Administrator
خلاصات في الحرب الإيرانية
خلاصات في الحرب الإيرانية
(1)
من أسباب اختلاف المعلقين هذه الحرب ، أو قل من أسباب قيام الحرب الإعلامية الموازية في الفضاء الافتراضي، اختلافهم في حكم الشعب الإيراني هل هو شعب مسلم أم لا ؟ إذ من المعلقين من يعتقد كفر كل شيعي دون تفصيل أو استفصال، بناء على ما هو مدون في كتب علمائهم ومسجل عن كثير منهم من كفريات صريحة، ومنهم من يقول لا جزم باعتقاد كل واحد منهم لذلك ، وحتى من وقع في الكفر لا يقع عليه حكم الكفر؛ بناء على عقيدة العذر بالجهل والتأويل، ومنهم من يفرق بين عامة الشعب ورؤوسهم الدينيين؛ فيعذر العامة دون من يراه قد قامت عليه الحجة من كبارائهم .
وبناء على هذا النظر (والنظر لا ينحصر في هذه الحيثية) فإن الفريق الثاني والثالث يجب أن يكون موقفهم مؤيدا للمسلم ضد الكافر ، وهذا أمر واضح . فإن محبة انتصار الكافر على المسلم يعد من تولي الكفار الذي يجعل إيمان المرء في محل نظر .
وأما الفريق الأول فلا يستغرب منه أن يقول ضرب ظالم بظالم ، وكافر بكافر، بل إنهم لما لم يجهلوا أن الكفر درجات، ربما جعلوا الرافضة أبعد عن الحق من اليهود ، كقضية الروم أهل الكتاب مع الفرس عبدة النار
لكن السؤال الذي يطرح على هؤلاء، ما موقفكم من الشعوب والدول السنية يا ترى ؟ هل هي مسلمة في نظركم؟ هل المجتمعون على قبر البدوي والراقصون حول مجسم الكعبة ، وغيرهم من المحكومين بغير الشرع من جاكرتا إلى طنجة مسلمون عندكم؟ وهل يؤيدون اذا خاضوا حربا مثل التي تخوض إيران ؟
أم أن أحكام الكفر والإخراج من الملة ستكون انتقائية، وربما يدخل فيها ضابط جديد متعلق بالحدود السياسية للدول، حيث أن كل واحد سيستثنى قرابته وأهل وطنه، أو من هم تحت حكم ولي الأمر الذي يرتضيه حتى ولو لم يكن حاكم بلده؟ ؟؟؟
كتبت هذا لأبين للمتناقضين أهل الأهواء تناقضهم، وكذا لأكشف عما قد يكون جبن بعضهم عن التصريح به مما يعتقده في باطنه ، وإلا فمناقشة القضية الأصلية بابها العقيدة لا السياسة ، وزمان تقريره يفترض أنه سابق للأحداث ، وكل واحد قد علم مشربه .
(2)
تحدثنا في الحلقة السابقة عمن حصر النظر في جانب العقيدة أو عمن جعلها العامل الراجح في تحليله أو تعليقاته، وننتقل في هذه الحلقة إلى جانب آخر على التسليم الجدلي بالاستواء بين الطرفين في الكفر ، أو بغض النظر عن ذلك ، وهو جانب الظلم في هذه الحرب، فإن الإسلام دين العدالة وقد أمر ربنا بالحكم بالعدل بين المسلمين وبين غير المسلمين ، بل لو كانت الخصومة ببن مسلم وغير مسلم في أمر غير عقدي فإن الحكم لابد أن يكون بالعدل، وقد حكم رسولنا صلى الله عليه وسلم ببئر لصالح كتابي بيمينه ضد مسلم عجز عن البينة، وفي هذه الحرب التي يخوضها تحالف الشر ، إيران معتدى عليها ، وسبب الاعتداء عليها ليس هو سب الصحابة أو تكفير أهل السنة أو جرائمها في سوريا أو في إيران نفسها ، بل تضارب مصالحها مع مصالح تحالف الشر، هذه المصالح التي جعلت إيران منافسا للكيان في أطماعه التوسعية، وقد تعدى دعم إيران لأعداء الكيان كل الحدود، بل إن خطر مشروعها النووي ينسيهم خطر ذلك الدعم، وقد ضربت وهي تقف موقف المدافع عن شعبها ومنشآتها وعن استقلالها، وكل من يجادل في كونها معتدى عليها في قضية الحال فهو لا يستحق أن يخاطب .
إذا كان ديننا يفرض علينا الوقوف مع المظلوم ولو كان كافرا، ولو كان ظالما في قضايا أخرى، فوقوف المسلم المقسط يجب أن يكون مع إيران المعتدى عليها.
وهنا نقول لكل من أضرت بهم إيران -وقد أضرت منذ وجودها بكل العالم الاسلامي بما في ذلك الجزائر وليس فقط سوريا -إذا لم نطبق قوله تعالى (ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا ) في هذا الموضع فخبروني أين هو موضع تطبيقها؟ ومما يقال لمن عايش العدوان العراقي على الكويت ، ثم العدوان الأمريكي على العراق، ألم يكن نظام صدام البعثي ظالما في عدوانه على الكويت بل ومجرما في حق شعبه ، واجتمع في قلوب المسلمين المنصفين إنكار ظلم صدام وإجرامه، مع إنكار العدوان الأمريكي وحصاره لشعب العراق( بسنته وشعيته من المسلمين وبعثه وجميع طوائفه) .
وإذا كنا نرى أن ما لحق بعضهم هو عقوبة ربانية لطغيانهم الذي جاوز كل الحدود ، فإن ذلك لا يلغي الواجب الشرعي تجاه من نعتقد أنه مسلم، أو من نعتقد أنه مظلوم.
ملاحظة : بعض الناس يريدون أن أقول ما في قلوبهم فقط أو أنظر إلى هذه الحرب من الزاوية التي حصروا فيها نظرهم ، ولذلك سارعوا للتعليق على المنشور السابق رغم أني كتبت أنه الحلقة الأولى. وكنت اول الأمر اكتفيت بمشاركة ما كتب الشيخ ابن حنفية حفظه الله ثم بيان جمعية العلماء ورأيت أن ذلك كاف عن الخوض في هذه الحرب ، لأن القضايا الكبيرة تترك للعلماء الكبار، ولما رأيت الجهل والعبث والتناقض واستغلال الأحداث لغايات خطيرة اولها ضرب مصداقية العلماء بغض النظر عن موقفهم، ثانيها: نشر منهج التكفير للمسلمين تحت غطاء محاربة التشيع وثالثها استغلال الحدث للتهوين من التشيع بل ولجعل الشيعة هم أهل الإسلام الحق ، عزمت على كتابة هذه السلسلة ، فيرجى ممن كتبت لعلاج انحرافه أو قصر نظره أن لا يكرر طرح ذلك في التعليقات .
