الأحد 26 محرم 1445

أصل شبهة التجسيم ولازمها غير المتناهي

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

أصل شبهة التجسيم ولازمها غير المتناهي
إن أول ورطة وقع فيها المتكلمون من المعتزلة والجهمية اعتمادهم على ما سمي دليل حدوث الأجسام لإثبات أن العالم مخلوق؛ ليتسنى لهم بعدها إثبات الخالق وإقناع ملا حدة الفلاسفة بوجوده؛ هذا الدليل الذي لا يأبه بمثله الفلاسفة أورد شبها عظيمة لدى معتمديه حيث رسخ في نفوسهم شبهة التجسيم وجعلهم ينفون الصفات عن رب العالمين .
    ثم إن الأشعري رحمه الله تعالى لما ترك مذهبهم والتزم العودة إلى طريق السلف سلم لهم صحة ذلك الدليل، وظن أنه سيسلم من شبهة التجسيم إذا نفى الصفات الفعلية -التي تستلزم التغير والانتقال حسب تصور المعتزلة-، وظن أنه إذا أثبت الصفات الخبرية مع التأكيد نفي التكييف سيسلم أيضا من تهمة التجسيم التي كان يشهرها المعتزلة في وجه أهل الحديث.
    لكن الأشعري لا يزال متهما بالتجسيم -رغم كل ذلك ورغم تصريحه بنفي الجسمية في بعض كتبه-، وكيف يسلم الأشعري أو حتى الأشعرية أتباع الجويني نفاة العلو والصفات الخبرية من هذه التهمة، وهم يثبتون لله تعالى صفات المعاني كالعلم والقدرة والكلام، التي يصر المعتزلة على نفيها ووصف كل من يثبتها بالتجسيم وبمشابهة النصارى في أقانيمهم، واسمع إلى القاضي عبد الجبار وهو يؤكد ذلك في المغني (4/280) حيث قال:" فصل في أن القادر بقدرة لا يكون إلا جسما "، وكون الله تعالى قادرا بقدرة هي عقيدة أهل السنة جميعا أهل الحديث والأشعرية المتقدمين والمتأخرين، واسمع إلى القاضي عبد الجبار وهو يؤكد على أصل الشبهة الذي ذكرناه أعلاه حيث قال (7/85) تحت عنوان إبطال القول بأنه سبحانه متكلم بكلام قديم :"على أن تجويز كلام قديم من جنس هذا الكلام يوجب تجويز جسم قديم من جنس هذه الأجسام، وتجويز ذلك يبطل طريق معرفة حدوث الأجسام ؛ وذلك يؤدي ألا تصح طريق معرفة القديم تعالى أصلا فضلا عن كلامه"اهـ. من هذا التقرير يعلم أن أصل الشبهة واحد وهو دليل حدوث الأجسام، وأن شبهة التشبيه الكامنة في نفوس المتكلمين الدافعة لهم لنفي الصفات لن تقف عند الصفات الخبرية الذاتية بل تتعداها إلى غيرها.
     ثم إن الفلاسفة الذين سعى المعتزلة لإقناعهم بأن العالم مخلوق أو لإرضائهم بنفي الجسمية لم ولن يرضوا عنهم ، واسمع جيدا إلى ابن رشد الحفيد وهو يقول في مناهج الأدلة (135):" وليس عند المعتزلة برهان على وجوب هذا في الأوَّل سبحانه ، إذ ليس عندهم برهان ولا عند المتكلمين على نفي الجسمية عنه، إذ نفي الجسمية عندهم عنه انبنى على وجوب الحدوث للجسم ، وقد بينا في صدر هذا الكتاب أنه ليس عندهم برهان على ذلك ، وأن الذين عندهم برهان على ذلك هم العلماء "اهـ. والعلماء عنده هم الحكماء الفلاسفة فدليل حدوث الأجسام المعتمد عند المعتزلة لم يفد أرباب العقول قناعة لا بوجوب وجود الخالق الأول ولا بتنزيهه عن الجسمية ، والتنزيه الحق الذي يطمح إليه الجميع لا يعرفه إلا الفلاسفة النفاة .
