لثلاثاء 21 شعبان 1433

65-سبل اغتنام شهر الصيام والقيام

كتبه 
قيم الموضوع
(2 أصوات)

     الحمد لله الصلاة والسلام على رسول الله أما بعد : فإن شهر رمضان شهر الاجتهاد في الطاعات والتنافس في الخيرات، شهر النفحات الربانية التي ينبغي السعي للتعرض لها، فعلى العبد الكيِّس أن يستغل هذا الشهر وأن ينظر فيما يعينه على ذلك، وأن يجعل نصب عينيه قول الحسن البصري:«إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا! فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون»، وفي هذه المقالة بيان لأسباب الاجتهاد المعنوية ودوافعه النفسية، نسأل الله تعالى أن ينفع بها.

 

65-سبل اغتنام شهر الصيام والقيام

 

1-تذكر الذنوب

من أهم ما يدفعنا إلى الاجتهاد في رمضان أن نعلم أننا بحاجة إلى التوبة إلى الله تعالى، وأن نشعر بأننا قد قصرنا في طاعاته عز وجل، فإن الرجوع إلى الله تعالى في شهر رمضان، من واجب كل مسلم وليس من واجب بعض الناس دون بعض، فإذا شعرنا بالذنب والتقصير اجتهدنا وإذا اغتررنا وأحسنا الظن بأنفسنا تركنا الاجتهاد لغيرنا، إن من رحمة الله بنا ومن منِّه وكرمه أن جعل في هذه الدنيا محطات نتعرض فيها إلى رحمته، فعلينا أن لا نضيعها عسى أن تصيبنا نفحة منها فنرحم رحمة لا نشقى بعدها أبدا، فعلينا أن ندع الغرور والاستعلاء وتزكية النفس جانبا، عسى أن يرحمنا ربنا.

2-محاسبة النفس

ومن أسباب الاجتهاد محاسبة النفس بسؤالها عن رمضان الفارط والذي قبله، وعن أعمال السنة التي رفعت في شعبان، كم صلينا من صلاة في المسجد؟ كم من صلاة ضيعناها وأخرجناها عن وقتها؟ كم من صلاة نمنا عنها؟ نحاسب أنفسنا على الزكاة، هل نحن نؤدي الصدقة الواجبة؟ هل نحن نعين الفقراء؟ كم من صدقة تصدقنا بها؟ كم من بيت من بيوت الله أسهمنا في بنائه؟ في الصيام كم صمنا من النوافل؟ في العلم كم من مجلس علم حضرناه؟ كم من مسألة تعلمناها في هذه السنة؟ وكم من مجلس علم أعرضنا عنه وضيعناه؟ كم من عمل خير قمنا به؟ وكم من عمل خير كان أمامنا وكان بإمكاننا أن نقوم به أو نسهم فيه فضيعناه؟ فلنحاسب أنفسنا على كل ذلك وغيره؟ كم من رمضان فات وانقضى من السنوات الماضية وندمنا بعده؟ ندمنا بعد أن تصرمت أيامه وانقضت ساعاته، وقلنا يومها يا ليتنا عملنا ويا ليتنا اجتهدنا، ويا ليتنا أطعنا وسارعنا؟ كم مر علينا من رمضان، فلم نعرف كيف نستغله؟

3-استشعار نعمة رمضان

إن من أعظم نعم الله تعالى علينا أن نوفق لإدراك شهر رمضان، ومما يدلنا على هذه الحقيقة خبر الرجلين الذين أسلما من قضاعة في عهد النبي e في زمن واحد، ولعل ذلك كان في يوم واحد، أما أحدهما فاستشهد وأما الآخر فعاش بعد الأول سنة كاملة، فرأى أحد الصحابة الثاني منهما سبق الشهيد إلى الجنة، فجاء يسأل النبي e عن ذلك لما يعرفه من فضل الشهادة وأنها مكفرة للذنوب وأنها من أسباب مغفرة الله تعالى ودخول الجنة، فكيف يسبقه إلى الجنة هذا الذي مات ميتة عادية؟ فأخبره النبي e أنه عاش بعده سنة صام فيها رمضان وصلى كذا وكذا صلاة لم يصلها الأول (رواه أحمد).

إنه شهر رمضان الذي قال فيه النبي e:« إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن ، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة» (رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة) إنه رمضان الذي نهاره صوم ونبينا e يقول:«من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه)، وإن مغفرة جميع الذنوب ليست أمرا هينا ولكنَّ فضل الله عظيم، إنه شهر رمضان الذي ليله قيام ونبينا e يقول : «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»(متفق عليه)، ورغم كون هذا القيام نافلة فإن الله تعالى جعله كفارة لجميع الذنوب والخطايا وهذا من فضله ومنِّه وكرمه وسعة رحمته سبحانه.

قال النبي e :« كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، قال الله عز وجل :«إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». لأن الصوم هو الصبر، والله تعالى يقول عن الصابرين : (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر:10)، ولأنه العمل الذي يُمتحن فيه العباد ويظهر إخلاصهم لله تعالى، فلا شيء يحجزهم عن الفطر مع دعوى الصيام إلا مراقبة الله عز وجل.

4-الخوف من ضياع الشهر

من أسباب الاجتهاد في رمضان الخوف من تضييعه ، وإن نبينا e صعد يوما المنبر فقال: آمين آمين آمين، فقيل يا رسول فعلت كذا وكذا فما الخبر فقال:" إن جبريل جاءني فقال من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقلت آمين».

