الأحد 13 ذو القعدة 1435

مفاسد الربا وعقوباته

كتبه 
قيم الموضوع
(5 أصوات)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد : فإن تحريم الربا معلوم من الدين بالضرورة، بل هو محرم في جميع الشرائع السماوية، وإنما استباحه اليهود في معاملة غيرهم وعنهم أخذه العرب قبل الإسلام, وقد جاءت شريعة الإسلام لتجدد دين الأنبياء، ولتتمم مكارم الأخلاق ولتدل البشرية إلى أسباب السعادة والأمن؛ فحرمت الربا بجميع أشكاله وكل الذرائع التي تؤدي إليه وشددت على المتجرئ عليه بوعيد لم يرد في غيرها من الكبائر. حتى قال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) (البقرة:278/279).

   وقد تجاسر عليه كثير من المسلمين في زماننا؛ حتى أصبحنا في السنوات الأخيرة نقرأ في صفحات بعض الجرائد إعلانات للقرض أو الاقتراض بالفائدة، وصدق الرسول eإذ أخبرنا أن الحرام سيطغى في آخر الزمان، حتى لا يتبين الناس من حل الأموال وحرمتها فقال: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام» (متفق عليه).

من صور الربا

   الربا يطلق في الشرع على أنواع كثيرة وحديثنا في هذه المقالة عن ربا الديون أو ربا الجاهلية الذي لا يكاد يجهل حكمه، ولكن من الناس من يتجرأ عليه لضعف الإيمان وغلبة شهوة المال، أو للتساهل في تتبع الرخص، أو للغفلة عن بعض صوره وأمثلته، لذلك كان من الضروري أن نبين بعض الصور التي هي مظنة الغفلة عنها، ومنها:

1-أن يُشترط دفع الزيادة في حالة العجز عن الوفاء عند حلول أجل محدد، فهذا من أشر صور الربا، وإن كانت الزيادة معلقة بشرط وفيه نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُواْ لا تَأْكُلُواْ الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُواْاللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران:130)

2-ومنها أن يُشترط على المقترض خدمات يقدمها نظير قرضه، إذ "كل قرض جر نفعا فهو ربا" كما قال فضالة بن عبيد t، وقد ثبت أن رجلا استقرض من آخر خمسمائة دينار على أن يعيره ظهر فرسه، فقال ابن مسعود t:" ما أصبت من ظهر فرس فهو ربا". ولا يختلف الحكم إذا اشتُرط عليه بيع شيء، أو تقديم هدية أو خدمة في الإدارة أو المستشفى أو المدرسة ونحو ذلك.

3-ومن صوره المنتشرة أن يدفع أحدهم مالا لصاحبه ليتجر به ويشترط عليه فائدة شهرية محددة، فهذا من الربا الصريح.

4-ومنها أن يترك أحدهم مالا عند آخر وديعة، ويتفقان على أن يستثمره الطرف الثاني ويعطيه فائدة في حال الربح ويبقى ماله مضمونا حال الخسارة؛ فهذا ربا ولو لم تكن الفائدة محددة.

5-ومنها أن يحتاج الرجل إلى مال يشتري سلعة معينة فيشتريها له صاحب المال نظير زيادة في ثمنها؛ فهذا من أشر أنواع الربا لأن فيه سعي للتحايل على شرع الله تعالى وعلى عباده.

أضرار الربا الاقتصادية

1-الربا يسبب غلاء الأسعار، لأن المستثمر المدين في التجارة أو الصناعة أو الرزاعة؛ يدخل في حسابه أن لديه دينا بالفوائد فلا بد أن يسددها ولا يمكنه ذلك إلا برفع الأسعار.

2-الربا يؤدي إلى انتشار البطالة وتعطيل الطاقات البشرية، وذلك من وجهين أحدهما تفضيل أرباب الأموال قرض أموالهم بالربا على استثمارها في مشاريع تنموية فيها مخاطرة، مما يقلِّل فرص العمل. والثاني : أن الربا يؤدي إلى رفع الأسعار وارتفاع الأسعار يسبب الكساد الذي يتبعه تسريح العمال.

3-الربا يؤدي إلى شقاء المقترضين وإفلاسهم، وإن بعض الناس يرى في اللجوء إلى الربا مخرجا من ضيق وتوسعة عليه وطريقا لزيادة ربحه، فإذا وضع عنقه تحت رحمة المرابي ثم عجز عن السداد؛ فإن ديونه تتضاعف فيزداد الضيق ويحل الشقاء، وربما أصيب بالإفلاس وصودرت أملاكه وحينها يندم ولا ينفع الندم.

5-الربا قد أدى إلى وقوع أزمات مالية في كثير من الدول، بل وأزمات عالمية بينت أثر الربا بشكل واضح، فارتفعت أصوات كثيرة تنادي بإلغاء نظام الربا، وهذه المفاسد من هذا المحق المتوعد به، قال تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ).

