قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

   الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين والعاقبة للمتقين أما بعد : فإن من الحقائق التي ينبغي أن تُعلم أن النصرانية قد أفلست في عقر دارها، وأن الدين الإسلامي هو الدين الأول على وجه الأرض من حيث عدد المنتسبين إليه، وأن الإحصاءات التي تقدم النصرانية إحصاءات خاطئة كاذبة، كيف وهي تعد روسيا ودول شرق أوروبا الشيوعية الملحدة التي شعارها لا إله والحياة مادة ضمن الدول النصرانية، وهي تعد أيضا شعوب دول أوروبا الغربية العلمانية والتي أفلست فيها النصرانية بجميع مذاهبها، إنهم يعدون النصارى بالبلاد وليس بالاعتقاد، وبالميلاد لا بممارسة الشعائر الدينية، وإننا إذا اعتبرنا معيار الاعتقاد أو ممارسة الشعائر انقلبت الأمور بلا شك.

 

إفلاس النصرانية في الغرب


[نسبة النصارى في بعض الدول لا تتعدى 5 بالمائة]

   إن الديانة الأولى بمعيار ممارسة الصلاة في بريطانيا مثلا هي الدين الإسلامي وليست النصرانية، وقد ورد في تقارير رسمية أن المسلمين الوافدين والمسلمين الأصليين الآن صاروا يشترون فيها الكنائس التي تخلى عنها أهلها (وفي بريطانيا أكثر من ألف مسجد حاليا) وفي إحصائيات حدثية أن 10 بالمائة من الكنائس معروضة للبيع هناك، وقد اعترف الكاردينال "كورمك ميرفي" رئيس الكنيسة الكاثوليكي في انجلترا أن "المسيحية أوشكت على الانحسار في بريطانيا وأن الدين لم يعد يؤثر في حياة الناس".
   وفي دول الاسكندنافيا الأمر أوضح فالمدارس والمعاهد كلها –منذ عقود-تدافع عن حرية عدم الإيمان(حرية الكفر والإلحاد) وتبثها في عقول الناشئة، الأمر الذي صير الكنائس هناك مجرد معالم أثرية، ففي السويد يقال إن 3.6 بالمائة من سكانها المسلمون، فهل توجد بها هذه مثل النسبة من النصارى؟ لا أظن ذلك، فإن الإلحاد هو الدين الأول في هذا البلد، وممن صرح بذلك القس ستانلي في إحدى مناظراته مع ديدات هناك، ومما يبين لنا سعة انتشار الإلحاد في هذه البلاد أنه لما قامت إحدى شركات السينما في السويد بإنتاج فيلم عن "حياة المسيح الجنسية"، في ابتذال وامتهان لم يتحرك أحد في السويد لا الأفراد ولا الجمعيات بل ولا بقية الدول الغربية.
   والنرويج لا يختلف حالها عن جارتها السويد فالنصرانية التي فرضها الملك "أولاف" سنة 995م على الشعب بقوة الحديد والنار، قد تلاشت في عصر الحريات المطلقة!!، فإن الشعب النرويجي لم يتبع النصرانية عن إيمان وقناعة ولكن خوفا من الذبح والتعذيب والتشريد، فلما ذهب عهد الملوك المستبدين تركوا النصرانية عمليا واعتقاديا، قال أحد الصحفيين النرويجيين: "إن مستقبل شباب اسكندنافيا يتجه إلى الهاوية بلا إيمان" فقيل له: وماذا تفعل حكومتهم لدرء هذا الخطر؟ فأجاب متألماً: " إن حكومتنا أيضاً ليست مؤمنة".
    في الدانمارك التي قام الملك "كنوت"(cnut) المتوفي عام (1035م) بإبادة كل الطوائف غير النصرانية فيها، قد عادت إلى رحاب الإلحاد في هذا العصر، ففي سنة 2003م أقدمت الحكومة الدانمركية على إعداد خطة لبيع بعض الكنائس الحكومية التي لا يحضر الصلاة بها عدد كاف من المصلين إلى الجاليات الإسلامية لتحولها إلى مساجد، واعتبرت وزيرة الشؤون الكنسية أن هذه الفكرة وسيلة توفر عائدات مادية للكنيسة الدانمركية التي تعاني من مصاعب مالية، لأن تكلفة إدارة معظم الكنائس لا تتناسب مع عدد المصلين فيها وهي نسبة لا تتجاوز 5 بالمائة من إجمالي السكان.
 

