الجمعة 12 رجب 1441

وقفات مع سورة لقمان مميز

كتبه 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

محاضرة بمسجد حمزة بن عبد المطلب بسيدي بلعباس
في 06 رجب 1441 هـ الموافق لـ 29 فبراير 2020م
في إطار نشاط مجلس اقرأ لولاية سيدي بلعباس تحت شعار حرف مجود لقلب يتدبر
أولا : وقفة مع الم
   هذه السورة المكية تضمنت معاني العقيدة الإسلامية التي تربى عليها الجيل الأول من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، تسمى سورة لقمان ولا اسم لها إلا ذلك ، وهي من السور التي تضمنت الانتصار للقرآن؛ معجزة النبي صلى الله عليه وسلم مثلها مثل بقية السور التي ابتدأت بالحروف المقطعة، وإذا كنا في موضع الحديث عن تدبر القرآن فإننا نؤكد على أن التدبر لا يستثني منه حرف من حروف القرآن بما فيه هذه الحروف في أوائل السور، وقد اختلفت أقوال المفسرين فيها وأرجحها أنها حروف ابتدأت بها السور بقصد التعجيز والتذكير للعرب بأن هذا القرآن عربي مكون من هذه الحروف التي تتحدثون بها .
ثانيا : وقفة مع معنى الحكمة
    لو لم تسم هذه السورة سورة لقمان لكانت سورة الحكمة، فالسورة سورة لقمان لأن الله تعالى ذكر فيها خبر لقمان الذي قال عنه (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ) وكانت مقدمتها انتصار للقرآن ووصفه بالحكمة (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ )، كما ذكر اسم الله تعالى الحكيم في قوله (وهو الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (9) وقوله (إن الله عزيز حكيم) (27)
ومعنى الحكمة اتقان العلم وإجراء العمل على وفقه، وقيل إصابة الحق بالعلم والعمل.
-ومعناه في حق الله تعالى العلم بالأشياء وإيجادها في غاية الاتقان، وهو سبحانه حكيم في أمره وحكيم في خلقه وتقديره.
-في حق القرآن أنه كلام الحكيم سبحانه وقد تضمن الحكمة كلها فأمره عدل وخبره صدق ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وهو حكيم بمعنى محكم متقن لفظا ومعنى وليس فيه خطأ أو فضول، وهو حكيم بمعنى حكم بين العباد فيما كانوا فيه يختلفون.
-ومعنى الحكمة في حق الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات، ورأس حكمته معرفة الله تعالى وطاعته، وقد ورد في الأثر رأس الحكمة مخافة الله تعالى، وإنما يخشى الله أهل المعرفة به وعلامة المخالفة أيضا هو لزوم الطاعة.
ثالثا : لماذا كرم لقمان بذكر اسمه وخبره في القرآن؟
    لماذا حاز لقمان هذا التكريم بأن خلد ذكره وخبره في القرآن إلى قيام الساعة؟ ولم يكن لقمان نبيا، وثمة أنبياء كثر لم تذكر أخبارهم ولا أسماؤهم في القرآن وهناك من ذكر اسمه دون خبره، فلم يفضل هذا الرجل الصالح ويكرم بهذا التكريم الذي لم ينله غيره؟
إن لقمان لم يكن نبيا في قول أكثر العلماء، والحكمة الموصوف بها لا تدل على النبوة، لأن الحكمة تحصل تعلما وإلهاما وقد قيل في تفسير قوله تعالى (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ) [البقرة: 269] أنها الفهم أو الصواب أو السنة أو العقل، وقال مالك رحمه الله :"الحكمة هي الفقه في دين الله"، والحكمة تعم هذه المعاني كلها إضافة إلى معنى النبوة، وقد جاء في الأحاديث إطلاقها على غير النبوة كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها" وهو في البخاري ، قال ابن عباس ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:" اللهم علمه الحكمة" رواه البخاري وقال عقبه :"الحكمة الإصابة غير النبوة".
