الخميس 3 محرم 1445

الإمام أبو بكر ابن العربي في الجزائر متعلما ومعلما

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الإمام أبو بكر ابن العربي في الجزائر متعلما ومعلما
   الإمام أبو بكر ابن العربي المالكي أحد علماء الإسلام الموسوعيين الأفذاذ، وأحد أهم مراجع دعاة النهضة والاجتهاد، وإن في القراءة لما كتبه متعة نفسية وفكرية، وتربية للشخصية العلمية القوية، كما أن الاستشهاد بتحريراته وتحقيقاته صار في عصرنا زينة للبحوث العلمية، ولا أبالغ إن قلت إن مجرد ذكر اسمه ليغمر بعضنا سعادة ويجعله يتلهف لسماع رأيه واختياره أو استدلاله واستنباطه، وذلك لما تضمنته مؤلفاته من علوم وفوائد ودرر ، ولما احتف بسيرته من أحداث ومواقف، وإن أهم أسباب تميز ابن العربي عن غيره من أهل بلاده في زمانه وإحرازه لتلك المنزلة العلية ؛ رحلته المشرقية؛ تلك الرحلة التي ودع فيها مدينة اشبيلية فطاف فيها في البلاد وكان منتهاها مدينة السلام بغداد ، قبل أن يعود إلى موطنه ، ولا شك أن من رحل من الأندلس إلى المشرق يكون قد مر بالشمال الافريقي، واستقر في بعض مدائنه في الذهاب والإياب، وإن من المدن التي أخبرنا ابن العربي في بعض كتبه أنه حل بها ثلاث مدن تقع  حاليا ضمن الحدود الجزائرية، وهي على التوالي مدينة بجاية ومدينة بونة أو عنابة في رحلة الذهاب وهي رحلة الطلب التحصيل، ثم مدينة تلمسان في رحلة العودة وهي رحلة التعليم والإفادة.
ابن العربي في بجاية
لقد أبحر ابن العربي من ميناء ميورقة وذلك خلال سنة 485 هجرية في اتجاه بجاية، التي كانت أول محطة له خارج الديار الأندلسية حسب ما دونه في قانون التأويل ص424، وقد كانت بجاية في ذلك الوقت تحت حكم منشئيها وهم الحماديون وكان الخليفة يومها المنصور بن الناصر، وقد أخبرنا ابن العربي أنه لقي بها جماعة من أهل الفقه وصفهم بأهل المسائل وممن كان رأسا فيهم أبو عبد الله محمد بن عمار الميورقي الكلاعي  أصله من ميورقة وطلب العلم بالقيروان وصقلية ومصر ومكة واستقر ببجاية وهو مترجم في ترتيب المدارك 8/ 159 والتكملة 2/72 –ط دار الغرب-ولم تذكر سنة وفاته، وقد حلى ابن العربي هذا الشيخ بقوله أنه كان:" رأساً فيهم، مشاركاً في مَعَارِفَ حَدِيثٍ وَمَسَائِلَ وَأدَبٍ، وربما كانت عنده في الأصول إِشارة لا تُومِىءُ إلى المراد، منسوجة على منوال الباجي ونظرائه"، والمقصود بالأصول أصول الدين وعلم الكلام، ولعل عدم قناعة ابن العربي ورضاه عن طريقته في الكلام مرجعها لسلوكه طريقة المتقدمين من الأشعرية التي تختلف عن الطريقة التي تلقاها ابن العربي من كتب الجويني وعن تلاميذه .