[ثقة الشعوب في الكنيسة تتراجع يوما بعد يوم]

   ومما يبين لنا إفلاس النصرانية في الغرب أيضا إضافة إلى انتشار الإلحاد وخلو الكنائس من المصلين تراجع ثقة الشعوب الغربية في الكنائس، ففي سنتي 2002 و2003 ميلادية طفت على السطح فضائح الشذوذ الجنسي في كنائس الولايات المتحدة الأمريكية، حيث رفع 950 شخصا أمريكيا دعاوى قضائية ضد (350) قسا اعتدوا عليهم جنسيا في صباهم، وقد أجريت في خضم تلك الفضائح استطلاعات للرأي العام كشفت عن تراجع ثقة الأمريكيين في الكنيسة حيث بين أن 50 بالمائة الأمريكيين فقدوا ثقتهم في الكنيسة هكذا على وجه العموم دون تخصيص بالكنيسة الكاثوليكية أو غيرها.
   وفي النمسا ظهر تراجع كبير في ثقة الناس في الكنيسة أيضا، وذلك حسب تقرير لراديو لندن سنة 2003 حيث أبدى 35 بالمائة فقط من السكان ثقتهم في الكنيسة بعد أن كانت النسبة 48 بالمائة عام 1990، ولا حظ أن هذه نسبة الثقة لا نسبة أداء الصلاة.
 

[إنهم يدخلون في دين الله أفواجا]

   وهناك حقيقة أخرى تؤكد إفلاس النصرانية ينبغي أن تعلم؛ وهي ظاهرة تحول سكان أوروبا وأمريكا من النصرانية أو الإلحاد إلى الإسلام، فقد اعتنق الملايين من الأوروبيين والأمريكان الإسلام، ومازال عشرات الألوف يدخلون في دين الله أفواجًا يوميًا بعد اقتناع ودراسة متأنية، حتى  اعترف الرئيس الأمريكي السابق "بيل كلينتون" بأن الإسلام هو أسرع الأديان انتشارًا الآن في الولايات المتحدة الأمريكية.
    وتقول "إيفالا ماك ديمترا" العالمة الفرنسية المسلمة:" إن ظاهرة اعتناق الإسلام في الوقت الحالي أمر يستحق التسجيل وجذب انتباه العالم الإسلامي والعربي, وخاصة أن الإسلام يعد محور بحث وجذب للعقول المستنيرة الباحثة الدارسة... إن التاريخ يسجل أن العلماء والباحثين والأساتذة كانوا في الماضي ينجذبون إلى الإسلام ويعتنقونه، أما في الوقت الحالي فإن الإسلام يعد مصدر جذب لكل الفئات فيعتنقونه, لأن الدعوة الإسلامية أصبحت ظاهرة وحقيقة واضحة في الوقت الحالي".
    ومضت تقول:" إن اعتناق الشباب للإسلام في أوروبا يأتي نتيجة لتساؤلات ملحة في أذهانهم ولا يجدون لها إجابات فيما يدور حولهم, وبالتحديد في الكنيسة... إنه ربما يكون من أسباب اعتناق الشباب الأوربي للإسلام هو الاقتناع بالإسلام كدين ومعرفة, وخاصة أن الشباب في أوربا يعيش حياة حرة, وتم تدريبه وتربيته على الفهم وإعمال الفكر, فهو لا يتقبل أمورا يكون للنظم السياسية يد فيها, لما لها من تيارات تثير غضب الشباب إلى جانب ما تمليه عليهم الكنيسة من أوامر ونواه لا يعتبرونها منطقية على الإطلاق".
  ويعلل المستشرق الأمريكي الحاقد "ماكدونالد"(Dunckan MacDonald) هذا الإقبال الكبير على الإسلام بعلتين اثنين:
  "الأولى : أن المجتمع الغربي فقد إلى حد كبير معاني الدين, فأصبح مجتمعا لا يدين بأي دين, لا بالنصرانية ولا بغيرها, ومن طبيعة الإنسان أن يكون مقتنعاً بدين ومعتقداً بعقيدة.
  الثاني : أن الإسلام دين سهل ويسير يلبي متطلبات الفطرة التي خلق الله الإنسان عليها".
 