   والجواب أن لقمان  كرم هذا التكريم رغم كونه ليس نبيا-فيما يظهر- لسببين :
الأول : لاهتمامه برأس الحكمة التي هي معرفة الله تعالى وتوحيده ضمن وصيته الجامعة التي وصى بها ابنه . ولا شك ان تلك الوصية كانت عظيمة قد حوت أصول الشريعة جميعها .
الثاني : لقيامه بأهم وظيفة في الإصلاح وهي تربية الولد، الذي هو في حقيقته توريث للحكمة في القول والعمل، هذه التربية التي تعتبر حجر أساس انطلاق دعوات الأنبياء ومنهج الإصلاح لدى ورثة الأنبياء، وطريقة توريث الهدى للأجيال واستمرار الخير في الأمم.
رابعا : لماذا نهى لقمان ولده عن الشرك ولم يأمره بالتوحيد ؟
حيث قال الله تعالى :(وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)
الجواب لأن معرفة الله وتوحيده أمران فطريان، وهذا الولد قد تربى في كنف موحد حكيم فلا شك أنه يكون موحدا، ولكن الشرك هو الذي يطرأ على الفطرة فيفسدها، وأما ما ذكر في بعض كتب التفسير من أن ابنه كان مشركا فلا دليل عليه، وسياق الوصايا وتتابعها ينفي ذلك، فمعنى العظة التذكير وذلك قد يكون لما هو معلوم، وقد حثه على الدعوة إلى الله تعالى من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الصبر في سبيل ذلك ومثل هذا لا يكون إلا لموحد.
   فإن قيل: وهل ينهى الموحدون عن الشرك ؟ قيل: نعم ينهى الموحدون عن الشرك؛ لأن الموحد الحنيف يخاف على نفسه وعلى ولده الشرك، وهذا سيد الحنفاء إبراهيم عليه السلام يقول في دعائه: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ) [إبراهيم: 35] كما حذر خاتم الأنبياء أمته من الشرك بعد أن عرفت التوحيد وحذرهم من أدعياء النبوة ونحو ذلك ، بل التحذير من الشرك كان وصية الله تعالى لأنبيائه المصطفين الأخيار من خلقه حيث قال (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: 65]. وأكثر ما يهلك الناس والأمم هو الغرور بالحال وحسن ظن بالنفس، واعتقاد دوام السلامة والعصمة من الشرك والضلال والانحراف.
خامسا : محاور وصية لقمان
إن وصايا لقمان قد تضمنت الدلالة على أصول الشريعة كما سبق وذلك من خلال استيعاب محاورها وهذا البيان :
1-محور التوحيد وبيان الاعتقادات وذلك من خلال وصية النهي عن الشرك التي تصب في معنى التوحيد العملي (أو الألوهية أو العبادة) ومن خلال الوصية التالية لها التي تعلقت بالتوحيد العلمي (أو الربوبية) الذي هو أصل توحيد الألوهية ومنتجه حيث قال سبحانه ( يَا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) فذكر صفتين من أهم الصفات التي يبنى عليها اعتقاد المؤمن وهي صفة القدرة في قوله (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ) وهذا الاتيان متفرع على شمول علم الله تعالى بالكائنات مهما صغرت ومهما كان مكانها ، وقد ذيلت الآية باسمين يدلان على العلم اللطيف بمعنى العليم بالدقائق والخبير بمعنى العليم بالحقائق والعواقب.
2-محور العبادات والطاعات، وذلك في قوله ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) فذكر عمود الدين ورأس الأعمال كلها وهي إقامة الصلاة؛ هاته العبادة التي إذا أقيمت كما وجبت إقامتها جعلت العبد يستقيم ظاهرا وباطنا فيفعل المعروف وينتهى عن المنكر، وجعلته محبا الخير للناس كما يحبه لنفسه؛ فيتحول إلى ناصح آمر وناه، فالعلم بالله تعالى وهو العلم النافع ينتج العمل الصالح، والعمل الصالح يدفع إلى الدعوة إلى الله تعالى، والداعي إلى الله لابد أن يتعرض للأذى فيحتاج إلى الصبر، ولذلك جاءت الوصية متسلسلة هذا التسلسل، وهذا يؤكد أن الدين يهتم بصلاح الفرد بإقامة الصلاة ويهتم بصلاح المجتمع بإقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.  
