112علاقة قوله تعالى (نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) بأحكام المساجد .
يقول السائل : عقد ابن باديس في كتابه آيات وأحاديث الأحكام بابا لأحكام المساجد، ومن الآيات التي ساقها تحته قوله تعالى (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (آل عمران: 35) وقد استشكلت مراد المصنف؟ هل أراد الإشارة لبعض أحكام المساجد في شرع من قبلنا وإن لم تبق في شرعنا؛ وهي إلزام الأولاد بخدمة دور العبادة ووقفهم على ذلك؟ أم أنه أراد شيئا آخر لم يظهر لي؟ فما رأيكم ؟
الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد : فإن مراد الإمام باديس رحمه الله فيما يظهر لي التدليل لمسألة تعيين إمام راتب للمسجد مقابل جعل أو أجرة له نظير تفرغه لخدمة المسجد وإمامة الناس ، وذلك أن الفقهاء تطرقوا لهذه المسألة ووقع بينهم اختلاف هل يأخذ الأجرة مجرد إمامة الصلاة أم لا بد أن يضيف إلى الصلاة غيرها من الأعمال نحو الأذان والتعليم والنظافة حتى لا يكون الأجر مقابلا لأداء فريضة ، ومنهم من قال إنما يأخذ الأجر لتفرغه للإمامة لا لأجل أداء الصلاة، وكأن ابن باديس رحمه الله استدل بالآية الكريمة على مشروعية أخذ الأجرة نظير تفرغه لخدمة بيت الله تعالى، ووجه الدلالة أن المحرر هو يتحرر من أمور الدنيا ومشاغلها ليتفرغ لخدمة بيت الله تعالى، ولا يتم هذا التحرر والتفرغ إلا إذا جعلت له أجرة أو جعل يكفيه عن السعي في طلب الرزق لسد حاجاته، هذا ما ظهر لي والله أعلم . وهذا أولى من افتراض أنه أراد الحديث عن شرع منسوخ وهو إلزام الأولاد أو نذرهم لخدمة المساجد، بل إن هذا لا ينسجم مع غرض المصنف من تأليف الكتاب وهو التدليل لأحكام العبادات في الإسلام.
فإن قيل ولم استدل بآية واردة في شرع من قبلنا ، قيل : لأنه لا نص صريح في القرآن أو السنة على قضية أخذ الأجرة، ولأن شرع من قبلنا حجة ما لم ينسخ ، وهنا وإن كان نذر الأولاد للخدمة وإلزامهم بها قد نسخ في شرعنا ولا شك، فإن تفريغ شخص لخدمة بيت الله لا دليل على نسخه، لأن نسخ بعض أحكام النص لا يستلزم نسخ جميع ما تضمنه من أحكام ونظير ذلك قوله تعالى {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27] قد تضمن حكما منسوخا في شرعنا وهو أخذ ولي المرأة لمهر موليته أو اشتراطه لنفسه، حيث قال تعالى {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] لكن نسخ هذا الحكم لم يمنع الفقهاء –وأولهم الإمام مالك رحمه الله -من الاستدلال بالآية الكريمة على جواز جعل الإجارة مهرا لأنه لا دليل على نسخه، والله أعلم .