الأحد 25 صفر 1443

"رسالة الذب عن الأشعري" لأبي القاسم ابن درباس (605هـ) ودلالاتها التاريخية والعقدية

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

"رسالة الذب عن الأشعري" لأبي القاسم ابن درباس (605هـ)
ودلالاتها التاريخية والعقدية

بحث قدم للملتقى الدولي : الأشعري والأشاعرة الذي نظمته كلية الإلهيات بجامعة قسطموني تركيا بتاريخ 04-06 ماي 2018

مقدمة
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والأخيرين وصحابته الكرام، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد فإنّ الإمام الأشعري رحمه الله تعالى قد ألَّف كتبا كثيرة بقصد الدفاع عن عقيدة أهل السنة ونصرتها على من خالفها من الفرق التي وجدت في عصره ولا سيما المعتزلة، وسلك فيها طريقة الجدال والمناظرة واستعمل فيها لغة المتكلمين وأساليبهم؛ وبفضل هذه الكتب وتلاميذه الذين تتلمذوا عليه نشأت المدرسة الكلامية الأشعرية، فاختلف أهل الحديث في طريقته؛ فمنهم من حمدها لما فيها من نصرة الحق، ومنهم من ذمها لما وجد فيها من أخطاء أو تقليدا للمتقدمين الذي ذموا علم الكلام وأهله قبل بروز الأشعري، وتوسَّعت هذه المدرسة توسعا بطيئا أوّل الأمر وكان مركزها بغداد، ثم عرفت التوسُّع الكبير بعد أن تبنتها رسميا الدولة الأيوبية في المشرق والدولة الموحدية في المغرب، وفي هذا العصر ازداد الجدل حول الاتجاه الأشعري بين الرافضين له والقابلين له، وظهر جدل آخر بين المنتسبين للأشعري أنفسهم من جهة أخرى، حيث ظهرت خلافات عقدية بينهم، نتيجة تطورٍ وتحولٍ في المنهج، وقد حمل لنا التاريخ عن هذه الخلافات بعض الأخبار، كما وصلنا من تلك الحقبة بعض الكتابات التي نقلت لنا صورا منها، ومن تلك الكتابات "رسالة الذب عن الأشعري" لأبي القاسم عبد المالك بن عيسى بن درباس (605هـ) قاضي صلاح الدين الأيوبي؛ وهي رسالة على وجازتها تحمل في مضمونها عدة دلالات تاريخية وعقدية، حيث إن القراءة الأولية لهذه الرسالة تثير عدة تساؤلات، في مقدمتها ما هو منهج هؤلاء الطاعنين في الأشعري من المنتسبين إليه؟ وما سبب الخلاف بينهم وبين ابن درباس؟
    ورغم أن الرسالة قد طبعت عدَّة مرات، وقد استفاد منها كثيرون في تثبيت نسبة كتاب الإبانة للأشعري، إلا أن دراسة مضمونها المنهجي ودلالتها التاريخية والعقدية أمر بقي مُعرضا عنه رغم أهميته الكبيرة في التأريخ للعقيدة الأشعرية، ورُغم مكانة مؤلفها ودوره في نشرها في المشرق، وقد سلكت في تحقيق الأهداف المرسومة المنهج التحليلي بالوقوف مع نصوص الرسالة فهما واستنباطا للدلالات التي تحملها ومناقشتها.
     وللجواب عن تلك التساؤلات والوقف مع جميع الدلالات التي حملتها الرسالة مضمونا ومنهجا سلكت الخطوات الآتية:
    وضعت تمهيدا عرّفت فيه تعريفا موجزا بالمؤلف وذلك أمر ضروري، وعرفت فيه أيضا بالرسالة ومحتواها وطبعاتها ومخطوطاتها، كما تحدَّثت فيه عن السياق التاريخي الذي أُلّفت فيه.
   ثم انتقلت إلى المواضيع الأساسية وجعلتها في مباحث :
المبحث الأول: في دلالة الرسالة على تأكيد نسبتها لأبي القاسم عبد الملك ابن درباس الأشعري.
المبحث الثاني: في دلالة الرسالة على انتماء ابن درباس لأهل الطور الأول في الاتجاه الأشعري.
المبحث الثالث : في دلالة الرسالة على وجود صراع بين أنصار المنهج القديم والمنهج الجديد قبل التحول النهائي.
المبحث الرابع : في دلالة الرسالة على بعض أسباب التحول المنهجي في العقيدة الأشعرية.
المبحث الخامس : في دلالة الرسالة على بعض أسباب انتشار الأشعرية.
المبحث السادس : في دلالة الرسالة على موقف أبي القاسم ابن درباس من منكري علم الكلام.
    وختمت ذلك بتسجيل أهم النتائج المتوصل إليها.
التعريف بالمؤلف ورسالته والسياق التاريخي لتأليفها
أولا : التعريف بالمؤلف
   هو عبد الملك بن عِيْسَى بن دِرباسِ المارَانِيُّ الكُرْدِيُّ الملقب بصَدْرُ الدِّيْنِ وكنيته أبو القاسم(1)، ولد الموصل فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَةٍ(2)، وقيل إنه ولد في أواخر سنة عشر وخمسمائة(3).
   بعد أن حصل ابن درباس المبادئ في بلده(4) رحل على عادة أهل زمانه، فشملت رحلته مدائن الشام ومصر، فدخل حلب فكان من شيوخه بها أبو الحسن علي بن سليمان المرادي، وقد أخذ عنه الفقه الشافعي والحديث، ورحل إلى دمشق فلقي أبا سعد ابن أبي عصرون فأخذ عنه الفقه الشافعي وغيره، وسمع الحديث من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر وأَبِي القاسم الحسن بن الحسين الأسدي المعروف بابن البُن، ثم انتقل إلى مصر وسمع بها من علي بن إبراهيم الأنصاري المعروف بابن بنت أبي سعد، والحَافِظُ أَبي الحَسَنِ بنُ المُفَضَّلِ وغيرهم(5).
   واستقر بمصر ابتداء من سنة ستة وستين (566) لما قدمها مع صلاح الدين(6). حيث ولاه القضاء في الغربية، ثم نصبه قاضي قضاة الديار المصرية كلها، كما أسند إليه ديوان الأحباس، واستمر في هذه الولايات مدة حكم السلطان صلاح الدين (ت:589). واستمر في منصبه إلى وفاته، ولم يعزل عنه إلا لأشهر في عهد العزيز ابن صلاح الدين، في سنتي أربع وتسعين وخمس وتسعين(7).
     وفي ولايته لم يستنب في أقاليم مصر وما تابعها إلاّ من كان شافعي المذهب، وكان ذلك من أسباب انتشار المذهب الشافعي(8)، وقد كان أغلب من ولي من الشافعية أشاعرة من المصريين أو من الذين استقدمهم صلاح الدين من خريجي المدارس النظامية بالعراق(9).
    والذي لا شك فيه أن أبا القاسم ابن درباس كان أشعريا، بل كان متعصبا جدا لآراء الأشعري الكلامية، حتى نقل عنه المقريزي أنه كان يكفر من خالف العقيدة الأشعرية(10)، وهذا ما يثير تساؤلات عن الاتجاه الذي سلكه ابن درباس داخل المدرسة الأشعرية.
   وكان قبل استقراره في مصر مشهورًا بالصلاح والغزو وطلب العلم، ويتبرك بآثاره للمرضى(11)، ومع اشتغاله بالولايات، فقد تتلمذ عليه علماء أجلاء، ومنهم أولاده: محمد (ت:656) وإسماعيل (ت:624) وإسحاق (ت:613) وعبد الرحمن (ت:585)، وابن أخيه إبراهيم بن عثمان (ت:622)، أبو محمد عبد الله بن عبد العزيز النحوي العطار (ت:606) والحافظ أبو محمد المنذري (ت:656).
     وتوفي فِي رجب سنة خمس وستمائة(605هـ) بالقاهرة كذا أرخه تلميذه المنذري رحمهما الله تعالى(12).
ثانيا : التعريف بالرسالة
   إنّ الرسالة التي هي محل الدراسة لم يرد لها ذكر في كتب التراجم، مما يجعل الجزم بعنوانها الصحيح أمرا عسرا، وقد ورد في الصفحة الأولى من بعض مخطوطاتها والمطبوعة الهندية العبارة الآتية:"رسالة أبي القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس في الذب عن الأشعري"(13)، التي تدل أن موضوع الرسالة هو الذب عن أبي الحسن الأشعري, وهذا الدفاع في فحواه تنزيه الأشعري عن عقائد انتحلها بعض المنتسبين إليه وهي مخالفة لعقيدته، وذلك بإثبات نسبة كتاب الإبانة إليه وجعله العمدة في تحقيق العقيدة الأشعرية، وهذه فاتحة الرسالة تنبئ عن سبب التأليف ومغزاه، وهو تصحيح نسبة الكتاب للأشعري؛ وكذا التأكيد على أن ما تضمنه هو عقيدته التي استقر عليها أمره، حيث قال:"فاعلموا معاشر الإخوان وفقنا الله وإياكم للدين القويم، وهدانا أجمعين للصراط المستقيم أن كتاب الإبانة عن أصول الديانة؛ الذي ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده، وبما كان يدين الله سبحانه وتعالى بعد رجوعه عن الاعتزال بمنَّ الله ولطفه، وكلُّ مقالة تنسب إليه الآن مما يخالف ما فيه فقد رجع عنها"(14).
 وقد ضمن الرسالة شهادات الأئمة قبله بصحة نسبة الكتاب وإفادتهم منه، وهؤلاء الأئمة هم :
1-الإمام أحمد بن الحسين البيهقي (ت: 458)، 2-أبو العباس أحمد بن ثابت الطرقي الأصفهاني (ت:521)، 3-أبو عثمان إسماعيل بن عثمان الصابوني (ت: 449)، 4-أبو علي الحسن بن علي الفارسي الأهوازي ت: 446، 5-أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي (ت: 490)، 6-أبو القاسم علي بن الحسن ابن عساكر (ت: 571)، 7-أبو المعالى مجلى بن جميع الشافعي (ت: 550)، 8-أبو محمد المبارك بن علي البغدادي (ت: 575)، 9- أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي (ت 611).
وكل المذكورين من الشافعية أشاعرة، إلا الأهوازي فهو من الحنابلة السالمية(15)؛ وهو غال في إثبات الصفات؛ فمع ثبوت كتاب الإبانة عن الأشعري عنده فكان يطعن فيه، ولما كان قصد ابن درباس تصحيح النسبة لم ير ضيرا في إيراد كلامه، مع تدليس اسمه حيث سماه أبا علي المقرئ الفارسي ولم يسمه بالتسمية المشهورة وهي أبو علي الأهوازي.
ثالثا : السياق التاريخي لتأليف الرسالة
