قيم الموضوع
(0 أصوات)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد : فإن من أهم القضايا التي ينبغي التذكير بها لسلوك طريق الإصلاح ، مسؤولية تربية الأولاد التي قصر فيها أناس وفرط فيها آخرون، وقد رأيت أن أكتب نصيحة أذكر فيها بهذا الواجب وأبين عظم المسؤولية التي تقع على عاتق الآباء والمربين.

 

23-مسؤولية تربية الأولاد

  إن المقصود بالتربية كل الجهود والمساعي الرامية لتقويم الناشئين عقيدة ومنهجا وأخلاقا. فالمعني بها أساسا هم الصغار الناشئون، قال تعالى : ]وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً[ (الإسراء:24) وذلك حتى تحصل لهم الاستقامة المرجوة، فإن من نشأ معوجا قد تعسر إقامته إذا ما كبر.

   أيها الآباء أنتم أول من يخاطب بواجب التربية، لأنكم من يصحب الطفل منذ صغره، بل منذ ولادته وفي جميع مراحل نموه، فهو بين أيديكم كالصفحة البيضاء تكتبون فيها ما شئتم، ولأن الطفل لا يسمع من أحد مثل ما يسمع من والديه، ولا يقتدي بأحد مثلما يقتدي بهما. وبعدكم يأتي المعلمون الذين تقلدوا هذه المهمة وتحملوا هذه المسؤولية بأنفسهم .

أدلة إيجاب تربية الأولاد

1-الأولاد أمانة

     إن الأولاد عند آبائهم أمانة، قالت أم سليم لزوجها لما توفي ابنها:»  فإن الله قد أعارك ابنا ومتعك به ما شاء ثم قبضه إليه فاصبر واحتسب «  رواه ابن حبان، فالمربي مستأمن على عقيدة ولده وعلى أخلاقه قبل أي شيء آخر وقد نهى الله تعالى تضييع الأمانة، وقال :] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[ (الأنفال:27).

2-الأمر بوقاية الأهل من النار

     قال تعالى :] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [ (التحريم:6). وإنما تكون هذه الوقاية بالتربية على العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة، قال قتادة في تفسير الآية:» تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه فإذا رأيت لله معصية قذعتهم عنها وزجرتهم عنها« .

3-أيها الآباء إنكم مسؤولون

   أيها الآباء إنكم مسؤولون يوم الحساب فأعدوا الجواب قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :»  وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا « (متفق عليه). وكذلك المعلمون في المدارس مسؤولون عمن في أيديهم من التلاميذ فليتقوا الله تعالى وليؤدوا الرسالة وليصونوا الأمانة.

4-مروا أولادكم بالصلاة

   ومن أهم الأشياء التي يجب على الآباء أن يربوا عليها أولادهم الصلاة ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :» مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ « (رواه أبو داود) وقال تعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم :]وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى[ (طـه:132).

5-انحراف الأولاد سببه الآباء

    أيها الآباء إن النبي  صلى الله عليه وآله وسلم قد حمل الأبوين مسؤولية انحراف الأولاد عن الدين والأخلاق فقَالَ:» مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ « ( متفق عليه). الفطرة هي الدين (الإسلام) أو الميل إلى الدين الحق، لذلك لم يقل أو يسلمانه فإنه يولد مسلما أو مائلا إليه بفعل الفطرة، وقد قال تعالى :] فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا[ (الروم:30). وقال ابن القيم:» وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه، وإعانته له على شهواته ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه، ففاته انتفاعه بولده وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء«..

6-التهديد والوعيد لمن ضيع أولاده

   قَالَ رَسُولُ اللَّهِe :» كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ« (رواه أبو داود وحسنه الألباني). وهذا التهديد ينصب على من ضيع أبناءه من ناحية قوت الأبدان بحيث يهملهم أو يشح عليهم، ويشمل من باب أولى من ضيعهم من ناحية قوت القلوب من العقائد والأخلاق، والمرء قد يعذر في الأول لكونه فقيرا ليس من أهل الكفاية ، ولكن لا عذر له في الثاني بتاتا.

   وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:"  مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ « (متفق عليه).

7-التربية من النصيحة الواجبة

   ومما يدل على وجوب تربية الأولاد أدلة إيجاب النصيحة كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:» الدين النصيحة «  (رواه مسلم)، فأولى الناس بهذه النصيحة هم الأولاد والأهل والأقربون، وكذلك قولهe:» مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ «  (رواه مسلم)، يدل على وجوب التربية، وفي البيت الرجل مكلف بالتغيير باليد واللسان ولا يكفيه التغيير بالقلب لأنه قادر على ما هو أعلى منه .

من فضائل تربية الأولاد

1-للمربي مثل أجور من رباهم

    قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :» مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا « مسلم، فكل شيء يلقنه الوالد للولد فيعمل به فله مثل أجره ما عمل به وأي فضل فوق هذا، والعكس بالعكس .

2-الأولاد من أعمال الآباء

   وبل إن حتى الأشياء التي عملوها من غير تعليم منه له منها نصيب لأن أبناءهم من أعمالهم التي تبقى بعد موتهم، والأعمال منها ما هو صالح يؤجرون عليه ومنها ما هو دون ذلك ، وقد قال النبي  صلى الله عليه وآله وسلم:» إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ « رواه مسلم .

