قيم الموضوع
(0 أصوات)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين أما بعد ؛

فإنه رغم إخفاء النصارى للإنجيل الحق وكتمانه، ورغم التحريف والتبديل الذي ألحقوه بما أظهروا منه، فإن الله تعالى قد أعمى بصائرهم وأبصارهم فأبقوا فيما تركوا للناس إشارات كثيرة إلى مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وما سينقل في هذه الصفحات هو في الحقيقة صفعات للنصارى ولدعاة التنصير، وحجج دامغة يواجه بها المنصرون وينصح بها المتنصرون المغرر بهم -وقد اقتصرت على الأناجيل طلبا للاختصار،

الدليل إلى بشـارات الإنجيل

 

ولأن أكثر ما يوزعه المنصرون كتاب العهد الجديد-. وقبل سرد هذه البشارات نذكر أن معنى كلمة الإنجيل التي هي موضوع الكتاب المقدس عندهم وعنوانه هو البشارة، جاء في مرقس (إصحاح:1/14-15): «وبعد اعتقال يوحنا جاء عيسى إلى البرية يعلن بشارة الله فيقول:"جاء الوقت واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالبشارة" ». والذي بشر به عيسى صلى الله عليه وسلم هو مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى :( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) (الصف:6)، والنصارى يزعمون أن البشارة صلب المسيح (أو مقتل الإله!!) الذي يعتبرونه كفارة لذنوب البشر! وفيما يلي النصوص التي تصدّق المعنى الصحيح، وتكذّب ما زعموه، مرتبة حسب معناها المشترك.

المطلب الأول: الإخبار بانتزاع النبوة من بني إسرائيل

 أول البشارات بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم تلك النصوص التي تؤكد على انتزاع النبوة من بني إسرائيل ، وإن لم تكن النبوة خاصة بهم ، لكنها تدل على أن خاتم الأنبياء والمرسلين يكون من غيرهم ، وقد وردت في مواضع منها :

الموضع الأول : متى الإصحاح (21/44-42)

« قال لهم يسوع أما قرأتم في الكتب الحجر الذي أخَّره البناءون، هو الذي صار رأس الزاوية من عند الرب فكان ذلك هو عجب في أعيننا لذلك أقول لكم إن ملكوت الله سينزع منكم ويعطى أمة تثمر ثمره،من وقع على هذا الحجر تهشم ومن وقع عليه حطمه ».

فهذا النص نص صريح في انتزاع النبوة من بني إسرائيل وجعلها في أمة أخرى غيرهم وهي الأمة العربية، والذي عناه عيسى عليه السلام بالحجر في هذا المثل هو محمد صلى الله عليه وسلم، لكن النصارى تكلفوا تحريف المعنى فقالوا: إن الحجر هو عيسى عليه السلام نفسه والأمة الأخرى هي الكنيسة! وهذا تأويل باطل لأن الأمة شعب آخر من نسل آخر والكنيسة ليست شعبا، ولأن الكنيسة لم تؤت النبوة. والمسيح عليه السلام في معتقد أغلب النصارى اليوم قد صلب وقتل فداء لذنوب البشر ، فأين هو ذاك التحطيم والتهشيم المخبر به؟

ومما يؤكد لنا أن هذا النص مما لم يدخله التحريف اللفظي قول النبي صلى الله عليه وسلم:« إن مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون ويعجبون ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة. قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين » (رواه البخاري ومسلم).

الموضع الثاني : متى الإصحاح (8/12-11):

« أقول لكم سوف يأتي أناس كثيرون من المشرق والمغرب فيجالسون إسحاق ويعقوب على المائدة في ملكوت السماوات ، أما بَنُو الملكوت فيلقون في الظلمة البرانية، وهنالك البكاء وصريف الأسنان ».

وهذا كناية صريحة عن انتزاع النبوة من بني إسرائيل لأن المائدة التي جمعت إسحاق ويعقوب هي مائدة النبوة، واليهود الذين كذب أجدادهم الأنبياء وقتلوهم قد غاضهم جدا انتقال النبوة إلى العرب فكفروا بمحمدصلى الله عليه وسلم حسدا من عند أنفسهم، ومعنى البرانية الخارجية.