(3)
كنت أود أن أجعلها هذه المقالات خلاصات، ولكن الثانية طالت، وسأجعل الثالثة خاتمة بإذن الله مهما طالت، تحدثنا فيما سبق عن طرف انحاز صراحة أو ضمنا إلى تحالف الشر ، مبررا ذلك بالتكفير العام لأهل إيران، أو بأن إيران كانت ظالمة في أمكنة وأزمنة أخرى، واليوم أتحدث عمن انحاز إلى إيران لأنها مسلمة ومظلومة في قضية الحال، ولكن وقع في كلامهم لغط تضمن غلطا ، نبيه فيما يأتي :
بعض الناس يظهر أن في قلوبهم غل كبير للعلماء ، لا يكادون يضيعون فرصة للنيل منهم أو ضرب مصداقيتهم والقدح في نياتهم أو دعوة الناس إلى عدم اتباعهم ، ومثل هذه المواضع التي تتأجج فيها العواطف هي أنسب الفرص لتحقيق مرادهم، (ولعل بعضهم يقومون بالدعاية لشخوصهم فهم الفاهمون المخلصون المستقلون )، وبعضهم لا يسلم منهم حتى العالم الذي يوافقهم الرأي ، حيث ينقد تصريحه بضعف اللهجة، وعدم الصراحة الكافية ، أو أنه ما كان ليقول الحق لولا علمه بأن ولي أمره يأذن بذلك..الخ، وعلامة هؤلاء أنه عندما ينتقد أحدهم عالما أخطأ دائما يستعمل عبارات التعميم للعلماء والشيوخ، ومن علامتهم أنهم لا يناقشون الحجج بل الشخوص؛ مرة من جهة الانتماء ومرة من جهة المقاصد وهكذا .
ومن هؤلاء من يخصص لا يعمم ولكن تخصيصه أشر من التعميم، فيوجه النقد لعلماء أهل السنة خصوصا ، مع أنه في مقام نقد عالم واحد أو عدد منهم، وهو يعلم أنه يوجد من خالفهم من أهل السنة، ومقصود هؤلاء واضح هو الدعاية للتشيع ، وهم إما متشيعون فعلا ويمارسون التقية ، أو هم في طريق التشيع وبداية التشيع دائما تكون سياسية، ثم تتحول إلى عقدية، ولا مجال هنا لاحسان الظن الا بمغفل يردد ما يقال بلا وعي، لأنه لا مبرر للتعميم، ولأنه لا معنى للحط من أهل السنة إلا رفع الشيعة، وعند بعضهم هذا الأمر مصرح به لا مستنتج، وكيف أحسن الظن بمن يسفه كل من يتحدث عن مكانة الصحابة في هذه الأيام ، أو يرد على من يطعن فيهم بزعم أن الوقت غير مناسب، مع أنه دعاة التشيع في بلاد أهل السنة لم يتوقفوا يوما عن دعوتهم حتى في أيام هذه الحرب، بل إن نشاطهم يزداد فيها، وصوتهم يعلو ويتكلمون بكل عزة وفخر لأن الدولة التي يوالون صارت في نظرهم بطلة وحامية الإسلام والمسلمين.
ومما ينبغي قوله في هذا السياق أن جيش إيران البطل يقاتل أعداء الأمة قتالا شرسا يحمد عليه، لكن قتاله هذا لا يعدو أن يكون دفاعا عن وطنه إيران وعن شعبه شعب إيران، وليس هو قتال دفاع عن المسلمين غير الإيرانيين، ولا عن راية الإسلام في العالم، فإنه لم يفعل ذلك من قبل، ولا يمكن أن يفعل ذلك .
وبقيت تساؤلات واعتراضات بابها باب السياسة المحض، أفضل الإضراب عنها، لأني ما تكلمت بعد إحجام إلا لبيان أمور شرعية وأخطاء رأيتها منتشرة وقدرت خطورتها.
والله هو الهادي إلى سبيل الرشاد .
موقف العلامة ابن باديس من الصحابة والخلافة والشيعة
موقف العلامة ابن باديس من الصحابة والخلافة والشيعة
أولا : موقفه من الصحابة والخلفاء الراشدين (الترضي وإثبات الخلافة)
من أوضح أصول السنة التي سار عليها ابن باديس رحمه الله، الترضي على جميع الصحابة وإثبات الخلافة ، فقد كان معظما للسلف عموما وللصحابة خصوصا، داعيا للاقتداء بهم ، كما سطره في الأصول العشرين وغيرها من المواضع، وقال في موضع بعبارة صريحة لا لبس فيها : » والصحابة كلهم عدول « ( )، وكان رحمه الله إذا ذكر الصحابة يترضى عنهم دون تفريق أو تمييز ( ).
يترضى على الشيخين أبي بكر الصديق ( )وعمر الفاروق ( )، كما يترضى على عثمان ( ) وعلى علي ( ) رضي الله عنهم أجمعين ، بل قال مدافعا عن عثمان رضي الله عنه وقال:» فعلى الناظر في تاريخ عثمان رضي الله عنه أن يتثبت ويتحرى حتى لا يقع في ظلم وباطل في حق هذا الإمام الشهيد العظيم «( )
وكان مثبتا لخلافة الأربعة ومقرا بأن خلافتهم صحيحة لا مطعن فيها، وإذا ذكرهم أو عصرهم يقول الخلفاء الراشدون أو عصر الخلفاء الراشدين( ). وكان أيضا يترضى على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه( ).
بل وكان يدافع عن التابعين وقد وصف المتجرئ عليهم بالجهل وقلة الدين ، قال " فهذا والعياذ بالله طعن صريح في التابعين ثاني القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية على لسان المعصوم عليه الصلاة والسلام وكفى هذا دليلا على ما وراء ذلك من كلمات لا تصدر إلا عن جهل وقلة حياء ورقة دين"ثم أعلن البراءة من ذلك الكلام من قائله ما دام مصرا على كلامه( ) وإذا كان هذا موقفه ممن طعن في التابعين فكيف يكون موقفه ممن يطعن في الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
ثانيا : موقفه من الشيعة (التضليل وعدم التكفير)
قال ابن باديس رحمه الله في مقدمته لكتاب العواصم لابن العربي وهو يعرف به : فتعرض فيه لآراء في العلم باطلة، وعقائد في الدين ضالة، وسماها قواصم، وأعقبها بالآراء الصحيحة والعقائد الحقة مؤيدة بأدلتها النقلية، وبراهينها العقلية المزيفة لتلك الآراء والمبطلة لتلك العقائد وسماها عواصم" فذكر جملة من الطوائف والفرق ومن جملتها "غلاة الشيعة والفرقة المتعصبة للأشخاص باسم الإسلام"( )، ولفظ الشيعة في تاريخ الإسلام أطلق على المفضلين لعلي على عثمان ، وأطلق على أقوام لم يكن شأنهم تفسيق الصحابة أو تكفيرهم ؛ ولذلك قيد العبارة بغلاة الشيعة.