المفاسد الأخلاقية والاجتماعية

1-إن الربا يُنبت في النفس صفات ذميمة، منها الجشع والطمع والحرص والبخل والأنانية، وربنا عز وجل أراد أن يطهر قلوبنا من هذه الصفات؛ فحرم الربا وفرض الزكاة وحث على التعاون والنجدة وعلى الإيثار، ومن تلك الصفات تعوُّد الكسل وطلب الربح المريح. والربا يحرم الآخذ والمعطي من أسباب الراحة والسعادة ويوقعهما في اضطراب نفسي مستمر، وأعظم عقوبة تنالهما أن يصابا بقسوة القلوب.

2-والربا يلغي معاني الأخلاق الفضيلة، ويفقد التآلف والتعاون بين المسلمين، ويسبب حصول البغض والحقد بين أفراد المجتمع لما يراه المقترضون من ظلم واستغلال لحاجتهم، وقد سماه المولى عز وجل ظلما لما قال: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) (البقرة:279).

3-كما أن الربا يؤدي إلى ترسيخ الطبقية، وإيجاد طبقة مترفة تعيش عالة على كدح غيرهم. قال السيد سابق رحمه الله:«وهو وسيلة الاستعمار، ولذلك قيل: الاستعمار يسير وراء تاجر أو قسيس، ونحن قد عرفنا الربا وآثاره في استعمار بلادنا».

عقوبة آكل الربا

1-أكل الربا يعرض صاحبه لحرب الله ورسوله، فيصير عدوا لله ورسوله قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) (البقرة:278-279). وهذه الحرب عامة يدخل فيها الحرب النفسية بالقلق والاكتئاب، والحرب الجسدية بالأمراض وغيرها، والحرب الاقتصادية بالإفلاس ومحق البركة، والحرب الاجتماعية بإلقاء البغضاء عند الناس.

   وهذا الوعيد من الله تعالى عام لكل معاني الربا وصوره، وكما هو شامل للآخذ والمعطى على حد سواء.

2-المتعامل بالربا يفضح يوم القيامة؛ حيث إنه يبعث كالمجنون، قال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)(البقرة:275)

3-آكل الربا وكل من أعانه متوعد باللعنة؛ وهي الطرد من رحمة الله، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ eآكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ» (رواه مسلم).

4-آكل الربا متوعد بالعذاب في جنهم, قال تعالى: (وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)،وقال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَوَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (آل عمران:130-131).

5-أكل الربا من الكبائر المهلكات، قال e :« اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» (متفق عليه).

6-عقوبة آكل الربا في القبر أنه يسبح في نهر دم ويلقم في فيه بالحجارة، قال e:« فانطلقنا حتى أتينا على نهر مندم فيه رجل قائم على وسط النهر، وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه؛ فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر؛ فيرجع كما كان» ثم فسر له جبريل بأن هؤلاء آكلوا الربا (رواه البخاري).

7-ظهور الربا سبب لنزول مقت الله تعالى، قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً، وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ) (النساء:161-160) وقال:e« إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلّوا بأنفسهم عذاب الله» (رواه الطبراني وحسنه الألباني).

8-مآل صاحب الربا إلى القلة والخسران، كما قال تعالى : (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) (البقرة:276) وقالe:« مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ الرِّبَا إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني). قال ابن كثير : «وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود».

9-إن أكل الربا والتغذي به من جملة موانع إجابة الدعاء، قال e:« إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال:- "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً" (المؤمنون:51) وقال تعالى:" يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " (البقرة:172) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" (رواه مسلم).

ومن طرق مكافحة انتشار الربا

1-حث المسلمين على مكارم الأخلاق والتشجيع على التعاون والتكافل، وقد قال e: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»(رواه مسلم). ومن ذلك الحث على القرض الحسن وعلى إنظار المعسرين، قال e: «من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله» (رواه مسلم).

2-حث تجار المسلمين على التفقه في دينهم، وفي فقه البيوع والمعاملات على وجه الخصوص؛ حتى يكونوا على بينة من أحكام تعاملاتهم التجارية.

3-تصحيح عقائد الناس في الرزق حتى لا يلجأوا إلى أخذ الربا ودفعه، فإن الله تعالى هو الرزاق، ورزق كل واحد قد كتبه الله تعالى له قبل أن يولد، والربا لن يزيد فيه. والحث على التحلي بالقناعة لأن الذي يدفع إلى القرض والاقتراض بالربا هو الطمع الجشع، أو عدم الصبر عند الحاجة والاضطرار.

4-حث الناس على التعلق بما عند الله من بركات في الدنيا وأجر في الآخرة؛ فهو خير مما يأخذون من الناس، قال عز وجل: (وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)   (الروم:39)، نسأل الله تعالى أن يباعد بيننا وبين المال الحرام كما باعد بين المشرق والمغرب، وأن يبارك في أرزاقنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

تم قراءة المقال 3451 مرة
المزيد في هذه الفئة : « 66-أضرار الرشوة وهدايا العمال