قيم الموضوع
(0 أصوات)

    الورع هو "ترك المسلم للشبهات واجتنابه لما لا يعنيه" هذا من أحسن ما عبر به عن المعنى الصحيح للورع لأنه يدخل فيه الخروج من الخلاف بفعل المستحب الذي قيل بوجوبه كأنه واجب، وترك المكروه الذي قيل أنه محرم كأنه محرم، فضلا عن اجتناب ما هو حرام وامتثال الواجب، ولأن ترك ما لا يعني يعم ما لا يعني من الكلام والنظر والاستماع والمشي والبطش والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة .

 

الورع الزائف

 

    وعملا بهذا المبدأ قال بعض الصحابة:" كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام"، وقال الثوري:" ما رأيت أسهل من الورع ما حاك في نفسك فاتركه"، والأخذ بالورع واجب في الجملة وذلك صيانة للنفس وحماية للعرض وتوقيا من الوقوع في الخطايا وابتعادا عن اقتراف الذنوب بدافع الخوف من الله تعالى وتعظيما لمحارمه وإجلالا لشرعه.

    وإننا اليوم نعيش بين طائفتين منحرفتين عن الورع المطلوب شرعا، طائفة من الناس خلعوا الورع ورموا به جانبا فتراهم يتتبعون الرخص وزلات العلماء ولا يتدينون إلا بالأيسر الذي ينسب إلى الدين، وهم يظنون أن ذلك يبرئ ذمتهم عند الله تعالى وهيهات هيهات ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس"(رواه مسلم) وقال:"والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك"(رواه أحمد وحسنه النووي)، والإنسان أبصر بنفسه وأعلم بحاله .

    والطائفة الثانية غلت في الورع عن أشياء حتى وقعت في العنت وفي خلاف ما يقتضيه الورع، والشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، فمن هؤلاء من يبالغ في ترك المنهيات واجتناب السلبيات وبعض الآفات حتى يضيع في سبيل ذلك الواجبات ويفرط في المأمورات، وكأن الورع الشرعي لا يشملها، مع أن فعل المأمور هو الأصل في الدين، وما شرع ترك المحظور إلا حماية لفعل المأمور وصيانة له، فأصبحنا نرى منهم من يسعى ليبني قصرا فإذا به يهدم مصرا، ومن يريد أن يطب زكاما فيحدث جذاما، وصار ما يراه أحدنا في لحظات قوة إيمانه -أو غروره- ورعا واحتياطا شرعة لازمة لكل الأمة في كل زمان وفي مكان، ومن خالفه في ذلك اعتبر منحلا مميعا أو فاسقا مبتدعا.

    وهذه كلمة مضيئة لشيخ الإسلام ابن تيمية ليبين فيها هذه الحقيقة التي قررناها مع بعض الأمثلة عليها قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة (10/512) –مجموع الفتاوى-:" وتمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية، فقد يدع واجبات ويفعل محرمات ويرى ذلك من الورع،

-كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة ويرى ذلك ورعا،

-ويدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور ويرى ذلك من الورع،

-ويمتنع عن قبول شهادة الصادق وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفية، ويرى ترك قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع"اهـ.

    وكمن يحرم التعاون مع بعض المخالفين والمبتدعين في تحقيق واجبات شرعية مشتركة بدعوى الورع(1)، مع أن كثيرا من أهل العلم قد أجازوا الاستعانة بالكفار وليس فقط بمن يختلف معه من المسلمين في قضايا كبيرة كانت أو صغيرة، وقد وصل الحد ببعضهم أن حرم الدراسة وتحصيل علوم الدنيا والآخرة على عموم الأمة لأن في طريق تحصيلها في واقعنا اليوم مخالفات لا تنفك عنها، وأفتى بعض المغرورين المسموع صوتهم بتحريم وظيفة الإمامة تحت ظل وزارة صوفية بدعية.

    صدق شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول (10/615):« وأما الورع عما لا مضرة فيه أو فيه مضرة مرجوحة لما تقترن به من جلب منفعة راجحة أو دفع مضرة أخرى راجحة فجهل وظلم».

    وهكذا يلبس إبليس على المستقيمين ويسعى لإضلالهم عن دينهم بمثل هذا الورع الزائف، ومن اتبع خطواته أضله بإلزاماته حتى يوقعه في الشدة والعنت والخروج عن حد المعقول(1)، قال ابن القيم رحمه الله في الوابل الصيب (24):« ولقد دخل هذا الورع الفاسد على بعض العباد الذين نقص حظهم من العلم حتى امتنع أن يأكل شيئا من بلاد الإسلام، وكان يتقوت بما يحمل إليه من بلاد النصارى ويبعث بالقصد لتحصيل ذلك، فأوقعه الجهل المفرط والغلو الزائد في إساءة الظن بالمسلمين وحسن الظن بالنصارى نعوذ بالله من الخذلان».

    ودين الله تعالى دين الوسط والاعتدال لا انحراف فيه ولا انحلال، من اتبع أدلته بفهوم علمائه الربانيين دون هوى أو عصبية قادته إلى العدل والإنصاف وجانبته مذاهب الغلو والإجحاف، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

------

الهوامش

(1)وقال رحمه الله تعالى (28/212): «فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك، إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك الواجب، كان تحصيل مصلحة واجبة مع مفسدة مرجوحة معه خيرا من العكس».

(2)ومن لم يتبع تلك الإلزامات ظهرت في آرائه التناقضات الفاضحات.

تم قراءة المقال 3062 مرة