ومع تضليله للشيعة وبراءتهة من كل من يطعن في السلف ، فإنه كان يراهم مسلمين ، لا يحكم عليهم الكفر العام والمعين ، ومما يدل على ذلك إنكاره على سلامة موسى الكاتب المصري الذي استعمل عبارة توحي بإخراج الشيعة من الإسلام، فقال بعد تعليقه على جهل الكاتب المذكور المذكور بحكم التصوير :"وليس جهله بهذا هو الذي يدعونا إلى الإنكار عليه. ولكن قوله: "والتشيع نوع من الانشقاق عن الإسلام" هو الجدير بكل إنكار. فقد حسب نفسه لما عرف شيئا من تاريخ الفنون أنه عارف بمذاهب الإسلام، فحكم على الشيعة بالانشقاق عنه. وهذا الكاتب لم يكفه أن ينفي- في أكثر ما يكتب- عن الإسلام كل ما يحسبه فضيلة؛ حتى جاء يحاول أن ينفي عنه أمما كاملة من أبنائه ونعوذ بالله من سوء القصد وقبح الغرور"( ). ففهم ابن باديس من عبارة الانشقاق التي استعملها سلامة موسى في سياقها أنه لا يعتبرهم من المسلمين ولذلك رد عليه.
وتخريج حكمه هذا هو على عقيدة العذر بالجهل ، واشتراط إقامة الحجة لتكفير من وقع في موجبات التكفير ، وقد قرر رحمه الله في الأصول العشرين أن الجاهلون والمغرورون أحق الناس بالرحمة ، وقال في موضع :" وإذا استمر على فعله مستحلا له بعد تعليمه وإرشاده يكون قد أنكر معلوما من الدين بالضرورة وهو أن العبادة والدعاء منها لا تكون إلا لله فيحكم بردته نظير مستحل الصلاة بلا وضوء بلا فارق«( ). فشرط التعليم والإرشاد قبل الحكم من دعا غير الله تعالى بحكم من أنكر معلوما من الدين بالضرورة.
وعدم التكفير هذا ليس خاصا بالشيعة بل هو عام لكل الفرق التي كان يصفها بأنها إسلامية ، بما فيها القائلين بخلق القرآن كالمعتزلة ومن تابعهم ( ) .
من صور الخيانة العلمية في تحقيق المخطوط
من صور الخيانة العلمية في تحقيق المخطوط
معنى السرقة العلمية والخيانة للأمانة وصورها في البحث العلمي معلومة لدى أكثرنا ومتصورة، فهل تتصور الخيانة والسرقة في تحقيق المخطوط؟ أعنى ما عدا القسم الدراسي والتعليق على نصوصه.
الجواب: نعم ، تتصور ، ومن ذلك :
١- ما يفعله البعض من ادعاء إعادة تحقيق كتاب طبع من قبل، فيصور لنا في أوله صفحات من المخطوط يدعي اعتماده وهو لم يعتمد عليه أصلا، وقد تكون شواهد الخيانة جلية في الفروق الموجودة بين ما أثبته وما في تلك الصفحات .
٢- أن يوكل المحقق إلى غيره أمر النسخ والمقابلة، مقابل أجر معلوم، ويكتفي هو بالتعليق على النص، وتتفاقم المعضلة إذا كان المستأجر غير خبير بالتحقيق واصطلاحه، وربما يفتضح عندما يستأجر أكثر من واحد فيظهر التناقض في التعامل مع النص أو في التعليق عليه.
٣- بعض الناس يعتمد على نسخة مطبوعة اعتمد محققها على نسخة خطية ، فيزعم الاعتماد على النسخة الخطية ، وهو لم يزد على النظر في النسخة المطبوعة ، وهذا تدليس لا يقبل سواء كانت تلك النسخة فريدة أو نسخة من بين عدد من النسخ التي وقف عليها فعلا .
٤- ومن أظهر صور الخيانة تعمد التغيير بالزيادة أو النقص أو التصويب في الأصل دون إشارة إلى ذلك ، السهو وارد وقلم المؤاخذة لا يرفع عن صاحبه إطلاقا ولكن التعمد يصير الصغيرة كبيرة ، فالتصويب هو تزوير في الوثيقة بل الواجب إثبات ما وجد ثم يصحح ويجوز أن يصحح بشرط أن يبين مع وجده في النسخة أو النسخ.
والزيادة كذلك كذب على المؤلف فالبياض أو السقط يبين أنه كذلك ثم يجتهد في تقديره، وأي أضافة دون بيان يعد خيانة، (ولو كان بحسن نية).
وكذلك النقص فما لم يفهمه أم يتضح له يرسمه أو يصف رسمه ويبين أنه لم يستطع قراءة ، أما تجاوزه كأنه غير موجود فخيانة أيضا .
وفي بعض الحالات وجدنا من حذف من المخطوط صفحة كاملة، لأنها تخالف ما يعتقده، كما حدث مع أحد محققي كتاب التمهيد للباقلاني، وقديما اتهم أحد العلماء محققا بحذف مبحث متعلق بالنسخ من مقدمة كتاب في التفسير، فلما ناقشه وجده من منكري النسخ في القرآن!!؟ وهذا إن صح خيانة مع الاصرار والعياذ بالله .
٥- ومن الصور أيضا السطو على جهد الغير في مقابلة النسخ، وكثيرا ما نقرأ لمحققين يتهمون من يحقق الكتاب بعدهم بفعل ذلك، وقد يذكر بعضهم دلائل ، وأصدق تلك الدلائل أن يقع في أخطاء لا يتنبه لها إلا بعد طباعة الكتاب، فيجد مدعي التحقيق قد تابعه عليها.
٦- وتوجد صور أخرى غريبة تتعلق بالسطو على العمل كاملا ، فينشر بغير اسم صاحبه ، سمعنا عن ذلك في حوادث متعددة ولا يستطيع المرء إثباتها إلا بالاعتراف أو أحكام قضائية لأن احتمال الإدعاء وارد، والبينة هي الحكم، وذلك أن بعضهم قد يستأمن شخصا على عمله ليراجعه، أو ليطلع عليه، أو ليوصله إلى الناشر ، فيقوم بنشره باسمه والعياذ بالله ، ومثل هذا يحدث في التآليف أيضا .
