الجمعة 28 صفر 1431

نقد شروط المعجزة عند الأشاعرة

كتبه 
قيم الموضوع
(4 أصوات)

   الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين والعاقبة للمتقين ، أما بعد : فهذا تعليق موجز على مقال عنوانه «الإسراء والمعراج » نشر في إحدى المجلات السنية (1)، وموضوع التعليق حول ما ذكر فيه من معنى المعجزة وشروطها، فإن المسألة كما قال كاتب المقال :« قد زلَّت فيها أقدام أقوام وضلت فيها أفهام » لكنه لم يوفق لإصابة الحق في كثير مما ذكر في هذا الباب، فقد ذكر أن للأمر الخارق شروطا ينبغي أن تقترن به حتى يكون معجزة صحيحة تدل على صدق مدعي النبوة ، فأتى بأشياء باطلة مخالفة لاعتقاد أهل السنة.

نقد شروط المعجزة عند الأشاعرة

 

    وأول شيء أبتدئ به هو توضيح معنى المعجزة ؛ فأقول هي عند أهل السنة الدلائل والأعلام التي تدل على صدق النبي وأنه مرسل من عند الله تعالى ، وصفتها التي تمتاز بها هي عجز الإنس والجن عنها لأنهما المخاطبان بالرسالة (2)، وتسميتها آية وبرهانا أولى من تسميتها معجزة أو أمرا خارقا، لأن التعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن أولى من غيرها ، ولأن التعبير بالاصطلاحات الحادثة قد أوجب غلطا كثيرا وإيهاما حيث يدخل فيها الحق والباطل(3)، وأما أهل الكلام فقد سموها معجزة وحدَّها أهل الاعتزال منهم بأنها الأمر الخارق للعادة ثم التزموا بعد ذلك إنكار الكرامات وتأثير السحر وقدرة الكهان، وهذا مذهب واضح البطلان. وأما الأشاعرة فقد انطلقوا من المصطلح نفسه « المعجزة » المفسر بخرق العادة لكن زادوا على هذا التفسير قيودا بقصد تمييز المعجزة عن الكرامة والسحر فاختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أقوال متقدميهم فقال :« هي الفعل الخارق للعادة المقترن بدعوى النبوة والاستدلال به وتحدي النبي من دعاهم أن يأتي بمثله وشرط بعضهم أن يكون مما ينفرد الرب بالقدرة عليه ، هذه الأربعة هي التي شرط القاضي أبو بكر ومن سلك مسلكه»(4)، وذكر القرطبي في تفسيره خمسة شروط(5)، هي التي ذكر صاحب المقال بعينها، إضافة إلى شرط سادس لم أنتقده(6)، وقد ذكره القرطبي في شرحه للشرط الأول ، وذكر أبو منصور البغدادي في كتابه أصول الدين ستة شروط سادسها أن يحدُث المدَّعَى في زمن التكليف(7). وكاتب المقال المشار إليه –سدده الله - قد قرَّر شروطا موافقة لمذهب الأشعرية، يلزم من اشتراطها تعطيل أكثر معجزات الأنبياء (وفي مقدمتها معجزة الإسراء والمعراج ).

النقد المفصل لشروط المعجزة

الشرط الأول : أن يكون الفعل الدال على صدق دعوة (الصواب دعوى ) النبوة مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه

أما هذا الشرط فيمكن حمله على معنى صحيح ، وهو أن المعجزة أو الآية التي يأتي بها النبي تكون خارجة عن جنس ما يقدر عليه الجن والإنس المقصودين بالرسالة ، لكن في تعبيره خلل من جهتين :

