الأربعاء 24 رجب 1441

كورونا والإعلام مميز

كتبه 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

 

 

 

    لا ينكر أن انتشار هذا المرض اتخذ صفة الوبائية في بعض البلاد لا جميعها بل في بعض جهات تلك البلدان، ولكن طريقة معالجة الإعلام العالمي -والمحلي تبعا له- طريقة فيها تهويل ومصادرة، فهي لا تكتفي بنقل المعلومة المجردة بل تكرر المعلومة كل لحظة بطريقة تجعل الفرد موتورا يتخيل المرض يطرق باب بيته. ومن طرق الإرهاب الزعم مثلا بأن الجزائر الأولى عالميا من حيث نسبة الوفيات مقارنة بالإصابات، في حين أن منظمة الصحة العالمية تعالج نسبا متعلقة بعدد الإصابات مقارنة بالتعداد السكاني، إذ هناك بلد عدد الاصابات فيه هو واحد توفي، فهل نجعل هذا البلد أكثر تضررا من الصين وإيطاليا وإيران؟ 
 والذي ينبغي اعتقاده اعتقادا جازما أن الاعلام هو الذي يصنع الخوف والأمن وهو الذي يوجه الرأي العام يمينا ويسارا ..فكم من قضية كان الناس يتابعها أولا بأول ثم فجأة تسكت وسائل الإعلام سكوتا مطبقا ولا يتساءل الناس عن بقية الأحداث وتتمتها، فالناس كلها قبل سنين كانت تتابع تطور الأحداث في أفغانستان ومظاهر مقاومة طالبان للأمريكان والحكومة الموالية لهم ثم فجأة انقطعت الأخبار ولو سألت أحد المتابعين لقال إن التنظيم قد فني، حتى ظهر التنظيم من جديد في وسائل الإعلام بمناسبة جلوسه على طاولة المفاوضات مع أمريكا مباشرة مما يوحي انه كان حيا ومؤثرا طيلة هذه السنين ولكن الإعلام لم يرد للناس أن تحس بهم وأن تشعر بمقاومتهم لاعتقاده أن قتلهم في صمت أحسن من قتلهم أمام أعين العالم.
    ولو أسأل من كان هو أسن وكان متابعا لحرب كوسوفو ؛ كيف كانت نهايتها؟ ولما درى ما يقول وقد كانت نهاية مأسوية، حيث كانت ثمرة الجهاد من أجل استقلال شعب مسلم عن الاتحادية النصرانية أن يولى عليها حاكم أمريكي لمدة عشر سنوات كاملة في انتظار تكوين الاطارات العلمانية التي تستطيع قيادة البلاد، وهنا نسأل هل كان الإعلام المتابع للمعارك أولا بأول عاجزا عن تبصير العالم بمصادرة استقلال كافح من أجله شعب بأكمله؛ ليمنح لعملاء فلما تعذر وجود عملاء مؤهلين، تم تأجيل الاستقلال عشر سنوات كاملة..
   وإذا كان هذا شأن الإعلام العالمي فإن الإعلام المحلي ما هو إلا صدى له تابع في القضايا الدولية؛ ولا يشترط أن يكون مأجورا ليؤدي مهمة التضليل أو صرف الرأي العام، بل يكفي نظريات الإثارة التي يتلقاها الإعلامي في تكوينه، ومفهوم السبق الصحفي وداعي المنافسة الذي يسيطر عليه ليؤدي تلك المهام على أحسن وجه.
