Administrator

Administrator

ذكريات مع الشيخ محمد شارف رحمه الله
قرأت منشورا لأخي الحبيب الشيخ سليم بن صفية حفظه الله يدعو فيه إلى كتابة مواقف لشيوخ أثرت في قلوب طلابهم، فحرك ذلك ذاكرتي إلى تلك الحقبة التي نشترك فيها فالشيخ ابن حيي وصديق الطلب ورفيق الدرب، وقد هممت أن أكتب تعليقا على منشوره لكن تزاحمت الذكريات في الخاطر وبلغت حدا لا يحتمل أن يكون تعليقا مرتجلا ، فرأيت أن أفردها بمنشور أو أكثر ، وسأبدأ بالمواقف التي كانت مع شيخنا المعمر محمد شارف رحمه الله رحمة واسعة، وأول موقف أسجله كان لنا معه في مسجد الفتح المبين بباب الوادي في حلقات شرح قطر الندى ، حيث استغرق في الشرح وأخذه الكلام إلى حديث عابر أول فيه صفة من الصفات لا أذكرها الآن، فقاطعه أحد الحضور وأخذ الكلمة ليبين له بطلان التأويل وتصويب الإثبات؛ فضاق صدر بعضنا، حيث رأينا المقام لا يحتمل ذلك ولا يستدعيه ، وقد تخوفنا من أن يغضب الشيخ من صنيع المعترض، ولكنه تلقى ذلك بصدر رحب وابتسامته المعهودة وقال للطالب : إيه ذلك مذهب السلف هو أسلم، وأراد أن يستمر فيما كان فيه، فعاود الطالب الاعتراض، فازداد الانزعاج من الحضور، أما الشيخ فظل هادئا رحمه الله رحمة واسعة في حواره وفيما بقي من درسه، فأعطانا درسا في سعة الصدر وسلامته والرفق بالطلاب المخالفين، ولكم أن تتصوروا شيخا آخر في مكانه يفعل به ذلك ، أقل ما كان يمكن أن يقول له : لا تخرج بنا عن موضوعنا، كما يمكن أن يقول له : تأدب ولا تأخذ الكلمة دون إذن، أو ما هو أشد من ذلك كما صنع أحد ممن درسنا بعد ذلك حين نوقش في مسألة عقدية قررها، بعد الدرس لا أثناءه، فقال لأحد الطلاب: "اذهب فتعلم ثم ارجع فتكلم"، وناقشه في المسألة ذاتها بعد نحو سنة طالب آخر فقال له بعد أن ظهر عليه الغضب :" أتطعن في عقيدتي"، مع أن الطالب لم يفعل ذلك، كلا الموقفين بقي رسخا في ذهني لكن شتان بينهما .
   ومن الحوادث التي أثرت في مع هذا الشيخ رحمه الله أني كنت يوما راكبا الحافلة من ساحة الشهداء إلى باب الوادي، فإذا بي أرمق الشيخ محمد شارف يدب في الطريق المحاذي لثانوية الأمير عبد القادر قاصدا الجامع الكبير ليلقي درسه في شرح المختصر وعلى إحدى عينة ضماد، وكان حديث عهد بإجراء عملية جراحية، وهو يسير الهوينا دون قائد يقوده، وكان الشيخ من أصبر الناس على التعليم وأشدهم انضباطا لا يكاد يغيب، وما فتح كتابا إلا أكمله، ولم يتوقف عن التدريس مع تقدم سنه إلا بعد أن أقعده المرض، وصار يتنقل في كرسي متحرك، ونحن مع الأسف لم نعرفه ولم ندركه إلا بعد أن تقدم به السن، ولم يعرف منزلته أهل حيه باب الوادي إلا في تلك السنوات بعد سنة 91 ، أما قبل ذلك فكان القلة ممن يحضر دروسه في الجامع الكبير، وفي التسعينات دعاه الطلاب ليدرس في مسجد حينا فتح الإسلام ثم مسجد الفتح المبين ثم مسجد النصر ، وكان لا يرد طالبا، فيشرح الكتاب فإذا فرغ منه أعاد شرحه من جديد، رحمه الله كان التعليم هو حياته، بل إنه لم يفتر عن التعليم حتى وهو في معتقلات الألمان، حيث جندته فرنسا قسرا أثناء الحرب العالمية الثانية فأخذ إلى معتقلات الألمان أسيرا ، فأين الشيخ الذي كان التعليم بالنسبة إليه دعوة ورسالة وحياة ممن يتخذه مجرد سبب للرزق، أو مطية لأغراض دنيوية زائلة.
   وكتب الشيخ عبد الرحمن مسعود بسكر قبل عدة أشهر في مناسبة اقتضت ذلك :"يقال إن الشيخ محمد بن عبد القادر شارف عليه سحائب الرحمات المتتاليات ؛ احتاج إلى المال ؛ فاضطر الى بيع مكتبته ولم يفكر في مد يده لأحد ، هل من مؤكد للخبر من مقربيه وطلبته ؟ فكتبت معلقا :"رحم الله شيخنا رحمة واسعة ..أؤكد لك الخبر يا عبد الرحمن كنت من اشترى آخر كتاب في مكتبته –غير الكتب التي كان يدرسها- وهو المغرب في بيان أخبار المغرب لابن عذارى، جمعنا المال في مسجد أبي بكر الصديق بالزغارة لشرائه لصالح مكتبة المسجد ، وكنت يومها طالبا في الجامعة متطوعا في الإمامة ... وكان الشيخ احتاج المال ، وفي تلك الأيام أجرى عملية جراحية على عينه، ولا حول ولا قوة إلا بالله"، وأزيد على التعليق للفكرة والعبرة ، رافقني الى بيته يومها جاره مراد شرشاري فلما صعدت درج العمارة صعدته أنا متهيب من انهياره، فقد كان البناء قديما جدا مهترئا، فتضاعف الحزن في نفسي لما عاينت البناية التي كان يسكنها، وهنا أتمثل معكم مقولة حكيمة : "هناك أناس يحملون الدعوة وهناك أناس آخرون تحملهم الدعوة". 
   وقد طال بنا المقال وبقيت مواقف أخرى عن مشايخ آخرين لعلنا نجد همة لكتابتها في حلقة أخرى إن شاء الله تعالى.    

