أسعار الشياه في زمن النبوة
من الأشياء التي يتطلع المرء إلى معرفتها في السيرة النبوية، ويحسن به الوقوف عندها لما لها من أثر في فهم النصوص الشرعية والتشريعات الإسلامية؛ معرفة أسعار الأشياء في عهد النبوة ومقارنتها بنصاب الزكاة الذي يعتبره بعض الفقهاء حدا للغنى، وقد رأيت أن أكتب عن سعر الشياه في زمن النبي صلى الله وسلم التي تتعلق بها عبادات عدة أهمها وأعمها الأضحية، وذلك من خلال الأحاديث المروية في الصحاح وغيرها، وترجمة تلك الأسعار إلى عصرنا باعتبار سعر الذهب ، لأنه المعدن التي حافظ على قيمته عبر العصور .
فأقول إن سعر الشاة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترواح بين نصف دينار ذهبي إلى دينار، وإذا قومناها بالدراهم الفضية فسعرها كان من خمسة دراهم إلى عشرة، وسبب الاختلاف يرجع إلى حجمها وسنها وجنسها وحسن المماكسة وقانون العرض والطلب، ونحو ذلك مما يكون مؤثرا في الأسعار في الأسواق مع ملاحظة أن التسعير لم يكن واردا يومها وقد امتنع منه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في ذلك ما يستدعيه وهو الاحتكار الخاطئ أهله كما جاء في الحديث.
وأول دليل على تحديد هذا المجال هو ما رواه البخاري عن عروة البارقي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ»، قال سفيان الثوري بعد روايته لهذا الحديث : "كأنها أضحية"، وإنما افترض هذا الافتراض لأنه لم يكن من شأن النبي صلى الله عليه وسلم التوسع في المأكل والمشرب ، وكان غالب قوته صلى الله عليه وسلم التمر ، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في آصع من شعير .
وفي هذا الخبر وكل النبي صلى الله عليه وسلم عروة رضي الله عنه بشراء شاة، فأعطاه دينارا، وما أعطاه ذلك المبلغ إلا لكونه مبلغا كافيا لا يحتاج إلى طول مماكسة وهو القائل :"رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى"، وإن اعتبرنا افتراض الثوري قلنا إنه سعر الشياه الرفيعة التي تصلح للتضحية سنا وسلامة من العيوب، ووزن الدينار 4.25 غ تقريبا، وإذا اعتبرنا سعر الغرام في يومنا هذا 20000 دج فإن سعر هذه الشاة المشتراة في عصرنا هو 42500 دج، والسعر الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم 85000 دج.
ولكن الظاهر أن الصحابي ظفر بسعر أرخص من المعتاد عند أحدهم، فاشترى شاتين بسعر الشاة واحدة ، ثم باع إحداهما بدينار كامل، في اليوم نفسه، وهذا مما يبين لنا أن الأسعار كانت متفاوتة وأنها كانت حرة أيضا.
ويؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعطاه دينارا باعتباره السعر الكامل للشياه، أننا وجدناه في زكاة الإبل جعل لمن وجبت عليه في زكاة الإبل جدعة -وهي التي أتمت أربع سنين-، ولم تكن عنده أن يخرج حِقّة وهي التي أتمت ثلاث سنوات، مع جبر فارق القيمة بدفع شاتين فإن لم تكن له شياه فيدفع عشرين درهما أي ما يعادل دينارين، وكذلك جبر كل فارق يأخذه جامع الصدقة أو يدفعه الجامع إلى المزكي، والحديث مشهور من رواية في البخاري .
وإذا تبين مجال أسعار الشياه في ذلك الزمن ، فإنه يحسن أن يقارن ذلك السعر وهو ما بين خمس دراهم وعشرة بدخل أحدهم الشهري أو بنفقته الشهرية لأنه لم يكن في ذلك العهد للناس شيء يسمى راتبا شهريا، وكانت الحياة أيسر بكثير مما هي عليه الآن وكانت الأعمال كلها حرة لم تعرف تقييدات حياة المدينة والمؤسسات، ومع ذلك سنحاول أن نجد شيئا يقربنا من المعنى المراد، ومما نجده معينا في ذلك حديث رواه أبو داود وغيره وهو إن كان سنده ضعيفا لا تبنى عليه أحكام الحلال والحرام ، فإنه لا بأس أن تؤخذ منه دلالات تاريخية ما لم يصح في السنة ما يردها، ومحل الشاهد من الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابي:" اذَهبْ فاحتَطِبْ وَبِعْ، ولا أرَيَنَّكَ خَمْسة عشر يوماً، ففعل، فجاء وقد أصاب عشرةَ دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً، وببعضها طعاماً"، ففي هذا دلالة على أن عشرة دراهم -التي هي ثمن شاة- قد اكتسبها في نصف شهر، مع ملاحظة أن مهنة الاحتطاب لم تكن من المهن ذات الدخل العالي، وقد جاء في الرواية ما يدل على ذلك حيث جعل هذا الرزق الذي حصله –مع قلته –خيرا له من أن يسأل الناس.