1-منها قوله :« بأنه لا يقدر عليه إلا الله »، فإن الملائكة تقدر على معجزات الأنبياء وهذا أمر واضح ومعلوم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية :« إن آيات الأنبياء خارجة عن مقدور من أرسل الأنبياء إليه وهم الجن والإنس فلا تقدر الإنس والجن أن يأتوا بمثل معجزة الأنبياء كما قال تعالى :}قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا{ [الإسراء 88]، وأما الملائكة فلا تضر قدرتهم على مثل ذلك فإن الملائكة إنما تنزل على الأنبياء ولا تنزل على السحرة والكهان كما أن الشياطين لا تتنزل على الأنبياء»(8). وأنبِّه هنا على أنَّ هذا الشرط بهذا اللفظ قد اشترطه بعض الأشاعرة، لكن لم يكن هذا الشرط مفيدا لشيء لأنهم يعتقدون أن لا قدرة لأحد إلا لله وحده، فاستوت عندهم المعجزة وغير المعجزة كالسحر وغيره، وقد صرحوا بأن السحر وما شابهه مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، لأجل هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية:« فإذا قالوا هذا ظن الظان أنهم اشترطوا أمرا عظيما ولم يشترطوا شيئا»(9).

2-وكذا تخصيصه لها بالفعل والقدرة ؛ فإن المعجزة كما تكون فعلا غير مقدور للمرسَل إليهم، تكون أيضا خبرا غير معلوم بالنسبة إليهم كالأخبار الماضية والمستقبلة ، قال شيخ الإسلام : «والآيات الخارقة جنسان جنس في نوع العلم وجنس في نوع القدرة »(10).

الشرط الثاني : أن تكون المعجزة خارقة للعادة المألوفة

وأما هذا الشرط فإن كان المقصود به العادة المألوفة لغير الأنبياء فهو شرط صحيح وإلا سيأتي ما فيه، وهو مع هذا التقييد يستغنى عنه بما ذكر في الشرط الأول ، وبما ذكر في التقديم لهذه الشروط :« وقد ذكر أهل العلم للمعجزة شروطا وأوصافا لا يدل الأمر الخارق على صدق المدعي للنبوة إلا إذا تحققت فيه… نجملها فيما يلي ». فعلى هذا يكون قد جعل الشيء شرطا لذات الشيء وهذا لا يستقيم . وأما الإطلاق المذكور ففيه نظر من وجوه بينها شيخ الإسلام في النبوات :

1-أن كون العادة مألوفة أمر غير مضبوط وإضافي فما يألفه قوم لا يألفه آخرون، وما يعتاده أهل الفن لا يعتاده أهل الفن الآخر(11).

2-أن هذا الشرط شرط لم يدل عليه دليل ولا نقل عن السلف ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وكون الآية خارقة للعادة أو غير خارقة هو وصف لم يصفه القرآن ولا الحديث ولا السلف وقد بينا في غير هذا الموضع أن هذا وصف لا ينضبط وهو عديم التأثير فإن نفس النبوة معتادة للأنبياء خارقة للعادة بالنسبة لغيرهم ..»(12).

3-أن الله تعالى لا ينقض عادته وهي سنته التي قال فيها :}ولن تجد لسنة الله تبديلا{ [الفتح 23] ولم تكن له سبحانه عادة بأن يجعل مثل آيات الأنبياء لغيرهم حتى يقال إنه خرق عادته ونقضها ، بل عادته وسنته المطردة أن لا تكون تلك الآيات إلا للأنبياء(13).

الشرط الثالث : أن يستشهد بها مدعي الرسالة على الله عز وجل فتقع عقب دعواه .

الشرط الرابع : أن تقع على وفق دعوة ( ربما كان المراد دعوى) المتحدي بها المستشهد بكونها معجزة له .

وقد تضمن هذان الشرطان معنى الاستشهاد والتحدي وأن المعجزة تقع عقب الدعوى موافِقة لما أراده المستشهد المتحدي وفي كل ذلك نظر من وجوه :

1-أن من معنى الشرط ما يتوقف المشروط على تحققه فما لم يتحقق فيه هذا الوصف لا يكون معجزة أي دلالة على صدق النبوة، وهذا أمر باطل فإن أكثر المعجزات لم يقع بها استشهاد أو استدلال ، قال شيخ الإسلام:« إن آيات الأنبياء ليس من شرطها استدلال النبي بها ولا تحديه بالإتيان بمثلها بل هي دليل على نبوته وإن خلت عن هذين القيدين»(14).

