قيم الموضوع
(0 أصوات)

لكل مقام مقال
1-عندما تكون في مقام الترهيب من الغيبة والتحذير من خطرها: وذكرت إثمها وعقوباتها ونصوص الوعيد الواردة فيها ، فلا داعي ولا موجب أن تتحدث عن المواضع التي تجوز فيها ، لأن الموقف غير مناسب ، وربما سيكون ذلك كالناسخ والمزيل لأثر الترهيب ، وإذ جل السامعين بعد أن حملتهم على تذكر ما سبق لهم اقتراف لهذه الكبيرة؛ ستنقلهم من مقام اتهام النفس إلى مقام محاولة تبرئة النفس؛ فيحاول كل واحد منهم أن يكيف غيبته ضمن صنف من تلك الأصناف، وقد يقول بعضهم ما دامت الاستثناءات كثيرة متعددة فلا شك أن ما وقعت فيه داخل في أحدها ، والله غفور رحيم فيعفي نفسه حتى من محاولة تخريج غيبته على نحو جائز .
2-وإذا كنت في مقام الترهيب من ترك الصلاة وتأخيرها عن وقتها ؛ فلا يصلح أن تختم حديثك في الرد على من قال بكفر من فعل ذلك ، وربما تستطرد في ذكر أحاديث الشفاعة وفضل لا إله إلا الله ومن قالها خالصا من قبله ومات عليها ، لأنك بفعلك هذا قد مسحت ما كتبت وهدمت ما بنيت ، وبدلا من أن ترفع همة العاصي ليسرع إلى التوبة؛ فتحت عليه باب الإرجاء وتأخير التوبة ، وربما أدخلت في قلبه الغرور والتعلق بالأماني وكل ذاك ضد مرادك.
3-وكذلك إذا كنت في مقام الترهيب من الرشوة التي استهان بها الناس تحت مبررات عدة وصاروا يسمونها بمسميات شتى... لا يصلح أن يتحدث عما يسمى استثناءات أو يعتبر ضرورات ، لأن ذلك سيلغى الموعظة من أساسها لأن الناس ما شاع فيها هذا الداء إلا تحت ستار الاستثناء ودعوى الضرورات وزعم رفع ظلم متوهم أو إحقاق حق متنازع فيه ولم يثبت أنه حق...فلكل مقام مقال ولابد من توجيه الخطاب بما يناسب الواقع والحال.
4-ومن الطرائف التي وقعت لي قبل قرابة عشر سنوات ، أني دعيت إلى ثانوية في ولاية بومرداس لإلقاء محاضرة، وكان موضوعها "ظاهرة الانتحار "، وبعد أن صلت وجلت في الترهيب من الانتحار والزجر عن أسبابه والحديث عما يبعد المسلم عنه ...أخذ الكلمة بعدي مدير الثانوية فأثنى على المحاضرة ومدحني ثم نحرني ؛ إذ قال للتلاميذ إن لكل قاعدة استثناء وذكر حادثة محمد البوعزيزي رحمه الله التي لم تكن بعيدة، وذكر قصة أخرى لا أعرفها ولا أذكرها، ولقد كان بإمكانه أن يستطرد أكثر فيذكر العمليات الانتحارية ضد الاحتلال اليهودي؛ لكنه لم يفعل والحمد لله، غفر الله لنا وله ...

تم قراءة المقال 124 مرة