هذا ما جاد به الخاطر في سانحة عابرة ، ولعل لأهل الاختصاص والتتبع والنقد وما يضيفونه ويستدركونه.
فضائح علمية في السنة الامازيغية المزعومة
فضائح علمية في السنة الامازيغية المزعومة
هذا موضوع كتبت فيه ما يكفي قبل 15 سنة ، ولكن لا بأس أن نغير طريقة العرض والمناقشة، لعل تجديد الخطاب يفيد في إقناع بعض من استغفل.
أولا
**في المغرب أول يناير موافق ل 14 يناير غريغوري ...يعني أن التقويم عندهم يوليوسي تماما كتقويم الكنائس الأرثوذكسية التي رفضت تقوبم غريغور فقط لأنه كاثوليكي .
***في الجزائر أول يناير موافق ل 12 يناير غريغوري ، يعني من سنة 1830 وهو كذلك لم يتغير .. وهي السنة التي أدخلت فيها فرنسا التقويم الغريغوري إلى الجزائر .
وإذا زعم زاعم أن تقويم السنة الشاشناقية موجود منذ 950 قبل الميلاد . فيقال له :
** إن كنت مغربيا ، فأنت تزعم أن يوليوس المسكين لم يكتشف شيئا لما عدل التقويم الروماني القديم، وإنما سرق التقويم الشاشناقي ، وأنى لك أن تثبت ذلك.
***وإن كنت جزائريا ، فأنت تزعم أكثر من ذلك ، تزعم أن غريرغور لم يصحح خطأ يوليوس إلا بعد أن وقف على التقويم الشاشناقي، وهيهات أن تثبت ذلك .
ثالثا :
والأن تأمل ذلك التطابق ببن أسماء الشهور الاثنا عشر، من أخذها من الآخر الرومان أخذوها منا أم نحن أخذناها منهم؟
يناير هو يناير ، فبراير صار فورار ... المشكلة أن الشهور التي هي أرقام رومانية نفسها شتتمبر أو سكتنمبر ثم توبر ثم وامبر أو نونمبر وجمبر أو دوجمبر . ولا يخفى عليكم أنها أخذت أسماء الأرقام من سبعة إلى عشرة لأن بداية السنة كان في مارس، ولذلك كان الزيادة والنقص في الشهر الأخير الناقص أصلا وهو فورار المسكين (فهل السنة الشاشناقية أيضا كانت تبدأ في مغرس ثم غيرت ؟؟).
مهما جادل المرء في تلك الشهور لسليها رومانيتها، فلن يجادل في شهرين أخذا 31 يوما طغيانا، وسمي باسم امبراطورين رومانيين يوليو (يوليوس) المتوفي 44 قبل الميلاد، وغشت ( أوغست) المتوفي 14 قبل الميلاد .
فمن الأقدم ومن أخذ تاريخ الآخر ؟؟؟
وللفائدة أو فضيحة علمية رابعة .
قدماء المصريين بما فيهم ساشناق فعلا كان عدد أيام سنتهم 365 أو 366 بوما ، لكن عدد شهور السنة كانت 13 شهرا، 12 شهرا متساوية فيها 30 يوما ، والشهر الثالث عشر أما 5 أيام أو 6 أيام .
وبداية السنة عندهم موافقة ل 11 سبتمبر غريغوري أو 12 .
وللفائدة أيضا أو الفضيحة الخامسة
فإن السنة الفلاحية بدايتها هي بداية الخريف ونهاية الصيف ، مع الشروع في موسم الحرث، وفي الموروثات الشعبية أشياء تدل عليه، وكان الفرس وغيرهم يحتلفون بهذه البداية بما يواقف 15 أكتوبر غريغوري أو بعده، وهو اليوم الذي يسمى المهرجان.
خاطرة في التجديد في علم العقيدة الإسلامية
خاطرة في التجديد في علم العقيدة الإسلامية
من الأشياء التي ينبغي أن يدرجها المدرسون للعقيدة الإسلامية في المغرب الإسلامي (شمال وغرب افريقيا)
تلقين الأجيال محبة الفاتحين الأوائل من الصحابة عمرو بن العاص وعبد الله أبي السرح، والتابعين عقبة بن نافع وحسان بن النعمان وأبي المهاجر دينار رضي الله عنهم .
والفقهاء العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز إلى القيروان ومنهم إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، وعبد الله بن يزيد الحبلي وإسماعيل بن عبيد الأنصاري وعبد الرحمن بن رافع التنوخي رضي الله عنهم.
وذلك أنهم داخلون في مفهوم السلف وفي القرون الثلاثة التي شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية، حين قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ".
وإن محبة الصحابة رضي الله عنهم جميعا من الإيمان، ومحبة الناشرين للإسلام فحتا للأرض والقلوب من الإيمان ، وينص على هؤلاء لخصوصية المنطقة التي ننتمي إليها، ونظرا بمجاهرة أهل الردة والجاهلية الجديدة بوصفهم بالغزاة المتوحشين، في المقالات والمحاضرات والأغاني وغير ذلك من وسائل النشر.
وذكر أعلام الصحابة في كتب الاعتقاد معهود نحو الخلفاء أو العشرة وغيرهم ممن دعت الحاجة إلى ذكرهم لطعن من طعن فيهم من الفرق الضالة ، كعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه .
ومنهم من ذكر غيرهم ممن أتى بعدهم باعتبارهم رموزا للسنة والاتباع .
ومن مؤلفات الاعتقاد كتاب عقيدة الإمام أحمد الذي ألفه أبو الفضل عبد الْوَاحِد بن عبد الْعَزِيز التَّمِيمِي (ت:410)
ومما ورد في آخر هذا الكتاب ما يأتي:
-"وَكَانَ يَقُول [يقصد الإمام أحمد] أَصْحَاب الحَدِيث أُمَرَاء الْعلم.
-وَكَانَ يَقُول إِذا ذكر الحَدِيث فمالك بن أنس هُوَ النَّجْم.
-وَكَانَ يَقُول سُفْيَان الثَّوْريّ جمع الْحَالين الْعلم والهدي.
-وَكَانَ يَقُول سُفْيَان بن عُيَيْنَة حفظ على النَّاس مَا لولاه لضاع.
-وَكَانَ يَقُول الشَّافِعِي من أحباب قلبِي.
-وَكَانَ يَقُول هَل رَأَتْ عَيْنَاك مثل وَكِيع.
-وَكَانَ يَقُول أَنا أحب مُوَافقَة أهل الْمَدِينَة.
