة عنه حيث جاء في سفر التثنية (إصحاح23/2):« لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب حتى الجيل العاشر».

   هكذا يقولون لا يدخل في جماعة الرب، مع أننا نجد في سفر نحميا (إصحاح:12/24) وصف داود عليه السلام برجل الله تعالى: « للتسبيح والتحميد حسب وصية داود رجل الله نوبة مقابل نوبة». ونجد أيضا في المزمور (51: 11) قول داود: «لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني».

الثالث عشر : الحكم بالعدل

الصفة الثامنة في قوله تعالى (وَفَصْلَ الْخِطَابِ) الذي فسر بمعنيين كلاهما صحيح، ففسر بمعنى بيان الكلام وفصاحته. وفسر بمعنى الفصل في القضاء إذ كان داود يحكم بين الناس بالعدل، كما قال تعالى (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (26) [ص:26].

   وفي الكتاب المقدس أنه كان "فصيحا" وفي ترجمة "بيِّن الكلام" كما في سفر صموئيل الأول (إصحاح:16/18) وفيه أيضا أنه كان يحكم بالعدل كما في سفر صموئيل الثاني (إصحاح8/15) :« وملك داود على جميع بني إسرائيل، وكان يحكم بالعدل والإنصاف بين شعبه».

خاتمة

   والخلاصة أن داود عليه السلام كان نبيا ملكا من بني إسرائيل أيده الله تعالى فثبت ملكه، وأيده بالوحي الذي منه الزبور، وبمعجزات أخرى كإلانة الحديد وتعليم صناعة الدروع الحديدية صناعة متقنة، واجتماع الطيور إليه لتردد تسبيحه وكذلك الجبال، وكان له صوت حسن في الترنم بالزبور حتى شبه حلقه المزمار، وكان عليه السلام أعبد الناس وصلاته أفضل الصلاة وصيامه أفضل الصيام، وكان مداوما على ذكر الله في أطراف النهار، وكان محافظا على أحكام الشريعة؛ كثير الشكر لله تعالى رجاعا إلى الله كثير التسبيح والاستغفار، ورعا لا يأكل إلا من كسب يده، وكان قويا في تدينه وقويا في بدنه جنديا شجاعا ومقداما وحاكما عادلا بين رعيته، وبشره الله تعالى بمكانة العالية وبالجنة.

لأجل هذه الصفات العظيمة والجميلة التي اتصف بها نبي الله تعالى داود عليه السلام، فقد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به أمرا مطلقا بعد أمره أن يقتدي به في الصبر، وذلك عندما قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) (الأنعام:90) وكان ذكر قبلها عددا من الأنبياء منهم داود عليه السلام.

   وإذا كانت هذه صفات داود عليه السلام التي نجد بعض ما يؤكدها في الكتاب المقدس، فلم أراد بعض الكتبة أن يسلبوها عنه، ويجعلوه بدلا من ذلك خائنا زانيا مجرما مغنيا سفيها سفاكا ملعونا؟ سؤال من الأسئلة المحيرة فعلا؟

   لكني لن أكون بعيدا عن الحقيقة بإذن الله تعالى إذا قلت إن الكفرة من بني إسرائيل والفسقة لن يعجبهم عدل داود ولا عبادته، وسوف يؤلمهم جدا أن يكون داود عليه السلام قد لعنهم، وبسبب لعنه لهم –حسب بعض المفسرين-خربت أورشليم الخراب الأول وسبي بنو إسرائيل إلى بابل، لذلك فقد أرادوا الانتقام منه بسلب النبوة عنه وتشويه سيرته.

     قال الله تعالى : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) [المائدة/78، 79].

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

سؤال :

   هل يمكن للمحاضر أن يذكر لنا شيئا من البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم في زبور داود عليه السلام-يعني سفر المزامير الموجود ضمن أسفار الكتاب المقدس-.

الجواب :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد فإن داود عليه السلام ولا شك قد بشر بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم بذكر اسمه وبذكر صفاته وأيضا صفات أصحابه، وفي المزامير التي ذكرت أن بعضها مأخوذ من زبور داود عليه السلام نجد شيئا من تلك البشارات.

أولها ما جاء في المزمور 48 حيث ذكر اسم محمد لفظا.

وثانيها المزمور 72 الذي موضوعه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم من أوله إلى آخره وتجنبت ذكره في المحاضرة نظرا لطوله، وأحسن نصوص الترجمات إفادة للمعاني هي تلك المترجمة من العبرية مباشرة بخلاف ترجمة فاندايك ففيها غموض كثير، ومما ورد في هذا المزمور في صفة المبشر فيه أنه يخلص البائسين ويسحق الظالمين وهذا من صفة نبينا صلى الله عليه وسلم ولا يمكن أن يقال عن عيسى عليه السلام أنه سحق الظالمين، وأنه يكثر السلام بعد مبعثه وذلك أنه تحية أمته، وأنه يملك من البحر إلى البحر، وأنه يدين لملكه أهل الصحراء وملوك جزر البحر ومصر واليمن وغيرها ومنهم من قدم الهدايا، ولا شك أن الدولة التي أسس النبي صلى الله عليه وسلم تحققت فيها تلك الصفات، وأنه يصلى عليه في كل حين ويبارك في كل يوم نهارا وليلا وليس هذا لأحد سوى محمد صلى الله عليه وسلم. وفي الأخير ذكرت صفة أتباعه وأن مدنهم تزدهر بسكانها كالسنابل المتمايلة تثمر وتكثر كما يكثر العشب". فهذه الصفات لم تتوفر ولم تجتمع إلا في محمد صلى الله عليه وسلم وأمته.

   وثالثها المزمور 110 الذي لن أنقله من العهد القديم ولكن من العهد الجديد لأن فيه البشارة وتفسيرها على لسان عيسى عليه السلام ، جاء في إنجيل متى إصحاح 22/ 41 وما بعدها، سألهم يسوع ما قولكم في المسيح ابن من هو؟ قالوا له ابن داود » يقصد الذي ينتظرونه فرد عليهم :« إذ كيف يدعوه داود ربا وهو يقول بوحي من الروح:« قال الرب لربي : اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك تحت قدميك» فإذا كان داود يدعو المسيح ربا فكيف يكون المسيح ابنه ».

وفي الترجمة المباشرة من العبرية للمزمور قال "الرب لسيدي" وقد استدل المسيح عليه السلام على كون الذي ينتظرونه من غير نسل داود بكون هذا الأخير من غير نسل داود، وهذا أمر يشترك فيه محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السلام خلافا للنصارى الذين يصرون على أن عيسى عليه السلام من نسل داود من جهة يوسف النجار لا من جهة مريم عليها السلام وهي سبط لاوي ولا من سبط يهوذا.

   قلت هذه الحقيقة يشترك فيها نبينا وعيسى عليهما السلام ، لكن في البشارة شيء يرجح كون المراد محمد صلى الله عليه وسلم وهو عبارة"حتى أجعل أعداءك تحت قدميك" لأن عيسى عليه السلام لم يقهر أعداءه بل رفعه الله إليه والنصارى يزعمون أن أعداءه صلبوه ، فهذه الصفة لم تتحقق في عيسى عليه السلاك بالاتفاق.

   وهناك من يذكر بشارات أخرى وما اخترته وحضرته هو أوضحها دلالة والعلم عند الله تعالى .  

  

تم قراءة المقال 10831 مرة