الجمعة 2 جمادة الأول 1444

عداوة الحداثي لأهل الاصلاح والتجديد

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

عداوة الحداثي لأهل الاصلاح والتجديد
يقول الله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) (النساء:51)
في هذه الآية الكريمة تعجب من حال هؤلاء اليهود الذين فتح الله عليهم بالهداية بتوريث الكتاب فيهم، هذا الكتاب الذي كانت أول وصاياه إقامة التوحيد لله تعالى والابتعاد عن الشرك ومظاهره، كيف تردى بهم الحال لمّا تركوا العمل بما علموا من توحيد وشرائع؛ حتى صاروا يؤمنون بما يضاد ما أكرموا به مضادة تامة، وهو الجبت والطاغوت أي يؤمنون بمعبودات غير الله وشرائع غير شرائع الله...
ومن العجب أيضا أنه لما جاءهم أهل الشرك الذين يعبدون غير الله تعالى ودينهم كله بدع وضلالات وخرافات ما أنزل الله بها من سلطان؛ يسألونهم عن أي الدينين أفضل دين المشركين أم دين محمد صلى الله عليه وسلم ؛ أجابوهم بلا حياء بخلاف ما هو بديهي عندهم، وقالوا لهم أنتم أهدى سبيلا ، يعني أن المشركين عباد الآلهة المتعددين أهدى من الذي يدعو إلى توحيد الله تعالى، ولكن لما تعرف أنهم قبل ذلك قد آمنوا بالسحر والسحرة واتخذوا الأحبار أربابا من دون الله ، ولما تذكر أنهم كفروا بمحمد صلى الله عليهم وسلم حسدا من عند أنفسهم يتضح لك سرُّ هذا الجواب المليء بالكذب والنفاق ...
   وأنا أتأمل هذه الآية الكريمة ذكرت هؤلاء الذين ينعتون أنفسهم بالحداثيين، هؤلاء الذين ولدوا مسلمين وقرأوا الكتاب وآمنوا بعقائده مدة من الزمن ثم تردى بهم الحال إلى أن صاروا يؤمنون بالنظريات الغربية والشرائع الوضعية التي تضاد الكتاب التي تكفل الله تعالى بحفظه لهذه الأمة، وصاروا ينظرون إلى الدين الذي ورثوه بعباداته وشرائعه مجرد أفكار بشرية أضفيت عليها القداسة، وأنه في مجمله خرافات غارقة في اللامعقول وطقوس تحمل دلائل التخلف الفكري والتقليد الأعمى، هكذا ينظر الحداثي التنويري للدين الموروث ويعتبره ظلمات بعضها فوق بعض، ويظل يصارع ويناظر من أجل إقناع الظلاميين والغارقين في الظلام حسب زعمه ليخرجهم إلى النور الذي هدته إلى النظريات الغربية وجعلته يفهم القرآن بعيدا عن الخرافة والتقاليد واللامعقول... ولكن سرعان ما نجد هذا الحداثي يقحم نفسه في صراع قديم محتدم بين محافظين تقليديين وإصلاحيين مجددين، بين تقليديين متمسكين بكل موروث حتى لو كان من جنس البدع والخرافات والضلالات التي تمجها الفطر وتنكرها العقول السليمة وبين إصلاحيين يدعون إلى تنقية الدين وتنزيهه من هذه الأفكار الدخيلة وهذه الأعمال التي ألصقت بالدين وليست منه ، وكانت سببا في تشويه صورته.
   ولقد كان مقتضى القياس والذي ينسجم مع ما يسعى إليه الحداثي هو أن يقف في هذه المعركة في صف دعاة الاصلاح ويقول لهم لقد أصبتم في قولكم إن هذه الأشياء خرافات وتقاليد بالية وأنه من جنس اللامعقول، ولكن يلزمكم فقط أن توسعوا نظركم لتدركوا أن ما أنتم عليه لا يختلف عما تنهون عنه، ولكن الحداثي سيفاجئنا كما فاجأنا اليهود حين يؤيد أنصار التقليد والتقاليد وحماة الخرافات واللامعقول، يفاجئنا حين يقول لهم أنتم اهدى من الإصلاحيين سبيلا ، ويزيد على ذلك فيقول إن دعاة التجديد قد أتوا بدين جديد...وإننا لنعجب فيما أقحمه في هذا الصراع الذي لا يعنيه ولكن إذا ذكرنا أنه في الساحة الفكرية لم يجد من يشكل خطرا عليه إلا أصحاب العقول المتحررة نعلم أنه ما جعله يقف هذا الموقف المليء بالكذب والنفاق إلا حقده على الذين يعتقدهم أولى الناس بالحق، وإلا ليقينه بأن الإصلاحيين هم أصحاب مشروع النهوض المنافس لمشروعه، بخلاف هؤلاء التقليديين الجامدين الذين أخبره الغربيون أنهم لن يشكلوا خطرا على مشروعه، وأذنوا له أن يعقد معهم تحالفا استراتيجيا مؤقتا ومحدودا بهذه القضايا دون غيرها.

تم قراءة المقال 33 مرة
المزيد في هذه الفئة : « التيه والمخرج