الأحد 10 شوال 1431

صفات المولى عز وجل بين القرآن والكتاب المقدس (الحلقة الأولى)

كتبه 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

(محاضرة ألقيت في مسجد بلدية "أسي يوسف" بتيزي وزو يوم الجمعة 3جمادى الأولى 1431 الموافق لـ 16 أفريل 2010)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، أما بعد : فهذه مقارنة بين صفات الإله في القرآن الكريم وصفات الإله في الكتاب المقدس عند النصارى، مقارنة نعقدها لتثبيت المؤمنين على عقائد التوحيد ولبيان تفاهة العقيدة النصرانية، وأنه لا مجال للمقارنة بينها وبين العقيدة الإسلامية، ونعقدها أيضا لندلل على أن هذا الكتاب الموصوف بالقداسة قد مسه التبديل والتحريف على أيد أناس لا يحبون الله تعالى ولا رسله، ولقد كان مما بينه لنا ربنا عز وجل في القرآن الكريم أن أهل الكتاب قد افتروا عليه وأنهم وصفوه بأوصاف ناقصة فنزه نفسه عن ذلك، كما قال تعالى :} لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران/181] ونحن إذ نحكي هذه الأقوال إنما نرمي إلى تنزيه الله تعالى وبيان كمال صفاته ولنبين جرأة اليهود والنصارى الذي بدلوا كلام الله تعالى ووصفوا ربهم بأبشع الأوصاف.

 

صفات المولى عز وجل بين القرآن والكتاب المقدس (الحلقة الأولى)

أولا : بين عقيدة التنزيه والتشبيه

    إن أول شيء يحفظه المسلم من صفات ربه عز وجل أنه ليس كمثله شيء وأنه الفرد الصمد الذي لم يكن له كفوا أحد، وأن صفاته كلها حسنة بالغة في الحسن غايته وأنه لا يمكن لعقل البشر أن يدرك كمال حسنها ، كما قال تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) وقال : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير) (الشورى/11) وقال: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف:180) وهذه القاعدة تترسخ في قلب كل مؤمن يقرأ القرآن وهو مؤمن به وكذلك من يقرأ أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم.
    وأما من يقرأ الكتاب المقدس فأول شيء يعتقده وآخر شيء يرسخ في ذهنه عقيدة التمثيل والتشبيه، ابتداء من صفات النقص كالعجز والحاجة والجهل والخوف وغير ذلك من الصفات إضافة إلى أشياء أخرى لا يستفاد منها إلا تمثيل الإله بأبشع الصور، ونحن نذكر في هذا المقام واحدا منها على سبيل المثال وإن نفوس المؤمنين لتتقزز منه، يقولون إن لإلههم شفتين ممتلئتان سخطاً، ولسانا كنار آكلة، ونفخته كنهر غامر يبلغ إلى الرقبة " كما في (إشعيا 30/27 - 28 ). وأيضاً له فم يخرج منه نار وأنف يخرج منه دخان كما في ( المزمور 18/9). نعوذ بالله من اعتقاد هذا ، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ) (الصافات :180).
    وجاء في هذا الكتاب أنه يتشكل في صورة بشر كما قصة إبراهيم عليه السلام مع الملائكة التي جاءته البشرى، وفي قصة يعقوب التي افتروها، ومن ذلك قولهم :"فإنه هو ذا الرب يخرج من مكانه، وينزل ويمشي على شوامخ الأرض.. كل هذا من أجل إثم يعقوب " (ميخا1/3 - 5) تعالى عن ذلك ربنا إنه على العرش استوى وعلى الملك احتوى، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.
 
    وجاء في هذا الكتاب –في سفر يوشع -تشبيه الإله بالأسد والنمر ، وكاتب ذلك ربما يظن أنه يحسن صنعا ولكنه أساء فالإله لا يمثل بأحد من خلقه مهما كان كاملا وفاضلا، فكيف يمثل بحيوانات عجماوات.

ثانيا : غنى الله تعالى عن خلقه

   ومما يعتقده قارئ القرآن غنى الله تعالى الغنى المطلق ، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر/15) وهو الغني بمعنى الملك لكل شيء، وهو الغني بمعنى المستغني عن الخلق، مستغن عن الولد وعن الزوجة وعن الشريك وعن المعين وعن الدنيا وما فيها، لأنه كامل بذاته وصفاته سبحانه وتعالى.
   أما الكتاب والمقدس فيعرفنا بإله يحتاج إلى أن يركب "الملائكة الكروب" ليتنقل من مكان إلى مكان، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، وهذا نص ( صموئيل الثاني 22/7 - 11 )"وإلى إلهي صرخت، فسمع من هيكله صوتي، وصراخي دخل أذنيه، فارتجت الأرض وارتعدت، أسس السماوات ارتعدت وارتجت، لأنه غضب، صعد دخان من أنفه، ونار من فمه أكلت، جمر اشتعلت منه، طأطأ السماوات ونزل، وضباب تحت رجليه، ركب على كروب، وطار، ورئي على أجنحة الريح... ".