وممن لقيه من العلماء في بجاية قاضيها حيث قال :"ولقيت خاصة دولتها، ورأيت رأس وزعتها: القاسم بن عبد الرحمن" وقد كنى عن خطة القضاء برأس الوَزَعة أي الذين يزعون ويكفون الناس عن الظلم ويمنعونهم عن المنكرات، وأما ما فسره به المحقق من أنه رئيس العسكر فغير مناسب لما سيمدحه به وما يذكر من خبره، حيث قال ص 424:" رواء ورويّة، وإتقان في الأدب، وقوة على الصناعة الكتابية، جمالُ قطره، أو قل جلال عصره"، ولم يهتد المحقق إلى ترجمة له ولم أجد من سمي بالقاسم بن عبد الرحمن في عهد الحماديين إلا قاض من قضاتها كان بقسنطينة بعد هذا العصر؛ لعله هو نفسه تحول إليها بعد ذلك ، ذكره البيذق في كتابه أخبار ابن تومرت (ص 51)-ط باريس-، ويظهر من حكاية ابن العربي أن هذا القاضي البجائي كان متواضعا حيث قصد زوار بجاية- ابن العربي ووالده- وهما في الفندق حيث قال ص 425:"قَصَدَنَا إلى منزلنا وهو على محل من الدولة عظيم، وفي رؤسائها مقدم زعيم، في حجرة بخان السلطان كنا تبوأناها، ولم ير عليه في ذلك غَضَاضَةً، كما يفعله من كان في المعلومات قُرَاضَة"، وقد تحاور هذا القاضي معهما في قضايا مختلفة وطالت مدة هذا الحوار فيما يظهر، حيث واصل ابن العربي حديثه فقال :" فسألنا عن حالنا وطريقنا وَمَقْصِدِنا، وتفاوضنا معه، والحديث يَسْحَبُ ذيلَهُ، ويولج في نهاره ليله، وهو في أكثر كلامه ينتحى قيلة، والكلام -كما جاء في المثل- ذو شجون، وفيه الصفاء والأجون، ولا يستنكر فيه الجد والمجون"، ثم وقف ابن العربي مع تفصيل مسألة علمية جرت بينهما أثارت إعجابه بهذا الشيخ القاضي الذي وصفه بحداثة السن وحفزته أكثر لطلب علم العربية والتمكن من دقائقها ، فقال :" حتى وقعنا في حديث جُرَيْج ، فقلت له: سمعت التَّنُوخِيّ شيخ العربية عندنا يقول: ليس في كلام العرب اسم فيه فاءُ الفعل [وعينه] حرفاً واحداً إلا قوله في هذا الحديث: يا بابوس. فقال على البديهة: وأين هو من دَدٍ"، وأصل كلمة بابوس "ببس" بمعنى الرضيع، وقد اختلف في كونها عربية أو معربة  ، وكلمة "دد" المستدركة من الشيخ البجائي معناها اللهو واللعب، وقد جاء في الحديث «لَسْتُ مِنْ دَدٍ، وَلَا الدَّدُ مِنِّي بِشَيْءٍ»- رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني-، ويقول ابن العربي مسجلا شعوره وعزمه إذ سمع هذا الاستدراك ص 426 :"فأعجبني استدراكه في بلده وهو فتى، على شيخ بلدي في معرفته وسنه. وكان ذلك مما رغبني في تحصيل العربية وضبط غريب الحديث".
ثم أخبرنا ابن العربي أنه قرأ في بجاية سنن أبي داود برواية أبي بكر بن داسة التمار فقال :"وقرأنا فيها كتاب أبي داود برواية التمار"، ولم يبين لنا الشيخ الذي سمع منه. وهذه الرواية مسموعة في الاندلس من طريق شيخه ابن عتاب عن ابن عبد البر عن أبي محمد ابن عبد المؤمن عن ابن داسة كما في فهرست ابن خير وابن عطية فلعل ابن العربي وجدها بسند آخر عن غير شيخه في بجاية .
ابن العربي في عنابة
ثم إنه انتقل إلى عنابة وكانت تسمى يومها بونة -وكانت تحت سلطة الحماديين أيضا-، وحسب ظاهر كلام ابن العربي فقد سلك إليها طريق البحر تارة من غير ابتعاد عن الساحل ، وطريق البر تارة أخرى حيث قال :"ثم خرجت عنها تارة متساحلين نقطع البحر قطع القفر، وحالة مُصحِرِينَ نطوي السباسب طيّ التجار للسَّبَائِب"، ومعنى السباسب القفار السبائب الكتان الرقيق –كما في حاشية قانون التأويل - .
ولقي هناك فقيها كان -حسب تعبير ابن العربي- هو مرجع أهلها، وقد تعذر الوقوف على ترجمة له ، فلا يعلم من خبره إلا ما ذكره ابن العربي في كتابه حيث قال :" فلقيت ببُونَة فقيهها المسمى بسعد من أصحاب السُّيُوريّ شيخ متوسط في الطريقة" . فأفادنا إضافة إلى اسمه "سعد" أنه كان فقيها متزهدا معتدلا في زهده، وعرفه بنسبته إلى أحد شيوخ القيروان وهو عبد الخالق بن عبد الوارث أبو القاسم السيوري، أحد أعلام المالكيين المجتهدين المتفنين ممن لهم عناية بالحديث والقراءات، توفي سنة 460 هـ. ولم يعين لنا ابن العربي شيئا مما أخذه عن هذا الشيخ المذكور من أهل عنابة . وذكر أنه انتقل بعدها إلى تونس وغيرها من المدائن مواصلا طريقه الى المشرق.
