لثلاثاء 21 رجب 1435

ما هو الواجب تجاه أهل البدع الهجر أم المناقشة؟ مميز

كتبه 
قيم الموضوع
(2 أصوات)

 

   من المسائل المنهجية المهمة والجديرة بالدراسة والتوضيح في زماننا؛ مسألة الموقف المطلوب من المسلم السني تجاه أهل البدع، هل هو الهجر والتنفير والمقاطعة أم هو التأليف والمناصحة والمناقشة، كثير من الناس يدرس هذه المسألة بعيدا عن الأدلة الشرعية والمقاصد المرعية؛ قاصرا نظره في آثار منتقاة مروية عن بعض السلف، وهذا الصنيع من شأن أهل التقليد في كل الأزمان، والتقليد لأهل العلم إن خرج عن أصوله وضوابطه أوصل صاحبه إلى ما يبرأ منه الإمام المقلد.

   هذا وإن كثيرا من المعاصرين يميل إلى مواقف بعض السلف التي كان فيها التحذير من مجالسة أهل البدع ومناظرتهم، وربما فيها أيضا النهي عن السلام عليهم وعن عيادتهم واتباع جنائزهم، والآثار في هذا كثيرة، ومن أشهر تلك الآثار ما ثبت عن الإمام مالك رحمه الله تعالى حيث جاء في تهذيب المدونة لابن أبي زيد :« وإذا كان الإمام من أهل الأهواء فلا يصلى خلفه، ولا الجمعة، إلا أن يتقيه فيصليها معه ويعيدها ظهراً أربعاً. ووقف مالك في إعادة من صلى خلف إمام مبتدع، قال ابن القاسم: يعيد في الوقت، قال مالك: ولا يسلم على أهل البدع، ولا يُناكحون ولا يُصلى خلفهم جمعة ولا غيرها، ولا تُشهد جنائزهم».

ما هو الواجب تجاه أهل البدع الهجر أم المناقشة؟

   فهذا الذي صدر من الإمام مالك في زمنه في المدينة النبوية ينبغي أن يوصف بأنه موقف الإمام مالك، لا مذهب مالك رحمه الله تعالى، فهو موقف يستحق الدراسة والتأمل من عدة نواح؛ منها نوع البدعة المقصودة، ومنها حال المدينة النبوية في زمنه، ومنها حال الأشخاص المتلبسين بالبدعة، فالذي لا شك فيه أن هذا الموقف أملته حالة المدينة في وقته إذ السنة يومها كانت غالبة فيها، إضافة إلى غلظ نوع البدع التي كانت بدأت تنتشر في زمانه، ، وهي بدع القدرية والجهمية، وأهلها أصحاب أهواء ليسوا من العلماء وكانوا دعاة يسعون إلى بث ضلالاتهم ونشرها، فمجموع هذه المعاني جعل الإمام مالك يقدر أن المصلحة تتحقق بأسلوب الزجر والعقوبة والمقاطعة والتنفير والتشديد، وذلك حتى لا ينقلوا داءهم إلى غيرهم، وجعله أيضا يعتبر الجلوس إليهم ومناظرتهم رفعا لمنزلتهم وإشهارا لمذهبهم، وعلى هذا الأصل لا يرد عليهم حتى تأليفا؛ لأن من وضع كتابا في الرد عليهم فقد رفع منزلتهم وهو مضطر لحكاية لقولهم قبل رده.

هذا هو توجيه موقف مالك رحمه الله تعالى وكل من وافقه على ذلك، وهو موقف صحيح ولا شك، ولكنه ليس مذهبا عاما للحالات صالحا لكل زمان ومكان، ولكل أنواع البدع غليظها وخفيفها، ومهما كانت درجة متبنيها في العلم، فهو تصرف مصلحي بحت ، وممن أشار إلى هذا ابن عبد البر في الاستذكار حين قال :«وأما قوله لا يصلى عليهم فإنه يريد لا يصلى عليهم أئمة الدين وأهل العلم، لأن ذلك زجر لهم وخزي لهم لابتداعهم؛ رجاء أن ينتهوا عن مذهبهم، وكذلك ترك ابتداء السلام عليهم، وأما أن تترك الصلاة عليهم جملة إذا ماتوا فلا، بل السنة المجتمع عليها أن يصلى على كل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله مبتدعا كان أو مرتكبا للكبائر». ثم ذكر مع ذلك خلاف العلماء أهل الفتوى بالأمصار لموقف مالك هذا.

   فمواقف العلماء في زمن مالك رحمه الله وفتاواهم لم تتفق؛ فعلماء العراق كانت لهم مواقف مختلفة تماما عن موقف مالك؛ سواء من كان في زمنه كالثوري وشعبة، أو من بعده كموقف عبد الرحمن بن مهدي أو الإمام أحمد الذي كان موقفه من بدعة الجهمية مقاربا لموقف مالك، ثم غيره بعد ذيوع بدعتهم وصيرورتها مذهبا رسميا للدولة العباسية.

   فهذا الاختلاف في الآراء ليس اختلاف مذاهب، بل هو اختلاف مواقف بحسب الحال والمصلحة، ومذهب الجميع في تقديري واحد، وهو ضرورة مواجهة البدعة ومكافحتها بما يناسبها من أجل القضاء عليها أو التخفيف منها.

