الجمعة, 08 أيار 2026 23:05

ذكريات مع الشيخ محمد شارف رحمه الله غير منشورة

ذكريات مع الشيخ محمد شارف رحمه الله
قرأت منشورا لأخي الحبيب الشيخ سليم بن صفية حفظه الله يدعو فيه إلى كتابة مواقف لشيوخ أثرت في قلوب طلابهم، فحرك ذلك ذاكرتي إلى تلك الحقبة التي نشترك فيها فالشيخ ابن حيي وصديق الطلب ورفيق الدرب، وقد هممت أن أكتب تعليقا على منشوره لكن تزاحمت الذكريات في الخاطر وبلغت حدا لا يحتمل أن يكون تعليقا مرتجلا ، فرأيت أن أفردها بمنشور أو أكثر ، وسأبدأ بالمواقف التي كانت مع شيخنا المعمر محمد شارف رحمه الله رحمة واسعة، وأول موقف أسجله كان لنا معه في مسجد الفتح المبين بباب الوادي في حلقات شرح قطر الندى ، حيث استغرق في الشرح وأخذه الكلام إلى حديث عابر أول فيه صفة من الصفات لا أذكرها الآن، فقاطعه أحد الحضور وأخذ الكلمة ليبين له بطلان التأويل وتصويب الإثبات؛ فضاق صدر بعضنا، حيث رأينا المقام لا يحتمل ذلك ولا يستدعيه ، وقد تخوفنا من أن يغضب الشيخ من صنيع المعترض، ولكنه تلقى ذلك بصدر رحب وابتسامته المعهودة وقال للطالب : إيه ذلك مذهب السلف هو أسلم، وأراد أن يستمر فيما كان فيه، فعاود الطالب الاعتراض، فازداد الانزعاج من الحضور، أما الشيخ فظل هادئا رحمه الله رحمة واسعة في حواره وفيما بقي من درسه، فأعطانا درسا في سعة الصدر وسلامته والرفق بالطلاب المخالفين، ولكم أن تتصوروا شيخا آخر في مكانه يفعل به ذلك ، أقل ما كان يمكن أن يقول له : لا تخرج بنا عن موضوعنا، كما يمكن أن يقول له : تأدب ولا تأخذ الكلمة دون إذن، أو ما هو أشد من ذلك كما صنع أحد ممن درسنا بعد ذلك حين نوقش في مسألة عقدية قررها، بعد الدرس لا أثناءه، فقال لأحد الطلاب: "اذهب فتعلم ثم ارجع فتكلم"، وناقشه في المسألة ذاتها بعد نحو سنة طالب آخر فقال له بعد أن ظهر عليه الغضب :" أتطعن في عقيدتي"، مع أن الطالب لم يفعل ذلك، كلا الموقفين بقي رسخا في ذهني لكن شتان بينهما .
   ومن الحوادث التي أثرت في مع هذا الشيخ رحمه الله أني كنت يوما راكبا الحافلة من ساحة الشهداء إلى باب الوادي، فإذا بي أرمق الشيخ محمد شارف يدب في الطريق المحاذي لثانوية الأمير عبد القادر قاصدا الجامع الكبير ليلقي درسه في شرح المختصر وعلى إحدى عينة ضماد، وكان حديث عهد بإجراء عملية جراحية، وهو يسير الهوينا دون قائد يقوده، وكان الشيخ من أصبر الناس على التعليم وأشدهم انضباطا لا يكاد يغيب، وما فتح كتابا إلا أكمله، ولم يتوقف عن التدريس مع تقدم سنه إلا بعد أن أقعده المرض، وصار يتنقل في كرسي متحرك، ونحن مع الأسف لم نعرفه ولم ندركه إلا بعد أن تقدم به السن، ولم يعرف منزلته أهل حيه باب الوادي إلا في تلك السنوات بعد سنة 91 ، أما قبل ذلك فكان القلة ممن يحضر دروسه في الجامع الكبير، وفي التسعينات دعاه الطلاب ليدرس في مسجد حينا فتح الإسلام ثم مسجد الفتح المبين ثم مسجد النصر ، وكان لا يرد طالبا، فيشرح الكتاب فإذا فرغ منه أعاد شرحه من جديد، رحمه الله كان التعليم هو حياته، بل إنه لم يفتر عن التعليم حتى وهو في معتقلات الألمان، حيث جندته فرنسا قسرا أثناء الحرب العالمية الثانية فأخذ إلى معتقلات الألمان أسيرا ، فأين الشيخ الذي كان التعليم بالنسبة إليه دعوة ورسالة وحياة ممن يتخذه مجرد سبب للرزق، أو مطية لأغراض دنيوية زائلة.
   وكتب الشيخ عبد الرحمن مسعود بسكر قبل عدة أشهر في مناسبة اقتضت ذلك :"يقال إن الشيخ محمد بن عبد القادر شارف عليه سحائب الرحمات المتتاليات ؛ احتاج إلى المال ؛ فاضطر الى بيع مكتبته ولم يفكر في مد يده لأحد ، هل من مؤكد للخبر من مقربيه وطلبته ؟ فكتبت معلقا :"رحم الله شيخنا رحمة واسعة ..أؤكد لك الخبر يا عبد الرحمن كنت من اشترى آخر كتاب في مكتبته –غير الكتب التي كان يدرسها- وهو المغرب في بيان أخبار المغرب لابن عذارى، جمعنا المال في مسجد أبي بكر الصديق بالزغارة لشرائه لصالح مكتبة المسجد ، وكنت يومها طالبا في الجامعة متطوعا في الإمامة ... وكان الشيخ احتاج المال ، وفي تلك الأيام أجرى عملية جراحية على عينه، ولا حول ولا قوة إلا بالله"، وأزيد على التعليق للفكرة والعبرة ، رافقني الى بيته يومها جاره مراد شرشاري فلما صعدت درج العمارة صعدته أنا متهيب من انهياره، فقد كان البناء قديما جدا مهترئا، فتضاعف الحزن في نفسي لما عاينت البناية التي كان يسكنها، وهنا أتمثل معكم مقولة حكيمة : "هناك أناس يحملون الدعوة وهناك أناس آخرون تحملهم الدعوة". 
   وقد طال بنا المقال وبقيت مواقف أخرى عن مشايخ آخرين لعلنا نجد همة لكتابتها في حلقة أخرى إن شاء الله تعالى.    

