الأحد 9 رجب 1431

شرح الثلاثة أصول (الدرس الثاني)

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المدخل الأول : في بيان المسائل الأربعة

  قال المصنف:"   اعلم – رحمك الله-أنه يجب علينا تعلّم أربع مسائل:

الأولى: العلم وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.

الثانية: العمل به.

الثالثة: الدعوة إليه.

الرابعة: الصبر على الأذى فيه".

 

شرح الثلاثة أصول (الدرس الثاني)

الشرح

 بعد الاستعانة بالإله سبحانه وتعالى جعل المصنف هنا مدخلا مهما، تعرض فيه إلى المسائل الأربع المذكورة، التي تعتبر خلاصة الأعمال الواجبة على العباد وهي أسباب النجاة من الخسارة يوم القيامة.

-وقوله "يجب علينا "، والإيجاب طلب الفعل الجازم من الله تعالى على وجه الحتم واللزوم، والواجب من الأفعال هو ما يؤجر فاعله ويأثم تاركه بعد العلم ويستحق العقوبة على ذلك .

-وقوله :" العلم ". والعلم إذا أطلق في الشرع فهو العلم الديني أو العلم بالكتاب والسنة، فلما قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر:28) فقد عنى العلماء به وبشرعه وبرسالة أنبيائه، وكذلك لما قال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة:11) فالمقصود الذين عندهم العلم المذكور أعلاه. والعلم هو مصدر الإيمان وأوله، فلا يمكن أن يؤمن من جهل، وكلما ازداد الإنسان علما كلما ازدادا إيمانا، وعبادة  الله تعالى كلها مبنية على محبته سبحانه، ومحبته تقوى وتضعف، وطريق قوتها العلم بالله تعالى بأسمائه وصفاته الدالة على جماله وجلاله.

-وقوله:"بالأدلة" تقييد مهم لأنه ليس كل ما سماه الناس علما هو علمٌ شرعا، بل يشترط في العلم المنسوب إلى الشرع أن يكون مصحوبا بالدليل، وهو الكتاب والسنة والإجماع وما رجع إليها، وإلا فمن الناس من يحسب أنه على شيء وليس على شيء، يسمع الناس يقولون شيئا فيصدقهم ويجعل ما يقولون دينا له، وقد ورد في حديث سؤال القبر أن المجرم يقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فدل على أن التقليد المحض لا يفيد العلم المطلوب.

    وأما من لا يفهم الدليل من عامة الناس فيعطى دليلا واحدا، وهو قوله تعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النحل:43)، ويجب عليهم أن يتحروا في أمر دينهم فلا يسألون إلا من كان يفتي بالدليل، لأن المقلد المحض الذي يفتي بالتقليد المجرد ليس من أهل الذكر الذين أمرنا بسؤالهم، قال تعالى : (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ) (النحل:43-44).

  ويكفي النظر في الدليل حين يقبل الحكم أو العقيدة، فإذا حفظ المسلم الحكم أو العقيدة، ثم نسي الدليل بعد ذلك فلا حرج عليه، قال تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة:286).

-قوله:"العمل به" أي وجوب العمل بالعلم بعد تحصيله، فإن من تعلم أركان الإيمان وحصل له المعرفة والإقرار لم يكن مجرد ذلك منجيا له، فالإيمان الموجب للجنة الإيمان الكامل الذي هو قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، يقول الله عز وجل: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (الحجرات:15).

     وأما من يعرض عن العلم ظنا منه أن إعراضه يرفع عنه التكليف، فهذا أتي من جهله، وقد قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طـه:124)، والله تعالى يعذر الجاهل الذي لم يأته الرسول، وأما المعرض فإنه لا حجة له، ثم إن الإعراض في حد ذاته معصية، وقد يصل إلى درجة الردة إذا كان إعراضا عاما عن العلم والعمل بدين الله تعالى.

   قوله:"الدعوة إليه" أي الدعوة إلى تعلم هذا العلم (وهو معرفة الله ودينه ورسوله) وإلى العمل به، أي الدعوة إلى الدين علما وعملا، والمقصود هنا الدعوة العامة الواجبة على كل إنسان بحسب علمه واستطاعته، ويدل على وجوبها قوله النبي صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه" (متفق عليه) وقوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف:108)، فكل تابع للنبي صلى الله عليه وسلم لابد أن يدعو إلى سبيل الله تعالى.

    وأما الدعوة الخاصة فهي فرض كفاية، وهي التخصص في الدعوة والتفرغ للتبليغ والتعليم، ووجوب هذه لا يلغي وجوب الأولى، وهي المقصودة بقوله تعالى : (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (التوبة: 122).

