الجمعة 14 شعبان 1445

رحم الله الإمام أبا حنيفة النعمان (خمس حلقات)

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

رحم الله الإمام أبا حنيفة النعمان (1)
لقد كان عصر السلف العصر الذهبي للإسلام، برز فيه كثير من الأعلام المجتهدين الذين أثْروا الفقه الإسلامي بآرائهم واستنباطاتهم فأجابوا عن المسائل وعالجوا الوقائع بما فتح الله عليهم من علم، وخلدوا أسماءهم إذ اقترنت بتلك الاجتهادات التي تناقلها الناس، ولكن مشيئة الله تعالى اقتضت أن يكتب الخلود والبقاء للمذاهب الإسلامية المعروفة؛ التي خُدمت وطُورت في العصور المتأخرة بما يتناسب وانحطاط الهمم عن تحصيل رتبة الاجتهاد.
ولا شك أن وراء هذا التقدير الإلهي حِكما هو أعلم بها سبحانه ؛ ولعل من هذه الحكم التي تتوسم في إبقاء مذاهب مختلفة لا مذهب واحد؛ حكمة إبقاء الخلاف المثمر للنقاش العلمي الهادف؛ والذي سيرد الناس حتما إلى المعين الأول للفقه الإسلامي كتاب الله تعالى وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإن رجوع الناس في الاحتجاج إلى الكتاب والسنة هو إحياء لهما بعد الهجر، وبسط لسلطانهما على النفوس بعد خبو جذوة ذلك السلطان ، وتدريب للمتعلمين -وهم يستمعون إلى نقاشات العلماء- على طرق الاجتهاد والاستنباط ؛ حتى إذا بلغوا الرتب العلية وسئلوا في النوازل الجديدة والحوادث المتجددة لم يخرسوا ولم يتلعثموا ، بل أظهروا محاسن الشريعة وبرهنوا على خلودها وأبرزوا صلاحيتها لكل الأزمنة من خلال مصادرها التي لا تنضب كنوزها.
ولعل الناظر في الخلافات بين المذاهب الأربعة يلحظ كثرة اختلاف أبي حنيفة مع الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد حتى إن كلمة الجمهور صارت في مخيلة الكثيرين تعني الأئمة الثلاثة ؛ والثابت فعلا أن أبا حنيفة ينتمي إلى مدرسة عرفت في التاريخ بمدرسة الرأي التي تكثر من الاجتهاد بالقياس على النصوص والقياس على آراء الصحابة وآراء من بعدهم، بخلاف الأئمة الثلاثة الذين ينتمون إلى مدرسة الحديث لقلة احتياج أهلها إلى القياس على النصوص المعصومة، واقتصارهم على اتباع آثار الصحابة ومن بعدهم دون القياس عليها، ولقد كان لهذا الاختلاف دوافعه الموضوعية، ويأتي في مقدمتها وعلى رأسها قلة الأحاديث في العراق في عصر نشوء مدرسة الرأي وكثرتها بالحجاز في ذات العصر، وكان الواجب على العالم منهم أن يجيب عن المسائل بحسب ما حضره من أدلة؛ ولم يكن واجبا عليه الاحاطة بالعلم كله وإن ذلك لمحال، وقد علم هؤلاء الفقهاء أن الله تعالى تعبدهم بغلبة الظن لا باليقين وجعل للمصيب أجرين وللمخطئ أجرا، ولولا ذلك لما تجرأ أحدهم على الافتاء ، فرحمهم الله رحمة واسعة.
وكما كانت لله تعالى حكم في بقاء مذاهب مختلفة؛ كانت له ولا شك حكم في تنوعها هذا التنوع الموصوف، ولعل منها أن الحق -والحق واحد لا يتعدد- لم يحفظ في مذهب واحد معين ولكن أكثره وجله محفوظ في هذه المذاهب الأربعة ، وقد قضى الله تعالى ببقاء الحجة قائمة على خلقه إلى قيام الساعة، فما اجتمعت عليه الأمة (الأربعة وغيرهم) فهو حجة قاطعة، وما اختلف فيه أئمتها فالحق لا يخرج عن أقوالهم ...فمرة يكون الحق مع أبي حنيفة ومرة مع مالك ومرة مع الشافعي ومرة مع أحمد وأحيانا مع أحد غيرهم، وهذا يتفق مع ما قضاه ربنا عزو وجل أن لا عصمة لأحد بعد نبيه صلى الله عليه وسلم إلا لمجموع أمته ...والعلم عند الله تعالى .
