قيم الموضوع
(1 تصويت)

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين، أما بعد: فأيها الإخوة الكرام، إنه من واجب أهل الحق من الأئمة والدعاة أن ينصحوا المؤمنين ويبينوا لهم ما فيه نفعهم في العاجل والآجل، وأن يحذروهم من كل شر يضرهم في الدنيا والآخرة، عملا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم :"الدين النصيحة" (رواه مسلم)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (متفق عليه). ولأجل هذا نكتب هذه المقالة التي نرجو أن تجد آذانا صاغية وقلوبا واعية.

 

35-من فضلك لا تحرق أموالك

 

كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار

    كثير من الناس مقبلون هذه الأيام على المولد النبوي الذي تصحبه احتفالات بدعية ومنكرات شركية تبعد الناس عن ربهم ولا تقربهم إليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم  :" كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " (رواه النسائي)، وليس مقصودنا بيان حكم الاحتفال بالمولد النبوي فإنه أمر قد وضحه العلماء الأثبات، وجلاه الدعاة والخطباء الثقات بالدلائل البينات والحجج النيرات. وإنما مقصودنا بيان معصية من الكبائر تقترن بهذه الاحتفالات، ألا وهي: تفجير المفرقعات واستعمال الألعاب النارية.

أدلة تحريم المفرقعات والألعاب النارية

أولا : تبذير المال كبيرة

    أول شيء يبين لنا حكم المفرقعات والألعاب النارية دخولها في معنى تبذير المال، وهو محرم بلا ريب بل قد يكون كبيرة من الكبائر، قال تعالى : (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ) (الإسراء26-27) فالمبذر للمال -وهو الذي ينفق ماله في غير حق- متوج بتاج أخوة الشيطان.

   وتبذير المال من كفر النعمة، ومن عقوبة كفر النعمة سلبها، أفلا تخاف أيها العبد أن يبتليك الله بالفقر والدَّين والحاجة بسبب هذه المعصية؟؟قال مبارك الميلي رحمه الله :« عاقبة السرف المالي في الآخرة أن يلقى بصاحبه في النار، وعاقبته في الدنيا أن يلقى به في المتربة والصغار » (أي الفقر الشديد والذل).

    وإن إحراق هذه الأموال بهذه الصورة نوع من السفه الموجب للحجر على صاحبه، وقد قال تعالى: ]ولا تؤتوا السفهاء أموالكم[ ، وليتفكر العاقل منا كم هي قيمة الأموال التي تحرق في تلك الليلة وقبلها!! إنها تعد بالملايير!! لو طلبت تلك الأموال لبناء مسجد أو إطعام مساكين لرأيت أكثر هؤلاء الناس يقبضون أيديهم ويتولون وهم معرضون وربما يقول بعضهم : (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ) !!

ثانيا : التشبه بالكفار

   ومما ينبغي أن نعلمه أن استعمال هذه الطريقة في إظهار الفرح في الأعياد من التشبه بالكفار في مظاهر الاحتفال بأعيادهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم  محذرا من التشبه بالكافرين :« من تشبه بقوم فهو منهم » (رواه أبو داود وصححه الألباني)، فلو كان الاحتفال بالمولد النبوي مشروعا لحرم الاحتفال فيه بما فيه مشابهة للكفار، ألا ترى أن المسلمين لا يشعلون الشموع ولا يوقدون النيران ولا يفجرون المفرقعات في عيدي الفطر والأضحى؟ وهما العيدان الشرعيان المتفق عليهما!

ثالثا : الإضرار بالنفس وبالناس

   ومما يبين حكم الألعاب النارية أن فيها إضرارا بالنفس وبالناس، فكم من الناس من أُحرق جسمه، وكم منهم من فقئت عينه، بل كم من مات منهم بسبب هذه الألعاب، ألا يخشى الواحد منا أن يكون هو المصاب أو ولده أو أمه أو أخته، إنه من واجبنا أن نمنع منها أنفسنا وننهى عنها كل من حولنا دفعا للفساد الذي تسببه.

   وليس لدينا إحصائية عن حجم الحوادث التي تقع في هذه المناسبة، ولو وجدت فإنها لن تكون دقيقة معبرة عن الواقع، فإن بلادنا واسعة وليست كل الحوادث معلنا عنها في حينها، ويكفينا أن نعرف أنه يوجد في كل عام -في هذه الليلة-قتلى وجرحى يُعدُّون بالعشرات بل بالمئات، ويوجد عدد من الحرائق تصيب البيوت والمحلات والسيارات.

