الأربعاء 12 شعبان 1432

العناية بالأطفال في العطلة الصيفية

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

   إن هذه العطلة الصيفية جزء من حياتنا، بل جزء ثمين من حياتنا، لأن أيام الصيف طويلة مباركة لمن أحسن استغلالها، ولأننا نتخلص فيها من أكثر شواغل الدنيا التي تصرفنا عن كثير من الواجبات، تلك شواغل التي تصرفنا عن أن نعطي أنفسنا حقها من الراحة والاستجمام، وعن أن نعطي أهلنا وأولادنا حقهم من العناية والاهتمام، والكيس الفطن من عرف كيف يغتنم هذه الأيام في استدراك ما فاته من واجبات وجبر تقصيره في حق أولاده وأسرته.

 

العناية بالأطفال في العطلة الصيفية

 

  نعم إن هذه العطلة فرصة لكل أب أن يراجع نفسه، وأن ينظر في تعامله مع أولاده وفي تربيته لهم، وفي جلوسه معهم واستماعه إلى احتياجاتهم وطموحاتهم، إذ كثير من الآباء يشغلهم عملهم في الإدارة أو التجارة عن مجالسة أولادهم وعن نصحهم وتفقد أحوالهم، وكثير من الآباء يجول به طلبه للرزق أطراف البلاد؛ فلا يجد فرصه للقاء أولاده لقاء طويلا يشعرون فيه بطعم الأبوة إلا أيام العطلة، فعلى الآباء أن ينتبهوا إلى أن هذه العطلة ليست حقا لهم في الراحة والاستجمام فحسب، بل هي من حق أولادهم وأزواجهم أيضا.

مشاورة الأولاد في وضع برنامج العطلة الصيفية

   ومما ينصح به الآباء في هذا المضمار أن يسطروا برنامج عطلتهم بالتشاور مع أهليهم الأزواج والأولاد، وعليهم أن يختاروا من المقترحات ما كان مفيدا ومقدورا عليه وما اقترحه الأكثر حتى يكون الجميع سعيدا بهذا البرنامج الذي يفترض أن يتضمن أنشطة متنوعة وزيارة أماكن مختلفة للسياحة والترفيه وصلة الأرحام وزيارة الأقارب ونحو ذلك، على أنه يفترض في الأب أن يجري التعديلات المناسبة وأن يوجه الأولاد التوجيه الصحيح لأنه إن سايرهم في كل رغباتهم لكانت عطلتهم كلها لهو ولعب دون أي عمل مفيد.

   وليعلم الآباء أنهم بإشراك أولادهم في إعداد البرنامج يقومون بعمل تربوي كبير، إذ ذلك يجعل كل واحد منهم يحس بأن له كياناً معتبراً ودوراً مؤثراً، كما ينمي فيهم الحس الجماعي ويعلمهم احترام الآخرين وتقدير آرائهم، فضلا عن أن العمل سيكون سببا في زيادة المحبة والمودة والتفاهم بين أفراد الأسرة.

مراعاة جوانب القصور في الأولاد

   وحتى لا تقضى العطلة -وهي طويلة إذا تدوم بالنسبة للأطفال قرابة الثلاثة أشهر- كلها في اللهو واللعب؛ فمما ينصح به الآباء أن يدخلوا في هذه البرامج الصيفية ما يعالجون به جوانب القصور في أولادهم سواء في أخلاقهم وسلوكهم وتدينهم أو في دراستهم وتفكيرهم.

   فكثير من الأولاد يتهاون في حفظ القرآن الكريم خلال السنة الدراسية، وقد يكون ذلك بسبب كثافة برامج الدراسة أو بسبب انشغال والده عن مراقبته، فإذا جاءت العطلة فهي فرصة لتسجيل الولد في الحلقات القرآنية أو الدورات الخاصة بالقرآن، بهذا يستدرك الولد ما فاته من خير خلال السنة، كما أنه يجد في هذه الدورات جوا جديدا لم يألفه من قبل، جوٌّ يملأه الذكر والطاعة والأدب والمنافسة الشريفة والأخوة الصادقة، وغير ذلك من الأشياء التي لا توجد إلا في حلق القرآن؛ في بيوت الله تعالى أو المدارس القرآنية.

   وكثير من أطفالنا في هذه الأعوام الأخيرة ظهر عليهم القصور في تعلم اللغات الأجنبية، حتى أصبح ذلك ظاهرة يتحدث عنها العام والخاص، وذلك يرجع أساسا إلى مستوى البرامج العالي الذي لم تراع فيه سنة التدرج فلم يستوعبه التلاميذ وربما يرجع أحيانا إلى عدم كفاءة المعلمين المكلفين بتعليمها ،  وربما يرجع إلى أسباب أخرى، وليس من المجدي أن يبقى الآباء يلقون باللائمة على غيرهم ويتركون أولادهم على حالهم، بل عليهم أن يحاولوا تدارك هذا النقص الظاهر في أولادهم أثناء هذه العطلة، وذلك بتسجيلهم في المراكز الخاصة لتعليم اللغات سواء التجارية منها أو الخيرية التابعة لبعض الجمعيات الثقافية، وكذلك الأمر إذا كان في بعض الأولاد قصور في مواد أخرى، ولا تخشى أيها الأب على عطلة ولدك من أن تكون كلها دراسة فإنها طويلة بل طويلة جدا، ولو أخلصها كلها للعب لَمَلَّ اللعب ولو أخلصها للسفر لَمَلَّ السفر، ولو أخلصها للنوم لَمَلَّ النوم وأتبعه.