    إن هذه الرسالة قد تم تأليفها في مرحلة زمنية عرفت تحولات سياسية وفكرية كبيرة؛ لذلك كان لابد من وضعها في السياق المناسب لها، فأما عرض ابن درباس العقيدة الأشعرية كبديل سني يمحو به آثار الانحرافات الشيعية فأمر ظاهر ومشهور تاريخيا، لكن الأمر الذي ينبغي الوقوف عنده؛ هو أننا نجد العقيدة الأشعرية قد تطوَّرت ومرَّت بمراحل، لابد من تحرير خصائصها العامة لنضع هذا الكتاب في الخانة المناسبة له والمرحلة التي أراد المؤلف نصرتها.
    وهذا التطور لا نعني به الاختلافات في قضايا الدقيق التي تبقى جزئية لا تؤثر في المنهج العام، ولكن المقصود به التطور المنهجي والخلاف في القضايا الكلية والمسائل الجوهرية في العقيدة الاسلامية، وعلى رأسها مناهج الاستدلال في العقائد والموقف من آيات الصفات، وإذا نظرنا إلى المذهب الأشعري من هذه الحيثية فإننا نجده مر بمراحل ثلاث أساسية، المرحلة الأولى مرحلة مذهب المؤسس أبي الحسن الأشعري وتلاميذه كابن مجاهد والباهلي وتلاميذهم كالباقلاني وابن فورك وأبي إسحاق الإسفرايني وتلاميذهم كالداني والقاضي عبد الوهاب.
     والمرحلة الثانية أبرز رجالها الجويني(16) وتلاميذه كابن القشيري والغزالي ونحوهم، وقد تميزوا من الناحية المنهجية بإبطال أغلب طرق الاستدلال المعتمدة عند الأشاعرة، وإقحام المنطق وقواعده في علم الكلام، ومن ناحية مضمون العقيدة فقد عُرف عنهم الجنوح إلى تأويل الصفات الخبرية بنحو تأويلات الجهمية والمعتزلة؛ التي ردّها الأشعري وأصحابه في كتبهم، وأهم تلك الصفات صفة العلو والاستواء على العرش.
     والمرحلة الثالثة وتبدأ مع فخر الدين الرازي ثم سيف الدين الآمدي، وهي مرحلة حُكِّمت فيها قواعد المنطق في دلائل الكلام وفلسفت مسائله، وجنح الرازي وأتباعه إلى ما هو أبعد من تأويل الصفات الخبرية؛ حيث تعدى التأويل إلى الصفات المعنوية نحو السمع والبصر والقدرة والإرادة(17).
     ومؤلِّف الرسالة عايش بعض مراحل هذا التحوُّل، والغالب أنه التحول من المرحلة الأولى إلى الثانية، لأن الرازي (ت:606) معاصر له وكان في بلاد ما وراء النهر، وكتبه وأفكاره لم تدخل العراق ومصر والشام إلا في عصر المؤلف أو بعده(18)، حيث إننا نجد المؤلف يؤكد على صحة نسبة الإبانة لأبي الحسن الأشعري، وعلى أنّه المصدر الأساس في توثيق آراء الأشعري، مما يبين أنه من أنصار الأشعرية المتقدمين، كما أنَّه في هذا الكتاب على اختصاره يؤرِّخ لوجود طائفة من المنتسبين للمذهب الأشعري مالت في أقوالها إلى آراء الجهمية في الصفات، واعتقدت الأقوال التي فنَّدها الأشعري وتاب عن اعتقادها بعد رجوعه عن الاعتزال، وقد يكون هؤلاء من أتباع أبي المعالي الجويني وسالكي طريقه، وقد ألّف هذه الرسالة لأن بعض أهل هذه الطائفة أنكروا كتاب الإبانة للأشعري، أو زعموا أنه كتبه في مرحلة متوسطة بين الاعتزال وبين ما استقر عليه أمره؛ اعتقد فيها ما اعتبروه تشبيها للخالق بالمخلوق، وليس المصنَّف بأوَّل من أشار إلى هذا التحول في الاعتقاد لدى المنتسبين للأشعري من أهل السنة، بل سبقه إلى ذلك أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين في رسالته في إثبات الاستواء والفوقية (19)، وكتاب أبي محمد الجويني يبين أن الانشقاق في المذهب الأشعري قديم، إنما أظهره وشهره ابنه إمام الحرمين الجويني في كتبه في باب الصفات الذاتية الخبرية، ولا ندري فقد يكون في المنتسبين للأشعري من ذهب إلى ما هو أبعد من مذهب الجويني لكن لم يشتهر(20)، لأنه إنما اشتهر من المتكلمين من كان له عناية بالفقه والعلوم الشرعية، والمصنف متأخر عن عصر الجويني؛ فلا يبعد أن يكون المردود عليه ممن سار على طريقته في باب الصفات.
هوامش التمهيد
1/ الوافي بالوفيات للصفدي (19/ 126) تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث، بيروت، ط1-1420هـ، 2000م، سير أعلام النبلاء للذهبي (21/ 475)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3-1405هـ، 1985م
2/ الوافي بالوفيات للصفدي (19/ 126) سير أعلام النبلاء للذهبي (21/ 475)
3/ العسجد المسبوك للملك الأشرف الغساني (327) تحقيق شاكر عبد المنعم، دار البيان بغداد، ط1-1395، رفع الإصر عن قضاة مصر لابن حجر (ص: 252) تحقيق علي محمد عمر ،مكتبة الخانجي بالقاهرة ، ط1-1418، 1998 م.
4/ لم تنقل لنا المصادر شيئا عن شيوخه في بلده، ولا يبعد تتلمذه على أبي العباس الخضر بن نصر بن عقيل (ت:567)، وهو شيخ الشافعية في إربل الذي به تخرج أخوه عثمان بن عيسى بن درباس، وكان للخضر المذكور مدرسة عامرة اسمها مدرسة القلعة أسسها له نائب صاحب إربل سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة (533)، انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (2/237) تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بدون.
5/ التكملة لوفيات النقلة للمنذري (2/156) تحقيق بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة بيروت، ط3-1405، 1984، سير أعلام النبلاء للذهبي (21/475) رفع الإصر عن قضاة مصر لابن حجر(252).
6 / رفع الإصر عن قضاة مصر لابن حجر (ص: 252)
7 / التكملة لوفيات النقلة للمنذري (2/ 156) رفع الإصر عن قضاة مصر لابن حجر (ص: 252-253، 294)
8/ المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي (4/ 166) دار الكتب العلمية، بيروت، ط1-1418 هـ
9/ البعد السياسي في انتشار المذهب الأشعري في المشرق الإسلامي ومغربه لمصطفى مغزاوي (ص:60) كنوز الحكمة، الجزائر العاصمة، 1432.
10/ المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي (4/ 51)
11/ التكملة لوفيات النقلة للمنذري (2/156) رفع الإصر عن قضاة مصر (ص:252) سير أعلام النبلاء للذهبي (21/ 475)
12/ الوافي بالوفيات للصفدي (19/ 126) سير أعلام النبلاء للذهبي (21/ 475)
3 / مخطوطة جامعة الملك سعود وكذا مخطوطة المدينة، وأما العنوان الذي اختاره حمدي عبد المجيد حمدي السلفي "رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري وكتابه الإبانة عن أصول الديانة" فقد اعتمد فيه على ما دون بخط مفهرس المجموع وواضع غلافه حيث وردت الرسالة في مجموع يضمها إلى الابانة للأشعري، ومثل هذا لا يعتمد.
14 / رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:1) دائرة المعارف العثمانية ، ط2-1367، 1948.
5  / انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (18/ 13-18).
6 / انظر: نشأة الأشعرية وتطورها لجلال محمد عبد الحميد موسى (ص:409-410) دار الكتاب اللبناني بيروت، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود (602-610) مكتبة الرشد الرياض ، ط1-1415، 1995، وقال ابن السبكي:" وَالْإِمَام لَا يتَقَيَّد لَا بالأشعري وَلَا بالشافعي لَا سِيمَا فِي الْبُرْهَان" طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (5/ 192) تحقيق محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ط2-1413هـ.
7 / انظر تعقبات ابن التلمساني على الرازي في شرح المعالم (ص:329، 333، 334، 339، 411) تحقيق نزار حمادي ، دار الفتح للدراسات والنشر، الأردن، ط1-1431، 2010، وقد زعم أن الخلاف في الصفات مع الفلاسفة لفظي كما في نهاية العقول (2/239) تحقيق سعيد فودة، دار الذخائر، بيروت، ط1-1436، 2015، والمطالب العالية (3/224) تحقيق أحمد حجازي السقا، دار الكتاب العربي، بيروت ،ط1-1407، 1987، وبناء على ذلك نجد محمد بن يوسف السنوسي (ت:895) يحذر من مطالعة كتب الرازي بعبارات شديدة اللهجة كما في شرح أم البراهين (ص:28) تحقيق مصطفى الغماري، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1989.
8 / قال أبو العباس البسيلي:" إن تصانيف الرازي لما وصلت مصر لم يقبلوا عليها لمخالفتها نظم كتب المتقدمين حتى اشتغل بها تقي الدين المقترح فقربها لأفهامهم فعكفوا عليها وتركوا كتب المتقدمين " المقترح هو مظفر بن عبد الله الأنصاري (ت: 612) ينظر مقدمة محقق شرح المعالم لابن التلمساني (ص: 27-28).
9 / قال رحمه الله في (ص:31):"وممن ذهب إلى هذه الأقوال وبعضها قوم لهم في صدري منزلة، مثل طائفة من فقهاء الأشعرية الشافعيين، لأني على مذهب الشافعي رضي الله عنه عرفت فرائض ديني وأحكامه، فأجد مثل هؤلاء الشيوخ الأجلة يذهبون إلى مثل هذه الأقوال، وهم شيوخي ولي فيهم الاعتقاد التام لفضلهم وعلمهم، ثم إنني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات حزازات لا يطمئن قلبي إليها". رسالة في إثبات الإستواء والفوقية لأبي محمد الجويني، تحقيق أحمد معاذ حقي، دار طويق للنشر، الرياض، 1419.
20/ ممن جنح إلى التأويل من الأشاعرة وهو متقدم عن أبي المعالي الجويني أبو منصور البغدادي (ت:429) ينظر كتابه أصول الدين (ص:99-100، و131-133) تحقيق أحمد شمس الدين دار الكتب العلمية، ط1-1423، 2002.