الجمعة, 08 أيار 2026 10:17

أسعار الشياه في زمن النبوة

أسعار الشياه في زمن النبوة
من الأشياء التي يتطلع المرء إلى معرفتها في السيرة النبوية، ويحسن به الوقوف عندها لما لها من أثر في فهم النصوص الشرعية والتشريعات الإسلامية؛ معرفة أسعار الأشياء في عهد النبوة ومقارنتها بنصاب الزكاة الذي يعتبره بعض الفقهاء حدا للغنى، وقد رأيت أن أكتب عن سعر الشياه في زمن النبي صلى الله وسلم التي تتعلق بها عبادات عدة أهمها وأعمها الأضحية، وذلك من خلال الأحاديث المروية في الصحاح وغيرها، وترجمة تلك الأسعار إلى عصرنا باعتبار سعر الذهب ، لأنه المعدن التي حافظ على قيمته عبر العصور .
فأقول إن سعر الشاة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترواح بين نصف دينار ذهبي إلى دينار، وإذا قومناها بالدراهم الفضية فسعرها كان من خمسة دراهم إلى عشرة، وسبب الاختلاف يرجع إلى حجمها وسنها وجنسها وحسن المماكسة وقانون العرض والطلب، ونحو ذلك مما يكون مؤثرا في الأسعار في الأسواق مع ملاحظة أن التسعير لم يكن واردا يومها وقد امتنع منه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في ذلك ما يستدعيه وهو الاحتكار الخاطئ أهله كما جاء في الحديث.

وأول دليل على تحديد هذا المجال هو ما رواه البخاري عن عروة البارقي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ»، قال سفيان الثوري بعد روايته لهذا الحديث : "كأنها أضحية"، وإنما افترض هذا الافتراض لأنه لم يكن من شأن النبي صلى الله عليه وسلم التوسع في المأكل والمشرب ، وكان غالب قوته صلى الله عليه وسلم التمر ، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في آصع من شعير .
وفي هذا الخبر وكل النبي صلى الله عليه وسلم عروة رضي الله عنه بشراء شاة، فأعطاه دينارا، وما أعطاه ذلك المبلغ إلا لكونه مبلغا كافيا لا يحتاج إلى طول مماكسة وهو القائل :"رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى"، وإن اعتبرنا افتراض الثوري قلنا إنه سعر الشياه الرفيعة التي تصلح للتضحية سنا وسلامة من العيوب، ووزن الدينار 4.25 غ تقريبا، وإذا اعتبرنا سعر الغرام في يومنا هذا 20000 دج فإن سعر هذه الشاة المشتراة في عصرنا هو 42500 دج، والسعر الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم 85000 دج.
ولكن الظاهر أن الصحابي ظفر بسعر أرخص من المعتاد عند أحدهم، فاشترى شاتين بسعر الشاة واحدة ، ثم باع إحداهما بدينار كامل، في اليوم نفسه، وهذا مما يبين لنا أن الأسعار كانت متفاوتة وأنها كانت حرة أيضا.
ويؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعطاه دينارا باعتباره السعر الكامل للشياه، أننا وجدناه في زكاة الإبل جعل لمن وجبت عليه في زكاة الإبل جدعة -وهي التي أتمت أربع سنين-، ولم تكن عنده أن يخرج حِقّة وهي التي أتمت ثلاث سنوات، مع جبر فارق القيمة بدفع شاتين فإن لم تكن له شياه فيدفع عشرين درهما أي ما يعادل دينارين، وكذلك جبر كل فارق يأخذه جامع الصدقة أو يدفعه الجامع إلى المزكي، والحديث مشهور من رواية في البخاري .

وإذا تبين مجال أسعار الشياه في ذلك الزمن ، فإنه يحسن أن يقارن ذلك السعر وهو ما بين خمس دراهم وعشرة بدخل أحدهم الشهري أو بنفقته الشهرية لأنه لم يكن في ذلك العهد للناس شيء يسمى راتبا شهريا، وكانت الحياة أيسر بكثير مما هي عليه الآن وكانت الأعمال كلها حرة لم تعرف تقييدات حياة المدينة والمؤسسات، ومع ذلك سنحاول أن نجد شيئا يقربنا من المعنى المراد، ومما نجده معينا في ذلك حديث رواه أبو داود وغيره وهو إن كان سنده ضعيفا لا تبنى عليه أحكام الحلال والحرام ، فإنه لا بأس أن تؤخذ منه دلالات تاريخية ما لم يصح في السنة ما يردها، ومحل الشاهد من الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابي:" اذَهبْ فاحتَطِبْ وَبِعْ، ولا أرَيَنَّكَ خَمْسة عشر يوماً، ففعل، فجاء وقد أصاب عشرةَ دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً، وببعضها طعاماً"، ففي هذا دلالة على أن عشرة دراهم -التي هي ثمن شاة- قد اكتسبها في نصف شهر، مع ملاحظة أن مهنة الاحتطاب لم تكن من المهن ذات الدخل العالي، وقد جاء في الرواية ما يدل على ذلك حيث جعل هذا الرزق الذي حصله –مع قلته –خيرا له من أن يسأل الناس.
وكما قلت فإننا لا نأخذ من هذا الخبر حكما، وقد وجدنا بعض الفقهاء جعلوا حد الغني المانع من السؤال بالامتلاك والادخار -لا بالاكتساب- بخمسين درهما، لحديث: «من سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ» . ومن الفقهاء من جعل الحد أعلى من ذلك، وأبلغه أبو حنيفة إلى مائتي درهم وهو النصاب الموجب للزكاة.
الشاهد من كل هذا أن قيمة شاة في العهد النبوي لم تكن تبلغ قيمة الكسب الشهري الضعيف لرجل يشتغل حطابا .
وإذا أردتم أن ننظر في القدرة الشرائية من ناحية ثمن القوت فبعض الدلائل تبين أن سعر الصاع من الحنطة كان يفوق نصف درهم وقد يبلغ الدرهم ، وقد جاء في حديث مرسل : "من فاتته الجمعة من غير عذر فليتصدق بدرهم أو نصف درهم أو صاع حنطة أو نصف صاع" ومفاد هذا أن الصاع ثمنه درهم ، وجاء في كلام الشافعي أن القفيز من الحنطة قد يباع بدينار (والقفيز 12 صاعا)، وهذا يعني أن قيمة الصاع هي 0.83 درهم ، هذا في زمنه وهو غير بعيد عن زمن النبوة. ومما يقربنا من قيمة الصاع أن نوازن بين نصاب الفضة وهي 200 درهم بنصاب الأقوات وهي 300 صاع، فتكون قيمة الصاع 0.66 درهم .
وهنا قد يظهر للبعض أن قيمة الحنطة أو الأقوات غالية نوعا ما مقارنة بشعر الشاة وحد الغنى، والأجدر أن يقال إن قيمة الشياه هي التي كانت رخيصة مقارنة بقيمة الأقوات، لأنها هي المعيار في ذلك الزمان، ولا ننسى أنها لم تكن مدعمة وإذا تحدثنا عن الحنطة فإنها في المدينة مادة مستوردة بخلاف التمر . 
ولا بأس أن نذكر أنه في حالات الندرة قد يرفع السعر المحتكرون الخارجون عن قانون الشريعة إلى ما هو أكثر من السعر المذكور وقد وصل يوما إلى أربعة دراهم للصاع، فقد روى ابن حبان في صحيحه أنَّ يهوديًّا قدم زمن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بثلاثين حِملاً شعيرًا وتمرًا، فسعَّر مدًّا بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - بدرهم، وليس في الناس يومئذ طعام غيره، وكانَ قد أَصابَ الناسَ قبل ذلك جوعٌ لا يجدون فيه طعامًا، فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - الناسُ يشكون إليه غلاء السعر، فَصَعِدَ الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "لَا أَلْقَيَنَّ اللَّهَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُعْطِيَ أَحَدًا مِنْ مَالِ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ، وَلَكِنَّ فِي بُيُوعِكُمْ خِصَالًا أَذْكُرُهَا لَكُمْ: لَا تُضَاغِنُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا يَسُومُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَالْبَيْعُ عَنْ تراض، وكونوا عباد الله إخوانا".