-وَكَانَ يحب قِرَاءَة نَافِع لِأَنَّهَا أَكثر اتبَاعا".
فكل هؤلاء الأعلام ورد ذكرهم في كتاب عنوانه الاعتقاد ومضمونه الاعتقاد، ولا شك أن لذلك مقتضياته التي اقتضه في ذلك الزمان والمكان، فلا نستهجن الفكرة ولا نتسرع إلى دفعها، بل نحن مدعوون إلى تأمل هذا الموضوع المطروح بجدية ومسؤولية وعمق نظر.
خاطرة مجتزأة من محاضرة "أساسيات العقيدة الإسلامية في ظل التحديات المعاصرة" ألقيت بتاريخ 07 رجب 1447 هـ الموافق لـ28 ديسمبر 2025 بمقر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
أيام برد العجوز
أيام برد العجوز
بعد الأيام الباردة الممطرة ذات الرياح العاصفة في فصل الشتاء تأتي أيام يرى فيها الناس الصفاء، ويطمئنون فيها إلى الدفء وتزهر الحقول حتى يُظن أنه الربيع قد سبق وقته، ولكن الفصل قبل أوان ذهابه في أواخر مارس يعود ليذكر الناس بأن الفصل فصله والميقات ميقاته؛ فتمر على الناس أيام هي أشد أيام السنة بردا وهي أيام يختلف موقعها من سنة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر، فيما يظهر، (والأشهر أنها سبعة أيام أربعة منها في فبراير وثلاثة في مارس، كما في المعجم الوسي) ، وقد لاحظت العرب تكرّر رجوع هذه الأيام كلّ سنة فسمّتها أيّام العجوز أو أيّام برد العجوز، بل أعطت لكل يوم منها اسما خاصا، وقد اختلفوا في عدتها فالمشهور أنها سبعة أيام وقيل خمسة، وعدها الثعالبي ثمانية: وهي على الترتيب عنده: 1-الصِّن 2-والصِّنَّبْرُ 3-والوبْر 4-وآمر 5-ومؤتمر6-ومعلل 7-ومطفي الجمر 8-ومكفئ الظعن، ومن جعلها سبعة اعتبر السادس والثامن واحدا، وقال الجوهري:"وأيّام العَجوزِ عِنْد الْعَرَب خَمْسَة: صِنّ وصِنَّبْر وأُخَيُّهما وَبْر ومُطْفِئُ الجَمْر ومُكفِئُ الظَّعْن. وكما اختلفوا في العدد اختلفوا في الترتيب، ولكل اسم من هذه الأسماء مناسبة ووجه اشتقاق مذكور في معاجم اللغة العربية.
وقد جمعها البازجي في مجمع البحرين في قوله
صن وصنبر ووبر يذكر ... وبعده الآمر والمؤتمر
كذا معلل ومطفي الجمر ... هاتيك أيام العجوز فادر
وسبب تسميتها بذلك واضح وهو أنها آخر أيام البرد واشتقاقه من العَجز كما في شرح أدب الكاتب وغيره.
لكن خيال بعض العرب قد نسج لسبب التسمية حكايات خرافية، كما صنعو لها شعرا..
1-فمنهم من قال: كانت امرأة من العرب قد اهترمت، وكان لها سبعة أولاد فقالت لهم: زوجوني وهم لا يكترثون لها فلما أصرت عليهم.. قالوا لها: بيتي لنا سبع ليال على ثنية هذا الجبل لكل ابن ليلة لنزوجك بعد ذلك، فجاءوها بعد السابعة فوجدوها قد توفيت. وروى القصة الثعالبي وجعل الأبناء ثمانية ونقل أنهم قالوا لها :"إن كنت تزعمين أنك شابة فابرزي للعراء ثمان ليال فإننا نزوجك بعدها". فماتت قبل تمامها.
2-وقيل: إنما سميت أيام العجوز لأن العرب جزت الأصواف والأوبار مؤذنة بالصيف، وقالت عجوز منهم لا أجز حتى تنقضي هذه الأيام فإني لا آمنها، فاشتد البرد بعدها، وأضر بكل من قد جز ولم يسلم إلا العجوز ومالها.
3-وقريبا من هذا المعنى ما روي أن العجوز كانت كاهنة من كهان من العرب؛ أخبرت قومها ببرد سيقع في أواخر الشتاء وأوائل الربيع فيسوء أثره على المواشي؛ فلم يكترث قومها بقولها وجزوا أغنامهم واثقين بإقبال الربيع؛ فلم يلبثوا إلا أياما حتى وقع برد شديد أهلك الزرع والضرع، فقالوا حينها هذا برد العجوز أي البرد الذي تنبأت به العجوز وأنذرت به قومها.
4-وقال آخرون: الصواب أن العجوز هي التي عجلت بجز صوف أغنامها لحاجتها إليه وثقتها بالحر، فلما جاء البرد، أهلك أغنامها وكان عددها سبعة، فكان كل يوم يهلك واحد منها.
5-وخارج كتب الأدب أروي لكم ما حدثتني به جدتي –وهو أعلى سند-وثبتني فيه غيرها مما بلغ عندي حد الشهرة، أن عجوزا كانت تسكن جبال جرجرة، قد آذاها برد شهر يناير؛ فلما انقطع الثلج وطلعت الشمس وذهب الشهر، سبته بأقذع سب، فسمع الشهر سبها فامتلأ غيظا وأراد الانتقام منها؛ فلم يجد بدا إلا أن يلجأ إلى صديقه فورار(فبراير) فطلب منه أن يسلفه يوما وليلة لينتقم من تلك العجوز ..وقد وجد فورار كريما حيث أعاره سبعة أيام بلياليها فسلط يناير على العجوز عاصفة هوجاء وبردا شديدا؛ وقضى عليها وعلى نعاجها التي خرجت بها إلى المرعى..تقول الجدة رحمها الله ..وقد تحولت العجوز إلى حجارة جامدة وهي لا تزال في ناحية من نواحي جبال جرجرة كذلك ..(ولعل لكل أهل جبل في شمال إفريقيا عجوزهم المتجمدة في ناحية من نواحيه)
ومنهم من يسمي هذه الأيام بالحسوم ويجعلها الأيام التي أهلك فيها قوم عاد، كما ورد عن وهب بن منبه في تفسير قوله تعالى : (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) [الحاقة: 6-7] ذكره الثعلبي المفسر(ت:427) في الكشف والبيان والثعالبي الأديب (ت:429) في ثمار القلوب.