3-البنات حجاب عن النار

   ولما كان كثير من الناس لا يرغبون في البنات، وربما يرون صعوبة في تربيتهن على الطريق المستقيم فقد رغب النبي e في الصبر على ذلك بما لم يرغب به في حق من كان له ذكور، قال رَسُولَ اللَّهِ e :مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ وَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (رواه ابن ماجة وصححه الألباني). وقَالَ e: مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ (رواه مسلم).

3-التكريم في الدنيا بالذكر الحسن

   أيها الآباء إن تعالى مدح إسماعيل عليه السلام في كتابه، فكان من أهم ما أثنى به عليه أنه كان مهتما بأهله يأمرهم بالصلاة ويربيهم على العبادة فقال سبحانه : ]وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً[ (مريم:55)

   وإن الله تعالى كرم عبدا صالحا من عباده فذكره باسمه في القرآن، مع أنه لم يذكر كثيرا من الأنبياء فيه، وما ذلك لوصيته العظيمة لابنه ولحرصه على تربيته على العقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة، قال تعالى :] وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[ (لقمان:13).

5-شرف عظيم يوم القيامة

   قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جزاء صاحب القرآن يوم القيامة:» ويكسى والداه حلتان لا يقوم لهما أهل الدنيا فيقولان بما كسينا هذا فيقال بأخذ ولدكما القرآن « (رواه أحمد وحسنه الألباني).

 

أثر إهمال التربية على المجتمع

1-انتشار الفواحش والأمراض الأخلاقية في المجتمع، فكل آفة يراها المسلم في طريق المسلمين ، وكل خلق سيئ انتشر في بلادهم، وكل مرض أخلاقي أصاب أولادهم، سببه الأول هم الآباء الذين أهملوا تربية أبنائهم ، وقصروا في صيانتهم وحفظهم عن الشرور والأخلاق الذميمة .

2-ظهور العقوق والتفكك الأسري، وهذا من أظهر آثار إهمال تربية الأولاد، وقد قال بعض أهل العلم إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده فإنه كما أن للأب على أبنه حقا فللابن على أبيه حق، فكما قال تعالى: ]وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً [ (العنكبوت:8) قال تعالى:]قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ[ (التحريم:6) . قال ابن القيم معلقا على قوله:»…  وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارا فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارا كما عاتب بعضهم ولده على العقوق فقال يا أبت إنك عققتني صغيرا فعققتك كبيرا وأضعتني وليدا فأضعتك شيخا « .

3-انحطاط الأمة الإسلامية وذلها لأعداء الدين، وما أصاب المسلمين في العصور المتأخرة من ذل وصغار أمام المشركين والكفار، إلا لأنهم ابتعدوا عن تعاليم دينهم عن عقائده الصحيحة وأخلاقه القويمة ، لأن التمكين في الأرض منحة ربانية يهبها الله تعالى لمن يشاء وينتزعها ممن يشاء ، حسب الأسباب المقتضية لها ، فأعز الله تعالى المسلمين لما كانوا قائمين على الإسلام ، فلما تخلوا عنه تخلى الله عنهم وعاقبهم ، قال تعالى :] إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ[ (الرعد:11) ، وإذا أردنا أن نرجع إلى هذا الدين عزته وكرامته فما علينا إلى أن نرجع إلى ديننا وأن نربي الأجيال الناشئة عليه ، وقد قال مالك بن أنس:» لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها «.

مكر أعداء الملة

   ومما يبين لنا أهمية التربية أن أعداء الإسلام والمسلمين من يهود ونصارى وغيرهم ، قد اعتمدوا منذ القديم أسلحة كثيرة في حربهم ضد المسلمين، والسلاح الذي لم يتخلوا عنه ولم يتركوه حتى في أيام السلم هو سلاح إفساد العقائد ومسخ الأخلاق ، لذلك فهم يسعون جاهدين لنشر الأفكار الهدامة من العقائد الضالة والرذائل وإبعاد المسلمين عن دينهم ، وذلك عبر أربع نقط أساسية ضمن خطة متكاملة:

1-نشر الفساد عبر وسائل الإعلام المختلفة المكتوبة والمسموعة والمرئية.

 2-إفساد الأنظمة التعليمة وعرقلتها ونشر البرامج التعليمية المعمِّقة للجهل والمبعدة للنشء عن حقائق الدين وعن الأخلاق الفاضلة.

 3-إفساد الروابط الأسرية وضرب استقرار البيوت بطرق أهمها إخراج المرأة من بيتها وإغرائها بمظاهر المدنية والحضارة الزائفة باسم حقوق المرأة والحرية والمساواة مع الرجل.

4-وأخيرا الاجتهاد في إبعاد المسلمين عن التربية الدينية والسعي إلى تحجيم دور المؤسسات الدينية وتطويقها حتى لا تؤدي دورها في هذا المجال.

    نسأل الله تعالى أن يهدينا وأن يبصرنا بما ينفعنا وأن يوفقنا إلى تربية أولادنا وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

تم قراءة المقال 4159 مرة