وفي الأخير لعل أكثر من يقرأ هذا المقال يتطلع إلى نتيجة وخلاصة يريدها غير التقريرات التاريخية، وهي هل أسعار الشياه في عصرنا هذا مرتفعة أم لا ؟ فأقول لا شك في كونها مرتفعة ، وأنها بسبب تيسر النقل ووسائل التواصل ارتفع سعرها في أماكن تربيتها ورعيها مثل ارتفاعه في المدن الكبرى، وإلا فسعرها الطبيعي يكون أقل بكثير مما هي عليه ، وأختم المقال بدلالة أخرى ، فإن أقل ما يؤخذ من من الشياه إذا بلغت النصاب شاة وأقل ما يؤخذ ممن بلغ ماله 20 دينارا هو نصف دينار ، وقيمة نصف دينار هو 42500 دج كما سبق ، ولا ننسى أن المقال مقصوده الأول التأريخ ، وأن لا تسعير في الشرع ما لم يثبت تدخل الأسباب البشرية الآثمة.
    وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

الثلاثاء, 14 نيسان/أبريل 2026 17:22

الجراثيم الادارية

الجراثيم الادارية 
دولة اطاراتها لا يؤمنون بالمصلحة العامة ولا يجعلون خدمة الأمة غايتهم ، ويرون البقاء في المنصب أو الارتقاء إلى أعلى من أجل مزيد من النفوذ والجاه غاية مطلبهم، دولة محكوم عليها بالبقاء في الحضيض ، لن تنفعها الشعارات المحفزة ولا السياسات الحكيمة ولا التمويلات الصخم .. لأن كل ذلك سيتبخر أمام صخرة العنصر البشري الاناني والذي سيحولها لخدمة الذات والقبيلة ومن تربطهم به علاقات الصداقة والمصالح المشتركة، وفي بلد مثل الجزائر الذي حطمته المحسوبية والجهوية في العقود الأولى من الاستقلال تنضاف إليه بعدها الايدلوجيات والانتماءات السياسية ، والانتماءات الدينية الضيقة، بلد لن تستمر مؤسساته، ولن يعرف شيئا اسمه النمو أو الخروج من ربقة التخلف، لأن التخلف مظهر عقلي ثم اجتماعي قبل أن يكون مظهرا اقتصاديا او سياسيا او عسكريا. إن الإطار الذي يحول مؤسسات الدولة إلى ملكية خاصة يتصرف فيها بهواه وبأهواء من له معهم مصالح مشتركة،  يعتبر جرثومة أخطر من ذاك الذي يقوم بتهريب العملة الصعبة أو يروج المخدرات ، أو يختلس المال العام ، وهو مطابق كل المطابقة لمعنى الفساد، لأن مفهوم الرشوة لا يقف عند قبض المال لأجل منع حقوق عن مستحقين أو صرفها لغير مستحقين،  بل هو أوسع من ذلك، ومع ذلك فإن أمل الاصلاح لا ينقطع، ولا يجوز أن ينقطع، ولكن طريق الوصول إليه لا يزال بعيدا في ظل انتشار هذه الجراثيم المتكاثرة في جميع القطاعات.