وجاء في شرح نظم بيوع ابن جماعة لابن خجو الحساني (ت:956) (2/830 ت سمير سمراد) :"ومن البدع المحرمة ترك الاشتغال يوم الحاجوز وأيام الحسوم ويوم وقوف الشمس"(فأما الحاجوز فهو الفاتح من يناير، وأيام الحسوم فأولها 25 فبراير وآخرها 4مارس، ويوم وقوف الشمس هو يوم 24 جوان )
ولعل الحديث عن هذه الأيام يستحق أكثر من هذا؛ ولذلك وجد من ألف فيها مؤلفات أشهرهم الفيلسوف يعقوب بن إسحاق الكندي (ت 260)، والحمد لله رب العالمين..
استراحة أدبية ولفتة بسيكولوجية
استراحة أدبية ولفتة بسيكولوجية:
قال ابن حزم رحمه الله " وأمّا جهتنا: فالحكمُ في ذلك ما جرى به المثل السّائر:" أَزْهَدُ النّاسِ فِي عالِمٍ أهلُه "، وقرأت في الإنجيل أنّ عيسى عليه السّلام قال: "لا يفقِد النبيُّ حُرمتَه إلاّ في بلده" ! وقد تيقنّا ذلك بما لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم من قريش، وهم أوفر النّاس أحلاما، وأصحّهم عقولا، وأشدّهم تثبّتا مع ما خُصُّوا به من سكناهم أفضل البقاع ، وتغذيتهم بأكرم المياه، حتّى خصّ الله تعالى الأوسَ والخزرج بالفضيلة الّتي أبانهم بها عن جميع النّاس، والله يؤتي فضله من يشاء. ولا سيّما أندلسُنا، فإنّها خُصَّت من حَسَد أهلِها للعالِم الظّاهرِ فيهم الماهر منهم، واستقلالِهم كثيرَ ما يأتي به، واستهجانِهم حسناته، وتتبّعهم سقطاتِه وعثراتِه، وأكثر ذلك مدّة حياتِه بأضعاف ما في سائر البلاد:
إن أجاد قالوا: سارق مُغِير، ومنتحل مُدَّعٍ ! وإن توسّط قالوا: غثّ بارد، وضعيف ساقط !
وإن باكرَ الحِيَازةَ لقَصْب السّبق قالوا: متى كان هذا ؟ ومتى تعلّم ؟ وفي أيّ زمان قرأ ؟ ولأمّه الهبل !
وبعد ذلك إن ولجت به الأقدار أحد طريقين: إمّا شفوفا بائنا يُعلِيه على نظرائه، أو سلوكه في غير السّبيل الّتي عهدوها، فهنالك حَمِي الوطيسُ على البائس، وصار غرضًا للأقوال ! وهدفًا للمطالبِ ! ونصبا للتسبب إليه ! ونهباً للألسنة، وعُرضَةً للتطرّق إلى عرضه، وربّما نُحِل ما لم يقل، وطُوِّق ما لم يتقلّد، وأُلحِق به ما لم يَفُه به ولا اعتقده قلبُه !-وبالحرى وهو السابق المبرز إن لم يتعلق من السلطان بحظ؛ أن يسلم من المَتالف وينجو من المخالف-
فإن تعرّض لتأليفٍ: غُمِز ولُمِز، وتُعرِّض وهمِز، واشتُطّ عليه وعُظِّم يسيرُ خطبِه، واستُشْنِع هيِّن سقطِه، وذهبت محاسنُه، وسُتِرت فضائلُه، وهتِف ونودِي بما أغفل، فتنكسر لذلك همّتُه، وتكِلُّ نفسُه، وتبرُد حميّتُه.
وهكذا عندنا نَصيبُ من ابتدأ يحوك شعرا أو يعمل بعمل رسالة، فإنّه لا يُفلت من هذه الحبائل، ولا يَتخلّص من هذه النّصب، إلاّ الناهض الفائت، والمطفّف المستولي على الأمد "اهـ. " فضائل الأندلس وذكر رجالها " - نقلا عن نفح الطيب (3/166-167) ورسائل ابن حزم (2/177) ومن عنده عنوان أحسن فليتفضل به
في ظلال حديث «اعْلَمْ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ»
في ظلال حديث «اعْلَمْ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ»
«اعْلَمْ أبا مسعود لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ» هي موعظة نبوية همس بها في أذن من استغل وضعه الاجتماعي ليظلم ويستعلي على من هم دونه، وليمارس تعسفا في استعمال سلطة منحت له بحكم الشرع، إنها موعظة خوطب بها رجل حر كان يضرب مملوكه بالسوط، فهو سيد حر بقدر الله تعالى وقد أعطي سلطة التأديب بشرع الله، ولكنه في تلك اللحظة كان غافلا عن نعمة الله عليه، فهو لم يختر أبويه وكان يمكن أن يولد عبدا مملوكا، وكان غافلا عن رقابة الله تعالى، الذي منحه سلطة التأديب، فإنه جل جلاله عليم بحاله إن عاقب العبد وهو لا يستحق العقوبة، أو إن كان يستحقها لكنه تجاوز القدر المستحق، فجاءه الخطاب النبوي بكلمات موجزة بليغة (اعلم) إن لم تكن تعلم وتذكر إن كنت تعلم (لله أقدر عليك) أي أن الله القادر الذي لا يعجزه شيء، والقدير الذي منحك هذه هذه القدرة من جهة تسليطك على هذا العبد اجتماعيا هو أقدر عليك (منك عليه) أي من قدرتك على هذا العبد الضعيف، المعنى إن كنت تظلمه لأنك تقدر ولا يقدر فالله تعالى القدير أقدر ، وإن كنت تظلمه لأنك تسمى في مجتمعك سيدا وهو يسمى عبدا، فالله تعالى هو السيد المطلق وملك الملوك يملكك وما تملك وأنت له عبد. ولم يكن الصحابي رضي الله عنه الواقع في هذه الزلة جاهلا بما سمع ولا جاحدا ، ولكنها كانت ساعة نسيان للتفس وغفلة عن الله تعالى، ولذلك فإنه ما إن ذكر حتى ارتعدت فرائسه فقد (سقط السوط من يده) كما جاء في رواية، وإنه لما علم أنه قد ظلم غيره، وتذكر أن الرب الملك القدير قد حرم الظلم على نفسه، وأنه وعد المظلومين بنصرتهم على الظالمين، وأول ذلك بإجابة دعائهم الذي كشف دونه كل الحجب، سارع للتوبة بالندم على فعله ومحاولة جبر خطئه وتصحيحه حتى يرضى عنه المظلوم، فلم يجد أحسن من أن يعتقه لله ويمنحه الحرية، فلا شيء أحب إلى العبد من أن يصبح حرا، ولا شيء يرضيه وهو يعيش لحظات الظلم والذل والمهانة أن يعلن له بما يرفع عنه سبب ذلك الظلم والمهانة إلى الأبد، ولعله قد علم سلفا أن الرسول أمر بعتق العبد إذا ظلم وسماه كفارة، فحينها سارع الصحابي التائب إلى إعلان عتقه قبل أن يقدم عذره أو اعتذاره للرسول الكريم أو للعبد المظلوم، فضمن توبته وندمه واعتذاره في كلمة واحدة هي (هو حر لوجه الله) ، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم مبينا أن ما فعله كان متعينا في حقه، فالظاهر أنه قد ظلمه ظلما كبيرا وضربه ضربا مبرحا، فقال له :"أما أنك لو لم تفعل للفحتك النار" لو لمستك النار، ومثل هذا الوعيد لا يستحق إلا على ما كان ظلما ولا شك، وسواء كان العتق كفارة أو كان سببا لرضا المظلوم وعفوه عن ظالمه، فقد عرف الصحابي الطريق إلى فك رقبته، وليعلن بعدها عن تحقق جميع أركان التوبة قال (لا أضرب مملوكا بعده أبدا) فاجتمع فيه الترك حيث ألقى السوط من بده والندم على فعله والسعي للتصحيح لنيل عفو المظلوم حيث سارع إلى عتقه لوجه الله ، وأخيرا صرح بالعزم على العود إلى مثل صنيعه.