-قوله:"الصبر على الأذى فيه" أي الصبر على الأذى في العلم والعمل والدعوة إلى الله، والصبر من العمل الواجب تحصيله ويخص بالذكر لأهميته ولتعلقه بالمراتب الثلاث .

     فالصبر مطلوب في العلم، لأن النفس تدعو إلى الكسل فلابد من مجاهدة لها ومن صبر، ومن طرق تحصيل الصبر في طلب العلم الاستعانة بالله تعالى والاستعاذة به من العجز ومن الكسل كما كان يستعيذ النبي صلى الله عليه وسلم.

    والصبر مطلوب في العمل، كيف لا والجنة قد حفت بالمكاره والنار حفت بالشهوات، فالطاعات تحتاج إلى صبر ومجاهدة وترك المعاصي كذلك. قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69). والصبر مطلوب في الدعوة إلى الله، لأن الداعي سوف يُكَذَّب وسوف يتكلم في دينه وعرضه، وسوف يبتلى ويكاد له، قال تعالى : (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان:17).

قال المصنف رحمه الله : والدليل قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ]وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [  (العصر). قال الشافعي-رحمه الله تعالى -: » لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم«.

الشرح

-قوله:"بسم الله الرحمن الرحيم" إيراد البسملة مبني على القول بأنها آية من كل سورة، والصحيح خلاف ذلك.

-قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ ) قَسَم يراد به تأكيد الخبر، والمقسم به هو الزمان الذي تقع فيه أعمال بني آدم وأقوالهم سواء الخير أو الشر، أقسم به لأنه خلق له عظيم دال على عظمته وقدرته.

-قوله عز وجل: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) والخُسر ضد الربح في التجارة، والإنسان في هذه الدنيا في تجارة، لذلك يقول تعالى عن المنافقين: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) (البقرة:16). وحكم بأن الإنسان كله في خسارة وهذا العموم مخصوص بما يأتي ذكره في السورة، وهذه الخسارة متفاوتة وأعظم الخاسرين من يحكم عليه بالخلود في جهنم.

-قوله: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي حققوا الواجب الأول المنجي من الخسارة العظيمة، وهو الإقرار بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الإقرار يحصل بالعلم المبني على الدليل لا على الظن واتباع الآباء والأجداد.

-قوله عز وجل: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) أي الصالحات كلها، وأول عمل وآخره هو التوبة لأن العمل كله لا يقدر عليه أحد، وهذا الواجب الثاني الذي لا يتم الإيمان الواجب إلا به.

-قوله عز وجل: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ) التواصي على وزن تفاعل بمعنى تبادل النصح، أي الذين يتبادلون النصح تعليما وتذكيرا أمرا ونهيا في كل الأزمان والأوقات.

-قوله عز وجل: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) فعطف الخاص على العام، ثم عطف الأخص على الخاص، لأن الدعوة والتناصح من جملة العمل الصالح، ولأن الصبر من جملة الأمور التي ينبغي أن نتناصح بها وأن ندعو إليها، فالجميع  يرجع إلى العمل لكن خصت الدعوة والصبر بالذكر لبيان الأهمية.

-ثم نقل رحمه الله قول الشافعي (ت 204 ) :" لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم". أي لأغنت ولكانت كافية في إقامة الحجة عليهم، فهي جامعة لكل ما يجب على الإنسان في كل حياته ومدة إقامته في الدنيا.

قال المصنف : وقال البخاري-رحمه الله تعالى-:" باب العلم قبل القول والعمل"، والدليل قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك) (محمد:19) فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.

الشرح

    أراد الشيخ أن يؤكد أن العلم واجب التقديم على بقية الواجبات الأربعة فأورد قول البخاري (ت 256هـ) :"باب العلم قبل القول والعمل"، واستدل له بقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك) (محمد:19) لما فيه من تقديم للأمر بالعلم على الأمر بالاستغفار الذي هو قول يتبعه عمل.

وهنا سؤال هل العمل يسبق الدعوة أيضا؟

    الجواب: إذا كان المقصود العمل بالشيء المدعو إليه فنعم لأن الله تعالى يقول: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44)، وإن كان المقصود العمل بكل ما علم فليس بصحيح، لأن هذا سيؤدي إلى تعطيل النصيحة والدعوة إلى الله، إذ لا يوجد في الناس من يدعي أنه عمل بكل ما علمه من الدين.

 

تم قراءة المقال 3332 مرة