المكتبة الأصولية في تلمسان عصر محمد بن يوسف السنوسي (ت:895)
ذكر الملالي أنه كان للشيخ السنوسي برنامج يومي التزمه، كان يخصص فيه جزءا من وقت الضحى للمطالعة، كما أنه كان يمارس النسخ للمدونات، وقد ذكر السنوسي لتلميذه الملالي يوما أنه كتب ثلاثين كتابًا استعارها وكانت حاجته إليه دائمة، وقال:" ولو كان إنسان ينسخ مثل هذا في كل يوم لظفر بأسفار عديدة من الكتب"(1). ولا شك أن من ضمن الكتب التي نسخها السنوسي كتب أصولية، لذلك سنجتهد في استكشاف المكتبة الأصولية في عهد السنوسي في المغرب الإسلامي عموما، وفي تلمسان على وجه الخصوص، وذلك بتتبع الكتب التي كانت مقررة في الدرس الأصولي، وكذا الكتب الأخرى التي وجدنا الدلائل على وجودها وتداولها في زمانه.
أولا : الكتب المقررة في الدرس الأصولي في تلمسان وما جاورها
بعد التتبع ظهر لي أن الكتب التي كانت مسيطرة على الدرس الأصولي في هذا القرن ثلاثة؛ هي مختصر ابن الحاجب، والتنقيح للقرافي، وجمع الجوامع لابن السبكي، يدلنا كثرة الاهتمام بها على أنها كانت مقررة ومعتمدة في المعاهد والمساجد.
- مختصر ابن الحاجب (ت:646)
أول هذه الكتب مختصر ابن الحاجب الذي كان انتشاره متقدما على عصر السنوسي، ونجد من شراحه تأليفا في بلاد المغرب في عصره: ابن قنفذ القسنطيني (ت:810)، وسعيد بن محمد العقباني (ت:811)، وأحمد بن زاغو التلمساني (ت:845)، ومحمد بن أحمد التونسي (ت:894)(2).
ومن الذين شرحوه في الدرس ابن عرفة التونسي (803)، وابن مرزوق الحفيد (ت:842)، وأحمد بن محمد البرزلي التونسي (ت:844)، ومحمد بن أحمد بن النجار التلمساني، وأحمد بن زاغو التلمساني (ت:845)، وأحمد المنستيري (كان حيا عام 851)، وابن مرزوق الكفيف (ت:901) ابن أبي مدين التلمساني تلميذ السنوسي (915هـ)(3).
-التنقيح للقرافي (ت:684)
وثاني هذا الكتب التنقيح للقرافي الذي اعتصره من المحصول للرازي، وصبغه بصبغة مالكية متميزة، وممن شرحه تأليفا في القرن التاسع : علي بن ثابت القرشي التلمساني (ت:839) وأحمد بن عبد الرحمن حلولو (ت:875)(4).
وممن شرحه في مجالس الدرس : ابن مرزوق الحفيد، وعلي اللخمي الأندلسي (ت:844)، ومحمد الشريف التلمساني (ت:847) وأحمد المنستيري، ومحمد بن عقاب التونسي (ت:851) (5).
- جمع الجوامع لابن السبكي (ت:771)
وثالث هذه الكتب التي لاقت عناية لكن بدرجة أقل في هذا العصر؛ جمع الجوامع لابن السبكي الشافعي، وهو كتاب حرص فيه ابن السبكي على جمع المسائل وحصر الأقوال فيها من غير استدلال عليها في عبارات غامضة معقدة (6)، وممن شرحه في هذا العصر من المالكية حلولو الذي وضع عليه شرحين أحدهما مطول والآخر مختصر(7).
وممن ثبت أنه كان يدرس هذا الكتاب محمد بن عقاب التونسي (ت:851) وإبراهيم بن فتوح العقيلي الأندلسي(ت:867) (8).
ثانيا : الكتب التكميلية في الدرس الأصولي في المغرب الإسلامي
وثمة كتب أخرى كانت متداولة في هذا العصر، واعتبرتها كتبا تكميلية في الدرس الأصولي، لأنه لم يثبت تدريسها بكثافة أو لأنها لا تناسب مراحل التدرج الأولى في العلم، لكن كانت متداولة نسخا أو مطالعة واعتمادا في التأليف، وربما إقراء للخاصة من الطلبة، ومما وقفنا عليه من هذه الكتب التكميلية في التدريس:
1-    مفتاح الوصول للتلمساني وممن درسه ابن مرزوق الحفيد(9).
2-    شرح المعالم لابن التلمساني وممن درسه البرزلي (10).
3-    الورقات للجويني وممن شرحها أحمد بن زكري (ت:900) (11).
4-    المستصفى للغزالي، وممن درسه ابن عقاب وابن النجار(12).
5-    الضروري لابن رشد، وممن درسه إبراهيم بن محمد بن فتوح الأندلسي (ت: 867)(13).
6-    المنهاج للبيضاوي وممن درسه ابن عقاب وابن النجار(14).
7-    المحصول للرازي، جلبه إلى تلمسان إبراهيم بن يخلف التنسي (ت:680) في وقت مبكر، وأقرأه ابن مرزوق الحفيد(15).  
8-    الإحكام للآمدي، وممن درسه ابن عقاب (16).
الهوامش :
 (1) الملالي، المواهب القدوسية (ص:309) التنبكتي، نيل الابتهاج (ص:568) ابن مريم، البستان (ص:243). 
(2) المراغي، الفتح المبين (3/6، 18،19،33،41،57،87،94) حاجي خليفة، كشف الظنون (2/686) ابن مريم، البستان (ص:106) التنبكتي، نيل الابتهاج (ص:190) التنبكتي، كفاية المحتاج (ص:53).
(3) ابن مريم، البستان (ص:205-206، 222، 43، 251) القلصادي، الرحلة (ص:102، 104، 117) التنبكتي، نيل الابتهاج (ص:119 ،369، 575، 585).
(4) المراغي، الفتح المبين (2/129 ،152 ،220) (3/44) مخلوف، شجرة النور الزكية (ص:219 ،259) التنبكتي، نيل الابتهاج (ص:127) التنبكتي، كفاية المحتاج (ص:97، 131) ابن رمضان شاوش، باقة السوسان (ص:431).
(5) انظر: ابن مريم، البستان (ص:205-206) والقلصادي، الرحلة (ص:87، 100، 117، 122).
(6) الخضري بك ، أصول الفقه (ص:11).
(7) التنبكتي، نيل الابتهاج (ص:127).
(8) القلصادي، الرحلة (ص:122، 167) التنبكتي، نيل الابتهاج (ص:528).
(9) القلصادي، الرحلة(ص:100) ابن مريم، البستان (ص:205، 222) الجيلالي، تاريخ الجزائر العام (2/288).
(10) التنبكتي، نيل الابتهاج (ص:369).
(11) ابن مريم، البستان (ص:41) المراغي، الفتح المبين (3/75 ،106 ،121 ،133).
(12) القلصادي، الرحلة (ص:102، 122) .
(13) القلصادي، الرحلة (ص: 167) نيل الابتهاج للتنبكتي (ص:59).
(14) القلصادي، الرحلة (ص:102، 122).
(15) ابن مريم، البستان (ص:67، 205) .
(16) القلصادي، الرحلة (ص: 122).
مطلب من بحث عنوانه : الإمام محمد بن يوسف السنوسي أصوليا 



الأحد, 12 نيسان/أبريل 2026 09:22

كيف يتعلم الأولاد السرقة

كيف يتعلم الأولاد السرقة
1-يتعلم الأولاد السرقة من خلال مشاهدة الأفلام، التي تصور السرقة وفصولها وحيلها وفنونها ومغامراتها، ولا سيما التي يكون السارق فيها بطل الفيلم، أو بطلا مشهورا في غيره من الأفلام، وقد تكون الدعاية أصرح عندما يصور السارق مدفوعا إليها تحت ضغوط المجتمع، أو حين يجعل السارق شخصا رقيقا محسنا، وكذلك عند يصور المسروق المجني عليه ظالما مترفا؛ حيث يتعاطف المشاهدون مع المجرمين، ويجدونهم مجرد ضحايا، الواجب معاقبة من ألجأهم إلى السرقة، أو الواجب مكافأتهم لأنهم كانوا لعنة سلطت على السراق الكبار.

2 - يتعلم الأولاد السرقة من إقرار الوالدين، وذلك عندما يأخذ الولد شيئا من حقوق إخوته خفية فلا يعاقب، أو يختلس شيئا من الحلوى ونحوها فلا يعاتب.
وكذا اقتداء بالأم التي يراها تأخذ المال من جيوب زوجها دون إذنه وعلمه.

3- يتعلم الأولاد السرقة بسكوت الوالدين عن سؤالهم عن مصدر ما يجدونه عندهم من نقود أو ألعاب أو أدوات؛ يعلمون أنها لم تُشترى لهم.
ويتعلمون السرقة عندما يُلزمون بتعويض ما ضيعوا من لعب في الشارع بأي وسيلة، وما فقدوا من أدوات في المدرسة بأي طريقة. 
فبعض الأولاد يسرق كرة غيره أو قلم غيره خوفا من والديه ، وبعضهم يسرق بأمر من والديه مع الأسف.

4- يتعلم الأولاد السرقة إذا عاينوا من والديهم استهانة برد الحقوق إلى أهلها، ومن ذلك أن يروا من والدهم حجد أمانات هي عنده، وأن يكون ديدن الأم عدم رد ما تستعيره من الجيران أو أن تنكره إذا طلب منها أو تدعي هلاكه وهو قائم.
ومن ذلك استهانتهما بتلك النقود الزائدة التي يردها البقال خطأ لمن اشترى منه، وعدم حرصهما على إرجاعها إليه .