2-من الآيات الدالة على صدق نبينا صلى اله عليه وسلم حادثة الإسراء والمعراج مع أنه لم تتحقق فيها هذه الشروط« استشهادٌ وتحدٍ فوقوع»، لذلك إن قيل إن الاستشهاد شرط في المعجزات التي هي أخص من الآيات على رأيٍ!! قيل: هذه حادثة الإسراء قد عددتموها من المعجزات، فلو كنتم ترون هذا التفريق صحيحا لما وصفتموها بأنها من أعظم المعجزات.

3-أن الآيات أو المعجزات أدلة في حد ذاتها على صحة النبوة وليس من شرط صحة الدليل أن يستشهد به أو أن يستدل به(15).

4-ويلزم أيضا من اعتبار هذا الشرط تعطيل أكثر ما جاء به الأنبياء من الآيات عن أن يكون معجزا ودالا على صدقهم، قال شيخ الإسلام :« ومما يلزم أولئك أن ما كان يظهر على يد النبي صلى الله عليه وسلم في كل وقت من الأوقات ليست دليلا على نبوته لأنه لم يكن كلما ظهر شيء من ذلك احتج به وتحدى الناس بالإتيان بمثله ، بل لم ينقل عنه التحدي إلا في القرآن خاصة، ولا نقل التحدي عن غيره من الأنبياء مثل موسى والمسيح وصالح ولكن السحرة لما عارضوا موسى أبطل معارضتهم »(16). وقال :« بل هذا إبطال لأكثر آيات الأنبياء لخلوها عن هذا الشرط ثم هو شرط بلا حجة »(17). وقال :« والقرآن إنما تحداهم لما قالوا إنه افتراه ولم يتحدهم ابتداء»(18).

5-أنَّ هذين الشرطين قد تضمنا دعوى النبوة والاحتجاج بالآية على صدق المدعي، وهذا القيد ربما صرح من وضعه أن المراد به الاحتراز عن الكرامات وهذا خلاف ما اختاره أهل التحقيق من أهل السنة، قال شيخ الإسلام :« وهذا الذي قالوه يوجب أن لا تكون كرامات الأولياء من جملة المعجزات ، وقد ذكر غير واحد من العلماء أن كرامات الأولياء معجزات لنبيهم وهي من آيات نبوته وهذا هو الصواب»(19). وقال أيضا:« وأما الرابع وهو أن يكون عند تحدي الرسول فبه يحترزون عن الكرامات وهو شرط باطل بل آيات الأنبياء آيات وإن لم ينطقوا بالتحدي بالمثل »(20).

الشرط الخامس : ألا يأتي أحد بمثل ما أتى به على وجه المعارضة

وهذا لو ذكر على أنه وصف من أوصافها فلا شيء في ذلك، لكن عدُّه هنا من الشروط لا يصح لأنه إذا حققنا أن المعجزة مما لا يقدر عليه الإنس والجن فلا شك أنها تسلم عن المعارضة ، وأكثر من يذكر هذا الشرط تابع للأشعرية الذين تجاهلوا الشرط الأول الذي دل عليه القرآن، وجعلوا أول وصف لها أنها أمر خارق للعادة ثم زادوا في الحد قيودا تميز المعجزة عن غيرها من الخوارق ، فقالوا هي أمر خارق مقترن بدعوى النبوة احترازا عن الكرامة مع السلامة عن المعارضة احترازا عن السحر والكهانة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية :« فهي عندهم لم تدل لكونها في نفسها وجنسها دليلا، بل إذا استدل بها المدعي للنبوة كانت دليلا وإلا لم تكن دليلا، ومن شرط الدليل سلامته عن المعارضة وهي عندهم غاية الفرق ، فإذا قال المدعي للنبوة ائتوا بمثل هذه الآية فعجزوا كان هذا هو المعجز المختص بالنبي وإلا فيجوز عندهم أن تكون معجزات الرسول من جنس ما للسحرة والكهان من الخوارق »(21). وما تعللوا به قد نقضه عليهم شيخ الإسلام من وجوه أَبْيَنُها أن هذا الوصف غير مانع فقد ادعى أناس كثيرون النبوة، وأتوا بخوارق تحدوا بها الناس ولم يأت أحد بمثل ما أتوا ولم يكن ذلك دليلا على صدقهم(22).