اللهم إنا نعوذ بك من أن نزل أو نضل أو نظلم أو نظلم أو نجهل أو يجهل علينا.
الحديث بجميع ألفاظه ورواياته في صحيح مسلم
يا لله! للإسلام والعربية في الجزائر
يا لله! للإسلام والعربية في الجزائر
(كل من يعلم بلا رخصة يغرم ثم يغرم ويسجن)
حول قانون 8 مارس 1938
بينما الأمة الجزائرية تنتظر من فرنسا منحها حق التصويت البرلماني، مع بقائها على شخصيتها الإسلامية، إذ أعداء الأمة الجزائرية- وأعداء فرنسا أيضا- يجمعون أمرهم، ويدبرون كيدهم فيستصدرون من الحكومة قرارا وزاريا بعقوبات صارمة على التعليم، ليهدموا هذه الشخصية الإسلامية من أصلهما وليقضوا عليها بالقضاء على مادة حياتها.
علموا أن لا بقاء للإسلام إلا بتعليم عقائده وأخلاقه وآدابه وأحكامه، وأن لا تعليم له إلا بتعليم لغته، فناصبوا تعليمها العداء وتعرضوا لمن يتعاطى تعليمها بالمكروه والبلاء، فمضت سنوات في غلق المكاتب القرآنية ومكاتب التعليم الديني العربي والضن بالرخص، واسترجاع بعضها حتى لم يبقوا منها إلا على أقل القليل.
ولما رأوا تصميم الأمة على تعلم قراءتها ودينها ولغة دينها، واستبسال كثير من المعلمين في سبيل القيام بواجبهم نحو الدين والقرآن ولغة الدين والقرآن، واستمرارهم على التعليم رغم التهديد والوعيد، ورغم الزجر والتغريم- لما رأوا هذا كله سعوا سعيهم وبذلوا جهدهم حتى استصدروا هذا القانون: قانون العقاب الرهيب.
لقد فهمت الأمة من المعلمون المقصودون، فهم معلمو القرآن والإسلام، ولغة القرآن والإسلام، لأنهم هم الذين عرفت الأمة كلها ما يلقون من معأرضة ومناهضة، وما يجدون من مقاومة ومحاكمة. بينما غيرهم من معلمي اللغات والأديان والمروجين للنصرانية في السهول والصحاري والجبال، بين أبناء وبنات الإسلام، في أمن وأمان، بل في تأييد بالقوة والمال. وهم الذين إذا طلبوا الرخص بكل ما يلزم للطلب أجيبوا بالسكوت والإعراض أو أعلن لهم بالرفض لغير ما سبب من الأسباب فهم الذين إذا طلبوا اليوم كان كما بالأمس السكوت أو الرفض جوابهم. ثم إذا أقدموا على التعليم بلا رخصة كان التغريم الثقيل والسجن الطويل جزاءهم، وإذا أحجموا واستسلموا تم لأعداء الإسلام والعربية مرادهم وقضوا على القرآن والإسلام ولغة القرآن والإسلام قضاءهم.
فهمت الأمة كل هذا وفهمت أن هذا القانون سلاح جديد حديد أشهر لمحاربتها في أعز عزيز عليها، وأقدس مقدس لديها وهو قرآنها ودينها ولغة قرآنها ودينها وتوقعت من السلطة أن تستعمله أشد استعمال وتستغله شر استغلال ضد تعليم القرآن والإسلام ولغة القرآن والإسلام لما عرفته من قبل مقاومتها لهذا التعليم والقائمين به.
فهمت الأمة هذا الشر والكيد المدبرين لدينها وقرآنها ولغة قرآنها ودينها. وفهمته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الممثلة للأمة في دينها وقرآنها ولغة دينها وقرآنها والناطقة في الدفاع عنها في هذه الناحية بلسانها والمعاهدة لله وللأمة على ذلك الدفاع إلى آخر رمق من حياتها.
قد فهمنا- والله- ما يراد بنا وإننا نعلن لخصوم الإسلام والعربية أننا عقدنا على المقاومة المشروعة عزمنا، وسنمضي- بعون الله- في تعليم ديننا ولغتنا رغم كل ما يصيبنا، ولن يصدنا عن ذلك شيء فنكون قد شاركنا في قتلهما بأيدينا. وإننا على يقين من أن العاقبة- وإن طال البلاء- لنا وأن النصر سيكون حليفنا- لأننا قد عرفنا إيمانا، وشاهدنا عيانا، أن الإسلام والعربية قضى الله بخلودهما ولو اجتمع الخصوم كلهم على محاربتهما.
سيرى الذين دبروا المكيدة. والذين لم يتفطنوا لها فشاركوا في تنفيذها. أنهم ما أصابوا بهذه المكيدة إلا سمعة فرنسا في العالم الإسلامي والعربي، في الوقت الذي تنفق فيه الملايين على تحسين سمعتها فيهما. ومكانتها عند الجزائريين في أحرج أوقاتها وأشدها حاجة إلى الأمم المرتبطة بها، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.