5-يتعلم الأولاد السرقة عندما يرون صاحب البقالة يشتري من أقرانهم ما يعلم أنه مسروق من البساتين المجاورة من زيتون أو تين أو غيره. 
بل إنهم يتعلمون السرقة إذا رأو الكبير فيهم لا يبالي أن يأخذ من ثمر شجر مملوك لغيره على حافة الطريق، أو من شجر تدلت أغصانه خارج سور البستان.
ويتعلمونها من كل من يشترى المسروقات أو يدفع الأطفال إلى سرقتها كالحداد الذي يشترى من الأطفال القطع الحديدية حتى لو كانت حديد غطاء المجاري أو لوحة من لوحات إشارة المرور.
6-يتعلم الأولاد السرقة إذا رأوا والدهم يضع المغناطيس أو غيره ليعطل عداد الكهرباء، وإذا طلب منهم المساعدة على عكس اتجاه عداد الماء ؟
ومنهم من يتعلم ذلك من والده التاجر الذي يراه في متجره يطفف في الميزان ، وربما يطلب مساعدته في إعادة ضبطه.
وكذا كل من يشرك أولاده في صنعته ، ثم يمارس الغش والتدليس أمام أنظارهم، فهو يعلمهم طرق سلب الناس أموالهم ويهون في نفوسهم أكل الحرام.

7- يتعلم الأولاد السرقة إذا كلفوا بطلب الرزق وهم في سن مبكر قبل تمام نضج عقولهم، روى الإمام مالك في موطئه بسند صحيح عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال في خطبة:"...وَلَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ..."، وهذا الأثر رآه ابن عبد البر غير محتاج للشرح لوضوحه، ولكن في زماننا هذا قد نحتاج إلى ذكر صور تبين صدقه مع تعليلها.
ومنها : أننا إذا كلفناه نفقة نفسه أو غيره، وهو غير قادر على الكسب لأنه لا صنعة له ولا خبرة، فإننا نكون قد أمرناه بالسرقة بطريق غير مباشر.
ومنها : أن شأن الصغير غير الناضج الافتتان بالمال إذا وضع بين يديه، فمن يشغل صغيرا في محل ويمكنه من صندوق المال، أو يكلفه بقبض المال او نقله، يكون قد عرضه لتعلم السرقة والاختلاس.

8- يتعلم الأولاد السرقة، لأسباب نفسية تدفعهم للاعتداء على أملاك الغير، وهي في الغالب نتيجة اتصاف الأولياء بالبخل أو الجور، فعندما يبخل الأب على أولاده بما يرونه متاحا لكل لأقرانهم وهو قادر عليه بلا كلفة، فإنهم قد يلجأون إلى سرقة النقود من الأم لاقتنائها أو سرقة تلك الأشياء من بعض أقرانهم، وأكثر من ذلك تأثيرا الجور وعدم العدل في العطية بين الأولاد ، الأمر الذي يجعل الحسد ينمو في قلوبهم فيدفعهم إلى الاعتداء على ما يملكه غيرهم جهرا أو سرا . 
9-يتعلم الأولاد السرقة ، بمجالسة المنحرفين في حيهم ، وعدم نهيهم عن مخالطهم، وبعض الأولياء يدفع أولاده إلى تلك المخالطة وإلى امتهان السرقة دفعا، وذلك بتسليط عقوبة الطرد من البيت عليهم .
ومما يدخل في معنى دفع الأولاد -الشباب- إلى تعلم السرقة الزج بهم في السجون من أجل جنح تتعلق بالضرب أو نحوه حيث يخالطون المجرمين المنحرفين والسراق المحترفين. 
10 يتعلم الأولاد السرقة ، إذا مكنوا من الألعاب التي تجعلهم يستهينون بالكسب الحرام ككثير من اللعب القديمة والحديثة التي تبنى على القمار، ولعل من أهمها القمار باللعب بالكريات؛ حيث يأخذ الرابح كريات من خسر... ومعظم النار من مستصغر الشرر.
11-يتعلم الأولاد السرقة ، إذا طرق أسماعهم وتكرر ذلك، أن المسؤول الفلاني سارق ولم تنله العقوبة، وأن الدكتور الفلاني سارق وهو في أعلى المراتب.
ولا تستغرب أن يتعلم طفل السرقة إذا كان والده سارقا، ولا تعجب أن يستسهل شعب السرقة إذا كان رئيسه يوما قد اشتهر بها.
وكما قيل :
إِنْ كَانَ رَبُّ البَيْتِ بِالطَّبْلِ ضَارِبَاً ... فَلاَ تَلُمِ الصِّبْيَانَ فِيهِ عَلَى الرَّقْصِ
وقريب منه :
إِذَا كَانَ رَبُّ البَيْتِ بِالدُّفِ مُوْلَعًا ... فَشِيْمَةُ أَهْلِ الدَّارِ كلّهمُ الرَّقْصُ

