الأربعاء 21 شوال 1447

خلاصات في الحرب الإيرانية

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

خلاصات في الحرب الإيرانية
(1)
من أسباب اختلاف المعلقين هذه الحرب ، أو قل من أسباب قيام الحرب الإعلامية الموازية في الفضاء الافتراضي،  اختلافهم في حكم الشعب الإيراني هل هو شعب مسلم أم لا ؟ إذ من المعلقين من يعتقد كفر كل شيعي دون تفصيل أو استفصال،  بناء على ما هو مدون في كتب علمائهم ومسجل عن كثير منهم من كفريات صريحة، ومنهم من يقول لا جزم باعتقاد كل واحد منهم لذلك ، وحتى من وقع في الكفر لا يقع عليه حكم الكفر؛ بناء على عقيدة العذر بالجهل والتأويل، ومنهم من يفرق بين عامة الشعب ورؤوسهم الدينيين؛ فيعذر العامة دون من يراه قد قامت عليه الحجة من كبارائهم . 
وبناء على هذا النظر (والنظر لا ينحصر في هذه الحيثية) فإن الفريق الثاني والثالث يجب أن يكون موقفهم مؤيدا للمسلم ضد الكافر ، وهذا أمر واضح . فإن محبة انتصار الكافر على المسلم يعد من تولي الكفار الذي يجعل إيمان المرء في محل نظر .
وأما الفريق الأول فلا يستغرب منه أن يقول ضرب ظالم بظالم ، وكافر بكافر، بل إنهم لما لم يجهلوا أن الكفر درجات،  ربما جعلوا الرافضة أبعد عن الحق من اليهود ، كقضية الروم أهل الكتاب مع الفرس عبدة النار
 لكن السؤال الذي يطرح على هؤلاء، ما موقفكم من الشعوب والدول السنية يا ترى ؟ هل هي مسلمة في نظركم؟ هل المجتمعون على قبر البدوي والراقصون حول مجسم الكعبة ، وغيرهم من المحكومين بغير الشرع من جاكرتا إلى طنجة مسلمون عندكم؟ وهل يؤيدون اذا خاضوا حربا مثل التي تخوض إيران ؟
 أم أن أحكام الكفر والإخراج من الملة ستكون انتقائية، وربما يدخل فيها ضابط جديد متعلق بالحدود السياسية للدول، حيث أن كل واحد سيستثنى قرابته وأهل وطنه، أو من هم تحت حكم ولي الأمر الذي يرتضيه حتى ولو لم يكن حاكم بلده؟ ؟؟؟
كتبت هذا لأبين للمتناقضين أهل الأهواء تناقضهم، وكذا لأكشف عما قد يكون جبن بعضهم عن التصريح به مما يعتقده في باطنه ، وإلا فمناقشة القضية الأصلية بابها العقيدة لا السياسة ، وزمان تقريره يفترض أنه سابق للأحداث ، وكل واحد قد علم مشربه .
 (2)
تحدثنا في الحلقة السابقة عمن حصر النظر في جانب العقيدة أو عمن جعلها العامل الراجح في تحليله أو تعليقاته، وننتقل في هذه الحلقة إلى جانب آخر على التسليم الجدلي بالاستواء بين الطرفين في الكفر ، أو بغض النظر عن ذلك ، وهو جانب الظلم في هذه الحرب، فإن الإسلام دين العدالة وقد أمر ربنا بالحكم بالعدل بين المسلمين وبين غير المسلمين ، بل لو كانت الخصومة ببن مسلم وغير مسلم في أمر غير عقدي فإن الحكم لابد أن يكون بالعدل، وقد حكم رسولنا صلى الله عليه وسلم ببئر لصالح كتابي بيمينه ضد مسلم عجز عن البينة، وفي هذه الحرب التي يخوضها تحالف الشر ، إيران معتدى عليها ، وسبب الاعتداء عليها ليس هو سب الصحابة أو تكفير أهل السنة أو جرائمها في سوريا أو في إيران نفسها ، بل تضارب مصالحها مع مصالح تحالف الشر، هذه المصالح التي جعلت إيران منافسا للكيان في أطماعه التوسعية، وقد تعدى دعم إيران لأعداء الكيان كل الحدود، بل إن خطر مشروعها النووي ينسيهم خطر ذلك الدعم، وقد ضربت وهي تقف موقف المدافع عن شعبها ومنشآتها وعن استقلالها، وكل من يجادل في كونها معتدى عليها في قضية الحال فهو لا يستحق أن يخاطب .
   إذا كان ديننا يفرض علينا الوقوف مع المظلوم ولو كان كافرا، ولو كان ظالما في قضايا أخرى، فوقوف المسلم المقسط يجب أن يكون مع إيران المعتدى عليها.
وهنا نقول لكل من أضرت بهم إيران -وقد أضرت منذ وجودها بكل العالم الاسلامي بما في ذلك الجزائر وليس فقط سوريا -إذا لم نطبق قوله تعالى (ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا ) في هذا الموضع فخبروني أين هو موضع تطبيقها؟ ومما يقال لمن عايش العدوان العراقي على الكويت ، ثم العدوان الأمريكي على العراق، ألم يكن نظام صدام البعثي ظالما في عدوانه على الكويت بل ومجرما في حق شعبه ، واجتمع في قلوب المسلمين المنصفين إنكار ظلم صدام وإجرامه، مع إنكار العدوان الأمريكي وحصاره لشعب العراق( بسنته وشعيته من المسلمين وبعثه وجميع طوائفه) .