رحم الله الإمام أبا حنيفة النعمان (2)
كنت عزمت على كتابة مقالات موجزة في بعض انفرادات الإمام أبي حنيفة الفقهية ؛ والتي رأيتها جديرة بالإشاعة لتبيين سداد فقهه فيها ورجاحة رأيه مقارنة برأي غيره من الأئمة ، وقدمت لذلك بمقدمة تحدثت فيها عن بعض الحكم القدرية لبقاء الاختلاف الفقهي ، ثم إن بعض التعليقات الطائشة التي كان حقها الحذف ولا كرامة لأصحابها؛ جعلتني أكتب مقدمة أخرى تتعلق بالخلافات التي كانت بين العلماء في العصر الذهبي للإسلام ، تلك الخلافات التي كثير منها داخل فيما يسمى بجرح الأقران الذي يطوى ولا يروى، لما فيه من أذى للجارح والمجروح معا ، وهو أذى لا ينقص ولا يحط من قدر العالم إلا عند العامة وأشباههم وأهل الأهواء والتعصب المقيت، وأما عند غيرهم فهي تؤكد على أن هؤلاء العلماء بشر من بني آدم وأنهم غير معصومين، والإمام أبو حنيفة رحمه الله كغيره من الناس يعتيره ما يعتري غيره من الأحوال النفسية من غضب ونحوه، كما أنه عرضة للخطأ والخطأ قد يكون في أمر يسير كما يكون في أمر خطير ، ولو أسقط الناس بالأخطاء المعدودة في بحر صوابهم وبسيئاتهم المغمورة وسط حسناتهم لما سلم أحد لا ناقد ولا منتقد، ولكن الله تعالى الذي كتب ذلك على بني آدم قد وضع لنا الميزان وحذرنا من الطغيان، والواجب أن يعرف كل واحد منا قدره وأن ينزل الناس منازلهم، وأبو حنيفة لم يدع لنفسه العصمة ولا ادعاها له أحد ، وكما أخطأ حتما في مسائل فرعية فقد أخطأ في قضايا أصولية منهجية بل قد أخطأ في أمور عقدية مشهورة، الأمر الذي جعل كثيرا من أقرانه وممن بعدهم يتخذون مواقف منه، وربما صدرت منهم عبارات فيها شدة في حقه ، وهي مواقف وعبارات لا يجوز بترها عن أسبابها الحقيقية وسياقاتها التاريخية، وما جبلت عليه النفس البشرية.
ولعل مما يحسن إيراده في هذا الموضع كلمة من كلمات ذهبي العصر العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي رحمه الله فيها تنبيه على معنى قل من ينبه له وهو يحل إشكالات ويدفع ما يظهر أنه من التناقضات إذ يقول في كتابه رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله (294-295) :« وأهل العلم إذا بلغهم خطأ العالم أو الصالح وخافوا أن يغتر الناس بجلالته ربَّمـا وضعوا من فضله وغبروا في وجه شهرته مع محبتهم له ومعرفتهم بمنزلته ، ولكن يظهرون تحقيره لئلا يغتر به الناس، ومن ذلك ما ترى في مقدمة صحيح مسلم من الحط الشديد على البخاري في صدد الرد عليه في اشتراط ثبوت لقاء الراوي لمن فوقه حتى لقد يخيل إلى القاري ما يخيل إليه مع ان منزلة البخاري في صدر مسلم رفيعة ومحبته له وإجلاله أمر معلوم في التاريخ وأسماء الرجال ، وقد يكون من هذا كثير من طعن المحدثين في أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، ولعل مما حملهم على هذا علمهم بأن للعامة وأشباه العامة يغترون بفضل القائل في نفسه فإذا قال لهم العلماء أنه أخطأ مع جلالته وفضله قالوا قد خالفتموه وشهدتم له بالجلالة والفضل فقوله عندنا أرجح من قولكم بشهادتكم، وهكذا قال بعض الناس لعمار رضي الله عنه لما قال مقالته المتقدمة آنفا :« فنحن مع الذي شهدت له بالجنة يا عمار » يعنون أم المؤمنين . وبالجملة فمن علم القاعدة الشرعية في تعارض المفاسد لم يعذل العلماء في انتقاصهم من يخافون ضلال الناس بسببه ولو علم محبوا المطعون فيه هذا المعنى لما وقعوا فيما وقعوا فيه من ثلب أولئك الأكابر حمية وعصبية والله المستعان ». ونكتفي به حتى لا نقع في ضد ما أردنا ، ونكتفي فقط بأن نذكر بعضنا بأن قواعد التعامل مع السلف هي نفسها قواعد التعامل مع المعاصرين، ومن فرق فقد أخل بالميزان وولج باب الطغيان نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق والسلامة والرشد.