عبد الحميد بن باديس
البصائر الجمعة 7 محرم 1357هـ الموافق ليوم 8 أفريل 1938م
اللغة العربية في الجزائر عقيلة حرّة، ليس لها ضرّة
اللغة العربية في الجزائر عقيلة حرّة، ليس لها ضرّة
اللغة العربية في القطر الجزائري ليست غريبةً ولا دخيلة، بل هي في دارها، وبين حماتها وأنصارها، وهي ممتدة الجذور مع الماضي، مشتدة الأواخي مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل، ممتدة مع الماضي لأنها دخلتْ هذا الوطن مع الإسلام على ألسنة الفاتحين ترحلَ برحيلهم وتقيم بإقامتهم. فلما أقام الإسلامُ بهذا الشمال الأفريقي إقامةَ الأبد وضربَ بجرانه فيه أقامتْ معه العربية لا تريم ولا تبرَح، ما دام الإسلام مقيمًا لا يتزحزح، ومن ذلك الحين بدأت تتغلغل في النفوس، وتنساغ في الألسنة واللهوات، وتنساب بين الشفاه والأفواه. يريدها طيبًا وعذوبة أن القرآن بها يُتلى، وأن الصلوات بها تبدأ وتُختم، فما مضى عليها جيل أو جيلان حتى اتسعتْ دائرتها، وخالطت الحواس والشواعر، وجاوزت الإبانة عن الدين إلى الإبانة عن الدنيا، فأصبحت لغة دين ودنيا معًا، وجاء دور القلم والتدوين فدوّنت بها علوم الإسلام وآدابه وفلسفته وروحانيته، وعرف البربر على طريقها ما لم يكونوا يعرفون، وسعتْ إليها حكمة يونان، تستجديها البيان، وتستعديها على الزمان، فأجدت وأعْدت. وطار إلى البربر منها قبس لم تكن لتطيره لغة الرومان، وزاحمت البربرية على ألسنة البربر فغلبتْ وبزت، وسلّطت سحرها على النفوس البربرية فأحالتها عربية، كل ذلك باختيار لا أثر فيه للجبر، واقتناع لا يد فيه للقهر، وديمقراطية لا شبح فيها للاستعمار. وكذَب وفجَر كل من يسمّي الفتح الإسلامي استعمارًا. وإنما هو راحة من الهم الناصب، ورحمة من العذاب الواصب، وإنصاف للبربر من الجوْر الروماني البغيض.
من قال إن البربر دخلوا في الإسلام طوعًا فقد لزمه القول بأنهم قبلوا العربية عفوًا، لأنهما شيئان متلازمان حقيقة وواقعًا، لا يمكن الفصل بينهما، ومحاول الفصل بينهما
كمحاول الفصل بين الفرقدين.
ومن شهد أن البربرية ما زالت قائمة الذات في بعض الجهات، فقد شهد للعربية بحسن الجوار، وشهد للإسلام بالعدل والإحسان، إذ لو كان الإسلام دين جبرية وتسلط لمَحا البربرية في بعض قرن فإن تسامح ففي قرن.
إذا رضي البربري لنفسه الإسلام طوعًا بلا إكراه، ورضي للسانه العربية عفوًا بلا استكراه، فأضيعُ شيء ما تقول العواذل، واللغة البربرية إذا تنازلت عن موضعها من ألسنة ذويها للعربية لأنها لسان العلم وآلة المصلحة، فإن كل ما يزعمه المبطلون بعد ذلك فضول.
إن العربي الفاتح لهذا الوطن جاء بالإسلام ومعه العدل، وجاء بالعربية ومعها العلم، فالعدل هو الذي أخضع البربر للعرب، ولكنه خضوع الأخوة، لا خضوع القوة، وتسليم الاحترام، لا تسليم الاجترام. والعلم هو الذي طوّع البربرية للعربية، ولكنه تطويع البهرج للجيدة، لا طاعة الأمَة للسيدة.
لتلك الروحانية في الإسلام، ولذلك الجمال في اللغة العربية، أصبح الإسلام في عهد قريب صبغة الوطن التي لا تنصُل ولا تحول. وأصبحت العربية عقيلةً حرّة، ليس لها بهذا الوطن ضرّة.
ما هذه النغمة الناشزة التي تصك الأسماعَ حينًا بعد حين، والتي لا تظهر إلا في نوبات من جنون الاستعمار؟
ما هذه النغمة السمجة التي ارتفعت قبل سنين في راديو الجزائر بإذاعة الأغاني القبايلية. وإذاعة الأخبار باللسان القبايلي. ثم ارتفعت قبل أسابيع من قاعة المجلس الجزائري بلزوم مترجم للقبايلية في مقابلة مترجم للعربية؟
أكل هذا إنصاف للقبايلية، وإكرام لأهلها، واعتراف بحقها في الحياة، وبأصالتها في الوطن؟
كلا. إنه تدجيل سياسي على طائفة من هذه الأمّة، ومكر استعماري بطائفة أخرى، وتفرقة شنيعة بينهما، وسخرية عميقة بهما.
إن هاتين النغمتين وما جرى مجراهما هي حداء الاستعمار بالقوافل السائرة على غير هدى، لتزداد إمعانًا في الفيافي الطامسة، فحذار أن يطرب لها أحد. وإن النغمتين من آلة واحدة مشوّشة الدساتين، مضطربة الأوتار، ومغزاهما واحد، وهو إسكات نغمة أخرى تنطق بالحق وتقول: إن هذا الوطن عربي، فيجب أن تكون لغته العربية رسمية. فجاءت تلك النغمات الشاذّة ردًّا على هذه النغمة المطردة، ونقضًا لها وتشويشًا عليها، ولتُلقي في الأذهان أن هذا الوطن مجموع أجناس ولغات لا ترجحُ إحداهن على الأخرى، فلا تستحق إحداهن أن تكون رسمية.
لا يوجد قبائلي يسكن الحواضر إلا وهو يفهم عن الفرنسية. ولا يوجد في "قبائل" القرى - وهم السواد الأعظم- إلا قليل ممن لا يحسن إلا القبايلية، ولكن ذلك السواد الأعظم لا يملك جهاز راديو واحدًا لأنهم محرومون من النور الكهربائي كما هم محرومون من نور العلم، وكل ذلك من فضل الاستعمار عليهم. فما معنى التدجيل على القبائل بلغتهم؟
ولا يوجد عضو قبايلي في المجلس الجزائريّ إلا وهو يحسن الفرنسية، فما معنى اقتراح مترجم للقبايلية؟
أما نحن فقد فهمنا المعنى. وأما الحقيقة فهي أن الوطن عربي.
وأن القبائل مسلمون عرب، كتابهم القرآن يقرأونه بالعربية، ولا يرضَون بدينهم ولا بلغته بديلًا. ولكن الظالمين لا يعقلون..
آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 206-208)
* نُشرت في العدد 41 من جريدة «البصائر»، 28 جوان سنة 1948