الجمعة, 08 أيار 2026 10:17

أسعار الشياه في زمن النبوة غير منشورة

أسعار الشياه في زمن النبوة
من الأشياء التي يتطلع المرء إلى معرفتها في السيرة النبوية، ويحسن به الوقوف عندها لما لها من أثر في فهم النصوص الشرعية والتشريعات الإسلامية؛ معرفة أسعار الأشياء في عهد النبوة ومقارنتها بنصاب الزكاة الذي يعتبره بعض الفقهاء حدا للغنى، وقد رأيت أن أكتب عن سعر الشياه في زمن النبي صلى الله وسلم التي تتعلق بها عبادات عدة أهمها وأعمها الأضحية، وذلك من خلال الأحاديث المروية في الصحاح وغيرها، وترجمة تلك الأسعار إلى عصرنا باعتبار سعر الذهب ، لأنه المعدن التي حافظ على قيمته عبر العصور .
فأقول إن سعر الشاة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترواح بين نصف دينار ذهبي إلى دينار، وإذا قومناها بالدراهم الفضية فسعرها كان من خمسة دراهم إلى عشرة، وسبب الاختلاف يرجع إلى حجمها وسنها وجنسها وحسن المماكسة وقانون العرض والطلب، ونحو ذلك مما يكون مؤثرا في الأسعار في الأسواق مع ملاحظة أن التسعير لم يكن واردا يومها وقد امتنع منه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في ذلك ما يستدعيه وهو الاحتكار الخاطئ أهله كما جاء في الحديث.

وأول دليل على تحديد هذا المجال هو ما رواه البخاري عن عروة البارقي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ»، قال سفيان الثوري بعد روايته لهذا الحديث : "كأنها أضحية"، وإنما افترض هذا الافتراض لأنه لم يكن من شأن النبي صلى الله عليه وسلم التوسع في المأكل والمشرب ، وكان غالب قوته صلى الله عليه وسلم التمر ، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في آصع من شعير .
وفي هذا الخبر وكل النبي صلى الله عليه وسلم عروة رضي الله عنه بشراء شاة، فأعطاه دينارا، وما أعطاه ذلك المبلغ إلا لكونه مبلغا كافيا لا يحتاج إلى طول مماكسة وهو القائل :"رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى"، وإن اعتبرنا افتراض الثوري قلنا إنه سعر الشياه الرفيعة التي تصلح للتضحية سنا وسلامة من العيوب، ووزن الدينار 4.25 غ تقريبا، وإذا اعتبرنا سعر الغرام في يومنا هذا 20000 دج فإن سعر هذه الشاة المشتراة في عصرنا هو 42500 دج، والسعر الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم 85000 دج.
ولكن الظاهر أن الصحابي ظفر بسعر أرخص من المعتاد عند أحدهم، فاشترى شاتين بسعر الشاة واحدة ، ثم باع إحداهما بدينار كامل، في اليوم نفسه، وهذا مما يبين لنا أن الأسعار كانت متفاوتة وأنها كانت حرة أيضا.
ويؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعطاه دينارا باعتباره السعر الكامل للشياه، أننا وجدناه في زكاة الإبل جعل لمن وجبت عليه في زكاة الإبل جدعة -وهي التي أتمت أربع سنين-، ولم تكن عنده أن يخرج حِقّة وهي التي أتمت ثلاث سنوات، مع جبر فارق القيمة بدفع شاتين فإن لم تكن له شياه فيدفع عشرين درهما أي ما يعادل دينارين، وكذلك جبر كل فارق يأخذه جامع الصدقة أو يدفعه الجامع إلى المزكي، والحديث مشهور من رواية في البخاري .