وكما قلت فإننا لا نأخذ من هذا الخبر حكما، وقد وجدنا بعض الفقهاء جعلوا حد الغني المانع من السؤال بالامتلاك والادخار -لا بالاكتساب- بخمسين درهما، لحديث: «من سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ» . ومن الفقهاء من جعل الحد أعلى من ذلك، وأبلغه أبو حنيفة إلى مائتي درهم وهو النصاب الموجب للزكاة.
الشاهد من كل هذا أن قيمة شاة في العهد النبوي لم تكن تبلغ قيمة الكسب الشهري الضعيف لرجل يشتغل حطابا .
وإذا أردتم أن ننظر في القدرة الشرائية من ناحية ثمن القوت فبعض الدلائل تبين أن سعر الصاع من الحنطة كان يفوق نصف درهم وقد يبلغ الدرهم ، وقد جاء في حديث مرسل : "من فاتته الجمعة من غير عذر فليتصدق بدرهم أو نصف درهم أو صاع حنطة أو نصف صاع" ومفاد هذا أن الصاع ثمنه درهم ، وجاء في كلام الشافعي أن القفيز من الحنطة قد يباع بدينار (والقفيز 12 صاعا)، وهذا يعني أن قيمة الصاع هي 0.83 درهم ، هذا في زمنه وهو غير بعيد عن زمن النبوة. ومما يقربنا من قيمة الصاع أن نوازن بين نصاب الفضة وهي 200 درهم بنصاب الأقوات وهي 300 صاع، فتكون قيمة الصاع 0.66 درهم .
وهنا قد يظهر للبعض أن قيمة الحنطة أو الأقوات غالية نوعا ما مقارنة بشعر الشاة وحد الغنى، والأجدر أن يقال إن قيمة الشياه هي التي كانت رخيصة مقارنة بقيمة الأقوات، لأنها هي المعيار في ذلك الزمان، ولا ننسى أنها لم تكن مدعمة وإذا تحدثنا عن الحنطة فإنها في المدينة مادة مستوردة بخلاف التمر .
ولا بأس أن نذكر أنه في حالات الندرة قد يرفع السعر المحتكرون الخارجون عن قانون الشريعة إلى ما هو أكثر من السعر المذكور وقد وصل يوما إلى أربعة دراهم للصاع، فقد روى ابن حبان في صحيحه أنَّ يهوديًّا قدم زمن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بثلاثين حِملاً شعيرًا وتمرًا، فسعَّر مدًّا بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - بدرهم، وليس في الناس يومئذ طعام غيره، وكانَ قد أَصابَ الناسَ قبل ذلك جوعٌ لا يجدون فيه طعامًا، فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - الناسُ يشكون إليه غلاء السعر، فَصَعِدَ الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "لَا أَلْقَيَنَّ اللَّهَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُعْطِيَ أَحَدًا مِنْ مَالِ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ، وَلَكِنَّ فِي بُيُوعِكُمْ خِصَالًا أَذْكُرُهَا لَكُمْ: لَا تُضَاغِنُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا يَسُومُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَالْبَيْعُ عَنْ تراض، وكونوا عباد الله إخوانا".
وفي الأخير لعل أكثر من يقرأ هذا المقال يتطلع إلى نتيجة وخلاصة يريدها غير التقريرات التاريخية، وهي هل أسعار الشياه في عصرنا هذا مرتفعة أم لا ؟ فأقول لا شك في كونها مرتفعة ، وأنها بسبب تيسر النقل ووسائل التواصل ارتفع سعرها في أماكن تربيتها ورعيها مثل ارتفاعه في المدن الكبرى، وإلا فسعرها الطبيعي يكون أقل بكثير مما هي عليه ، وأختم المقال بدلالة أخرى ، فإن أقل ما يؤخذ من من الشياه إذا بلغت النصاب شاة وأقل ما يؤخذ ممن بلغ ماله 20 دينارا هو نصف دينار ، وقيمة نصف دينار هو 42500 دج كما سبق ، ولا ننسى أن المقال مقصوده الأول التأريخ ، وأن لا تسعير في الشرع ما لم يثبت تدخل الأسباب البشرية الآثمة.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .
للاتصال المباشر يستعمل رقم الهاتف : 0550660118 ...
عقوبة من يدعو إلى دين غير الإسلام في الجزائر ...
قائمة الكتب المطبوعة...1-عقيدة العلامة ابن باديس السلفية وبيان موقفه من العقيدة الأشعرية، ومعه أضواء على حياة عبد القادر الراشدي القسنطيني ط1-20032-الوصول إلى الضروري من علم الأصول، ط1-2006، ط2-20203-أصول الدعوة السلفية… ...
صدر في جويلية 2022 كتاب منهجية البحث في العلوم الإسلامية يقع في 64 صفحة وقد ضمنته برنامج السنة الأولى الجذع المشترك ...
تم بحمد الله التفرغ لتبييض جميع حلقات تربية الأولاد في الإسلام وتم نشرها كلها خلال الشهر الفارط ...
تطلب مؤلفات أد محمد حاج عيسى من موزرع دار الإمام مالك رقم 0552959576 أو 0561461020 ...
أنشأنا في الموقع فرعا جديدا تحت ركن الدروس والمحاضرات وسميناه : دروس العقيدة الاسلامية للمبتدئين وهو برنامج ميسر للتدريس في المساجد والمدارس القرآنية ...