قيم الموضوع
(1 تصويت)

(نشر المقال أول مرة في جريدة الجزيرة الجزائرية خلال عام 2002) ونشر في كثير من المواقع مبتورا

   "بدعة نقد العلماء"  هو عنوان مقال كتبه العلامة مبارك الميلي رحمه الله في العشرينيات، ولم يكن قصده أن نقد العلماء أمر جديد، ولكنه قصد الجهر بذلك عبر وسائل الاتصال التي يطلع عليها العام والخاص والصديق والعدو، لأنه كان يعلم أن الرد على المخالف ممن تأهل له بالأسلوب المناسب وفي الوقت المناسب؛ أمر لم يغب عن علماء الملة ودعاة الحق في زمن من الأزمنة.

 

بدعة نقد العلماء

 

     ولم يكن الشيخ الميلي بتسميته لهذه الظاهرة "بدعة" منكرا لها كما هو متبادر إلى الأذهان، حيث اعتبر نفسه مبتدعها على صفحات الشهاب، الأمر الذي يظهر لنا أنه لم يقصد بلفظ البدعة إلا معناه اللغوي الذي يعني السبق إلى ذلك على صفحات الجرائد، ولقد كان رده ذاك ردا مؤدبا ليس فيه تنقيص ولا سب ولا تنفير، وإنما هو بيان لما رآه حقا في تلك القضية مع إنصاف المخالف له وعدم الحط من قدره، هكذا رأيت تلك البدعة ونعمت البدعة هي، لأنها لم تخرج عن دائرة النصح لمن أخطأ ولمن يخشى عليه أن يقتدي بخطأ المخطئ، وليس ذلك غريبا لصدوره من عالم أدبه القرآن وربته السنة وروضته آثار السلف، ولا يخرج العلماء في نقد بعضهم البعض عن هذا المنهج إلى نوع من التعنيف والتشديد إلا في النادر القليل، ومع ذلك هم لا يظهرون ذلك لعامة الناس إلا حيث كان الخطأ جسيما ورأوا المصلحة لا تتحقق إلا بالإظهار، وليس بحسب قرب الشخص المنتقد وبعده، أو بحسب الحالة النفسية للناقد وغير ذلك من الاعتبارات الذاتية.

(طائفة المدسوسين)   

    ولقد تلقف في هذه السنوات الأخيرة هذه البدعة طوائف من الناس، وانحرفوا بها ووظفوها لأغراض هي غير الأغراض التي شرعت لها، وهي النصيحة ومحبة الخير للمنصوح له وللناس الذين يخشى عليهم من الاغترار بالخطأ، فأصبحت من شر البدع على الإطلاق، وعلى رأس هذه الطوائف وهي أخطرها طائفة مشبوهة مدسوسة هدفها التشكيك في الإسلام ودعاته –على اختلاف مناهجهم وانتماءاتهم – وهذه الطائفة تجد بغيتها وضالتها في الأوساط التي تقبل أخبار وأحكام الناس الذين لم تعرفهم بأعيانهم فضلا عن مستواهم العلمي، ومن هؤلاء مؤلفو تلك المؤلفات التي يكتب على طرتها أبو فلان وأبو علان ممن لا يدرى من هم ولا مستواهم العلمي ولا ما هو بلدهم؟ وقد توسع نشاط هذه الفئة عبر شبكات الأنترنت التي تعتمد نفس الأسلوب أعني الأسماء المستعارة، وهؤلاء النقاد المدسوسون ليس لهم غاية إلا التشكيك في عدالة العلماء المنتقدين و"مصداقيتهم"، ولا أدل على ذلك من اقتصارهم في الغالب على نقد العلماء والدعاة المصلحين والمستقيمين والفاعلين وذوي الشهرة الكبيرة في البلاد الإسلامية، وسكوتهم عن المفسدين الذين لا اختلاف فيهم، ويدل على القصد المذكور تلك الألقاب البشعة التي ينبز بها العلماء، وربما يكون ذلك بالجملة، فتجد أحدهم يرميهم بالإرجاء والعمالة، والآخر يصفهم بالتطرف والتشدد والإرهاب، وهكذا يوقعون الناس في البلبلة ويبثون فيهم عدم الثقة في العلماء، حتى إذا جاءت المسائل التي يحتاج فيها إليهم لا تجد أحدا يستمع إليهم، وينفرد بالأمة الرويبضة والأصاغر الذين يساقون من آذانهم ويخدمون مخططات أعدائهم من غير شعور منهم.

