الجمعة 6 رمضان 1445

المعتزلة والأسماء الحسنى

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المعتزلة والأسماء الحسنى
مما هو معلوم مشهور أن المعتزلة يثبتون الأسماء دون الصفات كما أن الأشعرية يثبتون الأسماء وبعض الصفات دون بعض ...لكن قد لا يكون لدى كثير من الناس تصور لكيفية تقرير ذلك في الواقع، لذلك قد تجد في الباحثين في عصرنا من ينقل كلاما باطلا وتعطيلا لصفات الله من غير شعور منه بمدلولات ما ينقل.
    وأنا أحرر ملخص شرح اسم الله الحميد الذي أعددته للنشر...استوقفتني بعض العبارات المندرجة في هذا المضمار، كما استوقفتني من قبل عبارات مع أسماء أخرى كالرزاق الجبار واللطيف والهادي والمقدم والمؤخر وغيرها، ولكن هذه المرة نشطت لتقييد بعض ما كنت أعرض عن تقييده فيما سلف ..
   وإن أهم مرجع معتزلي يعتمده شراح الأسماء هو تفسير الأسماء الحسنى لأبي إسحاق الزجاج؛ الذي ألفه في شبابه يوم كان شديد التأثر بشيخه المبرد، ذلك الكتاب الذي يظهر أنه لم يتقبل منه؛ فلم ينتشر انتشار كتبه الأخرى، حيث إنه لا يكاد يذكر في ترجمته، ولم يروه عنه إلا تلميذه أبو علي الفارسي المعتزلي، ومما شجعني على كتابة هذه الخاطرة أني رأيت كثيرا من الباحثين -فضلا عن غيرهم-؛ اغتر بكون الزجاج من أهل القرن الثالث حيث توفي سنة 311 ، فهو ليس من الأشاعرة قطعا، وربما اغتر آخرون بتراجعه عن بعض آرائه، وقوله في آخر عمره إنه رجع إلى عقيدة أحمد بن حنبل، وذلك أن تراجعه الجزئي أو الكلي لا يدل على سلامة ما هو مبثوث في كتبه من قضايا اعتقادية، ولا يعني أنه مسح ما تضمنته من آراء اعتزالية .
  وهو لما تعرض لشرح اسم الحميد قال :"الحميد هُوَ فعيل فِي معنى مفعول وَالله تَعَالَى هُوَ الْمَحْمُود بِكُل لِسَان وعَلى كل حَال كَمَا يُقَال فِي الدُّعَاء الْحَمد لله الَّذِي لَا يحمد على الْأَحْوَال كلهَا سواهُ ".
  ولنا مع هذا الشرح الموجز ثلاث وقفات:
الأولى : جعله للحميد بمعنى محمود وقصر معناه في ذلك خطأ، وهو بهذا قد تجنب إثبات ثناء المولى عز وجل على نفسه، وثناء الله سبحانه على نفسه يرجع إلى صفة الكلام كما ذكره كثير من الشراح من غير المعتزلة.
الثانية : أنه تجنب التنصيص على استحقاق الله تعالى للحمد كله –كما هي عقيدة أهل السنة جميعا-، والمعتزلة ينفون ذلك بناء على اعتقادهم أن العبد يخلق أفعاله الحسنة فهو مستحق للحمد عليها ، وبينما يقول أهل السنة إن أفعال العباد من خلق الله تعالى وما اكتسبه العباد من أعمال حسنة فبتوفيق من الله وإعانة منه فالله تعالى هو المحمود أولا وآخرا، وهو المستحق للحمد التام وللحمد كله.
الثالثة : أنه خص الحمد بما يكون بالألسنة ، مما يجعل صفة الحمد حادثة بحدوث هذه الألسنة، وأن الله تعالى لم يكن محمودا قبلها ، وأهل السنة يقولون إن الله تعالى مستحق للحمد لذاته العلية وأسمائه الحسنى وصفاته الكاملة وهي قديمة أزلية قبل أن توجد الألسنة، وهو حميد بحمده لنفسه سبحانه قبل أن يحمده خلقه بأالأسنة -وبغير الألسنة -.
  وهنا قد يزل حتى بعض الأشعرية فيخصون الحمد بما يقابل أفعال الله تعالى ، وهم في الوقت ذاته يجعلون أفعاله حادثة، فينفون كون الله تعالى خالقا قبل أن يخلق الخلق.
  ولا يقال لعله فسر الاسم ببعض معانيه لأن ذلك إنما يستقيم في حق من كان بصدد تفسير الاسم أو الصفة ضمن آية أو حديث بحسب سياقه ؛ لا في حق من هو بصدد تفسير الاسم أو الصفة مطلقا عن أي سياق.
   ومن شك في كون الزجاج على عقيدة الاعتزال لما ألف هذا الكتاب؛ فلينظر شرحه لاسم الحي كيف عطله تعطيلا واضحا حيث قال (ص: 56) :"الْحَيّ يُفِيد دوَام الْوُجُود وَالله تَعَالَى لم يزل مَوْجُودا وَلَا يزَال مَوْجُودا" ومعنى هذا الكلام أنه حي بلا حياة بل جعل الحياة هي الوجود أو الوجود مضافا إليه القدم والبقاء وعند جميع أهل السنة الحياة صفة ثبوتية ليس هي عين الوجود أو القدم والبقاء. وكان يكفيه أن يزيد جملة وبالحياة موصوفا ...
  ولعلي انتقل بالقارئ إلى معتزلي أشهر وهو الزمخشري الذي حشى تفسيره للقرآن بدسائس إعتزالية دقيقة وغير متناهية، ولنقف مع تفسيره لقول الله تعالى (الحمد لله رب العالمين)
حيث ألمح إلى عدم أزلية الحمد بأن جعل قراءة الحمدَ بالفتح هي الأصل رغم شذوذها ، وقد بين ابن المنير في الانتصاف وجه الدسيسة الإعتزالية في ذلك فذكر أن في النصب إشعارا بالفعل، والفعل يدل على طروء الحمد وعدم قدمه، وتقديره الكلام: نحمد الله الحمدَ، بينما الرفع يستدعي اسما والاسم يتضمن صفة ثابتة، وتقدير الكلام : الحمد ثابت لله أو مستقر .
كما ألمح الزمخشري أيضا لعدم استحقاق الله تعالى للحمد كله فصرح بتوهيم العلماء الذين قالوا بأن "ال" التعريف في الحمد للاستغراق وجعلها عهدية ، حتى لا يشمل الحمد جميع المفعولات في الكون ويخرج منها الحسن من أفعال العباد حيث يعتقد إنها من خلق العباد لا من خلق الله تعالى.
فالحمد لله الذي علمنا وهدانا حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه له الحمد كله أزلا وأبدا لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.

تم قراءة المقال 51 مرة