  ولعلنا في سياق ذكر أثر الإعلام في تسويق الرعب نذكر الناس بمسلسل اختطاف الأطفال الذي ألفناه منذ سنوات، تبدأ السنفونية الإعلامية تعزف من منتصف شهر أوت أو بدايته –حسب توقيت الحادثة المستثمرة-ولا تتوقف إلا مع نهاية شهر أكتوبر أو نوفمبر، وبعد أن تشغل الرأي العام في الجزائر وتحدث الفزع في قلوب الناس؛ تتوقف بعد مرور الدخول الاجتماعي بسلام، والناس كادت تصدق أنه ثمة موسم لاختطاف الأطفال، في حين أن حوادث الاختطاف موجودة ومفرقة على مدار السنة من غير أن تصل إلى كونها ظاهرة، ولكن الاعلام المأجور المأمور يبث الرعب بتسليط الضوء على حادثة من الحوادث الجديدة أو التذكير بالقديمة إن لم يجد أو يستثمر في حادثة ضياع لا اختطاف في أوقات معينة؛ بأساليب ماكرة تحقق أهدافها وزيادة، ومن ذلك تضخيم الأرقام الذي قد لا يصدق مداه (في سنة 2015 مثلا كانت هناك 15 حالة رسمية أوصلتها وسائل الإعلام إلى 200 حالة) قد أكون مخطئا؛ ولكني لن أكون مغفلا إلى درجة التصديق أن ممتهني اختطاف الاطفال شغلهم الحراك والتحضير للانتخابات في الدخول الاجتماعي الفارط ، أو أن ظاهرة اجتماعية عولجت طبيعيا في ظرف سنة.
   أرجع إلى كورونا فأقول إذا كان الإعلام يريد أن يقوم بدور إيجابي فعليه أن يتخلى أسلوب المطرقة والتهويل وأن ينشر ما يبث السكينة في نفوس الناس، ويكون ذلك بتكثيف المادة الاعلامية التي تعرف الناس بطبيعة المرض وكيفية انتشاره وأن قليلا من الوقاية والتزام الطهارة يجعل المرء في مأمن ومادة إعلامية تعرف بأعراضه المؤكدة والمظنونة ليسارع المصاب إلى العلاج لأن الوفيات سببها تأخر اكتشاف المرض أو الاصابة بأمراض مزمنة، وتعطى المنصات للأطباء الذين يكون مبدؤهم بث السكينة والأمن في نفوس الناس، في إطار التوعية والحذر، وتعطى أيضا للأئمة للتوعية العقائدية التي توجه المرء نحو الإيجابية في التعامل مع الخوف من المرض، وتحافظ على نفسيته حتى لا يتعطل فكره وحواسه عن مزوالة واجباته اليومية.. هذا هو الواجب وليس اعطاء المنابر للأطباء كما دعا إليه البعض وكأنهم يحسدون الأئمة على المساحة الضيقة الممنوحة لهم في التأثير في المجتمع ويرون الكلام عن هذه القضايا بخلفية دينية تخلفا ورجعية، وكلامهم المسموم لا يقل خطورة عمن لا يذكر المستشفى الأعظم إلا إذا ذكر المسجد الأعظم.
   ماذا استفاد المجتمع لما نشر فيه الرعب، سوى تعطيل جميع أشكال التعلم في المدارس والجامعات وغيرها، وصار الناس بلا داع يتكلمون عن تعطيل الجماعة والجمعة، لأن ذلك لا يكون إلا بعد تفشي المرض لا قدر الله وفي مناطق يفرض عليه الحجر، وظهرت من شدة الرعب الدعوة إلى إغلاق الحدود جويها وبحريها وبريها وإلى التخلي عمن هو خارج الجزائر وتركه مشردا، وازدحم الناس على تخزين المواد الغذائية وكأننا مقبلون على حرب ..حتى أصدرت الجمعية الوطنية للتجار الحرفيين بيانا نهار اليوم (16 مارس) تتحدث فيه عن ارتفاع الطلب بأكثر من 30 % خلال 48 ساعة الأخيرة على المواد الاستهلاكية عامة والغذائية خاصّة( البقوليات والحبوب الجافة والدقيق ومشتقات العجائن والحليب والزيت والسكر والقهوة والمصبرات والمعلبات)..نسأل الله الهداية والبصيرة والتوفيق

 

 

 

تم قراءة المقال 151 مرة