3-محور أدب معاملة الناس في قوله (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (18) فذكر خلق التواضع مع الناس وترك العجب والتكبر على الخلق ، وخص التواضع وضده الكبر لأن الكبر رأس الأخلاق السيئة يدعو إلى احتقار الناس واحتقار أقوالهم وأفعالهم وقد يوصل إلى احتقار ما يحملونه من حق، وفي صحيح مسلم :"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، وقد كان سبب كفر إبليس الكبر كما هو معروف، فالكبر خلق سيئ يوصل صاحبه إلى الخروج من الملة والعياذ بالله تعالى.
4-محور أدب النفس في قوله (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) حيث أمره بالاعتدال في صفة المشي والاعتدال في صفة الكلام وذلك بدلالة المطابقة وأمره بالحياء بدلالة التضمن لأن الباعث للمرء على الاعتدال في المشية وخفض الصوت هو الحياء وحقيقة الحياء الانقباض عما يشين ويجلب اللوم.
سادسا : لماذا نخاف الشرك؟
    إن التوحيد هو مقتضى الفطرة والحكمة وهو الهدى والرحمة وسبيل الفلاح، وهو مقتضى العقل أيضا فما الذي يحجب العقل ويحرف الفطرة حتى يقع الناس في الشرك؟ الجواب عن هذا التساؤل نجده في هذه السورة من خلال النص على جملة من الأسباب الصادة عن توحيد الله تعالى.
1-أولها دعاة الضلالة المظهرين لوسائل اللهو المستهزئين بالدين، وذلك في قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (6) وفي قوله سبحانه (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) (20) ففي الآية الأولى ذكر المعارضون للوحي والحكمة المنزلة بإبراز اللهو والدعاية إليه، وقد قيل في تفسير الآية وسبب نزولها أن النضر بن الحارث كان يريد يصد الناس عن القرآن وقصصه المتضمن للعبر والحكم بأخبار الفرس وبطولاتهم، وقيل في تفسيره لهو الحديث كما هو مروي عن ابن مسعود وابن عباس : هو الغناء وجلب المغنيات لصد الناس عن سماع القرآن الحكيم. وفي الآية الثانية ذكر صورة أخرى من صور عمل دعاة الضلالة وهو المجادلة في الحكمة المنزلة بالباطل أي من غير سلوك لأسباب العلم الثلاثة فهم يجادلون بلا نظر وتأمل ولا اتباع لهاد معلم ولا كتاب يقرأ .
2-وثاني الأسباب الصادة عن التوحيد الاعراض والاستكبار، وقد ذكر في قوله تعالى (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (7) إذ التولي هو الاعراض عن سماع الحق، وقد يكون إعراضا مجردا وقد يكون دافع الإعراض الكبر والترفع على حامل الحكمة والناطق بها واحتقاره.
3-وثالث الأسباب إضلال الوالدين، وهو مذكور في قوله تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (15) وقد أقحم خبر هذه الوصية في وسط وصية لقمان لبيان سبب عظيم من أسباب الوقوع في الشرك وهما الوالدان حيث قال (وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما) وهو في معنى حديث :"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)
4-وقريب من السابق تقليد الآباء والأجداد المذكور في قوله تعالى (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ) (21) وهذا المعنى متكرر في القرآن وهو أشهر حجج المشركين، وذكر الشيطان هنا لأنه هو من أضل أجدادهم، فكان هو من أضلهم بدلالة اللازم.
5-وخامس الأسباب المذكورة هو الغفلة والنسيان والجحد وذلك في قوله تعالى (وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) (32) فالإنسان قد يرى من الآيات الباهرة ما يرده إلى رشده ويحي فطرته؛ لكنه سرعان ما ينسى وإليه الإشارة في قوله (فمنهم من مقتصد) قيل مقتصد في الظاهر كافر في الباطن يؤيده على أن وصف الجحود عائد إليه، وقيل كان الواجب عليه بعدما عاين الحق ألا يكون مقتصدا بل مجتهدا وهذا مبني على أن وصف الجحود يرجع إلى غيره.