الموضع الثالث : يوحنا الإصحاح (4/21):

« قال لها يسوع صديقيني أيتها المرأة تأتي ساعة فيها تعبدون الأب لا في هذا الجبل ولا في أورشليم». وفي نسخة قديمة -بواسطة الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية- : «تسجدون لله». وهذا أيضا إخبار واضح بانتقال قبلة الصلاة إلى مكان آخر غير بيت المقدس ، وهو ما حدث ببعثة نبينا محمدصلى الله عليه وسلم.

المطلب الثاني : البشارة بالإسلام وبأحمد

وقد ورد ذلك في عدة مواضع من الإنجيل أبينها ما يأتي :

الموضع الأول : لوقا الإصحاح (2/14-13):

« وانضم إلى الملاك بغتة جمهور الجند السماويين يسبحون الله ، فيقولون المجد لله في العلى والسلام في الأرض وللناس أهل رضاه ». وفي ترجمة أخرى « وبالناس مسرة ». يقول عبد الأحد داود (قس كاثوليكي أسلم) في كتابه "محمد   صلى الله عليه وسلم كما ورد في كتاب اليهود والنصارى"(ص:148):« إن الترجمة الصحيحة للنص من السريانية إلى العربية هي : المجد والحمد لله في الأعالي ، أوشك أن يجيء الإسلام للأرض، يقدمه للناس أحمد ».

الموضع الثاني : يوحنا الإصحاح (14/16-15):

« إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب يعطيكم معزيا آخر يكون معكم إلى الأبد». وفي طبعة أخرى: «يعطيكم مؤيدا آخر » . وفي أخرى : « مخلصا » ، وفي ترجمة قديمة « فارقليطا آخر ».

والأصل في هذا الموضع كلمة « فارقليط» وهي غير عربية، وتفسيرها بالعربية «أحمد »، لأن معاني هذه الكلمة بالعبرية تدور حول معاني الحمد، ويدل على هذا تفسيرهم لقول يوشع في العهد القديم :« من عمل حسنة تكون له فارقليطا جيدا». بالحمد الجيد . ومن يقول هو في الترجمة المعزي فاعتماده على اليونانية، ومن يقول هو المخلص فاعتماده على السريانية، والمسيح إنما تكلم بالعبرية لا غير. ولو سلمنا صحة هذه الترجمات فإن وصف المعز والمخلص لم يتحقق بصورة واضحة إلا في محمد صلى الله عليه وسلم الذي خلص البشرية من الشرك وأعز أهل التوحيد ، ثم إنهم اختلفوا في تعيينه ، فمنهم من يقول هو روح القدس، ومنهم من يقول هو المسيح نفسه، ويبطل هذين التأويلين جميعا ما يأتي من أخبار هذا الفارقليط في الإنجيل نفسه من أنه يخبر الناس بما يسمع؛ وذلك لا يكون إلا من بشر مرئي فبطل كونه روح القدس، وكذلك قد أخبر عنه المسيح بأنه يشهد له فتبين أنه غيره -الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (4/8)-.

المطلب الثالث : صفات الفارقليط

ومما يؤكد الدلالة على نبينا صلى الله عليه وسلم تلك الصفات التي وُصِف بها الفارقليط أو المعزي المنتظر مجيئه ، فإنها صفات لم تتحقق إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم .

الموضع الأول : يوحنا الإصحاح (16/8-7،13-12):

« لكن أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أذهب ،فإن لم أمض لا يأتيكم المعزي (المؤيد)، أما إذا ذهبت فأرسله إليكم وهو متى جاء أخزى العالم على الخطيئة والبر والدينونة ……لا يزال عندي أشياء كثيرة أقولها لكم لكنكم لا تطيقون حملها الآن ، فمتى جاء روح الحق أرشدكم إلى الحق كله لأنه لن يتكلم من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بما سيحدث ».

والمقصود أنه يخبر بأشراط الساعة وأهوال القيامة وأحوال الآخرة، وهو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وفصَّله بعد أن كان مجملا في الشرائع السابقة -الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (4/12)-.

الموضع الثاني : يوحنا الإصحاح (14/26):

« ولكن المؤيد (المعزي)روح القدس الذي يرسله الأب باسمي هو يعلمكم كل شيء ويذكركم ما قلت لكم » . وفي ترجمة قديمة: « والفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم ما قلت لكم ».