    وجاء في سفر صموئيل الثاني 16-12 أن داوود وجميع الشعب أخذوا تابوت الرب الله الذي يسمى رب الجنود الجالس على الكروبيوم , وجروا التابوت على عجلة والرب جالس في التابوت وهو يتفرج عليهم, وداود وكل شعب إسرائيل يرقص ويغني ويلعب بالرباب ويضرب بالدفوف والجنوك وينفخ في المزمار ابتهاجا بالنصر على الأعداء.

   وهذا فيه تشبيه للإله بخلقه وأنه تم جره في عربة وهو يتفرج على احتفال عزف فيه بأنواع الآلات الموسيقية.

ثالثا : الحاجة إلى الطعام والشراب

   إن المسلم الذي يستمد عقيدته من القرآن والسنة يؤمن بأن الله تعالى هو الحي القيوم المتصف بالحياة الدائمة والكاملة التي لا تحتاج إلى الراحة والنوم ولا إلى الطعام والشراب، وقد نفى المولى عز وجل عن عيسى وأمه عليهما السلام الألوهية بأنهما كانا يأكلان الطعام ، قال تعالى : (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) [المائدة/75] واحتياج الإله على الطعام قدح في غناه وفي كمال حياته وفي أزليته، إذ كيف كان قبل أن يخلق الطعام ، وهو أيضا وصف له بالنقص لأن كل من يطعم يحتاج إلى التخلص من فضلات ذلك الطعام.
 
   أما كتاب اليهود والنصارى فيقرر أن الإله يأكل ويشرب، حيث يخبر أن الرب زار إبراهيم وظهر له "وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار، فرفع عينيه، وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه، فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض ... ثم أخذ زبداً ولبناً والعجل الذي عمله، ووضعه قدامهم، وإذ كان هو واقفاً لديهم تحت الشجرة فأكلوا ... وذهب الرب عندما فرغ من الكلام مع إبراهيم " (التكوين 18/1 - 23).
   وحقيقة هذه القصة أن الله تعالى أرسل إلى إبراهيم ملائكة وأنه لم يعرفهم فقدم لهم عجلا فلم يأكلوا ، قال تعالى : (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) [هود/69-71]
 
    ولم يكتفوا بإثبات الأكل حتى زادوا اشتهاءه وشمه، حيث يذكر سفر التكوين أن الله تعالى رضي عن نوح وقومه بعد أن شم رائحة شواء المحرقات التي قدمها نوح على المذبح " وبنى نوح مذبحاً للرب، وأخذ من كل البهائم الطاهرة، ومن كل الطيور الطاهرة، وأصعد محرقات على المذبح، فتنسم الرب رائحة الرضا.... " (التكوين 8/20 - 21).

رابعا : الحياة الكاملة

  ومن صفات الله تعالى في القرآن الكريم صفة الحياة وهي صفة كاملة لا يعتريها نقص وهي أكمل وأشرف من الحياة التي يتصف بها العباد؛ فليس لها أولية ولا نهاية ولا يتخللها نوم أو نعاس ولا يحتاج لاستمرارها إلى الطعام والشراب، قال الله تعالى : (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ ) [البقرة/255] وقال سبحانه : (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ) [الفرقان/58] وقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ" رواه مسلم .
 
   أما في الكتاب المقدس فالرب ينام و يستيقظ كما في المزامير (78 :65) "فاستيقظ الرب كنائم كجبار معّيط من الخمر". وانظر إلى ذلك التشبيه وسوء الأدب مع الرب، وكذلك جاء هذا الوصف في زكريا (2/13) "اسكتوا يا كل البشر قدام الرب لأنه قد استيقظ من مسكن قدسه" .
 
   وكما أنه ينام فإنه يسهر أحيانا ففي إرمياء 31/28 :"ويكون كما سهرت عليهم للاقتلاع والهدم والقرض والإهلاك والأذى كذلك أسهر عليهم للبناء والغرس يقول الرب".
(يتبع)
تم قراءة المقال 3945 مرة