السبت, 11 نيسان/أبريل 2026 19:00

حوارات الأتباع والمتبوعين في النار

حوارات الأتباع والمتبوعين في النار 
1-حين يحكم الله تعالى على المجرمين بدخول النار، يطلب الأتباع من قدواتهم وقادتهم: أن يخففوا عنهم شيئا من العذاب، وكأنهم يظنونهم مازالوا يحتفظون بمادة كبريائهم التي كانوا يتمتعون في الدنيا؛ لكن المتبوعين يعتذرون إليهم بعجزهم وفقدانهم لكل سلطة حيث إنهم يشاركونهم في العذاب؛ فلوكان بإمكانهم فعل شيء لنفعوا أنفسهم ، ويصرحون لهم بأن الأحكام الإلهية نافذة في حق الجميع؛ التابع والمتبوع لأنهم جميعا كانوا مجرمين، قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} [غافر: 47] 
2-إن الأتباع بعد نيلهم جزاء أفعالهم التي اقترفوها باختيارهم تقليدا أو طاعة لغيرهم، يحاولون وهم في العذاب أن يحملوا المتبوعين مسؤولية ما وصلوا إليه كما أخبر تعالى عنهم فيقولون (أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا) (ص:60) أي أنتم أوصلتمونا إلى ما نحن فيه من العذاب ، لكن المتبوعين يتبرأون منهم، ومن معاني البراءة أنهم يحملونهم مسؤولية فعلهم ، ويقولون لهم كما يقول الشيطان لأتباعه (فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) (إبراهيم:22) حينها تصيب الأتباع خيبة فوق خيبة، فهؤلاء السادة والقادة أعلنوا عجزهم عن فعل شيء، وزيادة على ذلك تبرأوا منهم وحمّلوهم مسؤولية عصيانهم لله تعالى وجرائمهم في الدنيا؛ فتصيبهم الحسرات ويتمنون الرجوع إلى الدنيا لينتقموا منهم، لكنها تبقى مجرد آماني تزيدهم عذابا نفسيا فوق العذاب المادي الذي هم فيه ، قال الله تعالى : (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة: 166، 167]
3-إن الأتباع -وهم في النار- يندمون ندامة كبرى؛ لذلك يتنمون الرجوع إلى الدنيا للانتقام من المتيوعين كما ذكرنا، وذلك بأن يعلنوا لهم العصيان وعدم الاتباع؛ فيتسببوا في خيبة آمال الكبراء في الدنيا كما خيب الكبراء آمالهم في الآخرة ولم ينفعوهم، لكن هذا يبقى أمنية في نفوسهم مرة يخرجونها في صورة تمني الانتقام من سادتهم، ومرة في صورة تمني طاعة الله ورسوله ، ثم أنهم يطلبون من الله تعالى أن يضاعف العذاب للسادة والكبراء لأنهم هم من تسببوا في إضلالهم ؛ وذلك نوع من الانتقام أخرجوه أيضا في صورة طلب الانتصاف، قال تعالى (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68)} [الأحزاب: 66 – 68)
4-إن الأتباع بعد مشهد عجز المتبوعين ومشهد البراءة منهم ، يودون الرجوع الى الدنيا لتصحيح الوضع والانتقام من السادة والقادة، لكن لعلمهم بعدم إمكان ذلك ؛ يطلبون من الله تعالى الانصاف بمضاعفة العذاب لمن غرهم وأمرهم بالكفر والعصيان والافساد في الأرض، ولكن الله تعالى الحكم العدل والعليم الحكيم قد حكم بين العباد كل حسب جرائمه في الدنيا، وجعل النار دركات كما أن الجنة للمؤمنين والطائعين درجات؛ وقضية المضاعفة حسب الجرائم أمر مفروغ منه، ولكن من في النار قد لا يشعرون بذلك، وكذلك هم لا يعلمون جميع موجبات المضاعفة، لأن هؤلاء الأتباع إن كانوا ينظرون من زاوية تسبب القادة والسادة فيما وقعوا فيه؛ سواء بالأمر أو التزيين أو الإغراء أو الترهيب ، فيمكن لغير الأتباع أن يقول لهم : وأنتم أيها الأتباع أيضا كنتم سبب غرور هؤلاء السادة، وزيادة كبريائهم ومضاعفهم طغيانهم؛ فلولاكم لربما انقطع فسادهم ولربما زال سلطانهم ولربما انهزموا وتابوا وأقلعوا عن كفرهم ، ولعل هذا المعنى هو ما أشار إليه ربنا عزوجل حين قال (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ) (الأعراف:38).
كتب في ١٢ افريل ٢٠٢١

الأربعاء, 08 نيسان/أبريل 2026 22:02

ترتيب المنظومة البيقونية

ترتيب المنظومة البيقونية
المقدمة 
أبــدأُ بالحــمدِ مصلّيــا عــــلى            محمـــدٍ خـيـرِ نــبيٍ أُرسِــــــلا
و ذي من أقســام الحديث عِـدَّة           و كـــلّ واحــــدٍ أتــى و حــدَّه
أنواع الحديث باعتبار مراتب القبول والرد 
أوّلها الصحيحُ و هو ما اتّصـــل            إسنـــاده و لـم يَشـُذَّ أو يُــعَـــل
يرويــه عــدل ضابـط عـن مثلـه           معـتمــد في ضبـطـــه و نــقـلـــه
و الحسن المعروف طرقا و غدت            رجــاله لا كالصحيـح اشتهـرت
و كلّ ما عن رتبة الحسن قصــر            فهو الضعيف و هو أقســاما كثر
متـــروكــه مـا واحد بـه انفــرد           و أجــمعوا لضعفـــه فهو كــرد
و الكــذب المختلــــق المصنـــوع           علــى النبي فــذلـك المــوضـوع 
أنواع الحديث باعتبار المنتهى والاتصال
و مــا أضيــف للنـبي الــمرفوع            و مــا لتـابـع هــــو ااـمقـطــوع
و مــا أضفته إلى الأصحاب مـن            قــول و فـعل فـهو موقوف زُكِـن
و المسنــد المتّصــل الإسنــاد من            راويــــه للمصطـفى و لـم يبـــن
و مــا بسمــع كـــل راو يتّصــل           إسنـاده للمـصطــفى فالـمتصـــل
من صفات الأسانيد 
مسلسل قل مــا على وصف أتى            مثل أمـا و الله أنبـأني الفـــتى
كـذاك قــد حـدّ‏ثنيــه قــــائمـا            و بعــد أن حـدّثنــي تبســـّمـــا
و كـلّ مــا قلّت رجـــاله عــلا            و ضــدّه ذاك الــذي قـــد نـزلا
أنواع الحديث باعتبار عدد الطرق
عـزيز مــروي اثنيــن أو ثلاثــة            مشهور مـروي فـوق مـا ثلاثـــة
              و قـل غريب مـا روى راو فقط              ..............................  
أنواع الحديث الضعيف بسبب الانقطاع
................................          و مرســل منـه الصحابي سقــط             
و كـلّ مــا لـم يتّصــل بحــــال           إسنـــاده منقطـــع الأوصــــال
و المعضل الســاقط منـــه اثنـان            و مـــا أتى مــدلسا نــوعــــان
الأوّل الإسقـــاط للشيـــــخ و أن           ينقـــل عمــن فوقــه بعن و أن 
و الثاني لا يسقطه لكن يصـــف          أوصـافــه بمــا بـه لا ينعــرف
معنعــن كعـن سعيـد عـن كــرم            و مبهــم مــا فيـه راو لـم يســم
أنواع الحديث الضعيف بسبب التعليل 
و مـــا بعلّة غمـــوض أو خفـــا            معـــلّل عندهـــم قـــد عــرفـا 
و مــا يخــالـف ثقـــة به المــلا           فالشــاذ و المقلـوب قسمـان تلا
إبــدال راو مـــا بـــراو قســـــم           و قلـــب إسنـــاد لمتــن قســم
و الفــــرد مــا قيـّدتـــه بثقـــة            أو جـمـع أو قصــر على رواية
والمنكــر الفـــرد بــه راو غــدا            تعديلـــه لا يحمــل التفــــردا
و ذو اختــلاف سنــد أو متـــن            مضطــرب عنــد أهيــل الفــن
و المدرجات في الحديث ما أتت            من بعض ألفاظ الــرواة اتصلت
أنواع من علم الرجال 
و مـا روى كــلّ قرين عن أخــه           مدبّج فاعرفـــه حقـا و انتخــه
متفــق لفظــا و خطــــا متفـــق            و ضــده فيمــا ذكرنــا المفترق
مؤتـلــف مـتـفـق الخـط فـقـــط            و ضده مختلف فاخش الغلــط
الخاتمة 
و قــد أتت كالجوهــر المكنــون            سميتــها "منظــومة البيقـوني"
فـــوق الثــلاثين بأربـــع أتـت            أبياتها ثـم بخيـــــر ختمـت.