رحم الله الإمام أبا حنيفة النعمان (3)
    انفرد الإمام أبو حنيفة رحمه الله بآراء فقهية خالف فيها الأئمة الثلاثة ؛ آراء قد يرى فيها كثير من المعاصرين من غير المنتمين إلى مذهبه رحجانا على بقية المذاهب ، رجحانا قد يقترب من القطع أحيانا ، والظنون والعلوم في ذاتها متفاوتة وليست في رتبة واحدة ، وقبل أن أذكر النموذج الأول الذي ظهر لكاتب هذه السطور رجحانه ، أنبه أن قضية الترجيح نسبية تختلف باختلاف الأشخاص، وأنها خاصة لا تعنى العاجزين أو المدعين، ومع الأسف يرى من يكتب ويحسب ما ترجح عند إمامه هو الدين وما سواه خارج عنه ، وهذه عقلية اقصائية يبتلى بها كثير ممن يطالع كتابات ابن حزم رحمه الله قبل أن تتكون شخصيته العلمية وتستوي، ويرى أيضا على النقيض من ذلك بعض الأميين ممن لا يدرون ما العلم إلا أماني، يتحسسون من هذه الكلمة التي ملأت كتب الفقه المذهبي قبل الفقه المقارن، ومشكلة هؤلاء هي نفسها مشكلة سابقيهم إذ هم جميعا يتوهمون أن الترجيح هو إقصاء تام للرأي المرجوح، وأن الراجح في مرتبة كلام الله تعالى ورسوله الذي لا يحتمل الغلط ولا التأويل، وكثيرا ما يؤدي الوهم والغلط في التصور إلى الأحكام المتطرفة المتناقضة، كما حدث لمن توهم الإيمان شيئا واحدا لا يتجزأ ولا يزيد ولا ينقص ، فذهب بعضهم إلى التكفير بالمعاصي، وذهب آخرون إلى التسوية بين إيمان الأنبياء والصالحين والعصاة الفاسقين.
   وبعد هذا التمهيد نقول من أوائل المسائل التي تدرس في الفقه الإسلامي مسائل النجاسات وكيفية تطهيرها ، وهي مسائل تعم الحاجة إليها في القديم والحديث .
  ومما اختلف العلماء فيه حكم إزالة النجاسة بالمائعات من غير الماء ، فذهب الجمهور إلى أن غير الماء لا يكون مطهرا للمحل، حتى لو أزال عينها فمن أزال النجاسة من دم أو بول بالخل مثلا أو بأي مطهر من المطهرات الطبية الحديثة لا يكون ذلك مطهرا للثوب أو الجسم حتى يعيد غسله بماء مطلق ...بينما يرى الحنفية أن بعض المائعات قد تكون أبلغ في التطهير من الماء ومثلوا لذلك قديما بالخل ، ونمثل لذلك في عصرنا بالمنظفات الكميائية السائلة التي أخرجت الماء عن اطلاقه، وأيضا بالمطهرات الطبية وهي كثيرة متعددة، ولعلنا نستثنى المطهرات الكحولية لاعتبارها عند الجماهير نجسة في حد ذاتها.