المبحث الأول : تأكيد نسبة الرسالة إلى أبي القاسم ابن درباس
     إنّ أهمية هذه الدراسة مرتبطة بمكانة المؤلف رحمه الله وانتمائه الأكيد إلى العقيدة الأشعرية، وأثره الكبير في نشرها بعد توليه القضاء في دولة صلاح الدين الأيوبي، ولذلك كان من الضروري التأكيد على صحة نسبة هذه الرسالة إليه، وخاصة أنه وجد في الباحثين المعاصرين من ذهب إلى خلاف ما هو مشهور، ونسبها إلى إبراهيم بن عثمان ابن أخي أبي القاسم عبد المالك بن عيسى بن درباس (572 - 622 هـ)(1).
    وفي إطار البحث عن توثيق النسبة حصلت على أربع نسخ خطية، إحداها ناقضة من أولها والثلاثة الباقية كاملة؛ وقد اتفقت جميعها على نسبتها لأبي القاسم عبد الملك بن درباس، حيث أثبت النساخ اسمه في أولها(2).
    كما طبعت منسوبة إليه في الهند بدائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد طبعتين؛ الثانية منهما كانت سنة (1367)، ثم طبعت منسوبة إليه أيضا بذيل كتاب "الأربعين في دلائل التوحيد" لأبي إسماعيل الهروي بتحقيق الدكتور علي بن ناصر الفقيهي سنة (1404).
    ثم أعاد نشرها بعد ذلك حمدي عبد المجيد السلفي في مجلة الحكمة الصادرة لندن سنة 1422؛ فنفى نسبتها إلى أبي القاسم ابن درباس، واعتبر ذلك خطأ واضحا... واستند إلى عبارة وجدها في وسط النسخة التي اعتمد في التحقيق نصها:" أخبرنا به الإمام شيخ الإسلام بقية السلف الصالح صدر الدين قاضي القضاة عمي أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس قدس الله روحه بقراءتي عليه... إلخ"(3). فجعل ذلك دليلا على نفي نسبتها إلى القاضي جهة أنَّ المؤلف روى عنه في الرسالة ذاتها.
   وهذا حكم فيه تعجُّل بين، لأن هذا النص ليس فيه دلالة على النفي، إذ راوي الرسالة الذي قال في أوَّلها :"قال أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس"، وهو نفسه الذي قال في وسطها:" أخبرنا عمي أبو القاسم"، وكان بإمكانه أن يفعل ذلك عقب كل رواية في الرسالة ..وهذا الخطأ عجيب من مثله وهو الخبير بطرق رواية الكتب عند المتقدمين، وبمثل هذه الحجة الواهية نفي قديما أحمد أمين كتاب الأم عن الشافعي وأيد رأي من جعله من تأليف تلميذه الربيع بين سليمان(4)، ولكن هذا احتجاج ناتج عن عدم دراية بطرق الأقدمين في رواية الكتب ونقلها عن مؤلفيها(5)، بل يمكننا أن نعكس الدليل ونجعله حجة مؤكدة لما هو مدون في أوَّل المخطوط.  
   وقد ذهب الشيخ حمدي إلى نسبة الرسالة إلى إبراهيم بن عثمان لأن الراوي قال:" أخبرنا عمي"، وأيَّد ذلك بخبر نقله ابن المستوفي في "تاريخ إربل"، مفاده أن إبراهيم المذكور كان يطعن في أبي الحسن الأشعري، فاستنتج الشيخ أن الجهمية المردود عليهم في هذه الرسالة هم من اعتبر مؤلفها طاعنا في أبي الحسن الأشعري(6)، وهذا مجرد احتمال قد نوافق على بعضه -ونقول بموجبه- فنقول إن سبب نسبتهم الطعن إلى إبراهيم هو روايته لهذه الرسالة عن عمه مع تبني فكرتها، ومنه فمثل هذا لا ينهض دليلا على نفي الرسالة عن القاضي عبد الملك ولا لنسبتها للمحدث إبراهيم.
    والذي يظهر لي أن إبراهيم بن عثمان ابن درباس كان محدثا على طريقة والده الفقيه عثمان ومنهج السلف في تلقي العقيدة ، وأنه لم يكن راضيا على طريقة المتكلمين في إثبات العقائد سواء كانوا معتزلة أو أشعرية، وسواء كانوا على طريقة الأشعري في الإبانة أو طريقة المتأخرين الموصوفين في الرسالة بأنهم جهمية، وربما يدلنا على هذا الموقف تأليفه لكتاب عنوانه "تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة" في نصرة أهل الحديث، قال فيه:" فالروافض تسميهم نواصب، والقدرية يسمونهم مجبرة، والمرجئة تسميهم شكاكا، والجهمية تسميهم مشبهة، وأهل الكلام يسمونهم حشوية ونوابت وغثاء وغثرا"(7). فتفريقه في هذا النص بين الجهمية وبين أهل الكلام يدلُّ على أنه يقصد بالمتكلمين الأشاعرة، ولا شك أن مثل هذا التوجه يجلب سخط الأشاعرة جميعا.
    وهذا الموقف العام من أهل الكلام يؤكد نسبة الرسالة إلى القاضي أبي القاسم؛ لأننا نجد مؤلفها لا ينكر انتماءه إلى الأشعرية؛ وإنما ينكر على من ينتسب إلى الأشعري وهو جاهل بمذهبه.
   هذا فضلا عن أن القراءة المتفحصة لمحتوى الرسالة تورثنا اليقين في نسبتها لأبي القاسم ابن درباس، ذلك أن مؤلفها قد ذكر فيه شيوخا له؛ عندما ننظر في تاريخ وفياتهم وسنة لقائهم ندرك أنه من المحال أن يكون المؤلف هو أبو إسحاق إبراهيم. وهؤلاء الشيوخ المذكورون ثلاثة هم :
أولا : أبو محمد القاسم ابن أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر (527-600) وهذا الشيخ معاصر لهما، ويمكن أن يكون إبراهيم قد أخذ عنه، ولكن اللقاء مؤرخ بسنة 576 ببيت المقدس(8)، وهذا لا يمكن إلا في حق أبي القاسم لأن عمر إبراهيم سنتها أربع سنين فقط.
ثانيا : الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد السِّلفي (ت:576 ) ، وقد روى عنه المؤلف قصةً -سقطت من جميع النسخ- والنص يدل أنه سمعها منه مباشرة(9)، وذلك في حق إبراهيم مستحيل، فإنه أخذ عن أبي طاهر بالإجازة لما كان له سنتان، إذ كتب له إجازة معينة سنة (574)(10)، والظاهر أنه والده هو من استجاز له في هذه السن وإنما يستجيز منه كتب الحديث، وقد وصفت الإجازة بكونها معينة لا عامة.
ثالثا: ظفر بن أبي العباس أحمد بن ثابت الطرقي الأصفهاني، المتوفي سنة 589 (11)، روى عنه عن والده أحمد بن ثابت، ولما توفي ظفر كان لإبراهيم سبع عشرة سنة، وهو قد ولد ونشأ بمصر، ورحلته إلى العراق وأصفهان الغالب أنها تأخرت عن هذا الوقت، لأن تحصيله للعلم كان بمصر ثم رحل إلى الشام قبل العراق وما ورواءها.
    وبعد استعراض هذه الحجج والدلالات يظهر أن نسبة الرسالة إلى القاضي أبي القاسم عبد المالك بن عيسى بن درباس رحمه الله هو الأوفق، وأنه أمر يقترب من اليقين إن شاء الله تعالى.
هوامش المبحث الأول
1/ انظر ترجمة إبراهيم ابن درباس في تاريخ إربل لابن المستوفى (1/ 215) تحقيق سامي بن السيد خامس الصقار ، منشورات وزارة الثقافة والاعلام العراقية ، 1980، وسير أعلام النبلاء للذهبي (22/290).
2/ الأولى بالحرم المدني رقم (214/3) نسخت سنة 1301، والثانية بجامعة سعود بالرياض رقم 4291، نسخت سنة 1311، والثالثة بالمكتبة الأزهرية، ضمن مجموع برقم (904) نسخت سنة 1308، والرابعة الناقصة ضمن مجموع في مكتبة ريفان كشك بتركيا برقم (510) منه نسخة مصورة بالجامعة الاسلامية بالمدينة برقم (116) مكرر، تاريخ نسخه 1084 هـ.
3/ رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري  (ص 152)، مجلة الحكمة العدد 23 رجب 1422.
4/ ضحى الإسلام لأحمد أمين (2/230-231) دار الكتاب العربي-بيروت-ط10 .
5/ قال سيد أحمد صقر:" ولست أرتاب أن أهم دليل لدى الدكتور لا يقبله من له أدنى إلمام بالكتب القديمة وطريقة الأقدمين في روايتها، وكل من قرأ فيها يعلم بيقين أن وجود عبارة أخبرنا الربيع قال، قال الشافعي في أول الكتاب أو في داخله. دليل ناصع على أنه تأليف الشافعي وأن هذه النسبة ازدادت وثاقة ومتانة برواية  الربيع عن الشافعي، ثم برواية تلميذ الربيع عن الربيع، ثم برواية تلميذ التلميذ إن وجد، وهكذا إلى آخر سلسلة رواية الكتاب عن مؤلفه وهي أوثق طرق التوثيق والتأكيد من نسبة الكتاب المروي إلى من وضعه»، مقدمة تحقيق مناقب الشافعي للبيهقي (1/33) مكتبة دار التراث القاهرة بدون.
6/ تاريخ اربل لابن المستوفى (2/215)، رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري (ص 152)، مجلة الحكمة العدد 23
7/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 111).
8/ رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:3).
9/ رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:6).
10/ انظر : تاريخ إربل لابن المستوفى (1/ 215) وسير أعلام النبلاء للذهبي (22/290)، وانظر ترجمة السلفي في سير أعلام النبلاء (21/ 5-39).
11/ رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:3) وانظر ترجمة ظفر بن أحمد في: ذيل تاريخ بغداد لابن الدبيثي (2/ 430) تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الاسلامي، ط1-1427 تكملة الإكمال لابن نقطة (4/55) تحقيق عبد القيوم عبد رب النبي، مركز إحياء التراث جامعة أم القرى، ط1-1408..

