الخميس 13 رجب 1447

استراحة أدبية ولفتة بسيكولوجية

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

استراحة أدبية ولفتة بسيكولوجية: 
قال ابن حزم رحمه الله " وأمّا جهتنا: فالحكمُ في ذلك ما جرى به المثل السّائر:" أَزْهَدُ النّاسِ فِي عالِمٍ أهلُه "، وقرأت في الإنجيل أنّ عيسى عليه السّلام قال: "لا يفقِد النبيُّ حُرمتَه إلاّ في بلده" ! وقد تيقنّا ذلك بما لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم من قريش، وهم أوفر النّاس أحلاما، وأصحّهم عقولا، وأشدّهم تثبّتا مع ما خُصُّوا به من سكناهم أفضل البقاع ، وتغذيتهم بأكرم المياه، حتّى خصّ الله تعالى الأوسَ والخزرج بالفضيلة الّتي أبانهم بها عن جميع النّاس، والله يؤتي فضله من يشاء. ولا سيّما أندلسُنا، فإنّها خُصَّت من حَسَد أهلِها للعالِم الظّاهرِ فيهم الماهر منهم، واستقلالِهم كثيرَ ما يأتي به، واستهجانِهم حسناته، وتتبّعهم سقطاتِه وعثراتِه، وأكثر ذلك مدّة حياتِه بأضعاف ما في سائر البلاد:
إن أجاد قالوا: سارق مُغِير، ومنتحل مُدَّعٍ ! وإن توسّط قالوا: غثّ بارد، وضعيف ساقط !
وإن باكرَ الحِيَازةَ لقَصْب السّبق قالوا: متى كان هذا ؟ ومتى تعلّم ؟ وفي أيّ زمان قرأ ؟ ولأمّه الهبل !
   وبعد ذلك إن ولجت به الأقدار أحد طريقين: إمّا شفوفا بائنا يُعلِيه على نظرائه، أو سلوكه في غير السّبيل الّتي عهدوها، فهنالك حَمِي الوطيسُ على البائس، وصار غرضًا للأقوال ! وهدفًا للمطالبِ ! ونصبا للتسبب إليه ! ونهباً للألسنة، وعُرضَةً للتطرّق إلى عرضه، وربّما نُحِل ما لم يقل، وطُوِّق ما لم يتقلّد، وأُلحِق به ما لم يَفُه به ولا اعتقده قلبُه !-وبالحرى وهو السابق المبرز إن لم يتعلق من السلطان بحظ؛ أن يسلم من المَتالف وينجو من المخالف-
    فإن تعرّض لتأليفٍ: غُمِز ولُمِز، وتُعرِّض وهمِز، واشتُطّ عليه وعُظِّم يسيرُ خطبِه، واستُشْنِع هيِّن سقطِه، وذهبت محاسنُه، وسُتِرت فضائلُه، وهتِف ونودِي بما أغفل، فتنكسر لذلك همّتُه، وتكِلُّ نفسُه، وتبرُد حميّتُه.
وهكذا عندنا نَصيبُ من ابتدأ يحوك شعرا أو يعمل بعمل رسالة، فإنّه لا يُفلت من هذه الحبائل، ولا يَتخلّص من هذه النّصب، إلاّ الناهض الفائت، والمطفّف المستولي على الأمد "اهـ. " فضائل الأندلس وذكر رجالها " - نقلا عن نفح الطيب (3/166-167) ورسائل ابن حزم (2/177) ومن عنده عنوان أحسن فليتفضل به

تم قراءة المقال 26 مرة