(طائفة المتعالمين)

    ومن الطوائف التي برزت في ساحة أكل لحوم العلماء والتي من دعائم بقائها ورواج بضاعتها النيل من العلماء بالجملة أو بالتفصيل؛ بعض القادة والمراجع الدينية المصطنعة والفارغة ممن يتطفل على موائد العلم أياما ثم يدعي الدعاوى العريضة فتنخدع به العامة وأشباه العامة، ولكي يبقى أحدهم دائما كذلك صاحب الصورة المثالية للعالم الرباني والمنقطع النظير تراه يُبرز أخطاءً أو زلات لهؤلاء العلماء الأجلاء فيقيم الدنيا ولا يقعدها، ويبني على ذلك أنهم ليسوا أهلا أن يستمع لهم ولا أن يرجع إليهم، ويصيح بعضهم من حين إلى آخر ويقول "أين العلماء؟ أين العلماء؟ وإن لهؤلاء الناس كلمات مسمومة لا ترمي إلا لإبطال ثقة الأمة في علمائها الربانيين، ولكي تركن الأمة بعد ذلك إلى فتاوى من يقول:" إن السجود وثنية وتعدد الزوجات حيوانية، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو المنظر الأول للجماعات الإرهابية"، وعلى كلٍ فالعلماء الربانيون في غنى عن دفاعنا، فهم الأعلام التي يهتدى بها في كل زمان ومكان، والعالم الإسلامي يشهد أنهم يقولون كلماتهم في كل واقعة تقع وفي كل نازلة، والحمد لله الذي قضى ببقاء الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، والذي يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها.

(طائفة الطعن والتجريح)

   ومن هذه الطوائف الظالمة طائفة "الحدادية" المنبوذة (نسبة إلى محمود الحداد المصري) التي التبس أمرها على كثير من الناس على اختلاف طبقاتهم، لأنها ترفع لواء تعظيم السنة والتحذير من البدعة وأهلها، ولكنها تعتمد قواعد مبتدعة وأصولا مضلة وتضع كلام السلف في غير موضعه، وترفع كلام أفراد من الناس فوق الكتاب والسنة وتجعله ميزانا تزن به العلماء في كل زمان ومكان، وكان قائد الطائفة الأول إذا ظفر بخطأ لعالم من العلماء شهر به وحذر منه وزعم أنه مبتدع فتكلم في أبي حنيفة وابن حزم والشوكاني بل وابن تيمية، وأقدم أتباعه في بلاد الحرمين على حرق شرح صحيح مسلم للنووي وفتح الباري لابن حجر لأن فيهما أخطاء!! وإنه وإن كان أمر هذا الرجل قد افتضح ونجمه قد أفل، خاصة بعد أن رماه بعض العلماء بالكيد للإسلام والسعي لفصل الأمة عن علمائها الربانيين،إلا أنه ألقى شبها وأفكارا مازالت تنتشر في كثير من بلاد الإسلام، فإنه يوجد من أتباعه السائرين على قواعده أناس كثيرون، إذا فتشت عن عملهم ودعوتهم لم تجد لهم أثرا، وإذا سألت عن أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لم تسمع لهم خبرا، وهم لا ينشطون إلا للكلام في العاملين في الساحة من العلماء ومن دونهم ثلبا وتنقيصا من أشخاصهم واحتقارا وتهوينا من جهودهم، ومنهم من ينبش قبور العلماء الماضين ويفتش في بطون الدواوين فيستخرج منها الزلات وما يحسبه من الهفوات ، ثم يذيع ذلك ويشيعه بين العام والخاص، كل ذلك باسم النصيحة !! وتحت راية "التحذير من البدعة "، والله تعالى حسيبهم وحسيب كل من سلط لسانه على العلماء ورجال الإصلاح، فإن من عادى أولياء الله تعالى فقد أعلن الحرب على الله تعالى، والويل كل الويل لمن كان خصمه رب العزة جل جلاله، ولأجل هذا صدَّق العلماء عبر العصور كلمة ابن عساكر:" لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة وقد روى نافع عن ابن عمر قال صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال:" يا معشر من قد أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله". قال نافع: ونظر ابن عمر يوما إلى البيت أو إلى الكعبة فقال:» ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك« رواه الترمذي، وصححه ابن حبان بلفظ:"يا معشر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تطلبوا عثراتهم" الحديث.

   لأجل هذا ننصح الشباب المسلم الذي دخل في متاهة الطعن في العلماء والدعاة والمجاهرة بذلك، دون خوف من الله تعالى ولا حياء من عباده ولا نظر إلى العواقب الناجمة عن ذلك، بأن يكف عن الخوض فيما هو أكبر منه، وعلينا جميعا أن نعرف أن الذي ينجينا عند الله تعالى هو معرفة الحق بدلائله وعدم اتباع الهوى في شرع الله تعالى، وعلينا أن نشتغل بالعلم النافع والعمل الصالح، وما أقل من يطلب العلم في هذا الزمان، وما أقل العبادة والعمل الصالح فيمن ينسب نفسه إلى الالتزام خاصة في هذه الأيام، نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، ومن الذين قال فيهم: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) (الحشر:10) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

تم قراءة المقال 4330 مرة