المبحث الثاني : انتماء ابن درباس إلى الطور الأول من الأشعرية
     لقد تمكن صلاح الدين الأيوبي من القضاء على النفوذ السياسي الفاطمي، وسعى للقضاء على عقائد الشيعة وبدعهم بحنكة وطريقة سلمية لا إكراه فيها، وكان من الطرق التي سلكها بناء المدارس ووقف الأوقاف على المذاهب السنية، واستقطاب العلماء من الآفاق ودعوتهم للإقامة في مصر، وتعيين العلماء السنيين في الوظائف الدينية، وكان من هؤلاء العلماء الذين استوطنوا مصر القاضي عبد المالك بن عيسى بن درباس، وإذا كان كلاهما كان يدين بالعقيدة الأشعرية، فإنه حتما ستكون العقيدة التي ستحارب بها العقيدة الشيعية هي عقيدة الأشاعرة .
    لكن كما علمنا في التمهيد فإن العقيدة الأشعرية تطورت بسرعة ومر المنتمون إليها بمراحل، مما يفرض علينا التساؤل عن طبيعة العقيدة التي كان يتبناها القاضي ابن درباس، هل هي عقيدة الإمام المؤسس؟ أم عقيدة أبي المعالي الجويني ومن تبعه؟
    إن الذي نستخلصه من خلال هذه الرسالة بعد تأكيد نسبتها إلى القاضي؛ أنه كان على العقيدة الأصيلة وهي عقيدة الإمام المؤسس، وهي العقيدة المصرَّح بها في كتاب الإبانة، بدلالة دفاعه عن الأشعري بجمع الدلائل على صحة نسبة الإبانة إليه، وبدلالة النصوص المنتخبة منها التي ضمنها الرسالة.
    فأما التأكيد على صحة نسبة الإبانة للأشعري فهو الموضوع الأساس للرسالة، وقد سبق أنه حشد لذلك ما تيسر لديه من أقوال العلماء لسابقين؛ فجمع تسعة نصوص من أعلام القرن الخامس والسادس آخرهم شيخه أبو الحسن ابن المفضل المقدسي ثم المصري.
    وأما دلالة النصوص المنتخبة؛ فهما نصان مهمان انتخبهما من الإبانة للأشعري، والثالث من تبيين كذب المفتري لابن عساكر.
     فأما النص الأول : فهو متعلق بصفتي العلو والإستواء، وهما من أهم الصفات التي وقع فيها الاختلاف داخل المذهب الأشعري في بعض الطبقة الثانية منه وفي الطبقة الثالثة والرابعة، حيث وجد من جنح فيها إلى منهج التأويل(1) بعد أن كان جل الأقدمين على عقيدة المؤسس وهي الإثبات(2)، وقد نقل ابن درباس في ذلك قول أحمد بن ثابت الطرقي(3) الذي استشهد بنص الإبانة؛ حيث قال:"رأيت هؤلاء الجهمية ينتمون في نفي العرش وتأويل الاستواء إلى أبي الحسن الأشعري. وما هذا بأول باطل ادَّعوه وكذب تعاطوه، فقد قرأت في كتابه الموسوم بـ "الإبانة عن أصول الديانة" أدلة من جملة ما ذكرته على إثبات الاستواء.
وقال في جملة ذلك: ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون: يا ساكن العرش..ثم قال: ومن حَلِفِهِم جميعًا قولهم : لا والذي احتجب بسبع سماوات.
هذا آخر ما حكاه، وهو في الإبانة كما ذكره(4).
النص الثاني: متعلق بصفة الكلام ، وقد ذكر أبو محمد الجويني اختلاف الأشاعرة في مسألة الحرف والصوت(5)، وذهب أبو المعالي إلى جعل أكثر الخلاف مع المعتزلة لفظيا وحصره في إثبات الكلام النفسي حيث صرح بخلق ما عداه(6). ونقل ابن درباس نص الأشعري في الإبانة بواسطة البيهقي حيث قال:" فإن قال قائل: حدثونا أتقولون: إن كلام الله في اللوح المحفوظ؟ قيل له: نقول ذلك، لأن الله قال: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ فالقرآن في اللوح المحفوظ، وهو في صدور الذين أوتوا العلم. قال الله تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ وهو متلو بالألسنة، قال الله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ فالقرآن مكتوب في الحقيقة، محفوظ في صدورنا في الحقيقة، متلو بألسنتنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة كما قال تعالى: ﴿ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾(7).
والنص الثالث: متعلق بالعلاقة بين الأشاعرة والحنابلة حيث إنه قرَّر على لسان ابن عساكر الوفاق، وأن الخلاف حدث في عهد أبي نصر ابن القشيري وهو تلميذ أبي المعالي الجويني، وهذا نصه المنقول: "واسمعوا وصفه لأحمد بالفضل واعترافه، لتعلموا أنهما كانا في الاعتقاد متفقين، وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين، ولم تزل الحنابلة في بغداد في قديم الدهر على ممر الأوقات، تعتضد بالأشعرية حتى حدث الاختلاف في زمن أبي نصر بن القشيري ووزارة النظام، ووقع بينهم الانحراف من بعضهم عن بعض لانحلال النظام"(8). ومما يؤكد هذه الحقيقة أخبار الجلسات العلمية التي كانت تعقد في بيوت الحنابلة  ويحضرها كبار الأشاعرة كابن مجاهد والباقلاني(9) ولا شك أن مواقف الأشاعرة المتقدمين من القضايا الأساسية لم تكن تثير حفيظة الحنابلة، ولا سيما ما تعلق بقضية الكلام والعلو، وأيضا إثبات الصفات الخبرية، ورِضَى ابن درباس عن تلك المرحلة من مراحل العقيدة الأشعرية، وثناؤه على أهلها يؤكد انتسابه إلى عقيدة أهلها ، والله أعلم.
هوامش المبحث الثاني
 1/ انظر: مشكل الحديث لابن فورك (231-235) تحقيق دانيال جيماريه، المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، ط2003، وأصول الدين للبغدادي (ص:99-100، 131-133)، ورسالة في إثبات الإستواء والفوقية لأبي محمد الجويني (ص:20)، والإرشاد إلى قواطع الأدلة لأبي المعالي الجويني (39-41) تحقيق محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم، مكتبة الخانجي مصر، 1369، 1950، ولمع الأدلة لأبي المعالي الجويني (ص:108) تحقيق فوقية حسين، عالم الكتب بيروت، ط2-1407، 1987.  
2/ انظر: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني (ص:260-262) تحقيق رتشرد مكارثي، المكتبة الشرقية بيروت، 1957، وشرح عقيدة ابن ابي زيد للقاضي عبد الوهاب (ص:26-27) دار الكتب العلمية، بيروت ، ط1-1423، 2002، والرسالة الوافية لأبي عمرو الداني (ص:20-22) تحقيق حلمي بن محمد الرشيدي، دار البصيرة، الاسكندرية ، ط1-1426، 2005.
3 / هو أحمد بن ثابت بن محمد الأصفهاني وطرق من قراها ، محدث فقيه متقن صاحب رحلة، سمع من عبد الوهاب بن منده وأبي إسماعيل الهروي، وتفنن في التصنيف، توفي سنة 521 هـ، انظر الأنساب لابن السمعاني (8/235-236) تحقيق محمد عوامة ، مكتبة ابن تيمية القاهرة بدون، وسير أعلام النبلاء (19/ 528 – 529)
4/ انظر: رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم ابن درباس (ص:3) وسيأتي توثيق النص من الإبانة وتصحيح عبارة يا ساكن العرش ب"ياساكن السماء".
5/ انظر: رسالة في إثبات الإستواء والفوقية لأبي محمد الجويني (ص:77-79).  
6/ الإرشاد إلى قواطع الأدلة لأبي المعالي الجويني (116-117).  
7/ انظر: رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:2) والاعتقاد للبيهقي (ص:52، 53) دار الكتب العلمية ، ط1-1404.
8/ انظر: رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم ابن درباس (ص:6) وتبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص 152 – 153) دار الكتاب العربي ، بيروت، ط3-1404.
9/ انظر بعضها في تبيين كذب المفتري لابن عساكر (221، 390).