رابعا: إلحاق الأذى للمؤمنين

    وهذه الألعاب والمفرقعات لا يختلف اثنان أن فيها أذى مباشرا للمؤمنين بأصواتها المزعجة وبدخانها الخانق، ولا ننسى أنه لا يكاد يخلو بيت من البيوت من شيخ كبير أو عجوز ومن مصاب بمرض الربو (ضيق التنفس) والحساسية، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم  :« يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ » (رواه الترمذي)، وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ:« مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ»، وقال الله تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (الأحزاب 58).

خامسا : ترويع المؤمنين

    إن المتعة في كثير من هذه الألعاب مبنية على ترويع الناس وهو حرام، ففي السنن أن بعض الصحابة كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ فَفَزِعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم  :«لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا » (رواه أبو داود وصححه الألباني).

سادسا : هذه الألعاب سلاح

    وهذه الألعاب من جنس السلاح، واللاعب بها ومصوبها تجاه الناس مستحق للعنة الملائكة، قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم  :«لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ» (متفق عليه)، ولا شك أنها تدخل في معنى السلاح ، فهي تؤذي بلا مرية كمن أشار إلى أخيه بالزجاج وغيره، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :"مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ"(رواه مسلم) فقال:« من أشار بحديدة»، ولم يقل سيفا أو سكينا لأن المقصود هو الأذى، وهذه المفرقعات (والشهب منها خاصة) لا شك أن حديث الرسول eصلى الله عليه وسلم يشملها.

سابعا : مثل جليس السوء

   وليعلم المؤمن قبح صورته وهو متلبس بهذه الشهب والنيران، عليه أن يذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  مثل جليس السوء بنافخ الكير، وأي فرق بين الحداد الذي ينفخ في النار فيؤذي الناس، وبين من يلقي النار والدخان في طريقهم وبين أرجلهم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم  :« إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً » (متفق عليه).

هذا المال مال الله تعالى

    أيها المسلم هذا المال مال الله تعالى وأنت مستخلف فيه ومسؤول عنه، وخلقه الله تعالى ورزقك إياه لتوصله إلى أهله ومستحقيه، لذلك يقول الله تعالى قبل أن ينهى عن التبذير : (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ) فهذا المال الزائد عن الحاجة هو حق الفقراء والمساكين، وفي الحديث :« ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع » (رواه البخاري في الأدب المفرد) وأنت لن تكون مؤمنا وأنت تبذر الأموال الطائلة وفي أمتك من هو جائع عار مريض.

أبواب الخير كثيرة

   وإن أبواب الخير كثيرة فلِمَ الغفلة عنها؟! ومن أنفع هذه الأبواب الصدقات الجارية التي تنفع المؤمن في حياته وبعد مماته، فاستثمر مالك فيها لعلك تكون من الفائزين، وقد جاء في الحديث:« إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ:

1-عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ 2-وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ 3-وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ

4-أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ 5-أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ 6-أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ 7-أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ« (رواه ابن ماجة وحسنه الألباني).

ستسأل يوم القيامة عن مالك

   وتذكر أيها المسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  قال :" لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ (ماذا عمل فيه) وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ » (رواه الترمذي وصححه). فما عساك أن تجيب ؟ وما يمكنك أن تقول لربك سبحانه، إن أنت شاركت هذه الأيام في هذه البدع والمعاصي.

    ولا تقل هذا مال يسير، دنانير معدودة ، فإن الله تعالى قال:] ثم لتسألن يومئذ عن النعيم [ فدخل في ذلك يسير النعيم وكثيره.

مال المفرقعات حرام

   وليعلم التاجر المسلم ، ومبتغي الحلال في رزقه أن كل شيء حرمه الله تعالى فقد حرم ثمنه، قال نبينا  صلى الله عليه وآله وسلم  :« إن الله تعالى إذا حرم شيئا حرم ثمنه» (صححه ابن حبان)، وفي الحديث :«يَا كَعْب بْنَ عُجْرَةَ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ النَّارُ أَوْلَى بِهِ » (رواه الترمذي وأحمد)، ولتعلم أخي المسلم أن بيع المفرقعات والألعاب النارية ونحوها كبيع الدخان وغيره من المحرمات، فكل ما يكسبه العبد منه حرام، وسوف تسأل عن مالك من أين اكتسبته. فاتق الله أيها المسلم، وابتعد عن النار واقترب من الرب العزيز الغفار، وتب إليه واستغفره عسى أن يورثك جنات تجري من تحتها الأنهار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تم قراءة المقال 5517 مرة