سابعا : دلائل التوحيد في هذه السورة
كما تضمنت سورة لقمان تحذيرا من الأسباب الصادة عن التوحيد فقد تضمنت جملة من دلائل التوحيد، بيانها فيما يأتي:
1-أولها دليل العناية، وذلك من خلال تعداد نعم الله تعالى على عباده في هذه الدنيا كما في قوله تعالى (خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) (10) وفي قوله سبحانه (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً) (20)
2-وقريب منه الاستدلال بعظيم قدرة الله تعالى وانفراده بالتدبير وبحسن تدبيره كما في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (30)
3-ومنها دليل الخلق حيث كان المشركون مقرين بخلق السموات والأرض وذلك يستلزم انفراد الله تعالى بالملك والتدبير وذلك مستلزم لانفراد الله تعالى الحمد والعبادة ، وذلك في قوله (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11) وفي قوله (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (26)
4-ومنها دليل الكلام المعجز وإليه الإشارة في قوله (وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (27) فبين ربنا عز وجل أن القرآن الكريم المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم الموصوف بأنه حكيم ليس هو كل كلام الله تعالى وحكمته، ومما قيل في مناسبة ذكر هذا المعنى أن هؤلاء المعارضين بالقصص والغناء مهما عارضوا القرآن فما يأتون به مخلوق محدود فضلا عن خلوه عن الحكمة التامة إن كانت فيه حكمه .
ثامنا : إثبات الإيمان باليوم الآخر
    من مقاصد القرآن المكي إثبات الإيمان باليوم الآخر، وقد كان في العرب من ينكره وفي قريش ، وفي هذه السورة آيات كثيرة دالة عليه صراحة وإشارة فكل ما يتعلق بالوعد والوعيد والبشارة والنذارة يتضمن تذكيرا به، من أصرح الآيات الدالة عليه في هذه السورة قوله : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (33) فاليوم المشار هو اليوم الآخر يوم الحساب الذي لا يغني فيه أحد عن أحد، وخص هنا ذكر الوالد والولد لمناسبة ما ذكر من وصية لقمان لابنه ومن وصيته سبحانه بالوالدين، فإيمان أحدهما لا ينفع الآخر إذا كان مشركا، وأكد إثباته بقوله ( إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) وحذر من الغرور بفتح العين وهو الشيطان لأنه هو من يزين للناس الشرك وإنكار البعث.
    ودل على اليوم الآخر أيضا قوله: (إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) فالساعة المذكورة هي اليوم الآخر وعلم موعدها عند الله تعالى وحده، وكان من تشغيبات المشركين السؤال عن موعده لإنكاره، وقد عطف على انفراده بالعلم بها علمه بنزول الغيث وما في الأرحام ثم نفي علم الإنسان بمستقبله وساعة ومكان وفاته، ويلاحظ التفريق بين الأمرين الأولين والأخيرين حيث لم ينف علم غيره بنزول الغيث وما في الأرحام لأنه قد يعلم بالأسباب في أحوال، حيث يمكن التنبؤ بالمطر والعلم بجنس الجنين بعد نفخ الروح فيه بالعلامات المكتسبة بالتجربة أو بالآلات الحديثة.
تاسعا : التوحيد هو شكر
   آخر وقفة نقفها مع هذه السورة أن التوحيد هو الشكر الكامل لله تعالى إذا هو المستحق للشكر بالقلب واللسان وعمل الجوارح، ويدل عليه مقابلته بالكفر كما في قوله تعالى (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (12) وهذا الكفر قد يكون كفرا أصغر هو كفر النعمة بمعصية الله تعالى ووضع النعمة في غير موضعها، وقد يكون كفرا أكبر بجحد المنعم أو جحد النعمة أو شكر غير الله عليها، وفي الآية الكريمة أن من شكر فوحد الله وأطاعه (وحقق الحكمة في العلم والعمل) فإن ثمرة الشكر ترجع إلى نفسه لا إلى الله الخالق سبحانه؛ لأن الله تعالى غني عن شكرنا وهو حميد بكامل صفاته وحكيم أفعاله سبحانه .

تم قراءة المقال 149 مرة