وإذا كنا نرى أن ما لحق بعضهم هو عقوبة ربانية لطغيانهم الذي جاوز كل الحدود ، فإن ذلك لا يلغي الواجب الشرعي تجاه من نعتقد أنه مسلم، أو من نعتقد أنه مظلوم.
ملاحظة : بعض الناس يريدون أن أقول ما في قلوبهم فقط أو أنظر إلى هذه الحرب من الزاوية التي حصروا فيها نظرهم ، ولذلك سارعوا للتعليق على المنشور السابق رغم أني كتبت أنه الحلقة الأولى. وكنت اول الأمر اكتفيت بمشاركة ما كتب الشيخ ابن حنفية حفظه الله ثم بيان جمعية العلماء ورأيت أن ذلك كاف عن الخوض في هذه الحرب ، لأن القضايا الكبيرة تترك للعلماء الكبار،  ولما رأيت الجهل والعبث والتناقض واستغلال الأحداث لغايات خطيرة اولها ضرب مصداقية العلماء بغض النظر عن موقفهم، ثانيها: نشر منهج التكفير  للمسلمين تحت غطاء محاربة التشيع وثالثها استغلال الحدث للتهوين من التشيع بل ولجعل الشيعة هم أهل الإسلام الحق ، عزمت على كتابة هذه السلسلة ، فيرجى ممن كتبت لعلاج انحرافه أو قصر نظره أن لا يكرر طرح ذلك في التعليقات .
(3)
كنت أود أن أجعلها هذه المقالات خلاصات، ولكن الثانية طالت، وسأجعل الثالثة خاتمة بإذن الله مهما طالت، تحدثنا فيما سبق عن طرف انحاز صراحة أو ضمنا إلى تحالف الشر ، مبررا ذلك بالتكفير العام لأهل إيران، أو بأن إيران كانت ظالمة في أمكنة وأزمنة أخرى، واليوم أتحدث عمن انحاز إلى إيران لأنها مسلمة ومظلومة في قضية الحال، ولكن وقع في كلامهم لغط تضمن غلطا ، نبيه فيما يأتي :
بعض الناس يظهر أن في قلوبهم غل كبير للعلماء ، لا يكادون يضيعون فرصة للنيل منهم أو ضرب مصداقيتهم والقدح في نياتهم أو دعوة الناس إلى عدم اتباعهم ، ومثل هذه المواضع التي تتأجج فيها العواطف هي أنسب الفرص لتحقيق مرادهم، (ولعل بعضهم يقومون بالدعاية لشخوصهم فهم الفاهمون المخلصون المستقلون )، وبعضهم لا يسلم منهم حتى العالم الذي يوافقهم الرأي ، حيث ينقد تصريحه بضعف اللهجة، وعدم الصراحة الكافية ، أو أنه ما كان ليقول الحق لولا علمه بأن ولي أمره يأذن بذلك..الخ، وعلامة هؤلاء أنه عندما ينتقد أحدهم عالما أخطأ دائما يستعمل عبارات التعميم للعلماء والشيوخ، ومن علامتهم أنهم لا يناقشون الحجج بل الشخوص؛ مرة من جهة الانتماء ومرة من جهة المقاصد وهكذا .
ومن هؤلاء من يخصص لا يعمم ولكن تخصيصه أشر من التعميم، فيوجه النقد لعلماء أهل السنة خصوصا ، مع أنه في مقام نقد عالم واحد أو عدد منهم، وهو يعلم أنه يوجد من خالفهم من أهل السنة، ومقصود هؤلاء واضح هو الدعاية للتشيع ، وهم إما متشيعون فعلا ويمارسون التقية ، أو هم في طريق التشيع وبداية التشيع دائما تكون سياسية، ثم تتحول إلى عقدية، ولا مجال هنا لاحسان الظن الا بمغفل يردد ما يقال بلا وعي، لأنه لا مبرر للتعميم، ولأنه لا معنى للحط من أهل السنة إلا رفع الشيعة، وعند بعضهم هذا الأمر مصرح  به لا مستنتج، وكيف أحسن الظن بمن يسفه كل من يتحدث عن مكانة الصحابة في هذه الأيام ، أو يرد على من يطعن فيهم بزعم أن الوقت غير مناسب، مع أنه دعاة التشيع في بلاد أهل السنة لم يتوقفوا يوما عن دعوتهم حتى في أيام هذه الحرب، بل إن نشاطهم يزداد فيها، وصوتهم يعلو ويتكلمون بكل عزة وفخر لأن الدولة التي يوالون صارت في نظرهم بطلة وحامية الإسلام والمسلمين.
ومما ينبغي قوله في هذا السياق أن جيش إيران البطل يقاتل أعداء الأمة قتالا شرسا يحمد عليه، لكن قتاله هذا لا يعدو أن يكون دفاعا عن وطنه إيران وعن شعبه شعب إيران، وليس هو قتال دفاع عن المسلمين غير الإيرانيين، ولا عن راية الإسلام في العالم، فإنه لم يفعل ذلك من قبل، ولا يمكن أن يفعل ذلك .
وبقيت تساؤلات واعتراضات بابها باب السياسة المحض، أفضل الإضراب عنها، لأني ما تكلمت بعد إحجام إلا لبيان أمور شرعية وأخطاء رأيتها منتشرة وقدرت خطورتها.
والله هو الهادي إلى سبيل الرشاد .

تم قراءة المقال 41 مرة