الجمعة 8 رمضان 1438

دلالة أثر ترك الامام مالك رحمه الله لحلق العلم في رمضان مميز

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

قال ابن عبد الحكم "كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف".
   هذا أثر يكثر تداوله بين الناس في شهر رمضان؛ ولكن في سياقات مختلفة، أوفقها سياق التأكيد على الاقبال على القرآن في هذا الشهر الكريم، ومزيد العناية به تلاوة وتدبرا..
   ومن الناس من يضعه في سياقات أخرى خارجة عن مراد الامام مالك قطعا ومصادمة لدلالة النصوص ومنافية لمقاصد الشرع..وهذا يجلى مشكلة في تعامل البعض مع آثار السلف؛ حيث تعطى لها دلالات ربما لا تعطى للنصوص، وربما يقدم الأثر على النص، مع كونه فعلا لا قولا ؛ وصادرٍ من واحد لا من المجموع ..وكل هذا غلط...
1-فبعض العوام يستند إلى هذا الأثر للتأكيد على شرعية هجر حلق العلم في رمضان..ولو كانت في أحكام الصيام أو في الوعظ والتذكير بل ولو كانت في تفسير القرآن..وهذا من تلبيس إبليس على العامة حيث يجد المفرط في مجالس العلم متكأ لتقصيره -على الأقل في رمضان-..وينقطع من كان المواظبين عليها بدلا الاستزادة منها في هذا الشهر..وهذا الصنيع مخالف لدلالة النصوص الآمرة بالاكثار من الطاعات في رمضان وخارج تماما عن مراد اللإمام مالك رحمه الله..فالامام مالك فقيه ومحدث لا يعرف العطلة حتى في يوم الجمعة وإذا جاء رمضان ترك الفقه والحديث ليتفرغ للقرآن ..ومالك أحد المدرسين لا جميعهم، وليس مراده ترك الوعظ والتذكير، إذ لم يكن إماما رسميا مكلفا بالوعظ والإرشاد، وترجيح تلاوة القرآن على مجالس الحديث والفقه في رمضان، لا يلزم منه هجر مجالس الوعظ والتذكير، ولو قيل إن مالكا كان يسرح طلابه ليتمكنوا من حضور مجالس الوعظ لما أبعدنا..ثم إذا نظرت إلى حال كثير من هؤلاء الزاهدين في حلق العلم الزاعمين التفرغ للقرآن تجد أحسنهم حالا من يختم القرآن في رمضان مرة أو مرتين..وإذا ذُكر له حال السلف وما كانوا يقرأون في اليوم الواحد، رده بقوله: من فعل ذلك لم يفقه القرآن، وكأنه عندما قرأ القرآن مرة أو مرتين في الشهر قد فقهه..وأنى له الفقه وهو قد هجر مجالس العلم والتفسير ..
2-وممن يخطئ في فهم أثر الإمام مالك الوعاظ والمدرسون الذين يتذرعون به لترك واجبهم في هذا الشهر، ولا حجة لهم لأن الامام مالك لم يكن واعظا ومذكرا؛ وإنما كان فقيها مفتيا ..فبدلا من مضاعفتهم الجهد في هذا الشهر لاستقبال الجموع الوافدة على بيوت الله وتثبيتها على الخير والطاعة؛ تجد منهم الكسل والقعود.. ودلائل الشرع تحث المرء على الزيادة في الأعمال الصالحة في هذا الشهر؛ فالمتصدق يزيد في صدقته والمصلي يزيد في صلاته، والتالي يزيد في تلاوته، وكذلك المدرس يزيد في دروسه..
    وقد يضيف بعضهم إلى ذلك جهالة أخرى فيزعم أن تخصيص رمضان بالدروس بدعة..مع أن هذا التخصيص معلل بمصالح بينة ظاهرة ..ومنهم يزيد على ذلك فيثبط عن المشاركة في المسابقات القرآنية..مع أنه يبرر لكسله بأن رمضان شهر القرآن.. ومنهم من لا يرى من فضائل رمضان إلا العمرة التي تعدل حجة؛ فتجده يعظمها للناس تعظيما، وربما يخصها بدروس تمهيدا وتبريرا لتركه مكان عمله..ويفعل ذلك كل سنة..ويدعم فعله بفتوى مفادها جواز دفع الزكاة لمن يريد العمرة(؟)..ومن لم يجد مزكيا أو متبرعا، انتحل وظيفة "حامل الأمتعة" عند بعض الوكالات السياحية وعلق على ظهره وسام مرشد ..وهو قد ترك مهمة الإرشاد في بيت الله تعالى، وقد تكون وظيفته الرسمية التي بها يستحل أجرته...والإمام مالك برئ من صنيع كل هؤلاء .

تم قراءة المقال 1528 مرة