وإذا تبين مجال أسعار الشياه في ذلك الزمن ، فإنه يحسن أن يقارن ذلك السعر وهو ما بين خمس دراهم وعشرة بدخل أحدهم الشهري أو بنفقته الشهرية لأنه لم يكن في ذلك العهد للناس شيء يسمى راتبا شهريا، وكانت الحياة أيسر بكثير مما هي عليه الآن وكانت الأعمال كلها حرة لم تعرف تقييدات حياة المدينة والمؤسسات، ومع ذلك سنحاول أن نجد شيئا يقربنا من المعنى المراد، ومما نجده معينا في ذلك حديث رواه أبو داود وغيره وهو إن كان سنده ضعيفا لا تبنى عليه أحكام الحلال والحرام ، فإنه لا بأس أن تؤخذ منه دلالات تاريخية ما لم يصح في السنة ما يردها، ومحل الشاهد من الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابي:" اذَهبْ فاحتَطِبْ وَبِعْ، ولا أرَيَنَّكَ خَمْسة عشر يوماً، ففعل، فجاء وقد أصاب عشرةَ دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً، وببعضها طعاماً"، ففي هذا دلالة على أن عشرة دراهم -التي هي ثمن شاة- قد اكتسبها في نصف شهر، مع ملاحظة أن مهنة الاحتطاب لم تكن من المهن ذات الدخل العالي، وقد جاء في الرواية ما يدل على ذلك حيث جعل هذا الرزق الذي حصله –مع قلته –خيرا له من أن يسأل الناس.
وكما قلت فإننا لا نأخذ من هذا الخبر حكما، وقد وجدنا بعض الفقهاء جعلوا حد الغني المانع من السؤال بالامتلاك والادخار -لا بالاكتساب- بخمسين درهما، لحديث: «من سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ» . ومن الفقهاء من جعل الحد أعلى من ذلك، وأبلغه أبو حنيفة إلى مائتي درهم وهو النصاب الموجب للزكاة.
الشاهد من كل هذا أن قيمة شاة في العهد النبوي لم تكن تبلغ قيمة الكسب الشهري الضعيف لرجل يشتغل حطابا .
وإذا أردتم أن ننظر في القدرة الشرائية من ناحية ثمن القوت فبعض الدلائل تبين أن سعر الصاع من الحنطة كان يفوق نصف درهم وقد يبلغ الدرهم ، وقد جاء في حديث مرسل : "من فاتته الجمعة من غير عذر فليتصدق بدرهم أو نصف درهم أو صاع حنطة أو نصف صاع" ومفاد هذا أن الصاع ثمنه درهم ، وجاء في كلام الشافعي أن القفيز من الحنطة قد يباع بدينار (والقفيز 12 صاعا)، وهذا يعني أن قيمة الصاع هي 0.83 درهم ، هذا في زمنه وهو غير بعيد عن زمن النبوة. ومما يقربنا من قيمة الصاع أن نوازن بين نصاب الفضة وهي 200 درهم بنصاب الأقوات وهي 300 صاع، فتكون قيمة الصاع 0.66 درهم .
وهنا قد يظهر للبعض أن قيمة الحنطة أو الأقوات غالية نوعا ما مقارنة بشعر الشاة وحد الغنى، والأجدر أن يقال إن قيمة الشياه هي التي كانت رخيصة مقارنة بقيمة الأقوات، لأنها هي المعيار في ذلك الزمان، ولا ننسى أنها لم تكن مدعمة وإذا تحدثنا عن الحنطة فإنها في المدينة مادة مستوردة بخلاف التمر . 
ولا بأس أن نذكر أنه في حالات الندرة قد يرفع السعر المحتكرون الخارجون عن قانون الشريعة إلى ما هو أكثر من السعر المذكور وقد وصل يوما إلى أربعة دراهم للصاع، فقد روى ابن حبان في صحيحه أنَّ يهوديًّا قدم زمن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بثلاثين حِملاً شعيرًا وتمرًا، فسعَّر مدًّا بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - بدرهم، وليس في الناس يومئذ طعام غيره، وكانَ قد أَصابَ الناسَ قبل ذلك جوعٌ لا يجدون فيه طعامًا، فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - الناسُ يشكون إليه غلاء السعر، فَصَعِدَ الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "لَا أَلْقَيَنَّ اللَّهَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُعْطِيَ أَحَدًا مِنْ مَالِ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ، وَلَكِنَّ فِي بُيُوعِكُمْ خِصَالًا أَذْكُرُهَا لَكُمْ: لَا تُضَاغِنُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا يَسُومُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَالْبَيْعُ عَنْ تراض، وكونوا عباد الله إخوانا".

وفي الأخير لعل أكثر من يقرأ هذا المقال يتطلع إلى نتيجة وخلاصة يريدها غير التقريرات التاريخية، وهي هل أسعار الشياه في عصرنا هذا مرتفعة أم لا ؟ فأقول لا شك في كونها مرتفعة ، وأنها بسبب تيسر النقل ووسائل التواصل ارتفع سعرها في أماكن تربيتها ورعيها مثل ارتفاعه في المدن الكبرى، وإلا فسعرها الطبيعي يكون أقل بكثير مما هي عليه ، وأختم المقال بدلالة أخرى ، فإن أقل ما يؤخذ من من الشياه إذا بلغت النصاب شاة وأقل ما يؤخذ ممن بلغ ماله 20 دينارا هو نصف دينار ، وقيمة نصف دينار هو 42500 دج كما سبق ، ولا ننسى أن المقال مقصوده الأول التأريخ ، وأن لا تسعير في الشرع ما لم يثبت تدخل الأسباب البشرية الآثمة.
    وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

الثلاثاء, 14 نيسان/أبريل 2026 17:22

الجراثيم الادارية غير منشورة

الجراثيم الادارية 
دولة اطاراتها لا يؤمنون بالمصلحة العامة ولا يجعلون خدمة الأمة غايتهم ، ويرون البقاء في المنصب أو الارتقاء إلى أعلى من أجل مزيد من النفوذ والجاه غاية مطلبهم، دولة محكوم عليها بالبقاء في الحضيض ، لن تنفعها الشعارات المحفزة ولا السياسات الحكيمة ولا التمويلات الصخم .. لأن كل ذلك سيتبخر أمام صخرة العنصر البشري الاناني والذي سيحولها لخدمة الذات والقبيلة ومن تربطهم به علاقات الصداقة والمصالح المشتركة، وفي بلد مثل الجزائر الذي حطمته المحسوبية والجهوية في العقود الأولى من الاستقلال تنضاف إليه بعدها الايدلوجيات والانتماءات السياسية ، والانتماءات الدينية الضيقة، بلد لن تستمر مؤسساته، ولن يعرف شيئا اسمه النمو أو الخروج من ربقة التخلف، لأن التخلف مظهر عقلي ثم اجتماعي قبل أن يكون مظهرا اقتصاديا او سياسيا او عسكريا. إن الإطار الذي يحول مؤسسات الدولة إلى ملكية خاصة يتصرف فيها بهواه وبأهواء من له معهم مصالح مشتركة،  يعتبر جرثومة أخطر من ذاك الذي يقوم بتهريب العملة الصعبة أو يروج المخدرات ، أو يختلس المال العام ، وهو مطابق كل المطابقة لمعنى الفساد، لأن مفهوم الرشوة لا يقف عند قبض المال لأجل منع حقوق عن مستحقين أو صرفها لغير مستحقين،  بل هو أوسع من ذلك، ومع ذلك فإن أمل الاصلاح لا ينقطع، ولا يجوز أن ينقطع، ولكن طريق الوصول إليه لا يزال بعيدا في ظل انتشار هذه الجراثيم المتكاثرة في جميع القطاعات.

