قيم الموضوع
(0 أصوات)

    العِلمانية أم اللادينية ؟

   من المصطلحات المتداولة الشائعة اليوم مصطلح العلمانية الذي نعتبره طاعون العصر وأخطر شيء يهدد الأمة الإسلامية من داخلها وفي كيانها ووجودها، ذلك إذا ما نظرنا إلى مفهومها الصحيح الذي يقصده أصحابه لا إلى المعنى الساذج والسطحي الذي يظنه كثير من المسلمين، حيث تجدهم يحصرون معنى العلمانية في عقيدة فصل الدين عن الدولة أو فصل الدين عن السياسة فيحصرون حربهم على العلمانيين في هذا المجال الضيق.

 

العلمانية أم اللادينية؟

 

   وقد غالى بعضهم في هذا الباب حتى أصبح يتهم إخوانه العاملين في مجالات الدعوة إلى الله المتنوعة التربوية والخيرية بأنهم علمانيين، لا لشيء إلا لاجتنابهم العمل السياسي لعدم تخصصهم أو لكونهم يرون عدم جدواه في الحال الراهنة وعدم شرعية الطرق المفروض على المسلمين سلوكها، فلم يكتف هؤلاء بسوء الفهم لحقيقة الفكر الذي يواجهونه حتى وقعوا شَرَكٍ من شراكه وفخ نصب لهم حتى أصبحوا يخدمون مصالح أعدائهم من حيث لا يشعرون.

   نرجع إلى تصحيح المفهوم فنقول إن العلمانية كلمة لا علاقة لها بالعلم أو المذهب العلمي أولا وهي لا تعني فصل الدين عن السياسة فحسب بل فصله عن جميع مجالات الحياة ثانيا.

   فالعلم الذي ترجمته بالإنجليزية والفرنسية (science) والمذهب العلمي ترجمته (scientism) أما هذا الطاعون فيطلقون عليه في لغاته الأصلية كلمة (secularism) الإنجليزية أو (secularite) الفرنسية، وهي كلمة لا صلة لها بالعلم ومعناها الانفصال عن الدين أو فصل الدين عن الحياة ومنه فالترجمة الصحيحة هي "اللادينية". وقد جاء في دائرة المعارف البريطانية في مادة (secularism) :" هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها. ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت الـ(secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية …وظل الاتجاه إلى الـ(secularism) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية".

   فإن قيل فما معنى كلمة (Laicism ) الإنجليزية و(Laïcisme ) الفرنسية؟ قيل هي كلمة تدل على القضايا الشعبية الدنيوية، وعكسها القضايا الكهنوتية الدينية، ومنه فترجمتها الصحيحة ليست العِلمانية ولكن الدنيوية أو الدهرية أو اللادينية وهذا الأخير هو الذي يؤدي المعنى الكامل للدنيا المضادة، ومن ثم فإن من الناس من يقول لا بد من ضبطها بفتح العين لتدل على العالم بمعنى الدنيا فيقال العَلمانية لا العِلمانية، لكن هذا فيه قصور عن أداء المعنى وفيه تلبيس من جهة تشابه اللفظ والأولى الرجوع إلى الترجمة الصحيحة وهي اللادينية أو الإلحاد أو الدهرية حتى يعلم المسلم الحكم من اللقب دون أدنى عناء أو تكلف البحث والسؤال.

   لكن هذه الترجمة الصحيحة لا يمكن لمن سلك منهج النفاق وامتهن الخداع للمسلمين أن يجهر بها، وقد أصبح منهم من يتبجح بأنه علماني مسلم، كما قال آخرون بأنهم شيوعيون مسلمون، وهم يسخرون من المسلمين ويستدرجونهم إلى الإلحاد شيئا فشيئا.

   ومن هذا التقرير يظهر أن كثيرا من الكتاب المسلمين كما أخطأوا في اللقب فقالوا "عِلمانية" قد أخطأوا في الشرح والتفسير حين قالوا:" بأنها فصل الدين عن الدولة" لأن هذا تعريف لا يعطي المدلول الصحيح للطاعون الذي يريد من رضع لبن الاستعمار فرضه على المجتمعات الإسلامية، يريدون فرضه على الأفراد والجماعات، على السلوك وعلى الاقتصاد وعلى التعليم والأدب وعلى الإعلام وعلى الأسرة، وعلى كل مجالات الحياة التي قد لا تتصل بالدولة أو بمفهوم السياسة الاصطلاحي، لذلك فإن التعبير الصحيح عنه أن نقول إنه فصل الدين عن الحياة والسعي إلى إقامة الحياة على غير الدين سواء بالنسبة للأمة أو الأفراد.

   وإن قيل ما تأثير هذا المفهوم الخطأ على مستوى العمل؟ قيل بالإضافة إلى ما سبق ذكره، فإن من المسلمين من حصر مواجهته لهذا المد الإلحادي على مستوى الدول وفي الجانب السياسي، وترك مجالات الحياة الأخرى وانشغل عنها بل وشغل غيره عنها وزهد فيها حتى تركت للعلمانيين يتحكمون فيها ويبسطون نفوذهم عليها كما هو الواقع في كثير من بلاد المسلمين.

   ومن آثار ذلك أن قضية فصل الدين عن الدولة من السهولة انطلاؤها على كثير من العامة خاصة مع انعدام العمل التربوي الصحيح في الساحة الإسلامية بخلاف فصل الدين عن الحياة فهو مرفوض عند المسلمين عامتهم وخاصتهم لأنهم يعلمون أن هذا من الكفر الصريح والمروق عن الدين، وكيف لا ينطلي ذلك على العامة وقد أصبح في القادة والمفكرين من يعتقد ذلك ولا يمنعهم من التصريح بذلك إلا الخوف على السمعة والشعبية، وقد قرأت لأحدهم كلاما عجيبا وهو يبين صلاحية الشريعة وتنظيمها السياسي لكل زمان فيعلل ذلك بأن القرآن لم يتعرض لتفصيل الجزئيات، بل كل ما بينه في هذا المجال هو الأسس والقواعد الكلية التي يبنى عليها تنظيم الشؤون العامة للدولة، وهي عنده أمور قلما تختلف فيها أمة عن أمة أو زمان عن زمان، أما التفصيلات التي تختلف فيها الأمم باختلاف أحوالها أو زمانها فقد سكت عنها لتكون كل أمة في سعة من أن تراعي فيها مصالحها الخاصة وما تقتضيه حالها، وخلاصة كلامه أنه ليس ثمة شيء يسمى بالنظام الإسلامي.

   ولاشك أنه إذا تحدد المفهوم الصحيح للعلمانية الملحدة علم المسلمون أن ميادين الدفاع عن الإسلام كثيرة جدا وأنها تحتاج إلى رجال كثيرين، واقتنعوا بعد ذلك أنه لا مناص من الرجوع إلى العمل التربوي الذي يثمر الرجال الصادقين الذين يسدون تلك الثغور المكشوفة، والحمد لله رب العالمين.

تم قراءة المقال 3463 مرة