ومن تأمل حجج الفريقين وأسباب الخلاف بينهم بتجرد وإنصاف رأى مذهب أبي حنيفة أظهر من غيره ، فأما الحجج النصية فلا قاطع فيها ولم يأت الجمهور بأي دليل صريح يمنع التطهير بغير الماء وما توهموه من حجج لو كان صحيحا لمنع من التطهير بالتراب والأحجار، ومما يستأنس به من المنقول لصالح الأحناف قول عائشة رضي الله عنها : «ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها، فقصعته بظفرها» رواه البخاري ومعناه "بلته بريقها ودلكته بظفرها وحكته به، ولا يقال هذه رخصة تتعلق بالقليل لأنه لا دليل على العزيمة المزعومة ولا على كون الدم قليلا .
   وأما النظر في المعاني فلا يدع مجالا للشك في أن مذهب الحنفية أقوى من غيره ، فإن الجميع متفقون أنه لا تشترط النية في إزالة النجاسة والإجماع حجة وحديث ( يطهره ما بعده) حجة ، وكون السلامة من النجاسة تركا لا يفتقر إلى نية حجة، وإذا كان لا يحتاج إلى نية فلا معنى للزعم أنه عبادة غير معقولة المعنى لأن علامة العبادة الافتقار إلى النية حتى تكون مجزئة، فالجسم الذي كانت عليه نجاسة فأزيلت عينها بخل أو منظف سائل أو مطهر طبي يصير طاهرا ولا يحتاج إلى غسل بالماء لأن الماء لن يزيل شيئا حينها فمروره وعدم مروره سواء .  
 قال الكاساني في بدائع الصنائع (1/ 84):" وَهَذِهِ الْمَائِعَاتُ فِي الْمُدَاخَلَةِ، وَالْمُجَاوَرَةِ، وَالتَّرْقِيقِ، مِثْلُ الْمَاءِ فَكَانَتْ مِثْلَهُ فِي إفَادَةِ الطَّهَارَةِ بَلْ أَوْلَى، فَإِنَّ الْخَلَّ يَعْمَلُ فِي إزَالَةِ بَعْضِ أَلْوَانٍ لَا تَزُولُ بِالْمَاءِ، فَكَانَ فِي مَعْنَى التَّطْهِيرِ أَبْلَغُ".
 وقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (1/ 429):" بل الخل، وماء الورد، وغيرهما يزيلان ما في الآنية من النجاسة كالماء، وأبلغ والاستحالة أبلغ في الإزالة من الغسل بالماء فإن الإزالة بالماء قد يبقى معها لون النجاسة فيعفى عنه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره» .وغير الماء يزيل الطعم واللون والريح".
   وعلى قول أبي حنيفة بنى كثير من الباحثين تخريجهم للنوازل المعاصرة نحو حكم المياه المتغيرة بالمطهرات الحديثة وحكم التطهير بمغاسل البخار، وحكم التطهير بالمعقمات والمطهرات الطبية ولا أشك في صواب تخريجهم ورحم الله الإمام أبا حنيفة ..