المبحث الثالث : الخصومة بين المتقدمين والمتأخرين من الأشاعرة
    إنّ التحوُّل الذي عرفه المذهب الأشعري عبر المراحل التي سبق وصفها؛ لم يكن تحوّلا مفاجئا حاصلا دفعة واحدة، بل كان تدريجيا، ولم يكن أيضا متَّفَقًا عليه في بدء كل مرحلة، بل جرت السُّنة أنّ لكل تحوّل جديد روّاد يقودونه وينصرونه؛ ومعارضون يرفضونه أو يتحفظون منه، وقد يكون بين هؤلاء وهؤلاء ردود ومناظرات وخصومات، تحملها أخبار المؤرخين أو تبقيها آثار المؤلفين منهم، وفي هذه الرسالة النفيسة نجد توثيقا تاريخيا لبعض تلك الخصومات الحاصلة بين الأشاعرة المتقدمين والمنتسبين إلى الأشعرية من المتأخرين الذي خالفوا المؤسس في قضايا جوهرية، وهي خصومات ذات نبرة قوية فيما يظهر، حيث نجد وصف المخالفين لعقيدة المؤسس بالجهمية، وهو نبز له مدلوله الخطير ولا سيما على مذهب الأشاعرة(1)، ونجد في المقابل وصف المثبتين لعقائد الإبانة بالحشوية، التي يقصد بها الرمي بالتجسيم والتشبيه.
     وذكر ذلك ابن درباس بكل وضوح في مقدمة الرسالة وخاتمتها وفي ثنياها نقلا عن غيره، قد وصف –كما ذكرنا- المخالفين بالجهمية وبالمنتسبين للأشعري زورا، كما أنه اعتبرهم طاعنين في الإمام الأشعري مفترين على مذهبه.
 وهذا نصُّه الدال على هذا الوضع وعلى النبز المتبادل وحدَّة الخصومة حيث قال:" ولقد عرضها بعض أصحابنا على عظيم من عظماء الجهمية المنتمين افتراءً إلى أبي الحسن الأشعري ببيت المقدس، فأنكرها وجحدها، وقال: ما سمعنا بها قط، ولا هي من تصنيفه، واجتهد آخرًا في إعمال رويته ليزيل الشبهة بفطنته، فقال بعد تحريك لحيته: لعله ألفها  لما كان حشويًا، فما دريت من أي أمريه أعجب؟ أمن جهله بالكتاب مع شهرته وكثرة من ذكره في التصانيف من العلماء، أو من جهله بحال شيخه الذي يفتري عليه بانتمائه إليه واشتهاره قبل توبته بالاعتزال بين الأمة عالمها وجاهلها؟"(2).
وقد أعطى ابن درباس تعليلا لهذا الجهل بحقيقة مذهب الإمام المؤسس؛ فبيَّن أنهم يعتقدون العقائد التي وجدوها في كتب من بعض المنتسبين إلى المذهب، وشدّد في العبارة حتى قال:" من ينتمي إلى أبي الحسن بمجرد دعواه"، وفي الواقع أننا نجد فيهم من هم أشاعرة فعلا، لكن اضطربوا في بعض القضايا الجوهرية بسبب كثرة الخصومة مع المعتزلة، إضافة إلى لبعد عن كتب الإمام أو غير ذلك من الأسباب، وهذا نصه المتضمن لهذا التعليل:" وقد قنع أحدهم بكتاب ألّفه بعض من ينتمي إلى أبي الحسن بمجرد دعواه، وهو في الحقيقة مخالف لمقالة أبي الحسن التي رجع إليها واعتمد في تدينه عليها، قد ذهب صاحب ذلك التأليف إلى المقالة الأولى"(3).
وقد أكّد ابن درباس في بداية رسالته على أن هذه العقائد المنسوبة للإمام في هذه الكتب المخالفة لما في الإبانة؛ كلها قد رجع عنها وأنها عقائد الاعتزال:"إن كتاب الإبانة عن أصول الديانة؛ الذي ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده، وبما كان يدين الله سبحانه وتعالى بعد رجوعه عن الاعتزال بمنَّ الله ولطفه، وكلُّ مقالة تنسب إليه الآن مما يخالف ما فيه فقد رجع عنها، وتبرأ إلى الله سبحانه منها"(4).
وهذه الخصومات لم تكن في جهة واحدة من البلاد، فبعضها كان في بيت المقدس كما هو مُدوَّن أعلاه، وبعضها كان في بغداد أو أصفهان بدلالة ما حكاه أحمد بن ثابت الأصفهاني(5)، وبعضها  كان بمصر بحكم أن الغالب تأليف ابن درباس للرسالة كان بعد استقراره بمصر بدلالة نقله عن شيخه أبي الحسن علي بن المفضل، وهو إنما لقيه وأخذ عنه بمصر، وقوله :"وهي بيد شيخنا الإمام رئيس العلماء الفقيه الحافظ العلامة أبي الحسن علي بن المفضل المقدسي"(6) يؤكد أن تأليف الرسالة كان بمصر.
هوامش المبحث الثالث
 1/ ردود الأشعري عليهم عنيفة جدا حتى رماهم في موضع من الإبانة بالزندقة، انظر الإبانة عن أصول الديانة للأشعري (ص:123) تحقيق فوقية حسين محمود، دار الأنصار ، القاهرة، ط1-1397.
2/ انظر: رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:6).
3/ انظر: رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:6).
4/ انظر: رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:1).
5/ انظر: رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:3).
6/ انظر: رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:5).