    وفي هذه السنوات التي يشوه فيها الإسلام ويسب فيها رسول الإسلام ازدادت نسبة معتنقي الإسلام، قال سبحانه: ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)، وقال عز وجل: ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصف 8-9)

    ففي فرنسا قدرت مجلة "لوفيجارو" معتنقي الإسلام فيها بـ50 ألف فرنسي، وسجلت إقبالا شديدا علي شراء ترجمة المصحف الشريف والكتب الدينية التي تتناول الإسلام.
    وفي النمسا حسب بعض الجمعيات قد ازداد عدد معتنقي الإسلام من سنة 1970 إلى 2006 بما يقارب العشرين ضعفا, في الوقت الذي تعاني فيه جميع الطوائف المسيحية من تراجع في عدد المنتمين إليها من جراء ازدياد حركة الإلحاد.
    وفي أمريكا التي يفوق عدد المسلمين فيها أكثر من عشرة ملايين نسمة، ومنهم 700 ألف من أصول أوروبية وأمريكية، نشرت "النيويورك تايمز" عام 2001م أن عدد الأمركيين الذين يعتنقون الإسلام سنويا بـ25 ألف شخص، وأن عدد الذين يدخلون دين الله يوميا تضاعف أربع مرات بعد أحداث 11 سبتمبر.
    وفي ألمانيا بلغ عدد نسخ ترجمة معاني القرآن إلى الألمانية التي بيعت سنة بعد أحداث 11 سبتمبر  أربعين ألف نسخة ، وفي سيبيريا كان عدد المسلمين أقل من مليون عند تفكك الاتحاد السوفيتي ، وفي السنوات الأخيرة ارتفع عددهم إلى 4 ملايين نسمة أي نسبة 14.28 بالمائة من إجمالي السكان (وهو 28 مليون نسمة).
    ويتوقع بعض الباحثين أن عدد البريطانيين الذين يعتنقون الإسلام إلى غاية سنة 2020 سيفوق المليونين بريطاني.
 

[القساوسة يعتنقون الإسلام ويبشرون بتعاليمه]

   قال تعالى :( ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة:82-83)
   ومما أسهم في ذلك تحول بعض القساوسة إلى الدعاية إلى الإسلام كالداعية الإسلامي الأمريكي الذي كان قسيسا سابقا والمعروف بـ"يوسف إستس"(Y.estes) الذي دخل على يديه آلاف الأمريكيين إلى الإسلام، وقد حدث أن ألقى محاضرة عن الإسلام، وفي نهاية المحاضرة أعلن جميع من في القاعة إسلامهم وكان عددهم 135 شخصًا أمريكيًا، أعلنوا جميعا الشهادة بصوت واحد.
  وتقول "ديبورا بوتر" (D.potter) عن هذه الحقيقة (وهي صحفية أمريكية أسلمت عام 1980):" إن الناس في أوربا وأمريكا يقبلون على اعتناق الإسلام بأعداد كبيرة، لأنهم متعطشون للراحة النفسية والاطمئنان الروحي، بل إن عدداً من المستشرقين والمنصرين الذين بدءوا حملتهم مصممين على القضاء على الإسلام وإظهار عيوبه المزعومة، أصبحوا هم أنفسهم مسلمين، وما ذلك إلا لأن الحق حجته دامغة، لا سبيل إلى إنكارها".
   ففي كتاب "رحلة إيمانية مع رجال ونساء أسلموا" الذي ألِّف في مايو 2005 يوجد 26 ترجمة لقس ومنصر أسلموا من مختلف بلدان العالم، من فرنسا وإيرلاندا وألمانيا وأمريكا وكندا ومصر وجنوب إفريقيا وتانزانيا وغانا وإثيوبيا والهند والفلبين وسريلانكا وأندونسيا. وهو لم يستوعب ولا قصد الاستيعاب ولكنه جمع ما أمكن من التراجم والسير.
 

