الأحد 18 رمضان 1444

الطبيب يستفتي ولا يفتي

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الطبيب يستفتي ولا يفتي
"الطبيب هو من يفتي " عبارة خطيرة يكثر تردادها هذه الأيام؛ في التعليق على فتاوى أهل العلم في نوازل هذا الوباء الذي حل بالبشرية، سواء كانت تلك الفتاوى تتضمن رخصة أو عزيمة، إباحة أو تحريما، وبغض النظر عن مصدرها سواء كان فردا أو هيئة علمية.
 وقد أَعجبَ بريقها كثير من الناس واغتروا بلفظها وغفلوا عن معناه وخلفيتها، يردّدها حاقدون على الدين، وجاهلون بشروط الفتوى في دين الله تعالى، وقد يؤيدهم عارفون لكن بمعنى مجازي -بإسناد الفعل لغير فاعله لعلاقة بينهما- وهو أمر لا تدركه العامة فيزيدون الأمة تغريرا وغفلة.
 إن الفتوى التي هي توقيع عن رب العالمين يتخذها المكلفون حجة بينهم وبين الله تعالى يوم القيامة، لا يجوز أن تصدر إلا من فقيه استحق وصف الفقه باستجماع شرائطه من معرفة بالكتاب والسنة والإجماع والخلاف ومقاصد الأحكام الجزئية والكلية وإحاطة تامة بعلم أصول الفقه الذي هو آلة الاجتهاد مع إلمام بفروع الفقه المسطرة على الأقل وفق مذهب من المذاهب الإسلامية.
  والفتوى وظيفة الفقيه ومعناها تنزيل الحكم الشرعي المناسب للسؤال المطروح وإيجاد حل شرعي للنوازل المستجدة من خلال معارفه المحصلة وبواسطة آلاته المكتسبة، وأضاف العلماء شرطا زائدا مهما في الافتاء سواء كان مجرد جواب مسألة عادية أو نازلة جديدة وهو التصور الكامل للمسألة والنازلة، وهو ما عبر عنه ابن القيم رحمة الله بفقه الواقعة، فلا يفتي الفقيه في الطلاق حتى يعرف تفاصيل مهمة تتعلق باللفظ والوقت والشخص المطلّق ولا يفتي في عقد من العقود المالية حتى يطلع على جميع بنوده وشروطه، ولا يفتي في مسائل الأطعمة والأشربة والأدوية المصنعة حتى يعرف أصلها وتركيبها وتأثيراتها النافعة والضارة وهكذا.
   ومنه يعلم أنه لا جديد في أحكام الإفتاء، فالمريض يصف حاله للمفتي لتكون الفتوى صحيحة، وكذا المطلّق والمتعامل الاقتصادي وصانع الطعام والدواء كلهم يجب عليه أن يصف الحال ويدقق في الوصف ويصدق فيه ليتمكن الفقيه من الوصول إلى الحكم المناسب للحالة، لأن غياب عنصر مؤثر، أن عدم الصدق فيه قد يقلب الحقيقة رأسا على عقب، وكذلك الأمر في القضايا المتعلقة بالأمراض المعدية ودرجة خطورتها وطريقة انتقالها والأسباب التي تزيد في انتشارها أو تقي منها، كلها أمور يصفها الطبيب الصادق الأمين (لا الطبيب التاجر أو الطبيب السياسي) أقول يصفها الطبيب الصادق الأمين أو الأطباء، وبعد ذلك يمكن للفقيه أن يعطي الحكم الشرعي المناسب، وإن اختيار حل مناسب من جملة لا تتناهى من الاحتمالات لا يمكن أن يستقل به طبيب لا صلة له بالفقه، والفقةُ ليس افعل ولا تفعل كما يتخليه كثير من العامة .
   كيف تتصورون الطبيب الذي يرجع إلى الفقيه في أحكام طهارته وصلاته وصيامه وزكاة ماله وبيعه وشرائه وزواجه وطلاقه وأحيانا يرجع غليه في أمور سهلة موجودة في كل كتب الفقه؛ فقط ليرفع شكا راوده فيها، وذلك حتى يطمئن على عبادته ومعاملته ويكون مرتاح الضمير إذا لقي ربه، كيف تتصورون من هذا الطبيب أن يتجرأ على الخوض في قضايا النوازل التي لا تدرس في الكتب ولكن تدرك بالاجتهاد .
   إن الطبيب لا يفتي والاقتصادي لا يفتي والفلكي لا يفتي والمخترع لا يفتي وكلهم يرجع إلى المفتي إلى المفتي الكفء، الطبيب لا يفتي كما أنه يمكن أن يتخذ قرارات سياسية أو اقتصادية ملزمة، وفي هذه النازلة وظيفة الطبيب التشخيص وتقديم المعطيات والتوقعات والحلول الممكنة والمقترحة، وبعدها المفتي الكفء يفتي في تلك الحلول فردا كان أو جماعة، وبعدها يأتي القرار والحكم السياسي الذي صفته الإلزام بما قدره المفتي، فالحكم ملزم بخلاف الفتوى التي هي مجرد إخبار، وإذا تحددت الوظائف لم يجز لأحد أن ينتحل صفة الآخر بلا مؤهلات.
   وإذا أراد مشكك أن يشكك في قدرات مفت ما فيقال له إن مدعي الفقه العاجز ليس حجة على عجز الشريعة، ونحن في عصر ينبغي أن نتجاوز فيه الفرد إلى الجماعة فيما يهم أمر الأمة خاصة، وحينها يقال حتى لو سلمنا وجود عجز في جانب من الجوانب لدى فقيه فإن بالاجتماع يحدث التكامل وتسد الثغرات وكل اجتماع تكون فيه البركة ويد الله مع الجماعة.
   إن هذه الكلمة التي يعترض بها على الفقهاء اليوم "الطبيب هو من يفتي" يقال مثلها في مناسبات أخرى، فيقول قراء الصحف متتبع القنوات:"وما دخل الفقيه في مسائل السياسة وهو يعيش وسط كتبه لا يخرج عنها"، وفي مسائل الاقتصاد والتجارة يعترض الأمي المحدود الاطلاع على الفقه بأن لا شأن له بها لأن هذه المعاملات معقدة التي لا وجود لها في عصر السلف...
    وهكذا نرى أن الفكر العلماني قد عشش في عقول كثير منا وصار خلفية يصدرون عنها من غير وعي- وآخرون يصدرون عنها عن وعي - إن العلمانية هي فصل الدين عن جميع مناحي الحياة وحصره في أمور الآخره، إن العلمانية -بفتح العين- من العالم والمراد فصل الدين عن عالم الدنيا، ويكذب علينا العلماني ويقول هي من العلم -بكسر العين- ليبشر بها ويسهل عليه جعل الشريعة على الهامش بدعوى التخصص العلمي، فالاقتصاد للاقتصاديين والقانون للقانونيين والسياسة للسياسيين والرياضة للرياضيين والتربية للتربويين...الخ، ويبقى الدين بمرجعيته المزعومة داخل أسوار المسجد لا يتعداها.
 إن العلمانية داء عضال قد سرى في فكر الأمة وثقافتها على مر عقود حتى صار كثير منا يعيش بها وينطق وهو لا يدري، نسأل الله تعالى أن يفقهنا في ديننا ويبصرنا بعيوبنا ويهدينا إلى مراشد أمورنا، والحمد لله رب العالمين.

كتب في 8 أفريل 2020

تم قراءة المقال 119 مرة