قيم الموضوع
(1 تصويت)

    " همة الرجال تزيل الجبال " ليس هذا بحديث نبوي ولكنها حكمة جرت مجرى المثل السائر ، لكنه اليوم قد غاب عن أكثر الضمائر، تغنَّى به القوم في الزمن الغابر, فتقوّوا وقاوموا به كل الصعاب التي كانوا يكابدون في صحراءهم وجبالهم، من مظاهر بيئتهم القاسية وما فيها من عوامل الخَوَر والفناء .

 

همة الرجال تزيل الجبال

 

 

    إنها كلمة ربما قيلت في زمن لم تكن لأهله شريعة قائمة ومحكّمة تربطهم بالله تعالى وتُعلّمهم الصبر على البلاء والرضا بالقضاء، لكن كانت لهم أمثال هذه الكلمات يتزودون بها ويُذكِّر بها بعضهم بعضا فينبعث في أنفسهم إحساس بالقدرة على كل شيء، وشعور بنفي العجز والكسل والمرض عن ذواتهم، وتحيى به أرواحهم وتعلو به همتهم فيسيرون نحو مطلوبهم بخطوات ثابتة، إنها من الكلمات التي يعالَج بها داء اليأس والقنوط والعجز والخور، وتُداوى بها جراح النفوس وتُضمَّد الكُلُوم والخدوش، يرددها فارسهم في نفسه فيندفع في صحراء الفتن بين رمال المحن لا يعبأ بما يناله ولا يلتفت إلى ما يصيبه، ويستهين بالخطر المحدق به من سهام فيها سُمٌّ قاتل ورماح أعلاها نار تشتعل، ولا يرهبه العدو الذي يقابل ولو كان جيشا عرمرما، بمثل هذه الكلمات بقيت نفوسهم حيّة فرفعوا شعار التحدي وسادوا وأثبتوا وجودهم.

   ونحن المسلمين لنا زيادة على مثل هذه الكلماتِ كلماتٌ إلهية كلمات قرآنية من خالق البرية تبعث في النفوس نفس الشعور تحيي القلوب والهمم كقوله تعالى:)ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين(وقوله سبحانه: )اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون(، فماذا فعلنا ؟ وكيف تعاملنا مع واقعنا ؟ إنه على كل مسلم عاين واقع الأمة الذي يعجز اللسان عن وصفه فظاعة واسودادا، أن يتمثل تلك الكلمات وأن يتلو هذه الآيات ليجدد عزمه على مواصلة العمل والإصلاح مهما كلفه ذلك من عناء، نعم الواقع مرٌّ!! إننا في صحراء قاحلة غاب عنها الدليل الذي يسير بالركبان، قُطَّاع الطرق في كل مكان، عقارب العلمنة أفاعي التنصير, وذئاب مفترسة ومتربصة ودراويش وسحرة وقيان ودعاة الفجور، نزاعات الجاهلية وصراعات قبلية كل شيء تلمسه تجده ملتهبا, وعواصف هوجاء فتن وفقر جوع وعطش جهل وتمرد على الشريعة والأخلاق... الخ، لكن المسلم الغيور على دينه وأمته أقوى من هذا الواقع وهو إن لم يُغَيِّرْه غَيَّرَ فيه ، إن يكن منكم عشرون صابرون ..كم من فئة قليلة ..

   أيها المسلمون الصالحون المصلحون! إن من دواعي الخور والفشل استعجال النتائج إضافة إلى الرضوخ للأمر الواقع، ونحن لن نرضخ ولن نستسلم, كما أننا نعلم أن الواجب علينا هو العمل والاجتهاد والدعوة والتضحية, أما النتيجة فلا ننظر إليها إلا بمقدار ولغايات عملية أخرى مطلوبة، إن الأمّة تحتاج إلى أبطال وأنت أيها القارئ بطل, أو يمكنك أن تكون بطلا يزيل الجبال ويصارع المحال، وللشيخ العلامة البشير الإبراهيمي حكمة بليغة وجهها للمعلمين الأحرار، أبينا إلا ذكرها لتنير لنا المضمار:« إن زمانكم هذا بطل فقاتلوه بالبطولة لا بالبطالة، وإن البطل هو الذي يتعب ليستريح غيره»، فهذه هي البطولة فماذا بإمكانك أن تقدم وماذا بِوُسعك أن تفعل؟ أيها المعلمون الأحرار! بإمكانكم أن تصنعوا الكثير وبأيديكم إخراج جيل جديد من الأخيار، أيها الكُتَّاب والمثقفون! بإمكانكم أن توجهوا الأمّة وأن تكونوا صناعا للقرار، أيها الأغنياء! لا تبخلوا بما آتاكم الله من فضله وأنفقوا في سبيل الله, ولا يخفى عليكم دَوْر المال في دعم الأعمال وجمع وتثبيت قلوب الرجال والحفاظ على الاستقلال، يا أيتها الشرائح المسلمة! إن في قلبك إيمانا كامنا فسارعي إلى إظهاره وإخراجه قبل أن يختنق في الأعماق، فاللهم اشرح صدورنا وعلِّ همتنا وقوِّ عزمنا وشُدَّ أزرنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تم قراءة المقال 3622 مرة