المكتبة الأصولية في تلمسان عصر محمد بن يوسف السنوسي (ت:895)
ذكر الملالي أنه كان للشيخ السنوسي برنامج يومي التزمه، كان يخصص فيه جزءا من وقت الضحى للمطالعة، كما أنه كان يمارس النسخ للمدونات، وقد ذكر السنوسي لتلميذه الملالي يوما أنه كتب ثلاثين كتابًا استعارها وكانت حاجته إليه دائمة، وقال:" ولو كان إنسان ينسخ مثل هذا في كل يوم لظفر بأسفار عديدة من الكتب"(1). ولا شك أن من ضمن الكتب التي نسخها السنوسي كتب أصولية، لذلك سنجتهد في استكشاف المكتبة الأصولية في عهد السنوسي في المغرب الإسلامي عموما، وفي تلمسان على وجه الخصوص، وذلك بتتبع الكتب التي كانت مقررة في الدرس الأصولي، وكذا الكتب الأخرى التي وجدنا الدلائل على وجودها وتداولها في زمانه.
أولا : الكتب المقررة في الدرس الأصولي في تلمسان وما جاورها
بعد التتبع ظهر لي أن الكتب التي كانت مسيطرة على الدرس الأصولي في هذا القرن ثلاثة؛ هي مختصر ابن الحاجب، والتنقيح للقرافي، وجمع الجوامع لابن السبكي، يدلنا كثرة الاهتمام بها على أنها كانت مقررة ومعتمدة في المعاهد والمساجد.
- مختصر ابن الحاجب (ت:646)
أول هذه الكتب مختصر ابن الحاجب الذي كان انتشاره متقدما على عصر السنوسي، ونجد من شراحه تأليفا في بلاد المغرب في عصره: ابن قنفذ القسنطيني (ت:810)، وسعيد بن محمد العقباني (ت:811)، وأحمد بن زاغو التلمساني (ت:845)، ومحمد بن أحمد التونسي (ت:894)(2).
ومن الذين شرحوه في الدرس ابن عرفة التونسي (803)، وابن مرزوق الحفيد (ت:842)، وأحمد بن محمد البرزلي التونسي (ت:844)، ومحمد بن أحمد بن النجار التلمساني، وأحمد بن زاغو التلمساني (ت:845)، وأحمد المنستيري (كان حيا عام 851)، وابن مرزوق الكفيف (ت:901) ابن أبي مدين التلمساني تلميذ السنوسي (915هـ)(3).
-التنقيح للقرافي (ت:684)
وثاني هذا الكتب التنقيح للقرافي الذي اعتصره من المحصول للرازي، وصبغه بصبغة مالكية متميزة، وممن شرحه تأليفا في القرن التاسع : علي بن ثابت القرشي التلمساني (ت:839) وأحمد بن عبد الرحمن حلولو (ت:875)(4).
وممن شرحه في مجالس الدرس : ابن مرزوق الحفيد، وعلي اللخمي الأندلسي (ت:844)، ومحمد الشريف التلمساني (ت:847) وأحمد المنستيري، ومحمد بن عقاب التونسي (ت:851) (5).
- جمع الجوامع لابن السبكي (ت:771)
وثالث هذه الكتب التي لاقت عناية لكن بدرجة أقل في هذا العصر؛ جمع الجوامع لابن السبكي الشافعي، وهو كتاب حرص فيه ابن السبكي على جمع المسائل وحصر الأقوال فيها من غير استدلال عليها في عبارات غامضة معقدة (6)، وممن شرحه في هذا العصر من المالكية حلولو الذي وضع عليه شرحين أحدهما مطول والآخر مختصر(7).
وممن ثبت أنه كان يدرس هذا الكتاب محمد بن عقاب التونسي (ت:851) وإبراهيم بن فتوح العقيلي الأندلسي(ت:867) (8).
ثانيا : الكتب التكميلية في الدرس الأصولي في المغرب الإسلامي
وثمة كتب أخرى كانت متداولة في هذا العصر، واعتبرتها كتبا تكميلية في الدرس الأصولي، لأنه لم يثبت تدريسها بكثافة أو لأنها لا تناسب مراحل التدرج الأولى في العلم، لكن كانت متداولة نسخا أو مطالعة واعتمادا في التأليف، وربما إقراء للخاصة من الطلبة، ومما وقفنا عليه من هذه الكتب التكميلية في التدريس:
1-    مفتاح الوصول للتلمساني وممن درسه ابن مرزوق الحفيد(9).
2-    شرح المعالم لابن التلمساني وممن درسه البرزلي (10).
3-    الورقات للجويني وممن شرحها أحمد بن زكري (ت:900) (11).
4-    المستصفى للغزالي، وممن درسه ابن عقاب وابن النجار(12).
5-    الضروري لابن رشد، وممن درسه إبراهيم بن محمد بن فتوح الأندلسي (ت: 867)(13).
6-    المنهاج للبيضاوي وممن درسه ابن عقاب وابن النجار(14).
7-    المحصول للرازي، جلبه إلى تلمسان إبراهيم بن يخلف التنسي (ت:680) في وقت مبكر، وأقرأه ابن مرزوق الحفيد(15).  
8-    الإحكام للآمدي، وممن درسه ابن عقاب (16).
الهوامش :
 (1) الملالي، المواهب القدوسية (ص:309) التنبكتي، نيل الابتهاج (ص:568) ابن مريم، البستان (ص:243). 
(2) المراغي، الفتح المبين (3/6، 18،19،33،41،57،87،94) حاجي خليفة، كشف الظنون (2/686) ابن مريم، البستان (ص:106) التنبكتي، نيل الابتهاج (ص:190) التنبكتي، كفاية المحتاج (ص:53).
(3) ابن مريم، البستان (ص:205-206، 222، 43، 251) القلصادي، الرحلة (ص:102، 104، 117) التنبكتي، نيل الابتهاج (ص:119 ،369، 575، 585).
(4) المراغي، الفتح المبين (2/129 ،152 ،220) (3/44) مخلوف، شجرة النور الزكية (ص:219 ،259) التنبكتي، نيل الابتهاج (ص:127) التنبكتي، كفاية المحتاج (ص:97، 131) ابن رمضان شاوش، باقة السوسان (ص:431).
(5) انظر: ابن مريم، البستان (ص:205-206) والقلصادي، الرحلة (ص:87، 100، 117، 122).
(6) الخضري بك ، أصول الفقه (ص:11).
(7) التنبكتي، نيل الابتهاج (ص:127).
(8) القلصادي، الرحلة (ص:122، 167) التنبكتي، نيل الابتهاج (ص:528).
(9) القلصادي، الرحلة(ص:100) ابن مريم، البستان (ص:205، 222) الجيلالي، تاريخ الجزائر العام (2/288).
(10) التنبكتي، نيل الابتهاج (ص:369).
(11) ابن مريم، البستان (ص:41) المراغي، الفتح المبين (3/75 ،106 ،121 ،133).
(12) القلصادي، الرحلة (ص:102، 122) .
(13) القلصادي، الرحلة (ص: 167) نيل الابتهاج للتنبكتي (ص:59).
(14) القلصادي، الرحلة (ص:102، 122).
(15) ابن مريم، البستان (ص:67، 205) .
(16) القلصادي، الرحلة (ص: 122).
مطلب من بحث عنوانه : الإمام محمد بن يوسف السنوسي أصوليا 