112علاقة قوله تعالى (نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) بأحكام المساجد .
يقول السائل : عقد ابن باديس في كتابه آيات وأحاديث الأحكام  بابا لأحكام المساجد، ومن الآيات التي ساقها تحته قوله تعالى (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (آل عمران: 35) وقد استشكلت مراد المصنف؟ هل أراد الإشارة لبعض أحكام المساجد في شرع من قبلنا وإن لم تبق في شرعنا؛ وهي إلزام الأولاد بخدمة دور العبادة ووقفهم على ذلك؟ أم أنه أراد شيئا آخر لم يظهر لي؟ فما رأيكم ؟
الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد : فإن مراد الإمام باديس رحمه الله فيما يظهر لي التدليل لمسألة تعيين إمام راتب للمسجد مقابل جعل أو أجرة له نظير تفرغه لخدمة المسجد وإمامة الناس ، وذلك أن الفقهاء تطرقوا لهذه المسألة ووقع بينهم اختلاف هل يأخذ الأجرة مجرد إمامة الصلاة أم لا بد أن يضيف إلى الصلاة غيرها من الأعمال نحو الأذان والتعليم والنظافة حتى لا يكون الأجر مقابلا لأداء فريضة ، ومنهم من قال إنما يأخذ الأجر لتفرغه للإمامة لا لأجل أداء الصلاة، وكأن ابن باديس رحمه الله استدل بالآية الكريمة على مشروعية أخذ الأجرة نظير تفرغه لخدمة بيت الله تعالى، ووجه الدلالة أن المحرر هو يتحرر من أمور الدنيا ومشاغلها ليتفرغ لخدمة بيت الله تعالى، ولا يتم هذا التحرر والتفرغ إلا إذا جعلت له أجرة أو جعل يكفيه عن السعي في طلب الرزق لسد حاجاته، هذا ما ظهر لي والله أعلم . وهذا أولى من افتراض أنه أراد الحديث عن شرع منسوخ وهو إلزام الأولاد أو نذرهم لخدمة المساجد، بل إن هذا لا ينسجم مع غرض المصنف من تأليف الكتاب وهو التدليل لأحكام العبادات في الإسلام.
    فإن قيل ولم استدل بآية واردة في شرع من قبلنا ، قيل : لأنه لا نص صريح في القرآن أو السنة على قضية أخذ الأجرة، ولأن شرع من قبلنا حجة ما لم ينسخ ، وهنا وإن كان نذر الأولاد للخدمة وإلزامهم بها قد نسخ في شرعنا ولا شك، فإن تفريغ شخص لخدمة بيت الله لا دليل على نسخه، لأن نسخ بعض أحكام النص لا يستلزم نسخ جميع ما تضمنه من أحكام ونظير ذلك قوله تعالى {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27] قد تضمن حكما منسوخا في شرعنا وهو أخذ ولي المرأة لمهر موليته أو اشتراطه لنفسه، حيث قال تعالى {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] لكن نسخ هذا الحكم لم يمنع الفقهاء –وأولهم الإمام مالك رحمه الله -من الاستدلال بالآية الكريمة على جواز جعل الإجارة مهرا لأنه لا دليل على نسخه، والله أعلم .

الأربعاء, 08 نيسان/أبريل 2026 11:31

نظرة في أحد مفاخر الحضارة الإسلامية

نظرة في أحد مفاخر الحضارة الإسلامية 
إن كتب العلم المسمى علم الرجال والجرح والتعديل؛ كتاب التاريخ للبخاري وما تلاه من كتب، ليست ففط كتبا خادمة لعلوم السنة النبوية لتميبز من تعتمد روايته ومن لا تعتد ، ومن سمع منهم الراوي ولم يسمعه منهم، أو بيان ما أخطأ فيه من الروايات، ونحو ذلك من التفاصيل المتعلقة بعلوم الحديث .
بل هي كتب دالة من جهة أخرى على تطور الحضارة الإسلامية في وقت مبكر ، وذلك من الجهات الآتية:
1-إن هذه الدواوين عبارة سجلات كبيرة للحالة المدنية للمسلمين ، إلا أنها لم تكن تابعة لجهة رسمية ، ولم تكن عامة للأمة ولكن لخاصتها وهم كل من طلب العلم ورواه، حيث دون فيها أسماء الرجال والنساء وأنسابهم، وأماكن ميلادهم وتاريخ ميلادهم متى توفر، وحوت تواريخ وفياتهم وأماكنها بالتحديد وهو مما أهتمت به اهتماما كبيرا . 
ويمكن للناظر فيها أن يجد أمورا أخرى تتعلق بالأولاد والزواج في سياقات غير مقصودة ، وأكثر من ذلك ستجدون الناس الذين غيروا أماكن إقامتهم.
 2-ومن أهم ما حوته هذه الدواوين الجرح للرواة وبيان أسباب ضعفهم، وكثير من هذه الأسباب راجعة إلى العدالة كالكذب عموما أو في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو ارتكاب الكبائر ، أو معاص مؤثرة في قبول الحديث ، وحتى بعض خوارم المروءة أحيانا، هذا فضلا عن قضايا الانحراف العقدي ابتداء من الزندقة وهو الانتماء الى جماعات سرية تهدف لهدم الدين عن طريق وضع الأحاديث، إلى الانتماء إلى فرق ضالة (جماعات محظورة) كالخوارج والشيعة والناصبة والقدرية وغيرها ، وهذا في حقيقته يعتبر أرشيف قديم لحالات السوابق العدلية ، وإن كان مدونوه غير منتمين إلى قطاع العدالة ، بل إلى قطاع التعليم الذي كان حرا يومها .
3-وما دمنا ذكرنا قطاع التعليم فهذه الدواوين تعتبر سجلات كبيرة لطلبة العلم في ذلك الزمان ، مع تدوين شيوخهم الذين أخذوا عنهم مباشرة ، والذين رووا عنهم بطريق غير مباشر ، وما حصلوه مشافهة أو من الكتب ، وربما صحب ذلك تقييم هؤلاء الطلاب في مراحل تحصيلهم، لكن الاهتمام الأكبر كان بتقييم لما صاروا شيوخا معلمين ، يقييم مستوى آدائهم من جودة المادة المقدمة للطلاب، ونسبة الإتقان فيها، وهنا نؤكد أن مصطلح السرقات العلمية ظهر ونشأ في هذه السجلات،  وكل من كشف من سراق الحديث ومنتحلي الروايات ، قد سحبت منهم الثقة ، ووصموا بوصمة السرقة التي تجعله في عداد المتروكين الذي لا يؤخذ عنهم العلم أو قل المفصولين من الحياة العلمية .
    ومما هو موجود في بعضهم تحديد تخصصاتهم التي أتقنوها حيث ضعف بعضهم في مجالات دون أخرى كمن ضعف في ااحديث دون المغازي أو في الحديث دون القراءات أو الفقه وهكذا ...
  ومما تجدونه أيضا قضايا انتقال هؤلاء الطلاب والشيوخ من بلد إلى آخر ، الذي له ارتباط باثبات تلقي العلم وتلقينه ، وما التعليم كان حرا ، فتحديد أماكن الرواية هو بمثابة تحديد جهة الانتماء ، والتنصيص على الانتقال هو تدوين وتوثيق للانتقال من جهة إلى جهة أخرى.
 4-هذا فضلا عما حوته من أمور كثيرة تتعلق بالمناهج التربوية والتعليمية ومناهج البحث والتوثيق ، في أشياء يمكن جمعها وتصنيفها ضمن الحياة الثقافية والعلمية لتلك العصور، سواء من حيث أطرها النظرية أو وسائلها المادية المتاحة في نقل الثقافة والعلوم .
هذه خاطرة سجلتها اليوم، وأني طالما ذكرت فحواها للطلاب في مادة علوم الحديث ، عندما أريد أن أقربهم من تصور حياة المحدثين الذين رووا لنا السنة، وكيف عرفنا من هم؟ وأين كانوا ؟ وكيف طلبوا العلم؟ وكيف مستواهم في تحصليهم ودرجتهم من حيث الثقة؟ ..ونحو ذلك .
فعلماؤنا رحمهم الله قد سطروا بتكليف رباني لا بشري دواوين وسجلات تأدى بها واجب حفظ الدين والسنة، ونابت أيضا عن واجبات صارت تقوم بها في أزمنة تأخرت وزارات الداخلية والعدل والتعليم والتعليم العالي ..فرحمهم الله رحمة واسعة .