   ومن الأمور التي لا بد أن يجعلها الوالد في برنامجه الخاص مراقبة أولاده في المحافظة على الصلوات، فإنه ربما كان عاجزا عن ذلك خلال فصول السنة ولكنه اليوم حاضر مع أولاده في كل وقت فيستطيع أن يمتثل لقول النبي صلى الله عليه وسلم :"مروا أولادكم بالصلاة"(رواه أبو داود). والأولاد الصغار مهما كانوا طائعين لآبائهم ومهذبين في سلوكهم؛ فإنهم ولا بد يصيبهم التهاون أحيانا أو كثيرا عن أداء الصلاة في وقتها، وفي أيام العطلة التي يصطافون فيها على الشواطئ أو الغابات أو يزورون فيها الأقارب يزداد تكاسلهم عن الصلاة بسبب شغلهم باللعب واللهو، ومنه فإنه يطلب من الأب مزيد تنبهٍ وحرصٍ على هذا الأمر وأن يكون هو القدوة السباق إلى المحافظة على الصلاة .

ومن الأمور التي ينصح بها الآباء تنظيم مسابقات بين الأولاد -وربما يشاركهم أولاد أعمامهم أو أخوالهم أو جيرانهم- مسابقات ترفيهية في ميادين مختلفة رياضية وفكرية وتاريخية ودينية، وليكن من ضمنها مسابقات في حفظ الأذكار النبوية اليومية أو بعض السور القرآنية، أو مسابقات في الحفاظ على الصلاة في وقتها، وليكن لكل يوم جائزته حتى تتجدد الهمة، ولا تنقطع آمال من لم يفز في اليوم الأول، والجائزة البعيدة قد تكون سببا للفتور وللملل وللانقطاع عن طلبها، ولا تهم قيمة الجائزة بقدر ما يهم أن يُخلَق جوٌّ مشحون بالمنافسة الشريفة والمفيدة.

النشاطات الجماعية

ومن الأمور التي يوجه إليها الأولاد في العطلة؛ النشاطات الجماعية التي تعود بالفائدة العامة وتربيهم على التعاون على البر والتقوى، وتسود فيها بينهم روح الأخوة والمحبة والمودة، ومن ذلك تنظيم حملة لتنظيف الحي من القمامات والفضلات الضارة، أو حملة لتنظيف الغابة أو الشاطئ الذي يصطافون فيه، أو تنقية المزارع من الأشواك أو مساعدة الفلاحين في جني الثمار، ونحو ذلك من النشاطات ذات المنفعة، والتي لا تخلو من جوٍ مرح يجد فيه الطفل راحته ويرفه به عن نفسه.

القراءة ومشاهدة البرامج الثقافية

  وإذا كان الأطفال في سن المراهقة فإن من الأشياء التي يوجهون إليها المطالعة وقراءة كتب الأدب وغيرها ، لذلك ينصح الأب باصطحاب بعض الكتب في رحلته وسفره مع أولاده، وكذا ما يراه مهما من أشرطة سمعية ومرئية تحوي برامج ثقافية يقدر أهميته بالنسبة لأولاده، ولا بأس أن يكون موضوع بعض هذه الكتب أدبيا مسليا كأخبار الأذكياء والبخلاء والحمقى والمغفلين وكذا الأشرطة، فإنَّ الأب قد يلاحظ في أولاده مللا ناتجا عن رتابة وجدوها في عطلتهم؛ فيضطر إلى البحث عن وسائل لكسر هذه الرتابة، ومنها هذه الكتب وهذه الأشرطة ومنها المسابقات المشار إليها سابقا.

اقتربوا ولا تبتعدوا

   أيها الآباء اقتربوا في هذه العطلة من أولادكم ولا تبتعدوا، فإن ذلك من حقهم عليكم، وشاركوهم في فرحتهم ووجهوهم إلى ما فيه صلاحهم، فإن لم تفعلوا فلتعلموا أنكم ستتركونهم لأهل الفساد المتربصين بالأولاد في كل مكان، سيسحبونهم إلى شواطئ الفسق والفساد والخلاعة، وسينقلونهم إلى عالم الفساد في الأنترنت، سيزينون لهم السهرات الفارغة التي لا تراعى فيها حدود الله تعالى، وسيُعلمونهم أشياء لم تكن لتخطر لكم على بال، وإذا كانت العطلة لا تعني تعطيل العبادات؛ فإنها أيضا لا تعني تعطيل المسؤوليات الشرعية، وقد يغفل الوالد عن أولاده شهرا أو شهرين فيكون ذلك سببا لفساد أخلاقهم وانحرافهم أو إدمانهم على الخمر والمخدرات فيندم الندم العظيم، وليعلم الأب أن ولده يحتاج إلى عنايته ورعايته وحفظه في هذه المدة أكثر من غيرها، وذلك أنهم في فراغ عن الأشغال، والفراغ الخالي من التوجيه والاستثمار من أكبر أسباب الانحراف ودواعي الضلال كما قال الشاعر:

   إن الشباب والفراغ والجده*** مفسدة للمرء أي مفسده

   لاسيما في هذه الأزمان التي كثرت فيها أسباب الضلال التي تتخطف الناس عن صراط الله المستقيم، فاحرصوا أيها الأولياء على إشغال أولادكم بما يفيدهم ويحفظهم، وإياكم والتفريط فيهم فإنه من تضييع الأمانة التي ستسألون عنها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا » (متفق عليه).

تم قراءة المقال 3708 مرة