الأحد, 12 نيسان/أبريل 2026 09:22

كيف يتعلم الأولاد السرقة غير منشورة

كيف يتعلم الأولاد السرقة
1-يتعلم الأولاد السرقة من خلال مشاهدة الأفلام، التي تصور السرقة وفصولها وحيلها وفنونها ومغامراتها، ولا سيما التي يكون السارق فيها بطل الفيلم، أو بطلا مشهورا في غيره من الأفلام، وقد تكون الدعاية أصرح عندما يصور السارق مدفوعا إليها تحت ضغوط المجتمع، أو حين يجعل السارق شخصا رقيقا محسنا، وكذلك عند يصور المسروق المجني عليه ظالما مترفا؛ حيث يتعاطف المشاهدون مع المجرمين، ويجدونهم مجرد ضحايا، الواجب معاقبة من ألجأهم إلى السرقة، أو الواجب مكافأتهم لأنهم كانوا لعنة سلطت على السراق الكبار.

2 - يتعلم الأولاد السرقة من إقرار الوالدين، وذلك عندما يأخذ الولد شيئا من حقوق إخوته خفية فلا يعاقب، أو يختلس شيئا من الحلوى ونحوها فلا يعاتب.
وكذا اقتداء بالأم التي يراها تأخذ المال من جيوب زوجها دون إذنه وعلمه.

3- يتعلم الأولاد السرقة بسكوت الوالدين عن سؤالهم عن مصدر ما يجدونه عندهم من نقود أو ألعاب أو أدوات؛ يعلمون أنها لم تُشترى لهم.
ويتعلمون السرقة عندما يُلزمون بتعويض ما ضيعوا من لعب في الشارع بأي وسيلة، وما فقدوا من أدوات في المدرسة بأي طريقة. 
فبعض الأولاد يسرق كرة غيره أو قلم غيره خوفا من والديه ، وبعضهم يسرق بأمر من والديه مع الأسف.

4- يتعلم الأولاد السرقة إذا عاينوا من والديهم استهانة برد الحقوق إلى أهلها، ومن ذلك أن يروا من والدهم حجد أمانات هي عنده، وأن يكون ديدن الأم عدم رد ما تستعيره من الجيران أو أن تنكره إذا طلب منها أو تدعي هلاكه وهو قائم.
ومن ذلك استهانتهما بتلك النقود الزائدة التي يردها البقال خطأ لمن اشترى منه، وعدم حرصهما على إرجاعها إليه .