المبحث الرابع : أسباب ابتعاد المتأخرين عن عقيدة المؤسس
    إنَّ البحث في تطور المذاهب الأشعري وابتعاد المنتسبين إليه عن منهج الإمام المؤسس؛ ووصول الأمر إلى درجة كبيرة من التنافر؛ يجعلنا نتساءل عن سبب هذا التطور في الفكر والتحول في الآراء، وعن سبب الاختلاف في فهم كلام الإمام ومخالفة البعض لمنهجه، وخاصة عندما نعلم أن هذا العلم وغيره من العلوم الإسلامية كانت تتلقى في تلك الأزمنة مشافهة، ومن ضرورة ذلك اتصال السند إلى صاحب المذهب أو العقيدة.
    وبقليل من التأمل نجد في هذه الرسالة ذكرا لسبب مهم من أسباب الاختلاف وعامل من عوامل التطور في الفكر الأشعري ومخالفة عقيدة المؤسس؛ وهو الابتعاد عن المصادر التي ألَّفها الإمام أبو الحسن الأشعري، أو المتقدمون من أصحابه؛ والاكتفاء بكتابات المتأخرين من المنتسبين إلى الأشعرية؛ وذلك في قول ابن درباس رحمه الله:" وقد قنع أحدهم بكتاب ألّفه بعض من ينتمي إلى أبي الحسن بمجرد دعواه، وهو في الحقيقة مخالفٌ لمقالة أبي الحسن التي رجع إليها واعتمد في تدينه عليها، قد ذهب صاحب ذلك التأليف إلى المقالة الأولى"(1).
    فبغض النظر عن كلمة "بمجرد دعواه" فإننا نجد المصنف يدلنا على حقيقة مهمة حول الآراء المبثوثة في مصنفات المنتمين إلى المذاهب العقدية وكذا الفقهية، ولأن المؤلف في المواضيع التي يدخلها الرأي والتفسير والشرح مختلفة تماما عن الكتب التي أخلصت للرواية؛ فما يثبته المصنف الأشعري في كتابه في الاعتقاد هو في الواقع فهمه للآراء المحكية عن الإمام، أو اختياره من بين ما سمع من آراء محكية عنه، والفهوم والترجيحات مختلفة كل الاختلاف عن الروايات الأمينة عن الإمام التي لا زيادة فيها ولا نقصان.
    إنّ ما هو مُدوَّن في كتب الأشاعرة هي آراء فردية تتحكم فيها عوامل متعددة؛ تختلف من عالم إلى آخر؛ بل ربما تتغير هذه العوامل في حق العالم الواحد؛ فنجد له رأيا في كتاب ورأيا مخالفا في كتاب آخر، كما نراه في مؤلفات أبي المعالي الجويني المتعددة الارشاد والشامل واللمع والرسالة النظامية، وهذه العقيدة وإن أُخِذت مشافهة؛ فنحن نجد الاختلاف في بعض المسائل بين تلاميذ الشيخ الواحد.
   وإذا أردنا أن نفتش عن تلك العوامل نجدها كثيرة ولعلي أبرز هنا منها ثلاثة ، أولها أن كتب الأشعري كثيرة جدا موضوعاتها مختلفة وأغراضها متنوعة، لكن أبينها في تقرير العقيدة واعتماد النصوص في إثباتها كتاب الإبانة، وهذا الكتاب قد أخذه طائفة من أصحابه ولم يصل إلى آخرين كما نجد ذلك جليا في دوَّنه ابن فورك الذي جمع مؤلفات الأشعري ذكرا؛ فلم يذكر من ضمنها الإبانة، وألف كتاب المجرد الذي حرص على حكاية أقوال الأشعري فيه ولم ينقل من الإبانة حرفا واحدا، وإذا وقفنا على هذه الحقيقة يتجلى لنا سبب الخلاف بينه وبين الباقلاني المعتمد قطعا على كتاب الإبانة وغيره، ونحن نجد في كلام ابن درباس تعجبه من جهل الأشعري المقدسي الموصوف بأنه جهمي بكتاب الإبانة "مع شهرته وكثرة من ذكره في التصانيف من العلماء"(2).
   الثاني من العوامل أن علم الكلام مبني على الجدل والمناظرة للخصوم من المعتزلة وغيرهم، وأئمة المذهب متفاوتون في مقدار مطالعة كتب المخالفين وفي نسبة التأثر بمحتواها، ولذلك أسباب تتعلق بتكوين هذا الإمام المناظر، وهذا العامل من أبرز التحول الذي عرفه المذهب الأشعري على يد أبي المعالي الجويني ، فقد كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم والفلاسفة، مما أدى به إلى موافقة أقوال المعتزلة حينا والتوسط بين الأشعرية والمعتزلة حينا آخر، بل إننا نجده يدافع عن أبي هاشم الجبائي ويعتذر عنه حتى فيما لم يوافقه فيه من الآراء، وصدرت منه فلتات فلسفية لعله رجع عنها(3).
     والأمر نفسه نجده عند رمز المرحلة الثالثة وهو الفخر الرازي، الذين كثر تأثره بآراء المعتزلة وخاصة أبي الحسين البصري، وميله إلى مناهج الفلاسفة بسبب دراسته لعلومهم، فرام التوفيق بين مذاهب المسلمين وآراء الفلاسفة الجهمية في الصفات كما هو ظاهر في كتبه(4).   
   والثالث من العوامل مرتبط بالأول وهو الانقطاع عن كتب المتقدمين فمهما اختلفت الفهوم، وتعددت الآراء، فإن الباحث عن الحقيقة لا يمكنه الاستغناء عما كتبه المتقدمون ولا سيما الإمام المؤسس، وهذا الانقطاع يعد معضلة من معضلات العلوم كلها؛ وليس علم الكلام خصوصا، ولذلك نجد الإمام أبا إسحاق الشاطبي في إطار دعوته التجديدية يدعو إلى مطالعة كتب المتقدمين في الفنون بعد أخذ مفاتيح العلوم من أفواه الشيوخ، واعتبر المتقدمين أقعد بكل الفنون ولم يستثن؛ فدخل علم الكلام في كلامه مثله مثل الفقه والأصول وغيرها(5).
هوامش المبحث الرابع
  / انظر : رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:6).
2/ رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:6).
3/ انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود (1/610-615) مكتبة الرشد الرياض، ط1-1415.
4/ انظر مثلا نهاية العقول للرازي (2/239) والمطالب العالية للرازي (3/224).
5/ الموافقات للشاطبي (1/148) تحقيق مشهور حسن آل سلمان ، دار ابن عفان، ط1-1417، 1997.

المبحث الخامس : أسباب انتشار العقيدة الأشعرية
   من الأشياء المهمة التي نقرؤها في هذه الرسالة على وجازتها بعض أسباب انتشار الاشعرية وقبولها لدى الناس، فقد تضمنت عدة أسباب منها قربها من عقيدة أهل الحديث والتطابق معها في أكثر فصولها، ونعنى بذلك عقيدة الأشعري في الإبانة، ومنها اصطباغ مؤلفات أصحابها بالصبغة الحديثية كما هو حال هذه الرسالة، ومنها الانتماء للإمام أحمد بن حنبل والحرص على عدم التميز عن أصحابه وأتباعه، وفيما تأتي تفصيل ذلك.
المطلب الأول: قرب عقيدة المتقدمين من عقيدة أهل الحديث
  إن قرب عقيدة أبي الحسن الأشعري والمتقدمين من أصحابه أمر مشهور، ونحن نجد هذا في المسائل التي أشار إليها المصنف في هذه الرسالة والنصوص المقتبسة، حيث ذكر مسألة حقيقة القرآن ومسألة العلو والإستواء، فذكرها بالصيغ المتفق عليها التي لا ينكرها أهل الحديث ولا الفقهاء دون خوض في التفاصيل التي تثير بعض الخلاف، فقد نقل بواسطة البيهقي قول الأشعري في القرآن : "فالقرآن في اللوح المحفوظ، وهو في صدور الذين أوتوا العلم. قال الله تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ وهو متلو بالألسنة، قال الله تعالى: ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ فالقرآن مكتوب في الحقيقة، محفوظ في صدورنا في الحقيقة، متلو بألسنتنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة كما قال تعالى: ﴿ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾(1). ولا شك أن اعتبار المكتوب والمتلو والمحفوظ والمسموع كله قرآنا حقيقة لا مجازا من نقط الاتفاق بين أهل الحديث ومتقدمي الأشاعرة وإنما يظهر الخلاف عندما يتطرق إلى الكلام النفسي الذي يثبته الأشاعرة دفعا لشبهة الحدوث التي يثيرها الجهمية والمعتزلة.
ونقل المصنف أيضا بواسطة أحمد بن ثابت الطرقي من نصوص الأشعري في إثبات العلو والاستواء قوله:" ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون: يا ساكن العرش..ثم قال: ومن حَلِفِهِم جميعًا قولهم: لا والذي احتجب بسبع سماوات"(2). مع التنبه أن عبارة "ساكن العرش" غلط في النقل، والصواب يا ساكن السماء كما هو مثبت في الإبانة(3)، والأشعري تمسك هنا بدليل نقلي مرده إلى الإجماع الذي يشترك العامة في علمه مع الخاصة، ومثل هذا مما تتفق عليه كلمة المحدثين ومتقدمي الأشاعرة أيضا.
وهذا بغض النظر عن مسائل السمعيات ومسائل الصحابة والإمامة التي اتفق فيها أهل الحديث مع الأشاعرة اتفاقا تاما ظاهرا وباطنا.
المطلب الثاني: اصطباغ كتبهم بالصبغة الحديثية
     إن من أسباب انتشار العقيدة الأشعرية تبني عدد من المحدثين لها ودفاعهم عنها وتوليهم نشرها ،كأبي ذر الهروي وأبي عمرو الداني من المالكية والبيهقي والخطيب البغدادي وابن عساكر من الشافعية، ومؤلفات هؤلاء لا تنكرها نفوس المحدثين التي ألِفت الاعتماد على الإسناد والرواية، وهذه الرسالة التي بين أيدينا لا تختلف عن نهجهم وطريقتهم في طريقة كتابتها ووضعها، إذ كل خبر أو نص مثبت فيها هو منقول بالإسناد إلى قائله، حتى ما هو موجود في كتب مشهورة واسعة الانتشار كالاعتقاد لأبي بكر البيهقي وتبيين كذب المفتري لأبي القاسم ابن عساكر.
المطلب الثالث: الانتماء إلى أحمد بن حنبل والحرص على عدم التميز عن أصحابه
    وهذا السبب من أهم الأسباب وقد كان الإمام المؤسس حريصا عليها، إذ دون ذلك في كتابه الإبانة، وفي غيره من الكتب، لأنَّ الإمام أحمد صار علم أهل السنة في عصره وبعد عصره، وسار على طريقة الأشعري أبو بكر الباقلاني ناشر مذهبه الذي كان يصف نفسه بالحنبلي ويحمل كتاب الإبانة لدفع الشناعة التي أثارها عليه بعض فقهاء الشافعية في بغداد(4).
    ومؤلف هذه الرسالة القاضي ابن درباس قد أكد على هذه القضية في أولها وآخرها، فقال في أولها: "وقد نصَّ فيه على أنَّه ديانته التي يدين الله سبحانه بها، وروى وأثبت ديانة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث الماضين وقول أحمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين"(5)، ونقل في آخرها قول ابن عساكر: "وبينوا فضل أبي الحسن، واعرفوا إنصافه، واسمعوا وصفه لأحمد بالفضل واعترافه، لتعلموا أنهما كانا في الاعتقاد متفقين، وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين، ولم تزل الحنابلة في بغداد في قديم الدهر على ممر الأوقات (تعتضد)(6) بالأشعرية حتى حدث الاختلاف في زمن أبي نصر بن القشيري"(7).
 وقد كان في ضمن من نقل عنهم إثبات الرسالة أبا علي الأهوازي الذي ألَّف في مثالب الأشعري فانبرى ابن عساكر للرد عليه في كتابه التبيين، ولا تفسير لهذا الصنيع إلا محاولة رأب الصدع وجمع الكلمة كما صرح في آخر كلمة كتبها، حيث قال في نقد من اختار مذهب التأويل للصفات ونسبه للأشعري:" وكان خلاف ذلك أحرى به وأولى، لتستمر القاعدة وتصير الكلمة واحدة"(8).
هوامش المبحث الخامس
 1/ انظر: رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:2) والنص مثبت في: الإبانة عن أصول الديانة للأشعري (100-101) والاعتقاد للبيهقي (ص:52، 53).
2/ انظر: رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:3).
3/ جاء في الإبانة عن أصول الديانة للأشعري (ص:115):"وأجمعت الأمة على أن الله سبحانه رفع عيسى صلى الله عليه وسلم إلى السماء، ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعا: يا ساكن السماء، ومن حلفهم جميعا: لا والذي احتجب بسبع سماوات".
4 انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (1/270) تحقيق محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، ط2-1411 هـ، 1991م، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (4/15-17).
5/ انظر: رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:1).
6/ وفي النسخة التركية : (تستند) وفي الطبعة وبقية النسخ خطية (يعتقدون) والتصويب من تبيين كذب المفتري.
7/ رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:5) تبيين كذب المفتري، لابن عساكر، ص 152 – 163.
8/ انظر: رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس (ص:6).


