طباعة
الأربعاء 21 شوال 1447

تقييدات قاعدة الجرح مقدم على التعديل

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

تقييدات قاعدة الجرح مقدم على التعديل 
قال: إن القاعدة تنص على أن الجرح مقدم على التعديل، وهو يريد أن يعمل بها في الحياة العامة لا في رواة الحديث.
فقلت له : إعمال قاعدة واحدة دون نظر فيما يقيدها أو يوجهها، هو كالعمل بالنص معزولا عن بقية النصوص التي قد توجه معناه أو تقيده ، وذلك لا يجوز .
قال : وما علاقة ذلك بقاعدتنا ؟
قلت له : لو أعملت هذه القاعدة بعمومها وإطلاقها لما سلم لك أحد من الناس سواء في التاريخ أو اليوم ، وسواء في رواه الحديث أو غيرهم، إذ لا يخلو المرء من أن يكون له محبون ومبغضون ، وراضون عنه وساخطون ، ولذلك فإن العلماء الذين نصوا على هذه القاعدة نصوا على قواعد أخرى تقييدها ، وإلا لما سلم لهم حتى أمثال الإمام مالك والشافعي رحمهم الله تعالى، ومن القواعد المقيدة لها .
أولا : النظر في عبارة الجرح هل هو مفسر أم لا ؟ فمن ثبتت عدالته من جهات موثوقة لا يجوز أن تهدر عدالته لمجرد كلام مرسل دون بينة قاطعة، فمن ثبتت عدالته بقين لا تزول عنه إلا بيقين ، كمن ثبت إسلامه بيقين لا يزول إلا بيقين بمثله، والفقهاء قد نصوا في قواعدهم أن اليقين لا يزول بالشك وأنه لا يزول إلا بيقين مثله .
ثانيا : النظر في العلاقة بين الجارح والمجروح ، إذ كثيرا ما تكون الخلافات الشخصية سببا للقدح كما تكون الروابط سببا للمدح ، ولذلك قالوا يتجنب قدح الساخط ومدح المحب" في قضايا الرواية على وجه الخصوص، لأن للساخط قد يلغى جانب الحسنات، وعكسه المحب الغالي ، وقد قيل 
وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ ....وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا
ثالثا : ومما هو قريب من سابقه وليس هو بل هو أعم منه قولهم جرح الأقران يطوى ولا يروى ، وهو أعم لأن قدح الساخط قد يكون لخلاف شخصي، أما جرح الأقران فقد لا يكون سبب أصلا ، والمجروح قد يكون في غفلة تامة عنه ، إذ دافع جرح الأقران هو الحسد ، ولا يخلو جسد من حسد ، لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه، والحسد قد لا يكون بسبب الإساءة بل قد يكون بسبب الإحسان إلى اللئام ، وهذا ليس خاصا بالرواة، بل يعم كل من يشتركون في الصنعة أو شيء ما فتجدها بين النجارين والحدادين والتجار إذا كانت مادة تجارتهم واحدة .
رابعا : ومما له صلة أيضا بتقييد القاعدة أيضا النظر في الخلاف المذهبي أو العقدي ، وهو مما يؤثر في الأحكام في كثير من الأحيان ، وهذا أمر مشهور بين المتعصبين للمذاهب أو للمدارس داخل المذهب الواحد ، وفي التاريخ وجدنا خلافا بين شايع علي بن أبي طالب رضي الله ومن ناصبه العداء وانحاز لأهل الشام، وقد ورث ذلك الموقف لأجيال ، وكان من أئمة الحديث الجوزجاني الذي كان ناصبيا فلم يسلم من طعنه كل شيعي أو من فيه تشيع أو من روى فضائل أهل البيت.
خامسا : ومما ينبغي التنبه له أن معايير الجرح والتعديل قد تختلف ، لذلك نجد في الناس المتشدد والمتساهل والمعتدل ، فمن لم يجرحه إلا متشدد معروف بتشدده في مقابل تعديل المعتدلين لم يلتفت إلى قوله ، كما أنه إذا عدل شخصا فإن تعديله يكون مقدما على تجريح غيره.
سادسا : ومما تقيد به أيضا أن ينظر في عدد الموثقين وعدد المجرحين ، فإذا كان المجرح فردا والمعدلون جماعة ، فلما الميل إلى قول الفرد –ولا سيما إن كان غير مفسر أو مفسرا بأمر لا يقدح- ونترك قول الجماعة تواطأت ، فهذا الفرد إن لم يثبت عنه أحد الموانع السابقة فالوهم في جانبه أقرب منه في جانب الجماعة .
سابعا : وأخر شيء تقيد به القاعدة المذكورة النظر في حال الجارح، فقد يكون أصلا غير معتد به في ذلك المجال لأنه ليس من أهله ، أو يكون هو أصلا مجروحا فيه ، فكيف يقدم قول الجاهل أو قول المجروح على قول المختصين الموثوقين الذين عدلوا الراوي أو الشخص المراد التعامل معه ، وفي علم الجرح والتعديل لم يقبلوا تجرح الأزدي وكثيرا ما يقولون جرحه الأزدي وهو مجروح.
...
لا أدري هل فهم صاحبي هذه القواعد أم لا ، وهل اقتنع أم لا ؟
المهم أننا قيدناها لعلها تفيدنا في الحديث أو في الحياة العامة .-

تم قراءة المقال 57 مرة