[إنهم يشهدون أن محمدا صلى الله عليه وسلم أعظم رجل في التاريخ]

   ومن شواهد إفلاس النصرانية أن علماءهم يشهدون لنبينا صلى الله عليه وسلم أنه أعظم رجل في التاريخ، ونحن نورد أقوالهم هذه من باب قوله تعالى :( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا ) (يوسف:26) ولعل من أوائل من شهد بذلك الشاعر الفرنسي "لامارتين"( Alphonse de Lamartine) المتوفى عام 1869م على كاثوليكيته الذي قال قصيدة له بعنوان من أعظم منك :" إن حياة مثل حياة محمد, وقوة كقوة تأمله وتفكيره وجهاده, ووثبته على خرافات أمته وجاهلية شعبه, وشدة بأسه في لقاء ما لقيه من عبدة الأوثان, وإعلاء كلمته, ورباطة جأشه, لتثبيت أركان العقيدة الإسلامية, إن كل ذلك لدليل على أنه لم يكن يضمر خداعاً, أو يعيش على باطل, فهو فيلسوف وخطيب ورسول ومشرع وهادي الإنسانية إلى العقل ومؤسس دين لا فرية فيه, ومنشئ عشرين دولة في الأرض, وفاتح دولة روحية في السماء, فأي رجل أدرك من العظمة الإنسانية مثلما أدرك؟! وأي إنسان بلغ من مراتب الكمال مثلما بلغ؟".
   ومما قاله قبل ذلك:" فإذا كان سمو المقصد، وضعف الوسائل، وضخامة النتائج، هي السمات الثلاث لعبقرية الرجال، فمن ذا الذي يتجاسر أن يقارن محمدا بأي عظيم من عظماء التاريخ؟‏
    وقد وافقه على هذا "مايكل هارت"(Michael Hart) عالم الفلك والفزياء اليهودي صاحب كتاب "أعظم مائة في التاريخ"، فقد قام بالبحث في التاريخ عن الرجال الذين كان لهم أعظم تأثير على البشرية في جميع مناحي الحياة، وقد جمع في هذا الكتاب مائة رجل كان لهم تأثير على مسيرة البشر وتاريخهم منهم أرسطو وأفلاطون وبوذا وكونفوشيوس وهتلر وزرادشت.
   والشيء الذي يدعو للاستغراب والدهشة في تصنيفته أنه وضع نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في الرتبة الأولى، بينما جعل عيسى عليه السلام في الرتبة الثالثة بعد إسحاق نيوتن، بينما أخر موسى عليه السلام إلى الرتبة السادسة عشر، وقد علل تقديم محمد صلى الله عليه وسلم على عيسى بأنه كان له دور بارز في نشر الإسلام وكان له أثر على المستوى الديني والدنيوي على حد سواء، بينما الذي نشر العقائد النصرانية كما هي عليه الآن هو بولس (صاحب الرتبة السادسة بعد بوذا وكونفوشيوس) وليس المسيح عليه السلام، الذي اكتفى بنشر المبادئ الأخلاقية دون العقائدية وذلك حسب تصور الكاتب وكما هو موجود في الأناجيل المحرفة، وأما الإمبراطور "قسطنطين الأكبر" صاحب مؤتمر "نيقية" الذي غلَّب عقيدة التثليث على عقيدة التوحيد وفرضها الناس بقوة الحديد والنار فقد وضعه في الرتبة الثامنة والعشرين.
    نذكر هذا الكلام وننقل هذه النقول عسى أن تتعظ قلوب وتستنير عقول، ولتثبيت المؤمنين والدعاة العاملين، ولتستيقن نفوس المرتابين أن المستقبل لهذا الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


تم قراءة المقال 3673 مرة