الأربعاء 21 شوال 1447

نظرة في أحد مفاخر الحضارة الإسلامية

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

نظرة في أحد مفاخر الحضارة الإسلامية 
إن كتب العلم المسمى علم الرجال والجرح والتعديل؛ كتاب التاريخ للبخاري وما تلاه من كتب، ليست ففط كتبا خادمة لعلوم السنة النبوية لتميبز من تعتمد روايته ومن لا تعتد ، ومن سمع منهم الراوي ولم يسمعه منهم، أو بيان ما أخطأ فيه من الروايات، ونحو ذلك من التفاصيل المتعلقة بعلوم الحديث .
بل هي كتب دالة من جهة أخرى على تطور الحضارة الإسلامية في وقت مبكر ، وذلك من الجهات الآتية:
1-إن هذه الدواوين عبارة سجلات كبيرة للحالة المدنية للمسلمين ، إلا أنها لم تكن تابعة لجهة رسمية ، ولم تكن عامة للأمة ولكن لخاصتها وهم كل من طلب العلم ورواه، حيث دون فيها أسماء الرجال والنساء وأنسابهم، وأماكن ميلادهم وتاريخ ميلادهم متى توفر، وحوت تواريخ وفياتهم وأماكنها بالتحديد وهو مما أهتمت به اهتماما كبيرا . 
ويمكن للناظر فيها أن يجد أمورا أخرى تتعلق بالأولاد والزواج في سياقات غير مقصودة ، وأكثر من ذلك ستجدون الناس الذين غيروا أماكن إقامتهم.
 2-ومن أهم ما حوته هذه الدواوين الجرح للرواة وبيان أسباب ضعفهم، وكثير من هذه الأسباب راجعة إلى العدالة كالكذب عموما أو في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو ارتكاب الكبائر ، أو معاص مؤثرة في قبول الحديث ، وحتى بعض خوارم المروءة أحيانا، هذا فضلا عن قضايا الانحراف العقدي ابتداء من الزندقة وهو الانتماء الى جماعات سرية تهدف لهدم الدين عن طريق وضع الأحاديث، إلى الانتماء إلى فرق ضالة (جماعات محظورة) كالخوارج والشيعة والناصبة والقدرية وغيرها ، وهذا في حقيقته يعتبر أرشيف قديم لحالات السوابق العدلية ، وإن كان مدونوه غير منتمين إلى قطاع العدالة ، بل إلى قطاع التعليم الذي كان حرا يومها .
3-وما دمنا ذكرنا قطاع التعليم فهذه الدواوين تعتبر سجلات كبيرة لطلبة العلم في ذلك الزمان ، مع تدوين شيوخهم الذين أخذوا عنهم مباشرة ، والذين رووا عنهم بطريق غير مباشر ، وما حصلوه مشافهة أو من الكتب ، وربما صحب ذلك تقييم هؤلاء الطلاب في مراحل تحصيلهم، لكن الاهتمام الأكبر كان بتقييم لما صاروا شيوخا معلمين ، يقييم مستوى آدائهم من جودة المادة المقدمة للطلاب، ونسبة الإتقان فيها، وهنا نؤكد أن مصطلح السرقات العلمية ظهر ونشأ في هذه السجلات،  وكل من كشف من سراق الحديث ومنتحلي الروايات ، قد سحبت منهم الثقة ، ووصموا بوصمة السرقة التي تجعله في عداد المتروكين الذي لا يؤخذ عنهم العلم أو قل المفصولين من الحياة العلمية .
    ومما هو موجود في بعضهم تحديد تخصصاتهم التي أتقنوها حيث ضعف بعضهم في مجالات دون أخرى كمن ضعف في ااحديث دون المغازي أو في الحديث دون القراءات أو الفقه وهكذا ...
  ومما تجدونه أيضا قضايا انتقال هؤلاء الطلاب والشيوخ من بلد إلى آخر ، الذي له ارتباط باثبات تلقي العلم وتلقينه ، وما التعليم كان حرا ، فتحديد أماكن الرواية هو بمثابة تحديد جهة الانتماء ، والتنصيص على الانتقال هو تدوين وتوثيق للانتقال من جهة إلى جهة أخرى.
 4-هذا فضلا عما حوته من أمور كثيرة تتعلق بالمناهج التربوية والتعليمية ومناهج البحث والتوثيق ، في أشياء يمكن جمعها وتصنيفها ضمن الحياة الثقافية والعلمية لتلك العصور، سواء من حيث أطرها النظرية أو وسائلها المادية المتاحة في نقل الثقافة والعلوم .
هذه خاطرة سجلتها اليوم، وأني طالما ذكرت فحواها للطلاب في مادة علوم الحديث ، عندما أريد أن أقربهم من تصور حياة المحدثين الذين رووا لنا السنة، وكيف عرفنا من هم؟ وأين كانوا ؟ وكيف طلبوا العلم؟ وكيف مستواهم في تحصليهم ودرجتهم من حيث الثقة؟ ..ونحو ذلك .
فعلماؤنا رحمهم الله قد سطروا بتكليف رباني لا بشري دواوين وسجلات تأدى بها واجب حفظ الدين والسنة، ونابت أيضا عن واجبات صارت تقوم بها في أزمنة تأخرت وزارات الداخلية والعدل والتعليم والتعليم العالي ..فرحمهم الله رحمة واسعة .

تم قراءة المقال 50 مرة