الأحد 17 شوال 1431

صفات المولى عز وجل بين القرآن والكتاب المقدس (الحلقة الثانية

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

خامسا : إرادة الله تعالى المطلقة ومشيئته النافذة

   إنه لا يصح إسلام العبد ولا تستقيم عقيدته حتى يعتقد بأن لله تعالى الإرادة المطلقة والمشيئة النافذة، (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) [التكوير/29] (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) [البروج/14-16] فلا يعجزه شيء ولا يقف في وجه حكمه أحد ( وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ) [الرعد/41]

وأما الكتاب المقدس الذي يريد النصاري من المسلمين أن يؤمنوا بما فيه وأن يتحولوا إلى عقائده فالأمر فيه ليس كذلك، فالإله يحتار فيما يختار ويشاور الملائكة فيما يفعل ويترك، ومن الناس من يتحكم فيه ويفرض عليه شروطا لتنفيذ أوامره.

 

صفات المولى عز وجل بين القرآن والكتاب المقدس (الحلقة الثانية

 

   ومن ذلك أنه شاور الملكين اللذين رافقاه في ذهابه إلى إبراهيم عليه السلام، هل يخفي عليه حقيقة المهمة التي جاء لأجلها أم لا؟ وهي عقوبة قوم لوط، جاء في سفر التكوين 18/17- 21) :"فقال الرب: هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله ؟".

وتأمل معي قصة جِدعون الواردة في سفر القضاة (الإصحاح 6 العدد 11-40) التي لطولها أنقلها مختصرة مقتصرا على محل الشاهد، يقول الكتاب أراد الرب أن يخلص بني اسرائيل فأرسل ملاكه إلى جدعون ليقول له : " الرب معك يا جبار البأس " ولكن جدعون لم يقتنع بكلام الملاك ويعتذر عن المهمة ويقول بكل وقاحة : " إذا كان الرب معنا فلماذا أصابتنا كل هذه (يقصد الهزائم ) وأين كل عجائبه التي اخبرنا بها آباؤنا؟

ثم نزل الرب بنفسه ليقول له:" اذهب بقوتك هذه, خلص إسرائيل"، ولكن جدعون أراد أن يتملص من هذه المهمة, وادعى أنه لا بد أن يتأكد أن يخاطب الرب, فقال:" إنك أنت تكلمني لا تبرح من هنا حتى آتي إليك وأخرج تقدمتي وأضعها أمامك , ووافق الرب قائلا : إني أبقى حتى ترجع". وذهب جدعون وأتى بجدي معزى ودقيق حتى يتأكد أن الرب يتقبلهما .. لحم مشوي فأكل الرب وتنسم نسيم الرضا عند رائحة اللحم المشوي!! وقال جدعون بعد ذلك كله ليمتحن الرب:" إن كنت تخلص بيدي إسرائيل كما تكلمت فها إني واضع جزة الصوف في البيدر، فإن كان طلّ على الجزة وحدها, وجفاف على الأرض كلها, علمت أنك تخلص بين يدي إسرائيل" ووافق الرب على ذلك وفي الصباح كان الطل على الجزة وعصر منها ملء قصعة من الماء وكانت الأرض جافه, ولم يكتف جدعون بذلك وقال للرب : " لا يحم غضبك عليّ , فأتكلم هذه المرة فقط , أمتحن هذه المرة فقط بالجزة , فليكن جفاف في الجزة وحدها , وعلى الأرض فليكن الطل".

وكأنما هذا الرب أصبح خادما عند جدعون يفعل له ما يريد, يشترط عليه الحضور بنفسه فيحضر ثم يمتحنه امتحانا بعد امتحان كي ينفذ له أمره الذي أمره به، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

سادسا : علم الله تعالى الشامل لكل شيء

   إن الله عز وجل متصف بصفة العلم الكامل الذي لا نقص فيه ولا خطأ، فهو يعلم الظواهر والبواطن ما فات وما هو آت علمه قديم ليس بمكتسب لا يدخله الخطأ والنسيان، قال سبحانه : (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ)  [الرعد/8-10] وقال : (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(  [الطلاق/12] ولا أحد يمكنه أن يصل إلى علمه سبحانه، قال عز وجل : (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) [يوسف/76] ومن دلائل ذلك أسماء الله الحسنى المتكررة في القرآن العليم وعالم الغيب والشهادة والخبير واللطيف والحفيظ والشهيد الرقيب والمحيط وغيرها.

أما الكتاب المقدس فيطعن في كمال علم الله تعالى، في مواضع كثيرة ، ومن ذلك أنه لم يعلم أن آدم أكل من الشجرة إلى حين وجده اختبأ جاء في (التكوين 3/8) "وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار ... فنادى الربُّ الإلهُ آدمَ، وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة، فخشيت لأني عريان، فاختبأت. فقال: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟".

والذي نعتقده في قضية العلم والتعليم أن الله تعالى لما خلق آدم علمه الأسماء كلها قبل أن يحرم عليه تلك الشجرة (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة/31]

ومن طعنهم في الرب سبحانه وصفه بالنسيان تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، فقد زعم من كتب الكتاب المقدس أن الإله جعل قوس قزح علامة تذكره بالميثاق الذي ضربه لنوح ومن معه:"أقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضاً بمياه الطوفان ... وضعت قوسي في السحاب، فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض .... فمتى كانت القوس في السحاب أبصرها لأذكر ميثاقاً أبدياً..." ( التكوين 9/11- 17).