والله تعالى أعلم

رحم الله الإمام أبا حنيفة النعمان (4)
مسألة خطبة الجمعة بغير العربية
   تحدثنا في الحلقة الماضية عن مسألة من مسائل الطهارة انفرد فيها أبو حنيفة رحمة الله برأي يرى أنه الأوجه والأقوى ، وهي مسألة إزالة النجاسات بغير الماء المطلق والذي يشمل في عصرنا المنظفات الصناعية والمطهرات الطبية كما يشمل الماء المضاف والمقيد ، وهي من المسائل التي يظهر أن الخلاف فيها يرجع إلى دورانها بين التعبد ومعقولية المعنى ، والقول بالمعقولية تؤيده شواهد متفق عليها مما يجعل المنصف يميل إلى رأي أبي حنيفة ميلا قد يرقى إلى حد اليقين ، ومن المسائل التي اختلف فيها الأئمة الأربعة وكان سبب الخلاف فيها أيضا دوران الحكم بين التعبد ومعقولية المعنى مسألة إلقاء خطبة الجمعة بغير اللغة العربية ، وهي مسألة تشددت فيها المذاهب الثلاثة تشددا غريبا حيث أكدوا على اشتراط كون الخطبة باللغة العربية ولو للأعاجم الذي لا يفهومنها، ومن تشددهم أنهم نصوا أنه إذا لم يوجد من يحسن العربية سقطت صلاة الجمعة ومن الغرائب أن تجد في كلام بعض الفقهاء التسوية بين القوم لا يحسنون العربية وبين قوم كلهم بكم في سقوط صلاة الجمعة ، وكأن هذه الخطبة ذكر مجرد عن المعنى يؤتي به على صفة معينة في وقت مخصوص، ولما طال النقاش في جدوى خطبة لا تفهم قال بعض الشافعية يكفي أن يعلموا أنه يعظهم وإن لم يعلموا ما يعظهم به !، ولا شك أن هذه ظاهرية لا يرتضى نسبة مثلها إلى دين الله تعالى، ولا سيما أنه لا يوجد دليل قاطع أو ظاهر على الاشتراط إلا ما توهم من حجية جريان عمل الناس في بلاد أهلها عرب، أو قياس لا يطرد ولا ينعكس وتنقضه الفروق الكثيرة مفاده اعتبار الخطبتين بمثابة الركعتين ومنه إعطاء حكم الخطبة حكم القراءة وحكم الكلام فيها بغير العربية حكم الكلام في الصلاة ، وحتى قول من قال منهم إن الجمعة تصح بغير العربية حال العجز لم ينظر إلى حال المستمعين ونظر فقط إلى حال الخطيب ، فلا يرخص له أن يخطب بغير العربية إن أحسنها ولو كان في بلد الأعاجم ووسط من لا يفهمها وإنما يرخص له إذا كان أعجميا لا يحسن العربية ..
   وأما الحنفية فقد نصوا على صحة الخطبة بالفارسية ولو من عربي ، وهذا المذهب هو الذي يتناسب مع مقصد الذكر والتذكير المشار إليه في قوله تعالى : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } [الجمعة: 9] وهو المتناسب مع قصد الافهام في الشريعة المنصوص عليه في قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [إبراهيم: 4] ولا يضر المسألة أن ربطها بعضهم بالقراءة في الصلاة بناء على مذهبهم، لأنه بين المسألتين فروقا كثيرة عند الفريقين تمنع هذا القياس كما سبق.
   وفي نهاية المطاف نتساءل عن جدوى الجمود على المذاهب في مسائل كشف البحث الموضوعي أنه لا حجج سالمة لها، وتبين أنها آراء تنافي مقاصد الشريعة وتمنع تحققها في الواقع ...
   ومن الفقهاء المعاصرين –من غير الحنفية- من أجاز الخطبة بغير العربية كلها أو بعضها، وأوكد أن اختيارهم هذا كان من منطلق النظر في الأدلة الشرعية والمقاصد المرعية، وليس من منطلق تتبع الرخص وتكييف الإسلام وتفصيله حسب الواقع والأهواء.
تذييل
   ولا بأس أن أنبه أنه في بلادنا لا يزال بعض الأئمة يتعرضون للتحذير أو التوبيخ وربما العقاب إن خطبوا في الناس باللهجة المحلية القبائلية مع أن الحاجة ماسة إلى ذلك ، ورغم أنهم لا يجعلونها خالصة بغير العربية بل القدر المجزئ منها يأتون به بالعربية ، وذلك بدعوى الحفاظ على المرجعة والتمسك بالمذهب ضد المذاهب الدخيلة، ونسمع بذلك رغم أننا نرى الوزارة الوصية من جهة أخرى ساكتة سكوتا تاما عمن يخطب بالدارجة لا بالفصحى ، بل تأذن في المخالفة وربما تشترطها في الأئمة المنتدبين في فرنسا. الأمر الذي يجعلنا نحكم بأن تصرفات الوزارة في القضايا الفقهية لا تخضع لاعتبارات علمية ومصلحية ثابتة وواضحة، وإنما هو المزاج وأهواء من يتولى المناصب فيها ويتصرف باسمها .