   فبدعة الجهمية في بدايتها المطلقة أو في بدايتها في بلد ما تقتضي مقاومتها السعي إلى القضاء عليها، ومحاصرة أهلها بالزجر والهجر والمقاطعة ونحو ذلك، ولكن بعد أن انتشرت وكثر متبعوها، وانتشرت شبهات أهلها في عموم الناس، فإنه ينبغي الانتقال إلى الطريق الآخر للمقاومة وهو المناقشة والمناظرة، لأن المقاطعة لن توصل إلى نتيجة في هذه الحال، بل إن الاستمرار في ترك المناقشة لشبهات أهلها يزيد من رواجها ويفسح المجال لتوسع رقعتها، هذا هو مقتضى الفقه لمن أراده مقلدا كان أو متبعا ولا فقه إلا هذا.

   أما ما صنعه المغاربة المقلدة لمذهب مالك في هذه القضية من تعميم لموقفه خارج إطاره الزماني والمكاني، وإلى غير البدع الغليظة التي كانت في زمانه، ولو تبنى تلك الآراء علماء منتسبون للسنة، فقد أدى ذلك مع مرور الوقت إلى نتائج عكسية، فقد كانت مواقف مالكية المغرب متشددة ضد كل أنواع الانحرافات عن السنة؛ سواء الرفض أو الخارجية أو القدر أو الإرجاء أو التصوف أو رأي الأشعرية، فكانت تصدر منهم الفتاوى بالهجر والمفارقة وبحرق الكتب وبالرمي بالزندقة، ولا تفرق بين طائفة وأخرى، حتى قال قائلهم في حق الأشعرية "يا أشعرية يا زنادقة الورى"، ولا ينكر أن هذا التقليد غير المتبصر لمذهب مالك كان مفيدا حيث كان الواقع مشابها لواقع المدينة في زمن مالك، ولكنه أتى بنتائج عكسية حيث كان الواقع مختلفا، حيث لم ينفع التبديع ولا الهجر مع بدعة الخوارج التي تبعها الآلاف وقامت لحمايتها دولة، ولم ينفع أيضا مع الأشعرية الذين كانوا في كثير من الأحيان أعلم بالفقه وأصوله من الفقهاء الذين كانوا يبدعونهم، وكان هذا المنهج المتبع في رد البدعة سببا لعدم دراسة آراء الأشاعرة ومناقشتها بالحجج التي تبطلها وتنفدها، أو تبين الفرق بينها وبين معتقد السلف، فلما زال سلطان دولة المرابطين السنية المالكية؛ وجاءت دولة الموحدين وأرادت فرض العقيدة الأشعرية وجدت الجو خاليا، ولم يكن لفقهاء المالكية قدرة على المناظرة أو رد عقائد المخالفين، كما نقل ذلك صاحب المعجب وغيره، فنجحت دولة الموحدين في خطتها، وتمكنت من القضاء على العقيدة السلفية.

   وفي العصر الحاضر يرتكب بعض الناس الخطأ نفسه، فيُصِرُّون على مواجهة المخالفين ممن يعتقدون عقيدتهم -فضلا عن غيرهم- بآثار واردة في الخوارج والرافضة والجهمية، صدرت في زمن التابعين وأتباع التابعين، وهم بصنيعهم هذا لم يزيدوا أهل السنة إلا تفريقا وشتاتا، وربما كانوا سببا في زيادة التنفير عن السنة والحق بمثل هذه المواقف؛ التي لا يصحبها علم ولا حلم، فالواجب على من كان من أهل الفهم منهم أن يراجع نفسه وطريقته وينظر فيما آل إليه أمرهم، وفي الثمار التي أنتجها هذا التطبيق السيئ للآثار دون مراعاة واقع الأمة وخصائص الزمان والمكان؛ فضلا عن نوع المخالفة ومنزلة مخالف.

   وخطأ أهل زماننا أعظم من خطأ من أشرنا إليهم في الزمن الغابر، لأن هؤلاء اعتمدوا آثارا لا يفصلهم عنها إلا قرن أو قرنان من الزمان، وفي بيئة قريبة من بيئتهم وكان السلطان معهم، ولا شك أن اعتماد تلك الآثار مع غياب تأييد السلطان وزيادةِ بعد الزمان، واختلاف البيئة واتصال البلدان، مما يزيد سوء الفهم شناعة.

   وإذ كان بعض الناس قد يستغرب اختلاف الحكم باختلاف هذه الأشياء المذكورة ننقل له هذه الكلمة من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يتحدث عن الأشاعرة :«فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم» ومحل الشاهد في الجملة الأخيرة !!

   هذا وقد زاد أهل زماننا على من تقدم؛ فتطور مفهوم الرد على البدع عند كثير منهم إلى مجرد الصراخ والتجريح والسب والشتم والقذف من وراء الجدر، ولما صار "الرد على المبتدع أو المخالف" بهذا المفهوم كثر المتجاسرون على الإفتاء في البدعة وأهلها، وكثر المجرحون وأصبح التجريح فنا صاحبه في منزلة أعلى من علماء التوحيد ومن علماء الحديث ومن علماء الفقه، بل أصبح عند بعضهم عبارة "فقيه" من عبارات التجريح والتنقيص.

   وهذا إشارة منهم إلى النقص الذي فيهم، وهو عدم الفقه لأن من جهل شيئا عاداه، ولو فقهوا نصوص الشرع عللها وآثار السلف ومقاصدها لما صدر منهم ما صدر، ولو كانوا فقهاء لما صاروا إلى التقليد المحض دون فهم أو روية، ولو كانوا فقهاء بحق لما خافوا من مواجهة مخالفيهم مناصحة أو مناظرة، ولكنهم مجرد مقلدين فجعلوا بدلا من ذلك "عدم تجويز مناظرة أهل البدع" غطاء يسترون به جهلهم بالفقه وتناقضهم في مسائله.

تم قراءة المقال 7952 مرة
المزيد في هذه الفئة : وهم الديمقراطية »