المبحث السادس : موقف ابن درباس من منكري علم الكلام
    وآخر دلالة نختم بها هذه الدراسة أن ابن درباس ألَّف هذه الرسالة للذب عن الأشعري وكتابه الإبانة؛ وهذا الصنيع في فحواه ذبٌّ عن الأشعري المتكلِّم وعن كتابٍ في علم الكلام، لأن كتاب الإبانة ليس كتابا في تقرير العقيدة على طريقة المحدثين فحسب؛ بل هو كتاب في مجادلة الطوائف المنحرفة في جميع أبواب الدين، وقد ضمَّنه الأشعري دقائق في مذهبه يخالف فيها مذهب أهل الحديث؛ لا يفطن لها إلا بصير بالكلام ومذاهب الناس؛ ولأجل هذا أو ذاك رفضها بعض الحنابلة؛ رغم ما فيها من ثناء على أحمد بن حنبل ومذهبه.
     فابن درباس إذ نصر طريقة الأشاعرة المتقدمين فهذا لا يخرجه من دائرة المتكلمين، كيف هو قد وصف بالتعصب للأشعري حتى أنه وصل إلى حد التكفير للمخالفين كما قال المقريزي(1)، ولعلنا نجد في سيرته ما يؤكد ذبه عن علم الكلام وانتصاره لأهله وموقفَه المتشدّد تُجاه منكريه؛ وهو خبر مخاصمته لأخيه عثمان ابن درباس الفقيه الشافعي المعروف(2) في آخر حياتهما، ولقد كان خلافهما فيما يظهر في قضية عقدية جَدَّت ولم تكن مطروحة من قبل، وقد وثّق هذه الخصومة الحافظ ابن حجر فقال:"ووقع بينه وبين أخيه الضياء عثمان شارح "المهذب"، اختلاف فِي العقيدة فهجره، حَتَّى إنه لما مات لَمْ يُصلّ عَلَيْهِ. وامتنع من دفنه بمقبرته. وَكَانَ إِذَا ذكره تلا قوله تعالى: (لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) الآية. ثُمَّ يقول لَمْ يبق لَهُ الحقُّ أخاً"(3). ولم يذكر ابن حجر المسألة العقدية ولا أشار إلى طبيعتها، وأنا أقدِّر أنَّ المسألة لم تكن من قبيل الجزئيات والفرعيات التي يمكن تحمُّل الخلاف فيها بدلالة أنه اعتبر أخاه ممن حاد الله تعالى ورسوله، وترك الصلاة عليه، ونحن نجده في آخر كلمة قالها في رسالته مع ما فيها من نبزٍ للمخالف يدعو إلى جمع الكلمة بين الأشاعرة وتجاوز الخلافات، فلا شك أن الخلاف كان في قضية منهجية كلية؛ تستدعي التكفير والهجران والعزل عن القضاء والتدريس ثم ترك الصلاة عليه.
      وقد ظهر لي أن القضية مرتبطة بالموقف من علم الكلام؛ فإنَّ أخاه عثمان كان على عقيدة أهل الحديث التي ورثها عن فقهاء الشافعية الذين كانوا ينهون عن الخوض في علم الكلام، ويكتفون بالدلائل الشرعية في الاعتقاد دون لجوء إلى الأدلة العقلية، وأكثر كتب الفقيه عثمان مفقودة لكني وجدت في بعض كتب أصول الفقه معارضته للأشاعرة في قولهم إن كلام الله تعالى معنى لا يتبعض، بحجة قرآنية وهي قوله: "وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) مَعَ التَّصْرِيحِ بِاخْتِصَاصِ مُوسَى بِالْكَلام"(4).
     ومن مؤلفاته المشهورة كتاب سماه "الانتصار"(5) مما قرَّره فيه أن معرفة الله تعالى إنما تكون بالشرع لا بالعقل، وشدّد على المتكلمين الموجبين للنظر والمعتبرين للمكتفي بدلائل النصوص مقلدا، وقد اقتبس منه أبو عبد الله القرطبي نصوصا تدل على إنكاره لمنهج علماء الكلام جملة وتفصيلا، منها قوله: "وقد أكثر أهل الزيغ القول على من تمسك بالكتاب والسنة أنهم مقلدون. وهذا خطأ منهم، بل هو بهم أليق وبمذاهبهم أخلق، إذ قبلوا قول ساداتهم وكبرائهم فيما خالفوا فيه كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة رضي الله عنهم، فكانوا داخلين فيمن ذمهم الله بقوله: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ) (الأحزاب: 67)...فبيَّن تعالى أن الهدى فيما جاءت به رسله عليهم السلام. وليس قول أهل الأثر في عقائدهم: إنا وجدنا أئمتنا وآباءنا والناس على الأخذ بالكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح من الأمة، من قولهم: إنا وجدنا آباءنا وأطعنا سادتنا وكبراءنا بسبيل، لأن هؤلاء نسبوا ذلك إلى التنزيل وإلى متابعة الرسول، وأولئك نسبوا إفكهم إلى أهل الأباطيل، فازدادوا بذلك في التضليل"(6).  
      وقد ظهر لي أن الأمر الذي جدَّ فأوجب الخلاف بين الأخوين؛ هو إخراج هذا الكتاب الذي يُنكر فيه علم الكلام ويعتبر فيه أهله أحق بوصف التقليد من المكتفي بدلائل الكتاب والسنة، ولا شك أنَّ هذا الموقف يُثير حفيظة كلِّ متكلم أشعري بناء على عقيدته في وجوب النظر وإنكار التقليد، وإذا فرضنا أن عبد الملك ابن درباس كان لا يرى إكفار المخالفين بالتأويل -خلافا لما نقل المقريزي عنه-، فإنّ مسألة إيجاب النظر مسألة أخرى منهجية كلية بنى عليها أكثر الأشعرية التكفير أو التفسيق(7)، وكل واحد من الرأيين كاف لتبرير تصرفات القاضي تجاه أخيه من عزل من منصب القضاء، وهجران في الحياة وترك للصلاة عليه بعد الممات، والله تعالى أعلم.   
هوامش المبحث الثالث
  1/ المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي (4/ 51)
2/ هو عُثْمَان بن عِيسَى بن درباس ضِيَاء الدّين أَبُو عَمْرو الهدباني الماراني ثمَّ الْمصْرِيّ، تفقه بإربل على الْخضر بن عقيل ثمَّ بِدِمَشْق على ابْن أبي عصرون وَسمع الحَدِيث من أبي الجيوش عَسَاكِر بن عَليّ، من مؤلفاته الِاسْتِقْصَاء فِي شرح الْمُهَذّب في عشرين مجلدا وصل فيه إلى الشهادات وَشرح اللمع فِي أصُول الْفِقْه قال ابن السبكي :"وَكَانَ من أعلم الشَّافِعِيَّة فِي زَمَانه بالفقه وأصوله، لما اختلف مع أخيه عزل عن القضاء والتدريس ، فوقف عليه الأمير جمال الدين خشتر بن الهكاري مدرسة أنشأها بالقصر بالقاهرة، وفوض تدريسها إليه، مَاتَ بِمصْر سنة اثْنَتَيْنِ وسِتمِائَة وَقد قَارب التسعين سنة"، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (8/ 337- 338) الوافي بالوفيات (19/ 331) في التكملة للمنذري (2/ 90):"خشترين الكردي".
3/ رفع الإصر عن قضاة مصر لابن حجر (ص: 252-253)
4/ التحبير شرح التحرير للمرداوي (3/1277)، تحقيق عبد الرحمن الجبرين وآخرين، مكتبة الرشد ، الرياض، ط1-1421هـ - 2000م.
5 / انظر : درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (9/16-17).
6/ تفسير القرطبي (2/ 213) دار الكتب المصرية القاهرة ، ط2-1384، 1964.
7/ انظر توثيق الأقوال مفصلة عن الأشاعرة في هذه المسألة في المنهج السديد شرح كفاية المريد للسنوسي (ص: 47-50) تحقيق مصطفى مرزوقي ، دار الهدى عين مليلة ، الجزائر، ط 1994.