5-يتعلم الأولاد السرقة عندما يرون صاحب البقالة يشتري من أقرانهم ما يعلم أنه مسروق من البساتين المجاورة من زيتون أو تين أو غيره. 
بل إنهم يتعلمون السرقة إذا رأو الكبير فيهم لا يبالي أن يأخذ من ثمر شجر مملوك لغيره على حافة الطريق، أو من شجر تدلت أغصانه خارج سور البستان.
ويتعلمونها من كل من يشترى المسروقات أو يدفع الأطفال إلى سرقتها كالحداد الذي يشترى من الأطفال القطع الحديدية حتى لو كانت حديد غطاء المجاري أو لوحة من لوحات إشارة المرور.
6-يتعلم الأولاد السرقة إذا رأوا والدهم يضع المغناطيس أو غيره ليعطل عداد الكهرباء، وإذا طلب منهم المساعدة على عكس اتجاه عداد الماء ؟
ومنهم من يتعلم ذلك من والده التاجر الذي يراه في متجره يطفف في الميزان ، وربما يطلب مساعدته في إعادة ضبطه.
وكذا كل من يشرك أولاده في صنعته ، ثم يمارس الغش والتدليس أمام أنظارهم، فهو يعلمهم طرق سلب الناس أموالهم ويهون في نفوسهم أكل الحرام.

7- يتعلم الأولاد السرقة إذا كلفوا بطلب الرزق وهم في سن مبكر قبل تمام نضج عقولهم، روى الإمام مالك في موطئه بسند صحيح عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال في خطبة:"...وَلَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ..."، وهذا الأثر رآه ابن عبد البر غير محتاج للشرح لوضوحه، ولكن في زماننا هذا قد نحتاج إلى ذكر صور تبين صدقه مع تعليلها.
ومنها : أننا إذا كلفناه نفقة نفسه أو غيره، وهو غير قادر على الكسب لأنه لا صنعة له ولا خبرة، فإننا نكون قد أمرناه بالسرقة بطريق غير مباشر.
ومنها : أن شأن الصغير غير الناضج الافتتان بالمال إذا وضع بين يديه، فمن يشغل صغيرا في محل ويمكنه من صندوق المال، أو يكلفه بقبض المال او نقله، يكون قد عرضه لتعلم السرقة والاختلاس.

8- يتعلم الأولاد السرقة، لأسباب نفسية تدفعهم للاعتداء على أملاك الغير، وهي في الغالب نتيجة اتصاف الأولياء بالبخل أو الجور، فعندما يبخل الأب على أولاده بما يرونه متاحا لكل لأقرانهم وهو قادر عليه بلا كلفة، فإنهم قد يلجأون إلى سرقة النقود من الأم لاقتنائها أو سرقة تلك الأشياء من بعض أقرانهم، وأكثر من ذلك تأثيرا الجور وعدم العدل في العطية بين الأولاد ، الأمر الذي يجعل الحسد ينمو في قلوبهم فيدفعهم إلى الاعتداء على ما يملكه غيرهم جهرا أو سرا . 
9-يتعلم الأولاد السرقة ، بمجالسة المنحرفين في حيهم ، وعدم نهيهم عن مخالطهم، وبعض الأولياء يدفع أولاده إلى تلك المخالطة وإلى امتهان السرقة دفعا، وذلك بتسليط عقوبة الطرد من البيت عليهم .
ومما يدخل في معنى دفع الأولاد -الشباب- إلى تعلم السرقة الزج بهم في السجون من أجل جنح تتعلق بالضرب أو نحوه حيث يخالطون المجرمين المنحرفين والسراق المحترفين. 
10 يتعلم الأولاد السرقة ، إذا مكنوا من الألعاب التي تجعلهم يستهينون بالكسب الحرام ككثير من اللعب القديمة والحديثة التي تبنى على القمار، ولعل من أهمها القمار باللعب بالكريات؛ حيث يأخذ الرابح كريات من خسر... ومعظم النار من مستصغر الشرر.
11-يتعلم الأولاد السرقة ، إذا طرق أسماعهم وتكرر ذلك، أن المسؤول الفلاني سارق ولم تنله العقوبة، وأن الدكتور الفلاني سارق وهو في أعلى المراتب.
ولا تستغرب أن يتعلم طفل السرقة إذا كان والده سارقا، ولا تعجب أن يستسهل شعب السرقة إذا كان رئيسه يوما قد اشتهر بها.
وكما قيل :
إِنْ كَانَ رَبُّ البَيْتِ بِالطَّبْلِ ضَارِبَاً ... فَلاَ تَلُمِ الصِّبْيَانَ فِيهِ عَلَى الرَّقْصِ
وقريب منه :
إِذَا كَانَ رَبُّ البَيْتِ بِالدُّفِ مُوْلَعًا ... فَشِيْمَةُ أَهْلِ الدَّارِ كلّهمُ الرَّقْصُ