    وأصرح منه في رمي المعتزلة بتهمة التجسيم  ابن سينا الذي قال في كتابه التعليقات (ص:308):"المعتزلة يظنون أنهم قد أثبتوا الأول ليس بجسم وليس الأمر على ذلك، فإن براهينهم خيلت لهم أنه ليس بجسم ، ثم لما جاؤوا إلى تفصيل أحواله شبهوا أحواله وأفعاله بأحوال الإنسان ..."اهـ وهكذا لن ترضى عنك الفلاسفة حتى تتبع ملتهم، فالمعتزلة عند أهل التجريد كلهم مجسمة مكيفة رغم كل ما فعلوه مع النصوص ورغم كل ما قالوه في حق الله تعالى، وقال ابن سينا بعدها (309):"ولا يغني عنهم قولهم إنه قادر بذاته لا بقدرة".
    فالمعتزلة ترى أهل الحديث مجسمة وإن صرحوا بالتنزيه وترى الأشاعرة متناقضين ومجسمة وإن صرحوا بالتنزيه وبنفي صفات الأفعال وغيرها، والفلاسفة كذلك ترى المعتزلة من جملة المجسمة، ولا يسلم عندهم من التجسيم إلا أهل التجريد المحض المثبتون للوجود المطلق عن المقولات العشر.
  ولا تتفاجأ أيها القارئ إذا قيل لك إن شبه الفلاسفة قد سرت إلى جسم المعتزلة والأشعرية فاختطفت أبا الحسين البصري من المعتزلة والفخر الرازي من الأشعرية فصار الأخير يصنف في علومهم –بما فيها السحر- ويزعم أن الخلاف معهم في الصفات لفظي تارة كما في نهاية العقول للرازي (2/239) وينصره آراءهم تارة أخرى كما في المعالم ، لست أنا من قال ذلك ولكنه ابن التلمساني الشارح الذي قال (333):" يقال له قولك : "إن العلم نسبة مخصوصة والقدرة كذلك"، ممنوع وهذا مذهب لك ولأبي الحسين ، وأنتما غير مساعدين عليه ، ولم تقيما برهانا على صحة ذلك ، وخصومكما في هذه الدعوى الأشعرية وبقية المعتزلة...أما الأشعرية فقد علمت أن العلم والقدرة والإرادة عندهم موجودات ذات نسب لا مجرد نسب"اهـ. وخصومه قبل الأشعرية والمعتزلة السلف وأهل الحديث الذي بنوا عقيدتهم على الكتاب والسنة بعيدا عن شبهات الفلاسفة والمعتزلة ونحوهم
   وإنه ليس كلامي ولكن كلام السنوسي الذي يقول في شرح أم البراهين (28):" وليحذر المبتدئين جهده أن يأخذ أصول دينه من الكتب التي حشيت بكلام الفلاسفة، وأولع أصحابها بنقل هوسهم وما هو إلا كفر صراح من عقائدهم، التي ستروا نجاستها بما ينبهم على كثير من اصطلاحاتهم التي أكثرها أسماء بلا مسميات، وذلك ككتب الإمام الفخر في علم الكلام وطوالع البيضاوي ومن حذا حذوهما في ذلك ، وقل أن يفلح من أولع بعجمة كلام الفلاسفة ، أن يكون له نور إيمان في قلبه أو لسانه ، وكيف يفلح من والى من حاد الله تعالى ورسله؟ وخرق حجاب الهيبة ونبذ الشريعة وراء ظهره ، وقال في حق مولانا عز وجل وفي حق رسله عليهم الصلاة والسلام ما سولت له نفسه الحمقاء ، ودعاه إليه وهمه المختل"اهـ. ولكن كثيرا من الناس في عصرنا لم يسمعوا نصحه مع الأسف الشديد فوقعوا فيما حذرهم.

تم قراءة المقال 141 مرة