قيم الموضوع
(2 أصوات)

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد : فإن من الأمراض التي عمت بها البلوى في بلاد المسلمين مرض التدخين، الذي بلي به من جهل حكمه في الشرع، وغفل عن أضراره الكبيرة على النفس وعلى الناس، فرأيت أن أكتب هذه المقالة تذكيرا بحكمه في الشرع وإظهارا لشيء من مفاسده الكثيرة، عسى أن ينتصح من ابتلي به وينشرح صدره فيتوب إلى الله تعالى منه.

  

8-أيها المدخن قف

قبل البدء انظر إلى هذه صورة

   قام الطبيب يشرح جثة مدخن ميت، فلما كشف عن رئته طلب ممن حوله أن يشاهدوا رئة المدخن، التي علاها طبقة سوداء من القطران ، وأخذ يسلت بيده الرئة ويعصرها ، فيسيل منها القطران ، حتى وصل إلى داخل الرئة فوجد الثقوب التي يتنفس منها الإنسان الهواء مسدودة كلها، وذلك هو الذي سبب موت هذا المدخن المسكين ، لقد قتل نفسه .

1-الدخان سم قاتل

    بل هو أفتك سم في العالم ، يموت بسببه كل 13 ثانية شخص واحد ، أي ما يقارب مليونين ونصف مليون في كل عام.

    ويكفي للدلالة على ذلك أن يعلم أن السيجارة الواحدة تحوي 2 ملغ من مادة النيكوتين، وهي سم قاتل حيث أن 50 ملغ كافية لقتل إنسان صحيح، وقد شهد الأطباء المسلمون وغيرهم أنه يسبب أمراضا عديدة، منها سرطان الرئة، وسرطان الحنجرة، والسكتة القلبية، وقرحة المعدة، الالتهابات الصدرية والربو والسل، تصلب شرايين القلب..الخ.

     فإذا علمت هذا نذكرك بقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرا) (النساء: 29-30) ولا فرق بين من قتل نفسه بطريق مباشر سريع، وبين من قتلها بطريق غير مباشر وبطيء، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: « من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تحسى سما فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا» (متفق عليه).

2-الدخان مسكر مفتر

   نقل الأطباء أن الدخان مسكر، ودللوا على ذلك بالتجربة واعتراف المدخنين، حيث أن من أخذ منه عدة مجات متتالية يملأ بها صدره يصيبه سكر قريب من سكر الخمر . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني). وكثير من التبغ المستورد من بلاد الكفار يغمس في الخمر قبل تجفيفه وصناعة السجائر منه، فهذا لا شك أن شاربه شارب للخمر نسأل الله السلامة.

3-التدخين تبذير

    إنه لا يليق بمسلم يعتقد أن الله تعالى خلقه للعبادة واسكنه الأرض ليبتليه وجعله مستخلفا فيما أتاه، ويؤمن بأن الله تعالى يسأله يوم القيامة عن النعيم، أن يبذر ماله في شراء هذا السم القاتل الذي لا نفع فيه. ولا ينبغي للمسلم أن يصغي للشيطان إذ يزين له احتقار قيمتها ويقول ثلاثة دنانير فقط للسيجارة، لأنا نقول بل هي من النعيم الذي تسأل عنه، ثلاثة دنانير تساوي نصف رغيف يعجز عن تحصيله آلاف المسلمين في بلادك والملايين منهم في بلاد الإسلام المنتشرة، هذه القيمة نفسها لو طلبها منك متسول في الطريق لنهرته، ولو قيل لك أنفقها في سبيل الله تعالى لعظمها الشيطان في نفسك.

    قال الله تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) (الإسراء 26-27) فما بالنا نمنع الماعون وإذا دعينا إلى الإنفاق في سبيل الله نشح ونبخل، وفي الوقت نفسه نحن متوجون بتاج أخوة الشياطين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:« إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة» (رواه البخاري) والمدخن منهم، وفي الحديث:« أن العبد لا تزول قدماه يوم القيامة حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» (رواه الترمذي وصححه)، والمخدن أهلك جسمه وبذر ماله فبم يجيب؟!

 4-في الدخان جناية على الأهل والأبناء

    الذي لا شك فيه أن الدخان يفسد الهواء خاصة في الغرف والسيارات، وفي ذلك أذى للناس وأقرب الناس إلى المدخن وخطر على صحتهم ، وقد ذكر الأطباء أنهم يتضررون أكثر من المدخن نفسه، لأن هذا الأخير عنده في سيجارته مصفاة تمنع مرور بعض النيكوتين أما غيره فإنه يتناوله خالصا.

    وما قيل في قتل النفس يقال هنا لكن في قتل الغير، والتسبب في المرض الذي لا يقتل كالربو ونحوه إثمه عظيم عند الله تعالى ، ما بالك أيها الأب العطوف والزوج الحنون إذا اعتدى غيرك على أهلك وأبنائك تنتفض وتغار، ولا ترضى بذلك ثم أنت بنفسك توصل إليهم الأذي خفية وببطء، أفتحرم على غيرك ما تحله لنفسك.

