قيم الموضوع
(1 تصويت)

    كثيرا ما يتردد على ألسنتنا ويتكرر في كتابات بعضنا أنه لا اجتهاد في قطعيات الشريعة ، وأنه من خالفها استحق الإنكار عليه، وأنه لا عذر له وأنه ملزم بالرجوع إلى الحق وترك ما هو عليه؛ إلى غير ذلك من الأحكام المفرَّعة على اعتقاد كون الشيء من قطعيات الشريعة، وهذا كله حق وقد تكلم الفقهاء على هذه القضايا في أبواب القضاء والردة والتكفير وغيرها، وأوضحوا أن القطعيات الشرعية هي تلك المسائل التي جاءت واضحة في كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لا تحتاج إلى تفسير ولا إلى تأويل أو الأمور التي أطبق عليها العلماء في عصر من العصور، وفرَّعوا على ذلك نقض حكم من حَكَم بخلافها أو بتضليله أو تكفيره إن تعلق الأمر باعتقاد باطل أو تغيير لحكم شرعي.

 

معرفة الاختلاف

 

    ولكن لما كنا في زمن ارتفاع العلم ودنو الهمة في الطلب؛ فإننا نرى أن معيار القطع والجزم قد اختل عند الكثيرين، إذ أصبحوا يعدون من القطعيات ما لا يخرج عن دائرة الظن ، وربما كان من الظن الخطأ جزما ، فمنهم من يعدُّ كل ما نشأ عليه ووجد عليه مشايخه هو الدين قطعا وجزما، ونحن نعلم أن المسائل الخلافية بين أهل العلم جلها ظني قابل للأخذ والرد وأنه لا إلزام فيها ولا تضليل، ومنهم من يتعصب لكل ما وجد عليه آباءه وأجداده ولو كان من الشركيات ونواقض الإسلام، ثم هو يعتبره من قطعيات الدين!! وحال كثير من شباب الصحوة الحديثة –ولو كانوا منتمين إلى الدعوة السلفية- لا يختلف عن حال هؤلاء فتجد فيهم من يتعصب لما علِم وينفر ويعادي كل ما جهِل، ولا يقبل أن يسمع ولا أن يرى إلا ما قيل له أولا، أو ما رآه فلان أو علان، حتى أصبح منهم من يحاكم العلماء إلى جهله ويستغرب جنوحهم إلى مذاهب لم يسبق له أن اطلع عليها، ولقد كان صدور مثل هذه الهفوات على مستوى العامة أمرا عاديا مستساغا، ولكن أن يصدر مثل هذا من النخبة ومن المتصدرين ومن يحشر نفسه في زمرة الدعاة وطلبة العلم فأمر لا يحتمل ولا يجوز السكوت عليه.

    ولذلك نحن ندعو إخواننا إلى التريث عند الكلام في دين الله تعالى وعند إصدار الأحكام في المسائل أو على المخالفين، ونعلمهم أن القطع في المسائل لا يتوصل إليه إلا بعد الإحاطة بالأقوال والدلائل، ونذكرهم بقول عطاء رحمه الله:" لا ينبغي لأحد أن يفتى الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه"،  وقول الشافعي رحمه الله وهو يبين شروط المجتهد الذي له أن يتكلم في دين الله تعالى :" ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه ، لأنه قد يثنبه بالاستماع لترك الغفلة ويزداد به تثبيتا فيما اعتقد من الصواب، وعليه في ذلك بلوغ جهده والإنصاف من نفسه، حتى يعرف من أين قال ما يقول وترك ما يترك، ولا يكون بما قال أعنى منه بما خالفه، حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما يترك ". فالباحث والمناقش مطالب بالنظر فيما عند غيره ممن يخالفه لأنه قد يكون مخطئا فيرجع عن خطئه، وقد يقف على وهاء دليل مخالفه فيزداد يقينا بصواب قوله، وعليه أن يتحرى الحق وأن يقف موقف المنصف بين الآراء المتعارضة فلا يميل إلا إلى الرأي الذي أيدته الحجة، وعلى كلٍ فإن من اطلع على مذهب مخالفه وعرف حجته أقل ما يحصله أن يطلع على عذر من خالفه وأن يحترم رأيه وينفي احتمال التهمة من نفسه.

تم قراءة المقال 2893 مرة