ودلالة هذا الموضع ظاهرة على أن الفارقليط ليس هو المسيح عليه السلام، ونقلت هنا الترجمتين قصدا للمقارنة بينهما، حيث دست في الترجمة الحديثة لفظة «باسمي» حتى لا يكون هناك تناقض مع الموضع السابق الذي قال فيه :« فأرسله إليكم». وكذا الموضع الآتي. وكذلك أبدلت كلمة روح الحق بروح القدس ربما لتأييد تفسير الفارقليط بروح القدس والموضع السابق يبطل ذلك، لأنه يخبر الناس ولإخبارهم لابد أن يكون مرئيا.

الموضع الثالث : يوحنا الإصحاح (16/27-26):

« متى جاء المؤيد الذي أرسله إليكم من لدن الأب روح الحق المنبثق من الأب فهو يشهد لي و أنتم أيضا تشهدون لأنكم معي منذ البدء ». وفي ترجمة قديمة : «إذا جاء الفارقليط الذي أبي أرسله روح الحق الذي من أبي هو يشهد لي، قلت لكم هذا حتى إذا كان تؤمنوا به و لا تشكوا فيه» نقلا عن الجواب الصحيح (4/6). وقد اتفقت الترجمتان على أن الفارقليط يشهد له فدل أن الفارقليط ليس هو المسيح عليه السلام، وفي الترجمة القديمة زيادة قصد حذفها لأنها قاضية على كل مزاعم النصارى وهي قوله:« حتى إذا كان تؤمنوا به ولا تشكوا فيه ». ولفظه في طبعة قديمة أخرى كالآتي :« فلو جاء المنحمنا الذي يرسله الله إليكم » ومعنى المنحمنا بالسريانية محمد (انظر الرسل والرسالات لعمر سليمان الأشقر (177)).

المطلب الرابع: النبي الذي سئل عنه يحيى عليه السلام

وكذلك وردت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم باسم النبي وذلك في موضعين اثنين:

الموضع الأول : يوحنا الإصحاح (1/20-19):

« وهذه شهادة يوحنا (أي يحي عليه السلام)إذ أرسل إليه اليهود من أورشليم بعض الكهنة واللاويين يسألونه من أنت؟ فاعترف ولم ينكر؛ اعترف: لست المسيح. فسألوه: من أنت إذا؟ أأنت إيليا؟ قال: لست إياه. أ أنت النبي؟ أجاب: لا». ثم قيل له كما في العدد (25):« إذا لم تكن المسيح ولا إيليا ولا النبي، فلما تعمد؟».

وموضع الدلالة أنهم كانوا ينتظرون ثلاثة: المسيح ، وإيليا الذي هو عند اليهود والنصارى إلياس يعتقدون أنه لم يمت وأنه رفع إلى السماء، والنبي المعرف بلام العهد والمشار إليه على أنه معروف ومنتظر ، لا شك أنه النبي محمد   صلى الله عليه وسلم . وفي تحديد هوية إيليا راجع ما سطرناه في التناقضات. وقد ذهب بعض المسلمين إلى أن المقصود به محمد صلى الله عليه وسلم وليس على ذلك دليل معقول من اللغات أو الأناجيل ، وهذا النص يرده أيضا .

الموضع الثاني : متى الإصحاح (3/11):

عن يحيى عليه السلام قال:« أنا أعمدكم في الماء من التوبة ، وأما الذي يأتي بعدي فهو أقوى مني، من لست أهلا لأن أخلع نعليه.إنه سيعمدكم في الروح القدس والنار» . ونحوه عند مرقس (إصحاح:1/7-8).

والنبي الذي يأتي بعده هو محمد صلى الله عليه وسلم وليس هو المسيح لأنه كان في زمانه بل يقال إنهما ولدا في سنة واحدة، وقد أشار قبل هذا إلى أنه من ولد إبراهيم ، وما علا في النسب في هذا الموضع إلا للدلالة على أنه في ولد إبراهيم من هو خير من اليهود.

هذا ما أمكن الوقوف عليه من البشارات في الأناجيل الأربعة القانونية عند النصارى، وصح اعتباره، وبالنسبة للمسلمين فإن القرآن المحفوظ قد أخبر بوجود هذه البشارات في الإنجيل المنزل، بل وأيضا في التوراة . قال المولى عز وجل: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف:157) والحمد لله وحده ولا رب سواه.


تم قراءة المقال 3236 مرة