قيم الموضوع
(1 تصويت)

قل كلمتك وانصرف

    من الآفات التي يبتلى بها بعض الدعاة إلى الله تعالى بدافع حرصهم على الخير وحبهم لهداية الناس أن يحاولوا فرض الحق على الناس بالقوة والعنف، وهم لا يشعرون أنهم بفعلهم هذا يصدون عن سبيل الله تعالى وينفرون عن طريقه، ولا يعلمون أيضا أنهم قد انحرفوا عن منهج النبي r الذي كان يقول:«ما كان اللين في شيء إلا زانه وما كان العنف في شيء إلا شانه» والذي كان يوصى من يكلفهم بالدعوة إلى الله تعالى بالتطاوع وبالتبشير واجتناب التنفير، بل هم غافلون عن شريعة رب العالمين في الدعوة إليه إذ قال سبحانه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125).

 

قل كلمتك وانصرف

 

    ومما يدخل في معنى العنف وأسباب التنفير -من غير أدنى شك- عنف الكلمة وسلاطة اللسان وجرح القلوب التي ما أثرت قط عن الرسول r ، ولا اعتبرها أحد من علماء الإسلام من منهج الدعوة إلى الله تعالى، بل ذكر بعض العلماء أن الله تعالى إنما يخص الجدال إذا ما أمر به بوصف التي أحسن، لأن الجدال منه المحمود ومنه المذموم، ولأن الداعي إلى الله مستدرج إلى الخصومة إذ لا بد أن يقابل بما لا يرضيه من أقوال وأفعال ومع ذلك افترض عليه أن يبقى دائما قائلا للتي هي أحسن وأن لا يرد العدوان بالعدوان، ولقد كان العلامة الألباني رحمه الله تعالى كثيرا ما يردد تلك المقولة الحكيمة:" قل كلمتك وانصرف"، ردا على من جهل الأصل المذكور، وهي كلمة نرى أن كثيرا ممن انتسب إلى خط الإصلاح قد غفل عنها، مما يدلنا على أنهم لم يفهموا بعد المنهج النبوي في الدعوة والتبليغ مع أن النصوص الشرعية المؤيدة لها كثيرة كقوله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) وقوله : (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء:3) وقوله : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) (الإسراء54).

    وقد ذكر العلامة ابن باديس في تفسير الآية الأخيرة كلاما يلخص ما أردنا الإبانة عنه في أوجز عبارة وأحسن سياق فقال رحمه الله:« وخاطب الله تعالى نبيه r أنه لم يرسله وكيلا على الخلق حفيظا عليهم كفيلا بأعمالهم، فما عليه إلا تبليغ الدعوة ونصرة الحق بالحق والهداية والدلالة إلى دين الله وصراطه المستقيم، خاطبه بهذا ليؤكد لخلقه ما أمرهم به من قول التي هي أحسن للموافق والمخالف، فلا يحملنهم بغض الكفر والمعصية على السوء في القول لأهلها فإنما عليهم تبليغ الحق كما بلغه نبيهم r ولن يكون أحد أحرص منه على تبليغه فحسبهم أن يكونوا على سنته وهديه»، فنسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا وأن يعف ألسنتنا وأن يجعلنا هداة مهتدين صالحين مصلحين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العامين .

تم قراءة المقال 3044 مرة