خاتمة النقد

     أما قوله عن هذه الشروط:« وهي في حقيقة أمرها مما يفرق به بين المعجزة والكرامة لأنها متعلقة بدعوة (الصواب دعوى) النبوة » فيظهر لي أنه سبق قلم فإن غالب المقصود بهذه الشروط –سوى دعوى النبوة-التفريق بين معجزة النبي حقا وسحر وكهانة مدعيها كذبا، ومع ذلك فقد علم ما فيها، أما الفروق المعتبرة فكثيرة وليس هذا موضع تعديدها(23)، وكذا قوله :« وذكر أهل العلم للمعجزة شروطا وأوصافا …الخ » قد كان بودِّنا أن لو ذكر لنا المصدر الذي نقل منه هذه الشروط، فإنه قد لا يكفي في مثل هذه الأمور نسبتها إلى أهل العلم هكذا مبهمين، فضلا عن كون هذه العبارة توهم السامع اتفاق العلماء على الأمر المذكور والواقع خلاف ذلك.

    ولا شك عندي أن المنقول عنه عالم أشعري -كالقرطبي رحمه الله -، أو آخر ناقل عنه، ولم يعلم مخالفته لأهل الحق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية :« ولا ريب أن المؤمن يعلم من حيث الجملة أن ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل، لكن كثيرا من الناس لا يعلم ذلك في المسائل المفصلة ولا يعرف ما الذي يوافق الكتاب والسنة وما الذي يخالفه»(24). وقال أيضا وهو يتحدث عن المتكلمين الذين رجعوا في آخر أعمارهم:« لكن بقاء كلامهم وكتبهم محنة عظيمة في الأمة وفتنة عظيمة لمن نظر فيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله»(25). نسأل الله تعالى أن يجنبنا جميعا الزلل وأن يسد الخلل، وأن يوفقنا لمزيد من فضله هو ولي ذلك والقادر عليه، {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.

1/ منابر الهدى العدد الخامس صفحة 32.

2/ انظر النبوات (2/778،864،984).

3/ انظر النبوات (2/828،867).

4/ النبوات (1/600).

5/ تفسير القرطبي (1/69-71).

6/ قال صاحب المقال :" الشرط السادس أن يأتي ذلك المدعي في زمن يصح فيه مجيء الرسل" وهو شرط نظري وفيه إشارة إلى انقطاع النبوة ببعثة النبي صلى اله عليه وسلم .

7/ أصول الدين (171) ومعنى هذا الشرط والله أعلم الاحتراز عما يحدث بعد طلوع الشمس من مغربها ، فإنه زمن ارتفاع التكليف والله أعلم.

8/ النبوات (1/502).

9/ النبوات(1/597).

10/ النبوات (1/150) وانظر (2/865).

11/ انظر النبوات (1/170،489).

12/ النبوات (1/163).

13/ انظر النبوات (2/869-870).

14/ النبوات(1/498).

15/ انظر النبوات (1/502).

16/ النبوات (1/451).

17/ النبوات (1/605).

18/ النبوات (2/794).

19/ النبوات (1/451).

20/ النبوات (1/602) انظر كتاب الإنصاف في كرامات الأولياء للصنعاني (85) مع تعليق الدكتور عبد الرزاق العباد.

21/ النبوات (1/486).

22/ انظر النبوات (1/498) (2/852).

23/ وتُنظر في النبوات(1/558-559) و(2/1074-1091).

24/ النبوات (1/561).

25/ الاستقامة(1/79-80).

تم قراءة المقال 5844 مرة