السبت, 11 نيسان/أبريل 2026 19:00

حوارات الأتباع والمتبوعين في النار غير منشورة

حوارات الأتباع والمتبوعين في النار 
1-حين يحكم الله تعالى على المجرمين بدخول النار، يطلب الأتباع من قدواتهم وقادتهم: أن يخففوا عنهم شيئا من العذاب، وكأنهم يظنونهم مازالوا يحتفظون بمادة كبريائهم التي كانوا يتمتعون في الدنيا؛ لكن المتبوعين يعتذرون إليهم بعجزهم وفقدانهم لكل سلطة حيث إنهم يشاركونهم في العذاب؛ فلوكان بإمكانهم فعل شيء لنفعوا أنفسهم ، ويصرحون لهم بأن الأحكام الإلهية نافذة في حق الجميع؛ التابع والمتبوع لأنهم جميعا كانوا مجرمين، قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} [غافر: 47] 
2-إن الأتباع بعد نيلهم جزاء أفعالهم التي اقترفوها باختيارهم تقليدا أو طاعة لغيرهم، يحاولون وهم في العذاب أن يحملوا المتبوعين مسؤولية ما وصلوا إليه كما أخبر تعالى عنهم فيقولون (أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا) (ص:60) أي أنتم أوصلتمونا إلى ما نحن فيه من العذاب ، لكن المتبوعين يتبرأون منهم، ومن معاني البراءة أنهم يحملونهم مسؤولية فعلهم ، ويقولون لهم كما يقول الشيطان لأتباعه (فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) (إبراهيم:22) حينها تصيب الأتباع خيبة فوق خيبة، فهؤلاء السادة والقادة أعلنوا عجزهم عن فعل شيء، وزيادة على ذلك تبرأوا منهم وحمّلوهم مسؤولية عصيانهم لله تعالى وجرائمهم في الدنيا؛ فتصيبهم الحسرات ويتمنون الرجوع إلى الدنيا لينتقموا منهم، لكنها تبقى مجرد آماني تزيدهم عذابا نفسيا فوق العذاب المادي الذي هم فيه ، قال الله تعالى : (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة: 166، 167]
3-إن الأتباع -وهم في النار- يندمون ندامة كبرى؛ لذلك يتنمون الرجوع إلى الدنيا للانتقام من المتيوعين كما ذكرنا، وذلك بأن يعلنوا لهم العصيان وعدم الاتباع؛ فيتسببوا في خيبة آمال الكبراء في الدنيا كما خيب الكبراء آمالهم في الآخرة ولم ينفعوهم، لكن هذا يبقى أمنية في نفوسهم مرة يخرجونها في صورة تمني الانتقام من سادتهم، ومرة في صورة تمني طاعة الله ورسوله ، ثم أنهم يطلبون من الله تعالى أن يضاعف العذاب للسادة والكبراء لأنهم هم من تسببوا في إضلالهم ؛ وذلك نوع من الانتقام أخرجوه أيضا في صورة طلب الانتصاف، قال تعالى (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68)} [الأحزاب: 66 – 68)
4-إن الأتباع بعد مشهد عجز المتبوعين ومشهد البراءة منهم ، يودون الرجوع الى الدنيا لتصحيح الوضع والانتقام من السادة والقادة، لكن لعلمهم بعدم إمكان ذلك ؛ يطلبون من الله تعالى الانصاف بمضاعفة العذاب لمن غرهم وأمرهم بالكفر والعصيان والافساد في الأرض، ولكن الله تعالى الحكم العدل والعليم الحكيم قد حكم بين العباد كل حسب جرائمه في الدنيا، وجعل النار دركات كما أن الجنة للمؤمنين والطائعين درجات؛ وقضية المضاعفة حسب الجرائم أمر مفروغ منه، ولكن من في النار قد لا يشعرون بذلك، وكذلك هم لا يعلمون جميع موجبات المضاعفة، لأن هؤلاء الأتباع إن كانوا ينظرون من زاوية تسبب القادة والسادة فيما وقعوا فيه؛ سواء بالأمر أو التزيين أو الإغراء أو الترهيب ، فيمكن لغير الأتباع أن يقول لهم : وأنتم أيها الأتباع أيضا كنتم سبب غرور هؤلاء السادة، وزيادة كبريائهم ومضاعفهم طغيانهم؛ فلولاكم لربما انقطع فسادهم ولربما زال سلطانهم ولربما انهزموا وتابوا وأقلعوا عن كفرهم ، ولعل هذا المعنى هو ما أشار إليه ربنا عزوجل حين قال (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ) (الأعراف:38).
كتب في ١٢ افريل ٢٠٢١

