الجمعة 28 محرم 1433

طريق الإصلاح في التعليم الجاد لا في اللعب السياسي

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

   هذا المقال من مباحث (أصول الدعوة السلفية عند العلامة ابن باديس رحمه الله تعالى ص 107-110 ) و(الرد النفيس على الطاعن في العلامة ابن باديس ص 102-104)

   ولما كانت صور الفساد الواقعة كثيرة ومتراكمة ، ولما كان الانحراف عن دين الفطرة قد شمل كل ميدان، كان على دعاة الحق أن تكون لهم خطة محكمة للعمل الدعوي تجنبهم الانحراف عن الطريق وتحفظ جهودهم من الضياع ، وقد رأى السلفيون -كما سبق ذكره- أن التوحيد هو هدف دعوة الرسل وأن كل شيء يهون أمامه ولا سبيل إلى نشره إلا سلوك طريق الأنبياء في تبليغه، وطريقُ نبينا صلى الله عليه وسلم قد علمناه مفصلا في سيرته العطرة، وهو قد بدأ بالتعليم ونشر مبادئ هذا الدين، كما أنه كان أول ما أمر بتبليغه هو العقائد المتعلقة بالله تعالى والرسول واليوم الآخر وهو الموضوع الغالب على أول ما أنزل من القرآن ، فكذلك ينبغي أن يكون مسير كل الدعوات التي تريد أن تستمر وتطمح أن تكلل بالنجاح.

طريق الإصلاح في التعليم الجاد لا في اللعب السياسي

 
   ولقد اختار السلفيون هذا الطريق وهذا المنطلق بناء على ما ذكرنا، وهم يعتقدون عدم جدوى كل الطرق الأخرى التي يسعى أصحابها من خلالها إلى إعزاز الدين وتحقيق التمكين، وبالخصوص الجماعات الخائضة في ميادين السياسة ومعتركاتها العفنة، وبالنسبة للعلامة ابن باديس فقد سبق أن نقلنا عنه في المبحث الأول من هذا الفصل أقوالا يؤكد فيها أن طريق الإصلاح توقيفي، وأنه متوقف على الرجوع إلى الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، كما أنه صرح في موضع ترجيحه للعمل الدعوي المبني على إصلاح العقائد على العمل السياسي المبني على تجميع الجماهير ومبدأ المطالبة والمغالبة فقال رحمه الله: " فإننا اخترنا الخطة الدينية على غيرها عن علم وبصيرة ، وتمسكا بما هو مناسب لفطرتنا وتربيتنا من النصح والإرشاد وبث الخير والثبات على وجه واحد والسير على خط مستقيم، وما كنا لنجد هذا كله إلا فيما تفرغنا له من خدمة العلم والدين، في خدمتهما أعظم خدمة وأنفعها للإنسانية عامة. ولو أردنا أن ندخل الميدان السياسي لدخلناه جهرا ولضربنا فيه المثل الأعلى بما عرف عنا من ثباتنا وتضحيتنا، ولقُدْنا الأمة كلها للمطالبة بحقوقها ولكان أسهل شيء علينا أن نسير بها على وفق ما نرسمه لها وأن نبلغ من أنفسنا إلى أقصى غايات التأثير عليها، فإن مما نعلمه - ولا يخفى على غيرنا - أن القائد الذي يقول لها إنك مظلومة في حقوقك وإني أريد أن أوصلك إليها يجد منها ما لا يجده من يقول لها: إنك ضالة عن أصول دينك وإنني أريد هدايتك، فذاك تلبيه كلها وهذا يقاومه معظمها أو شطرها ، هذا كله نعلمه ولكننا اخترنا ما اخترنا لما ذكرنا، فإنا فيما اخترناه بإذن الله لماضون وعليه متوكلون " ([1]).
   ولقد كان هذا اختيارا من الاختيارات الصعبة التي اختارها العلامة ابن باديس رحمه الله في حركته الإصلاحية، لقد كان هذا الاختيار صعبا في نظرنا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الزمن الذي كان يعيشه والواقع الذي كان محيطا به، إذ لا يجهل ولا ينكر مقدار تأثير ذلك (الواقع ) على اختيارات المفكرين والمصلحين وتوجهاتهم، ولكن العالم الرباني لا يختار شيئا إلا وله فيه مستند شرعي، فهو أخبر أنه ما ترك المعترك السياسي جبنا أو عجزا ولكن ليقينه بعدم جدواه، ولأن فيه اعترافا ضمنيا بشرعية النظام الفرنسي الكافر، وبين للناس أنه كان قادرا على تجميع الجماهير حوله بتلك الأماني والأغاني التي يتغنى بها أهل السياسة في كل زمان، ولكن ليس شيء من ذلك من شأن أهل العلم والإصلاح، وليس ذلك من المنهج الإسلامي القائم على عقيدة التوحيد في شيء، لقد علم الشيخ علم اليقين أن الرجوع إلى الدين الصحيح شرط في التمكين الذي يكون حينها منحة من رب العالمين.

   ومما يحسن نقله هنا أن الشيخ وجمعيته قد اضطرا للمشاركة في المؤتمر الإسلامي الجزائري الذي كان يطالب بحقوق المسلمين في الجزائر سنة 1936 من أجل المطالب الدينية المحضة المتعلقة بحرية التعليم في المساجد واسترجاع الأوقاف التي بها يقوم التعليم الديني ، وفي مرحلة من المراحل تخلى عن المؤتمر من كان يتزعمه فاختير الشيخ لرئاسته ولكنه اعتذر عن قبول ذلك وكتب بيانا قال فيه :» قررت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الإسلامي الجزائري في جلستها الأخيرة بنادي الترقي إسناد رئاسة المؤتمر إلي بدون أخذ رأيي في هذه المسألة الخطيرة، إذ كنت غائبا عن تلك الجلسة. وأنا مع شكري لإخواني الذين أولوني ثقتهم الاجتماعية ، ومع كون الأمة الجزائرية لم تعرف عني في وقت من الأوقات الفرار من الواجبات مع كل هذا أعلن لهؤلاء الإخوان أنهم غفلوا حين أسندوا الرئاسة إلي عن أشغالي العلمية التي تستغرق أوقاتي كلها والتي أضحي في سبيلها بكل عزيز، كما غفلوا عن ارتباطي بهيئات علمية مروضة على الشورى لا تعرف غير سبيلها سبيلا ، وأنها هي المالكة لحياتي لأني جعلت حياتي وقفا عليها . وبناء على هذا فإني أعلن لهؤلاء الإخوة وللأمة الجزائرية كلها أنني لست لنفسي وإنما أنا للأمة أعلم أبناءها وأجاهد في سبيل دينها ولغتها، وأن كل ما يقطع علي الطريق أو يعوقني عن أداء واجبي في السبيل فإني لا أرضى به ولو كان ذلك مصلحة الأمة  « ([2]).

  من مباحث (أصول الدعوة السلفية عند العلامة ابن باديس رحمه الله تعالى ص 107-110 ) و(الرد النفيس على الطاعن في العلامة ابن باديس ص 102-104).

 



[1]/ الآثار (5/286).

[2]/ الآثار (6/181) وبعد مشاورة إخوانه في الجمعية أكد الرفض في بيان آخر انظره في (6/186).

تم قراءة المقال 4713 مرة