رحم الله الإمام حنيفة النعمان (5)
مسألة ولاية ذوي الأرحام في النكاح
طرقت في حلقتين سابقتين مسألتين ظهر لي فيها رجحان مذهب أبي حنيفة بما يقترب من القطع، الأولى مسألة جواز إزالة النجاسات بالمائعات سوى الماء المطلق ، والثانية جواز إلقاء خطبة الجمعة بغير اللغة العربية ، وقد رأيت أن انتقل إلى ذكر مسائل أخرى في السياق ذاته لكن من غير أبواب العبادات ، فأول ما خطر ببالي من المسائل ذات الخطر والتي لها صلة بواقع الناس في عصرنا وتكثر الحاجة إليها والسؤال عنها؛ مسألة ولاية ذوي الأرحام على المرأة في النكاح .
    حيث أن المشهور والمعتمد في المذاهب الثلاثة حصر الولاية في العصبة، فإذا فقد العاصب انتقلت الولاية إلى السلطان مباشرة وكذا في حالة عضله أو غيبته.
    وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فإن الولاية تنتقل بعد العصبة إلى ذوي الأرحام كالأخوال ونحوهم، وهذه المسألة إذا فتشت عن مآخذها لم تجد فيها قاطعا، وجل ما يعتمده الجمهور هو ظواهر آثار عن الصحابة معارضة بمثلها، بل هي معارضة بما هو أصرح منها وأقيسة القول بموجبها يثبت ولاية ذوي الأرحام ولا ينفيها، فقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:«إذا بلغ النساء نص الحقائق فالعصبة أولى» لا خلاف فيه ولا يقوى على معارضة الاستدلال بما صح عنه أنه أجاز نكاح امرأة زوجتها أمها وخالها، وقولهم بأنَّ الولاية إنما تثبت صونا للقرابة عن نسبة غير الكفء إليها والمرأة إنما تنسب إلى عصبتها لا إلى غيرهم، معارض بأن قرابة المرأة الذين تلحقهم الغضاضة إذا تزوجت بغير كفء لا يختص بالعصبات، بل ذلك تابع لمن تربت في أحضانهم وبمن تزف من ديارهم، وإن تحدثوا عن الشفقة على المرأة والحرص على مصلحتها، فكذلك لا اختصاص لها بقرابة الأب؛ وهي موجودة في قرابة الأمّ؛ فلا معنى للتفريق بينهما، وهذه المعاني لم ينكر الحنفية أن وجودها في العصبة هو الغالب والأصل، ولذلك صرحوا بأن ولاية ذوي الأرحام استحسان اعتمد فيه الأثر والمصلحة، لكنهم ينقضون على الجمهور بأن تلك المعاني ليست موجودة في السلطان، وأن اطرادها يوجب تقديم ذوي الأرحام عليه.
   ولا يختلف حال فقدان العاصب بجميع مراتبه عن حال عضله أو حال غيبته أو حال ما يسمى في عصرنا بالإهمال العائلي، فإن أولى الناس بتزويج المرأة التي تنشأ وتتربى عند أخوالها وتُصبح كأنها منهم هم أخوالها؛ لأنه يلحقهم النقص بنقص زوجها والعار بفسقها وفجورها، لأنها إنما تُخطب منهم وتزفُّ من ديارهم .
   هذا مقتضى النظر المجرد والمتجرد في الأدلة الشرعية ، ولوجاهة هذا الرأي قد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وغير واحد من غير الحنفية قديما وحديثا.
   وفي عصرنا عصر المدينة الذي تلاشى فيه معنى القبيلة ومعنى جماعة المسلمين، ولم يعد السلطان الوارد ذكره في الحديث موجودا في أكثر الأحيان؛ وهو القاضي الذي شرطه العدالة وإقامة الشريعة، صار المصير إلى مذهب الحنفية متعينا لأنه محقق لمقاصد الولاية الشرعية في النكاح أو لأنه هو المحقق لها دون غيره، والله تعالى أعلم ورحم الله أبا حنيفة النعمان وجميع فقهاء الإسلام.        


تم قراءة المقال 113 مرة