5-الدخان يؤذي الناس والجلساء والملائكة

   ولا اختلاف في خبث رائحة الدخان والتبغ عموما ونتنها، فهي أذى للنفس وأذى للجار والقريب والجليس ولملائكة الرحمن،  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة» (متفق عليه)، وقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» (متفق عليه)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « من أكل من الثوم والبصل والكراث فلا يقربنَّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» (متفق عليه).

6-التدخين مفسد للأخلاق

    والتدخين مفسد للأخلاق وذلك من عدة جهات :

-من جهة إثارة الأعصاب وسرعة الغضب، وهذا أمر ظاهر خاصة عند من اعتاده، وكثير من الناس يظنه مسكن، وهو في الواقع علاج للمرض بسببه، كمن ابتلي بالإدمان على المخدرات لا يهدأ حتى يتناولها، وفي صحيح البخاري أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال لا تغضب فردد مرارا قال لا تغضب، والمراد بالنهي عن الغضب النهي عن أسبابه ومن أسبابه تناول الدخان، وهذا وجه آخر لتحريمه، لأن الغضب يجعل الإنسان يظلم وينتقم ويفسد ويقول فحشا ويفعل ما لا يرضي الله تعالى .

-أنه يجر إلى التسول حيث تجد أكثر الشباب يسأل صاحبه هل من سجارة، وقد جهل الناس أن مما نهي عنه المسلمون كثرة السؤال بمعنى التسول وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال» متفق عليه.

-أنه يجر إلى السرقة في كثير من الأحيان، وذلك حيث لا يجد الشاب مالا يشتري به سجارة يحاكي بها أصحابه .

7-التدخين معصية معلنة

     التدخين معصية وليس ككل المعاصي فهو معصية معلنة ظاهرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين» (متفق عليه)، المعنى أن كل الناس يعفى عنه إلا المجاهرين بالمعاصي، لأن المجاهر يدعو غيره للإقتداء به ويشجعه على ذلك فهو بمثابة دعاة الضلالة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ..ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» (رواه مسلم)، والآباء مسؤولون عن أبنائهم ، وهم القدوة الأولى لأبنائهم ، فمن علم ابنه التدخين فهو آثم إثما مضاعف.

الاتجار في الدخان كالاتجار في الخمر

   وما دام الدخان من الخبائث المحرمة وقد قال تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) (الأعراف:157)، فإن صنعه وبيعه والاتجار فيه حرام، قال الشيخ ابن باز : « والدخان لا يجوز شربه ولا بيعه والتجارة فيه كالخمر».

والآن لماذا تدخن ؟

1-ألأنك تظن أنه رمز الرجولة والفحولة ؟

    والذي لا شك فيه أنك قد قرأت عن رجال وأبطال كثيرين من أهل الإسلام وغيرهم ما عرفوا التدخين ولا ما يشبهه، ومن جهة أخرى أنت ترى في النساء من تدخن، ومن الجبناء من يدخن. فأين أثر التدخين في الرجولة ؟ إن الرجولة التي لا تلتزم بالشرع رجولة زائفة مدعاة، كحال من يريد من أن يظهر أنه لا يخاف من أحد فيسب الله تعالى، فإن هذا عند الامتحان أجبن الناس، لأن من لم يكن قلبه قويا بالإيمان فلن يكون قويا بغيره أبدا.

2-ألأنك تجد فيه لذة ومتعة ؟

    وهذا غير صحيح، وأي لذة ومتعة يجدها الإنسان في تناول النار، ودخان طعمه خبيث ورائحته منتنة عفنة ، وأي لذة هذه التي يعقبها سعال وقلق وأمراض وينتظر صاحبها يوم القيامة عذاب أليم، وانظر إلى صور من ماتوا بسبب السرطان ومن قطعت أقدامهم، ومن أصيب بالشلل من جراء التدخين لعلك تفيق من غفلتك.

3-ألأنك منبهر بغيرك مقلد له ؟

    من هم هؤلاء الذي جعلتهم قدوة لك تتبعهم أهم من خير الناس ؟ أهم من العلماء أم من الصالحين العبّاد الزهاد؟ ولتعلم أن تقليد أهل الكمال في كمالهم وأسبابه رفعة وزيادة في القيمة ودلالة على علو الهمة، وأما تقليد العصاة والكفار وشرار الناس فهو سفول وضعف في الشخصية ودناءة في الهمة.

4-ألأنك تشتكي من مشاكل ومن ضيق الصدر؟

   ومن يصدقك بأن السجارة تحل المشاكل؟! ومن يصدقك بأن دخانها يشرح الصدر؟! بل هو يضيقه حسا ومعنى، والدخان عند الأطباء من أسباب القلق والغضب وسوء الخلق كما سبق.

أيها المدخن قف

   دخان تضيع فيه مالك وتغامر به بصحتك وعافيتك، وربما كان سبب موتك ، تؤذ به أهلك وأبناءك وتنفر به الملائكة وقبل ذلك تغضب به ربك عليك ، ولا فائدة من ورائه إلا شهوة زائلة تعقبها آلام كثيرة، قف وقفة عاقل ووازن بين الربح والخسارة في هذه التجارة، وسارع إلى التوبة والاستغفار قبل أن يفوتك القطار ، قال تعالى : (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) (النساء:17-18) والله نسأل أن يهدينا وجميع إخواننا إلى الصراط المستقيم والحمد لله رب العالمين .


تم قراءة المقال 4412 مرة