الخاتمة :
   بعد هذه الجولة في رحاب التاريخ والعقيدة وفي ظل رسالة الذب عن الأشعري لعبد المالك ابن درباس؛ نصل إلى استخلاص النتائج التالية :
أولا : إن مضمون هذه الرسالة يؤكد صحة نسبتها إلى القاضي أبي القاسم عبد الملك ابن درباس الأشعري، بدلائل أسماء بعض الشيوخ المروي عنهم وتواريخ لقائهم؛ كأبي محمد ابن عساكر وظفر بن أحمد بن ثابت الأصفهاني والحافظ السِّلفي، وأيضا فإن الرسالة لم تكتب إلا على أرض مصر بدلالة ما نقل عن أبي الحسن بن المفضل.
ثانيا: إنّ النصوص المنتخبة من الإبانة والتي ورد ذكرها في الرسالة المتعلقة بمسألتي الكلام والعلو؛ تدل على انتماء أبي القاسم ابن درباس لأهل الطور الأول في الاتجاه الأشعري المتبعين لمنهج الإمام المؤسس وتلاميذه والباقلاني.
ثالثا : في هذه الرسالة دلالة على أن التحول في المذهب الأشعري لم يتم إلا في ظل جدال وخصومة بين أنصار المنهج القديم والمنهج الجديد، اتسم بشدة اللهجة حيث نجد إضافة للخلاف التنابزَ بالألقاب، حيث صار يوصف أنصار الإبانة من قبل خصومهم بالحشوية والمجسمة، وكان يوصف الرافضون لها بالجهمية المنتسبين للأشعري زورا، وفي الرسالة دلالة على أن الخصومة  شملت الشام ومصر وبغداد أو أصفهان.
رابعا : في هذه الرسالة دلالة على بعض أسباب التحول المنهجي في العقيدة الأشعرية؛ وهو الانقطاع عن كتب الإمام المؤسس والمتقدمين من أصحابه، والاستغناء عنها بمؤلفات المتأخرين الذين كانت لهم اختيارات وافقوا فيها الجهمية، وخالفوا الإمام الأشعري مع الحفاظ على الانتساب إلى مذهبه.
خامسا: في الرسالة دلالة على بعض أسباب انتشار الأشعرية وقبولها، ففضلا عن تبني الدولة الأيوبية لها، وجعلها واجهة تمحى بها عقائد الرافضة، فإن العقيدة المتبناة كانت قريبة جدا من عقائد أهل الحديث متفقة معها في جل الأصول والكليات، وحرص أصحابها –ومنهم ابن درباس- على عدم التميز عن مذهب أحمد وأصحابه، واصطبغت كثير من مؤلفاتهم بما فيها هذه الرسالة بالصبغة الحديثية المعتمدة على الرواية.
سادسا : في الرسالة دلالة على موقف أبي القاسم ابن درباس من علم الكلام، وهو موقف المتبني المناصر من غير ريب، وقد وجدنا في سيرته ما يؤكد موقفه من العلم ومن منكره المخالف لأهله جملة وتفصيلا، وهو موقف لا يخلو من تشدد إذ جعله يهجر أخاه الفقيه عثمان ابن درباس في حياته ويترك الصلاة عليه بعد وفاته.

فهرس المراجع
1-الإبانة عن أصول الديانة للأشعري ، تحقيق فوقية حسين محمود، دار الأنصار ، القاهرة، ط1-1397.
2-الإرشاد إلى قواطع الأدلة لأبي المعالي الجويني، تحقيق محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم، مكتبة الخانجي مصر، 1369، 1950.
3-أصول الدين للبغدادي، تحقيق أحمد شمس الدينن دار الكتب العلمية، ط1-1423، 2002.
4-الاعتقاد للبيهقي، دار الكتب العلمية ، ط1-1404.
5-الأنساب لابن السمعاني، تحقيق محمد عوامة ، مكتبة ابن تيمية القاهرة بدون.
6-البعد السياسي في انتشار المذهب الأشعري في المشرق الإسلامي ومغربه لمصطفى مغزاوي، كنوز الحكمة، الجزائر العاصمة ، 1432.
7-تاريخ إربل لابن المستوفى، تحقيق سامي بن السيد خامس الصقار ، منشورات وزارة الثقافة والاعلام العراقية ، 1980.
8-تبيين كذب المفتري لابن عساكر، دار الكتاب العربي ، بيروت، ط3-1404.
9-التحبير شرح التحرير للمرداوي ، تحقيق عبد الرحمن الجبرين وآخرين، مكتبة الرشد ، الرياض، ط1-1421هـ - 2000م
10-تفسير القرطبي، دار الكتب المصرية القاهرة ، ط2-1384، 1964.
11-تكملة الإكمال لابن نقطة، تحقيق عبد القيوم عبد رب النبي، مركز إحياء التراث جامعة أم القرى مكة المكرمة، ط1-1408..
13-التكملة للمنذري تحقيق بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة بيروت، ط3-1405، 1984
14-تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني، تحقيق رتشرد مكارثي، المكتبة الشرقية بيروت، 1957.
15-درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ، تحقيق محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، ط2-1411 هـ ، 1991 م
16-ذيل تاريخ بغداد لابن الدبيثي ، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الاسلامي، ط1-1427 .
17-الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني، تحقيق حلمي بن محمد الرشيدي، دار البصيرة، الاسكندرية ، ط1-1426، 2005.
18-رسالة في إثبات الإستواء والفوقية لأبي محمد الجويني ، تحقيق أحمد معاذ حقي، دار طويق للنشر، الرياض، 1419.
19-رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لأبي القاسم بن درباس، دائرة المعارف العثمانية ، ط2-1367، 1948.
20-رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، مجلة الحكمة الصادرة بمانشتسر لندن، العدد 23 رجب 1422.
21-رفع الإصر عن قضاة مصر لابن حجر، تحقيق علي محمد عمر، مكتبة الخانجي بالقاهرة ، ط1-1418، 1998م.
22-سير أعلام النبلاء للذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3-1405هـ، 1985م.
23-شرح المعالم لابن التلمساني، تحقيق نزار حمادي ، دار الفتح للدراسات والنشر، الأردن، ط1-1431، 2010
24-شرح أم البراهين للسنوسي، تحقيق مصطفى الغماري، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1989.
25-شرح عقيدة ابن أبي زيد للقاضي عبد الوهاب، دار الكتب العلمية، بيروت ، ط1-1423، 2002.
26-ضحى الإسلام لأحمد أمين، دار الكتاب العربي-بيروت-ط10    
27-طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي، تحقيق محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ط2-1413هـ
28-العسجد المسبوك للملك الأشرف الغساني، تحقيق شاكر عبد المنعم، دار البيان بغداد، ط1-1395
29-لمع الأدلة لأبي المعالي الجويني، تحقيق فوقية حسين، عالم الكتب بيروت، ط2-1407، 1987.  
30-مجموع الفتاوى لابن تيمية، جمع عبد الرحمن بن قاسم، المكتب التعليمي السعودي بالمغرب.
31-مشكل الحديث لابن فورك ، تحقيق دانيال جيماريه، المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، ط2003.
32-المطالب العالية من العلم الإلهي للرازي، تحقيق أحمد حجازي السقا، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1-1407، 1987.
33-مناقب الشافعي للبيهقي ، تحقيق السيد أحمد صقر، مكتبة دار التراث القاهرة.
34-المنهج السديد شرح كفاية المريد للسنوسي، تحقيق مصطفى مرزوقي، دار الهدى، عين مليلة الجزائر، ط 1994
35-المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1-1418 هـ
36-الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي، تحقيق مشهور حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط1-1417، 1997.
37-موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود، مكتبة الرشد الرياض ، ط1-1415، 1995.
38-نشأة الأشعرية وتطورها لجلال محمد عبد الحميد موسى، دار الكتاب اللبناني بيروت.
39-نهاية العقول في دراية الأصول للرازي، تحقيق سعيد فودة، دار الذخائر، بيروت، ط1-1436، 2015.
40-الوافي بالوفيات للصفدي، تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث، بيروت، ط1-1420هـ، 2000م.
41-وفيات الأعيان لابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، دار صادر ، بدون.


معلومات إضافية

  • الكاتب: مثال
تم قراءة المقال 17 مرة