ابن العربي يحل بتلمسان في طريق العودة
لقد خرج ابن العربي من إشبيلية وله من العمر سبع عشرة سنة ، وبقي متقلبا في البلاد المشرقية بين مدائنها مدة قاربت العشر سنين، ثم عاد قافلا إلى موطنه في الأندلس ، وكان لابد أن يمر على بلاد الشمال الافريقي ، عاد ابن العربي بعد أن أتم تكوينه العلمي بلقاء علماء كبار من مختلف المذاهب الفقهية الإسلامية ، ولم يكتف بما حمل من علم في صدره حتى حمل معه مؤلفات كثيرة من شتى العلوم التي حصلها، مؤلفات سمعها أو نسخها وقابلها بأصولها، وهي مراجع نفيسة لم يكن لها وجود في المغرب الإسلامي قبل إدخال ابن العربي لها، وقد سرد في كتابه سراج المريدين عناوين تلك الكتب التي جلب معه (4/ 399-411).
     وكان من تلك الكتب كتاب الدبوسي الحنفي الذي سماه أسرار الله في المسائل والذي ذكر أنه يقع في عشرة أسفار (4/ 405)، فلما وصل إلى ذكره قال:" وقد كنت وردت من تلك الديار الكريمة، سنة خمس وتسعين فنزلت بتلمسان، وبفاس"، وكانت تلمسان في تلك السنة المذكورة تحت نفوذ المرابطين، وقد ذكر أنه كان يقرئ الطلبة من هذا الكتاب فأعجبهم موضوعه وهو الخلاف العالي وهو ما يسمى في عصرنا بالفقه المقارن، وغالب المقارنة فيه بين الحنفية والشافعية، ورغم إعجابهم بالكتاب وبما جلب من علوم؛ فإن العربي يذكر أن واحدا فقط ممن كان يحضر مجالسه رغب بعدها في الرحلة إلى المشرق طلبا للعلم، ولم يبين هل كان من أهل تلمسان أم فاس، حيث قال رحمه الله :"وكنت أذكر منها مسائل، وأعجبهم من أغراضها، فما تحركت لذلك همة، ولا نشأت عزيمة، إلا لرجل واحد، علم أني إذا سئلت قراءتها أو إعارتها، أقول: هي من أواخر الكلم، فإذا أخذتم أوائلها، مكنتكم منها وتاقت نفسه إليها، فرحل إلى العراق، وكتبها من مدرسة الحنفية، بمدينة السلام، وجاء بها"، وهو إنما خص هذا الكتاب بهذا التعليق ليبين أن رحلة هذا الطالب وجلبه لهذا الكتاب قد انتفع به ابن العربي  بعد أن نهبت داره وفقد كثيرا من كتبه حيث قال :"وكان ذلك من جميل صنع الله معي، فإنه لما ذهب ببعضها، عند فيِّ الدار، أسفت لها، ولما مضى من أمثالها، مما لا أجبره، إلا بالرحلة مرة أخرى، فأعلمت بأن هذا الرجل، جلبها فاستدعيتها، وجبرت ما فاتني منها، ولكن النسخة التي جلبها هذا الرجل سقيمة، لم يعرضها بالأم، ولا قرأها على شيخ، ففيها سقم كثير، فما سلم منها عندي صُححتْ منه، وبقي ما لم يكن عندي على سقمه، والله يصحح لنا أدياننا وعلومنا برحمته".
   ولم تنقطع صلة أهل تلمسان بالإمام بعد ذلك المرور العزيز بل قد استمرت ، حيث إنا نجد في مؤلفاته التي أحال إليها ولم تصل إلينا "محاسن الإحسان في جوابات أهل تلمسان" ذكره في قانون (ص: 471) من الطبعة الأولى. ونسأل الله تعالى يصحح لنا نياتنا ويسدد أقوالنا وأعمالنا بمنه وكرمه .

تم قراءة المقال 161 مرة