الأربعاء, 08 نيسان/أبريل 2026 11:03

تقييدات قاعدة الجرح مقدم على التعديل

تقييدات قاعدة الجرح مقدم على التعديل 
قال: إن القاعدة تنص على أن الجرح مقدم على التعديل، وهو يريد أن يعمل بها في الحياة العامة لا في رواة الحديث.
فقلت له : إعمال قاعدة واحدة دون نظر فيما يقيدها أو يوجهها، هو كالعمل بالنص معزولا عن بقية النصوص التي قد توجه معناه أو تقيده ، وذلك لا يجوز .
قال : وما علاقة ذلك بقاعدتنا ؟
قلت له : لو أعملت هذه القاعدة بعمومها وإطلاقها لما سلم لك أحد من الناس سواء في التاريخ أو اليوم ، وسواء في رواه الحديث أو غيرهم، إذ لا يخلو المرء من أن يكون له محبون ومبغضون ، وراضون عنه وساخطون ، ولذلك فإن العلماء الذين نصوا على هذه القاعدة نصوا على قواعد أخرى تقييدها ، وإلا لما سلم لهم حتى أمثال الإمام مالك والشافعي رحمهم الله تعالى، ومن القواعد المقيدة لها .
أولا : النظر في عبارة الجرح هل هو مفسر أم لا ؟ فمن ثبتت عدالته من جهات موثوقة لا يجوز أن تهدر عدالته لمجرد كلام مرسل دون بينة قاطعة، فمن ثبتت عدالته بقين لا تزول عنه إلا بيقين ، كمن ثبت إسلامه بيقين لا يزول إلا بيقين بمثله، والفقهاء قد نصوا في قواعدهم أن اليقين لا يزول بالشك وأنه لا يزول إلا بيقين مثله .
ثانيا : النظر في العلاقة بين الجارح والمجروح ، إذ كثيرا ما تكون الخلافات الشخصية سببا للقدح كما تكون الروابط سببا للمدح ، ولذلك قالوا يتجنب قدح الساخط ومدح المحب" في قضايا الرواية على وجه الخصوص، لأن للساخط قد يلغى جانب الحسنات، وعكسه المحب الغالي ، وقد قيل 
وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ ....وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا
ثالثا : ومما هو قريب من سابقه وليس هو بل هو أعم منه قولهم جرح الأقران يطوى ولا يروى ، وهو أعم لأن قدح الساخط قد يكون لخلاف شخصي، أما جرح الأقران فقد لا يكون سبب أصلا ، والمجروح قد يكون في غفلة تامة عنه ، إذ دافع جرح الأقران هو الحسد ، ولا يخلو جسد من حسد ، لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه، والحسد قد لا يكون بسبب الإساءة بل قد يكون بسبب الإحسان إلى اللئام ، وهذا ليس خاصا بالرواة، بل يعم كل من يشتركون في الصنعة أو شيء ما فتجدها بين النجارين والحدادين والتجار إذا كانت مادة تجارتهم واحدة .
رابعا : ومما له صلة أيضا بتقييد القاعدة أيضا النظر في الخلاف المذهبي أو العقدي ، وهو مما يؤثر في الأحكام في كثير من الأحيان ، وهذا أمر مشهور بين المتعصبين للمذاهب أو للمدارس داخل المذهب الواحد ، وفي التاريخ وجدنا خلافا بين شايع علي بن أبي طالب رضي الله ومن ناصبه العداء وانحاز لأهل الشام، وقد ورث ذلك الموقف لأجيال ، وكان من أئمة الحديث الجوزجاني الذي كان ناصبيا فلم يسلم من طعنه كل شيعي أو من فيه تشيع أو من روى فضائل أهل البيت.
خامسا : ومما ينبغي التنبه له أن معايير الجرح والتعديل قد تختلف ، لذلك نجد في الناس المتشدد والمتساهل والمعتدل ، فمن لم يجرحه إلا متشدد معروف بتشدده في مقابل تعديل المعتدلين لم يلتفت إلى قوله ، كما أنه إذا عدل شخصا فإن تعديله يكون مقدما على تجريح غيره.
سادسا : ومما تقيد به أيضا أن ينظر في عدد الموثقين وعدد المجرحين ، فإذا كان المجرح فردا والمعدلون جماعة ، فلما الميل إلى قول الفرد –ولا سيما إن كان غير مفسر أو مفسرا بأمر لا يقدح- ونترك قول الجماعة تواطأت ، فهذا الفرد إن لم يثبت عنه أحد الموانع السابقة فالوهم في جانبه أقرب منه في جانب الجماعة .
سابعا : وأخر شيء تقيد به القاعدة المذكورة النظر في حال الجارح، فقد يكون أصلا غير معتد به في ذلك المجال لأنه ليس من أهله ، أو يكون هو أصلا مجروحا فيه ، فكيف يقدم قول الجاهل أو قول المجروح على قول المختصين الموثوقين الذين عدلوا الراوي أو الشخص المراد التعامل معه ، وفي علم الجرح والتعديل لم يقبلوا تجرح الأزدي وكثيرا ما يقولون جرحه الأزدي وهو مجروح.
...
لا أدري هل فهم صاحبي هذه القواعد أم لا ، وهل اقتنع أم لا ؟
المهم أننا قيدناها لعلها تفيدنا في الحديث أو في الحياة العامة .-

الصفحة 1 من 3