لثلاثاء 23 ذو الحجة 1444

تسديد طريق النظر ومنهج التفكير

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

تسديد طريق النظر ومنهج التفكير
إن الكتاب المنير المنزل من الحكيم الخبير كتاب قد خاطب العقل والوجدان، وتضمن العقيدة والشريعة وكل ما يحتاجه الإنسان، هو كتاب متكامل مغن غيره لمن تدبره تستنبط منه أحكام النازلات وتستلهم منه طرق ذلك استنباط، إنه كتاب نظم منهج الحياة كلها تأصيلا وتفصيلا بما في ذلك منهج العلم والتعلم ومنهج النظر والتفكير، ومما يتعلق بهذا الأخير الذي يعتبر أساسا لغيره: دعوة القرآن الكريم إلى النظر والتدبر وإلى الحوار والجدال، ونهيه عن الغفلة والمراء والتقليد والعجلة، وقد سدد ربنا عز وجل طريق النظر ومنهج الحوار في مواضع منها قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) (الإسراء: 46)
فبعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب المشركين بالحجج العقلية التي تبين فساد ما هم عليه وبالمواعظ التي تحرك الوجدان وتثير الرغبة والرهبة من الديان، جاء التوجيه الرباني بالانتقال إلى تعليم هؤلاء الأميين منهج التفكير، لأن خطاب الحجة والموعظة لم يعد نافعا معهم بعد أن لقنوا أجوبة جاهزة تعقل عقولهم عن التدبر يعلقون بها على كل آية منزلة، وهذا التوجيه جاء في سياق ذكر تلك الأجوبة المعلبة التي كان يتلقاها الأتباع الماسورون بتعظيم الأصنام الحجرية الصماء البكماء والأصنام البشرية التي سلموها لها عقولهم لتفكر نيابة عنهم ، حيث قال تعالى قبلها (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43) فهذه نماذج للردود التي كانت تتكرر في كل مرة .
الأول : اتهام النبي صلى الله عليهم في سلم في نيته وهو حب العلو وصرف وجوه الناس إليه، وهذا يجعل الناس لا يستعمون إليه أصلا.
والثاني : وصف القرآن الكريم بكونه كذبا وافتراء وهو متضمن لاتهام النبي صلى الله عليه وسلم باختلاقه فهو كلام بشر، وهذا يجعل من يستمع إليه يحكم على الكلام بحكم مسبق ومعلوم سلفا وهو كونه كذبا وافتراء فلا يتدبره.
والثالث: وصف القرآن بأنه سحر وهذا يعتبر مرحلة أخيرة وجوابا جاهزا لمن استمع إلى القرآن فأثر فيه، والمراد بالسحر قلبُ الحقائق وتزيينها والتأثير على القلوب والعقول بسلبها اتزانها.. وبفعل هذا المخدر الفكري كل وجد من نفسه ميلا إلى تصديق القرآن يرجع ويرد على نفسه وعلى غيره بأننا إنما تأثرنا وملنا لكون هذا الكلام سحرا.
ولتسديد المنهج والسلامة من هذه الحواجز المانعة من تدبر الكلام وجه ربنا عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم (إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ) أي: أشير عليكم وأوجهكم بخصلة واحدة، تختصر لكم طريق النظر هي قاعدة فيها انصاف وعقل وعدل، لا تلزمكم بتصديقي وإنما تعينكم للوصول إلى الحقيقة .
وهذه الخصلة تتضمن الخطوات الآتية:
الأولى: أن تنهضوا بهمة وتجرد لله تعالى فيكون قصدكم اتباع الحق لا غير وهذا معنى قوله (أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ ).
الثانية : أن تأخذوا الكلام المنزل وتتباحثوا في معانيه فيما بينكم مجتمعين، أو كل واحد مع نفسه وهذا معنى قوله (مَثْنَى وَفُرَادَى). ويلاحظ أن في الآية تقديما للتباحث الجماعي على الفردي، وذلك لما فيه من تعاون على تسديد الفهم ممن حقق الشرط الأول.
وظاهر قوله (مثنى) التي تعنى اثنين اثنين حصر المباحثة بين اثنين لا أكثر، لأن كثرة العدد تفتح مجالا للغط ويدخل فيها من لم يحقق الشرط الأول وهو التجرد، فيصرف غيره عن التحليل الموضوعي لكلام الله تعالى. وقد قيل في تعليل حصر المباحثة في صورة الفردية والزوجية أن "المرء إذا خلا بنفسه عند التأمل لم يرض لها بغير النصح، وإذا خلا ثاني اثنين فهو إنما يختار ثانيه أعلق أصحابه به وأقربهم منه رأيا فسلم كلاهما من غش صاحبه" (ذكره ابن عاشور رحمه الله).  
والخطوة الثالثة : وهي المدلول عليها بقوله (ثم تتفكروا) والتفكر المعطوف على ما قبله ب"ثم" هو غير التفكر في معنى الكلام المنزل، وإنما هو تفكر في تلك التهم الجاهزة التي تم تلقينكم إياها، التفكر هنا هو التدبر في أحوال هذا الرسول بتجرد وانصاف هل هو فعلا مجنون، وما هي دلائل الجنون في كلامه، وصفاته؟ هل هو مُعلم ومن هو هذا البشر الذي علمه؟ فهل هو فعلا مريد للعلو في الأرض؟ فما دلائل صحة هذه التهمة؟ هل هو فعلا كذاب وهل عهدتم عليه كذبا قط ؟
ويلاحظ أن المطلوب الأساس من خلال اتباع هذه المراحل هو منع المرء من استعجال اتخاذ موقف؛ يتبعه صرف النظر نهائيا في القضية المطروحة والحجج المنزلة، إنه منع من استعجال المراد منه إعطاء فسحة زمنية كافية للعقل ليقوم بواجب النظر المناط به بإنصاف، وتهيئة الأسباب التي تعينه على هذا الانصاف وهي أولا قصد إصابة الحق لا المغالبة، ثم تدبر الكلام بعيدا عن الشخص الذي أحيط بتهم تصرف الناس عن تأمل كلامه سواء كان هذا التدبر فرديا أو ثنائيا، ثم بعد التباحث في الكلام يأتي التفكر في حقيقة التهم التي قبلتموها من قبل بالتقليد المحض؛ فصدتكم عن النظر الموضوعي، النظر المتجرد من رواسب الماضي وما عشتم عليه دهرا، والمتخلص من الحواجز التي وضعتها الأصنام البشرية أمام عقولكم.

تم قراءة المقال 180 مرة