من أدركته كل هذه الفضائل من أدركته هذه المنحة الربانية، ثم بعد ذلك أعرض عنها ولوى عنقه وولاها ظهره ولم يأبه بها ولم يلتفت إليها، المنادي ينادي أقبل إلى الله تب إليه وحاسب نفسك، ها هي أبواب الجنة قد فتحت وهو لا يبالي، إن من كان كذلك يستحق من الله تعالى أن يبعده من رحمته. دعاء دعا به جبريل عليه السلام وأمن عليه النبي e.

إن من ضيَّع شهر رمضان فهو لما سواه أضيع، من غفل في رمضان مع أن مردة الشياطين مصفدة ونفسه للطاعة مهيأة،  وفي النهار صيام وفي الليل قيام؛ متى يستيقظ من غفلته؟ رمضان شهر الإخلاص ومراقبة الله تعالى، إن شهر من عاشه كما أراد الله تعالى وصل إلى حقيقة التقوى، قال تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183). والجنة لا يدخلها إلا المتقون، والله تعالى إنما يتقبل من المتقين.

5-معرفة أسباب الغفلة لاجتنابها

ولننظر أيضا في الأسباب التي جعلتنا نضيع رمضان في السنوات الماضية، لنسأل أنفسنا ما هي الأشياء التي شغلتنا؟ وما هي الأشياء التي صدتنا عن سبيل الله وعن طريق الله؟ ما هي الأشياء التي جعلتنا محرومين أو مقصرين؟ وهذا الكلام لجميع الناس، لا يوجد إنسان -فيما أظن- يقول إذا انقضى رمضان إنه قد قامه إيمانا واحتسابا، وصامه إيمانا واحتسابا، وقدم فيه من الطاعات كل ما كان بوسعه، إنه لا يزعم ذلك إلا مغرور، وإننا نقرأ كلام العُبَّاد الزاهدين والعلماء الصالحين يأسفون على ذهاب هذا الشهر العظيم، ويخافون أن لا تتقبل أعمالهم، فهل نحن خير منهم؟ ما من إنسان عمل إلا وكان بإمكانه أن يعمل أكثر، فالكلام موجه إلى جميع المؤمنين، إلى جميع من يرجو الله واليوم الآخر دون استثناء.

6-وضع برنامج تفصيلي للأعمال في رمضان

وعلينا أن نسطر برنامجا يوميا مكثفا لأعمالنا في هذا الشهر المبارك، لأن أيامه ستنقضي بسرعة البرق، علينا أن نضع البرنامج الذي نقدر على المداومة والصبر عليه، وإن يوم الصائم يبدأ قبل الفجر، ابتداء من وقت السحر، فإن السحور بركة، فإذا استيقظ العبد في وقت السحر نال بركة السحور وبركة تأخيره، وقام في الثلث الآخر من الليل يدعو الله تعالى حين ينزل إلى السماء الدنيا، وإذا استيقظ في هذا الوقت فإنه يحافظ على صلاة الفجر في الجماعة، ويبكر إلى الصلاة فيحتل الصف الأول ويجيب المؤذن ويدعو الله تعالى بين الأذان والإقامة، وإذا صلى في جماعة يبقى في مصلاه يذكر الله تعالى ويدعو ويستغفر وتستغفر له الملائكة إلى طلوع الشمس ثم يصلي صلاة الضحى، ويحافظ على أذكار الصباح، ويتلو ما تيسر من كلام الله تعالى، فيفتتح يومه بالدعاء وبذكر الله تعالى. وفي الحديث : "اللهم بارك لأمتي في بكورها"، فإذا استيقظ الإنسان باكرا، فإنه يكون نشيطا ويبارك له في وقته وفي جهده، وفي ماله أيضا إذا ما خرج للعمل أو للتجارة.

وهكذا في سائر اليوم علينا أن نحافظ على الصلاة في جماعة قدر الاستطاعة، فإنها من سنن الهدي التي لم يكن في زمن النبي e يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولكي لا يضيع الصائم صلاة المغرب في جماعة فعليه أن يبكِّر إليها بعد انتهائه من العمل ليدركه الأذان وهو في المسجد، وليعلم أنه في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، بل عليه أن يحاول أن يرابط في المسجد من العصر إلى المغرب، وليجعل ذلك وقت ذكر وقراءة للقرآن. وكما يجعل برنامجا لنهاره يجعل برنامجا لليله يبدأ من الإفطار وينتهي بصلاة التراويح ولا يرهق نفسه وفي الوقت نفسه لا يشغلها بالتوافه والملهيات.

7-قراءة أحوال السلف في رمضان

ومما يرفع همتنا في هذا الشهر أن نطالع أحوال السلف في رمضان، ففي قراءة القرآن مثلا كان الأسود بن يزيد يختم القرآن في كل ليلتين وكان ينام بين المغرب والعشاء وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال. وكان سعيد بن جبير يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرون العشاء، وكان قتادة يختم القرآن في سبع وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث فإذا جاء العشر ختم كل ليلة.

وفي باب القيام نجد قول عبد الرحمن بن هرمز الأعرج كان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها في ثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف، وقال الربيع بن سليمان: "كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة" وفي رواية:"كل ذلك في الصلاة"، وكان البخاري يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة ويقوم التروايح كل ثلاث ليال بختمة.

وفي باب النفقة نجد أن حماد بن أبي سليمان كان يفطر في شهر رمضان خمس مئة إنسان، وأنه كان يعطيهم بعد العيد لكل واحد مئة درهم، وفي رواية :"كان يفطر كل يوم في رمضان خمسين إنسانا فإذا كان ليلة الفطر كساهم ثوبا ثوبا".

إلى غير ذلك من الآثار التي ترفع الهمم وتدفع إلى الاستزادة من الخير نسأل الله تعالى أن يتقبل منا أعمالنا وصيامنا وقيامنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تم قراءة المقال 4236 مرة
المزيد في هذه الفئة : 64-من أحكام الصيام »