أما القرآن الكريم فيعلمنا عكس ذلك أن اليهود هم الذين نسوا ما ذكروا به وخانوا المواثيق وقال عز وجل: (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) [طه/52] وقال : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم/64]

سابعا : لا علم كامل إ لا لله ولا حياة كاملة إلا الله

   إن الصفات الكاملة التي يتصف بها ربنا عز وجل صفات أزلية لم يكتسبها لا يوجد من يشاركه فيها، ولا يمكن أن يشاركه في أحد، ومنها صفة العلم والحياة .

  أما الكتاب المقدس فيحدثنا عن إمكانية المشاركة، بل عن وقوعها، فآدم عليه السلام عندما أكل من شجرة العلم(حسبما يزعمون) أصبح متصفا بالعلم كالإله، وطرده من الجنة خوفا من أن يأكل من شجرة الحياة أيضا فيخلد كخلود كالرب (تعالى الله عن ذلك)، جاء في سفر (التكوين 2/16-17)" أوصى الربُ الإلهُ آدمَ قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها" ولما أكل منها وأصبح يميز بين الخير والشر حسبهم، وجاء في (3/22-23) "قال الرب الإله: هوذا الإنسان قد صار كواحد منا، عارفاً الخير والشر. والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً، ويأكل ويحيا إلى الأبد. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها ". وأقام سيفا ملتهبا لحراسة طريق شجرة الحياة حتى لا يصل إليه أحدا.

   والذي يقرره القرآن الكريم أن آدم عليه السلام قد أكل من شجرة زين له الشيطان أنها شجرة الخلد، قال عز وجل: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) [طه/120]

ثامنا : التقديرالسابق للحوادث

  إن من أركان الإيمان التي لا يؤمن العبد حتى يسلم بها الإيمان بقدر الله تعالى، الذي يتضمن علم الله تعالى السابق بكل الحوادث وكتابة ذلك في اللوح المحفوظ، قال سبحانه: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحديد/22] وأن ما قدره الله تعالى يقع حتما على وفق ما قدره سبحانه لا مخالفا له ، قال سبحانه : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) [القمر/49]

   وليس ثمة شيء من ذلك في الكتاب المقدس ، بل الذي يوجد فيه أن الإله لا يعلم عواقب الأمور، وأنه يندم على أفعاله، والندم فرع عن الجهل كما لا يخفى، وقد تكرر وصف الإله بالندم في غير موضع من هذا الكتاب الموصوف بالقداسة.

1-وأول ذلك الندم والحزن على خلق بني آدم:"رأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه، فقال الرب: ... لأني حزنت أني عملتهم" (التكوين 6/5-7)

2-وتذكر التوراة أنه لما عبد بنو إسرائيل العجل غضب الرب عليهم وتوعدهم بالشر ثم ندم على ذلك " وقال الرب لموسى.. فالآن اتركني ليحمى غضبي عليهم وأفنيهم "، فكان من جواب موسى أن قال: " ارجع عن حمو غضبك، واندم على الشر بشعبك. اذكر إبراهيم وإسحاق وإسرائيل عبيدك الذين حلفت لهم بنفسك، وقلت لهم : أكثر نسلكم كنجوم السماء، وأعطي نسلكم كل هذه الأرض التي تكلمت عنها فيملكونها إلى الأبد، فندم الرب على الشر الذي قال أنه يفعله بشعبه " ( الخروج 32/9 - 14).

3-وفي مرة أخرى " كان الرب مع القاضي، وخلصهم من يد أعدائهم، كل أيام القاضي، لأن الرب ندم من أجل أنينهم " (القضاة 2/18).

4-ومثله ندم الرب بعد أن قتل مقتلة كبيرة في بني إسرائيل، فقد "جعل الرب وبأ في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد، فمات من الشعب - من دان إلى بئر سبع - سبعون ألف رجل، وبسط الملاك يده على أورشليم ليهلكها، فندم الرب عن الشر، وقال للملاك المهلِك الشعب: كفى، الآن رد يدك" (صموئيل الثاني 24/15-16).

5-وفي سفر عاموس (7/1-3) :"نشر الله الجراد في أرض إسرائيل عقوبة لها فكلمه عاموس قائلا : أيها السيد الرب أفصح كيف يقوم يعقوب - إسرائيل - فإنه صغير , فندم الرب على هذا"

6- وعندما غضب الرب على الملك حزقيال وقرر أن يميته, بكى حزقيال وقام وصلى, فندم الرب ورجع عن قراره وزاده خمس عشرة سنة من العمر (سفر الملوك الثاني 20/1-6)

7-وجاء في (صموئيل الأول 15/10) " ندمت على أني جعلت شاول ملكاً، لأنه رجع من ورائي، ولم يقم كلامي ". وذلك لأنه لم يطع أمره في مذبحة عظيمة أرادها.

8-11ومثل هذا الندم في الأسفار كثير انظر : (إرميا 26/19، 42/11)، (عاموس 7/6)، (التكوين 18 /20).

ومثل هذا التكرار يجعل نفي القدر والعلم السابق والاتصاف بالندم وعدم حسن تقدير الأمور من أساسيات العقيدة في هذه الكتاب ، وعلى العاقل أن يتدبر الأمر أي الكتابين يستحق أن يكون مقدسا، وأيهما اشتمل على الدعوة إلى تعظيم الإله ومحبته والخوف منه ودعائه وتوحيده في عبادته.

 

(يتبع)

 

 

تم قراءة المقال 3259 مرة