الأربعاء, 08 نيسان/أبريل 2026 22:02

ترتيب المنظومة البيقونية غير منشورة

ترتيب المنظومة البيقونية
المقدمة 
أبــدأُ بالحــمدِ مصلّيــا عــــلى            محمـــدٍ خـيـرِ نــبيٍ أُرسِــــــلا
و ذي من أقســام الحديث عِـدَّة           و كـــلّ واحــــدٍ أتــى و حــدَّه
أنواع الحديث باعتبار مراتب القبول والرد 
أوّلها الصحيحُ و هو ما اتّصـــل            إسنـــاده و لـم يَشـُذَّ أو يُــعَـــل
يرويــه عــدل ضابـط عـن مثلـه           معـتمــد في ضبـطـــه و نــقـلـــه
و الحسن المعروف طرقا و غدت            رجــاله لا كالصحيـح اشتهـرت
و كلّ ما عن رتبة الحسن قصــر            فهو الضعيف و هو أقســاما كثر
متـــروكــه مـا واحد بـه انفــرد           و أجــمعوا لضعفـــه فهو كــرد
و الكــذب المختلــــق المصنـــوع           علــى النبي فــذلـك المــوضـوع 
أنواع الحديث باعتبار المنتهى والاتصال
و مــا أضيــف للنـبي الــمرفوع            و مــا لتـابـع هــــو ااـمقـطــوع
و مــا أضفته إلى الأصحاب مـن            قــول و فـعل فـهو موقوف زُكِـن
و المسنــد المتّصــل الإسنــاد من            راويــــه للمصطـفى و لـم يبـــن
و مــا بسمــع كـــل راو يتّصــل           إسنـاده للمـصطــفى فالـمتصـــل
من صفات الأسانيد 
مسلسل قل مــا على وصف أتى            مثل أمـا و الله أنبـأني الفـــتى
كـذاك قــد حـدّ‏ثنيــه قــــائمـا            و بعــد أن حـدّثنــي تبســـّمـــا
و كـلّ مــا قلّت رجـــاله عــلا            و ضــدّه ذاك الــذي قـــد نـزلا
أنواع الحديث باعتبار عدد الطرق
عـزيز مــروي اثنيــن أو ثلاثــة            مشهور مـروي فـوق مـا ثلاثـــة
              و قـل غريب مـا روى راو فقط              ..............................  
أنواع الحديث الضعيف بسبب الانقطاع
................................          و مرســل منـه الصحابي سقــط             
و كـلّ مــا لـم يتّصــل بحــــال           إسنـــاده منقطـــع الأوصــــال
و المعضل الســاقط منـــه اثنـان            و مـــا أتى مــدلسا نــوعــــان
الأوّل الإسقـــاط للشيـــــخ و أن           ينقـــل عمــن فوقــه بعن و أن 
و الثاني لا يسقطه لكن يصـــف          أوصـافــه بمــا بـه لا ينعــرف
معنعــن كعـن سعيـد عـن كــرم            و مبهــم مــا فيـه راو لـم يســم
أنواع الحديث الضعيف بسبب التعليل 
و مـــا بعلّة غمـــوض أو خفـــا            معـــلّل عندهـــم قـــد عــرفـا 
و مــا يخــالـف ثقـــة به المــلا           فالشــاذ و المقلـوب قسمـان تلا
إبــدال راو مـــا بـــراو قســـــم           و قلـــب إسنـــاد لمتــن قســم
و الفــــرد مــا قيـّدتـــه بثقـــة            أو جـمـع أو قصــر على رواية
والمنكــر الفـــرد بــه راو غــدا            تعديلـــه لا يحمــل التفــــردا
و ذو اختــلاف سنــد أو متـــن            مضطــرب عنــد أهيــل الفــن
و المدرجات في الحديث ما أتت            من بعض ألفاظ الــرواة اتصلت
أنواع من علم الرجال 
و مـا روى كــلّ قرين عن أخــه           مدبّج فاعرفـــه حقـا و انتخــه
متفــق لفظــا و خطــــا متفـــق            و ضــده فيمــا ذكرنــا المفترق
مؤتـلــف مـتـفـق الخـط فـقـــط            و ضده مختلف فاخش الغلــط
الخاتمة 
و قــد أتت كالجوهــر المكنــون            سميتــها "منظــومة البيقـوني"
فـــوق الثــلاثين بأربـــع أتـت            أبياتها ثـم بخيـــــر ختمـت.

112علاقة قوله تعالى (نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) بأحكام المساجد .
يقول السائل : عقد ابن باديس في كتابه آيات وأحاديث الأحكام  بابا لأحكام المساجد، ومن الآيات التي ساقها تحته قوله تعالى (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (آل عمران: 35) وقد استشكلت مراد المصنف؟ هل أراد الإشارة لبعض أحكام المساجد في شرع من قبلنا وإن لم تبق في شرعنا؛ وهي إلزام الأولاد بخدمة دور العبادة ووقفهم على ذلك؟ أم أنه أراد شيئا آخر لم يظهر لي؟ فما رأيكم ؟
الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد : فإن مراد الإمام باديس رحمه الله فيما يظهر لي التدليل لمسألة تعيين إمام راتب للمسجد مقابل جعل أو أجرة له نظير تفرغه لخدمة المسجد وإمامة الناس ، وذلك أن الفقهاء تطرقوا لهذه المسألة ووقع بينهم اختلاف هل يأخذ الأجرة مجرد إمامة الصلاة أم لا بد أن يضيف إلى الصلاة غيرها من الأعمال نحو الأذان والتعليم والنظافة حتى لا يكون الأجر مقابلا لأداء فريضة ، ومنهم من قال إنما يأخذ الأجر لتفرغه للإمامة لا لأجل أداء الصلاة، وكأن ابن باديس رحمه الله استدل بالآية الكريمة على مشروعية أخذ الأجرة نظير تفرغه لخدمة بيت الله تعالى، ووجه الدلالة أن المحرر هو يتحرر من أمور الدنيا ومشاغلها ليتفرغ لخدمة بيت الله تعالى، ولا يتم هذا التحرر والتفرغ إلا إذا جعلت له أجرة أو جعل يكفيه عن السعي في طلب الرزق لسد حاجاته، هذا ما ظهر لي والله أعلم . وهذا أولى من افتراض أنه أراد الحديث عن شرع منسوخ وهو إلزام الأولاد أو نذرهم لخدمة المساجد، بل إن هذا لا ينسجم مع غرض المصنف من تأليف الكتاب وهو التدليل لأحكام العبادات في الإسلام.
    فإن قيل ولم استدل بآية واردة في شرع من قبلنا ، قيل : لأنه لا نص صريح في القرآن أو السنة على قضية أخذ الأجرة، ولأن شرع من قبلنا حجة ما لم ينسخ ، وهنا وإن كان نذر الأولاد للخدمة وإلزامهم بها قد نسخ في شرعنا ولا شك، فإن تفريغ شخص لخدمة بيت الله لا دليل على نسخه، لأن نسخ بعض أحكام النص لا يستلزم نسخ جميع ما تضمنه من أحكام ونظير ذلك قوله تعالى {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27] قد تضمن حكما منسوخا في شرعنا وهو أخذ ولي المرأة لمهر موليته أو اشتراطه لنفسه، حيث قال تعالى {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] لكن نسخ هذا الحكم لم يمنع الفقهاء –وأولهم الإمام مالك رحمه الله -من الاستدلال بالآية الكريمة على جواز جعل الإجارة مهرا لأنه لا دليل على نسخه، والله أعلم .

الأربعاء, 08 نيسان/أبريل 2026 11:31

نظرة في أحد مفاخر الحضارة الإسلامية غير منشورة

نظرة في أحد مفاخر الحضارة الإسلامية 
إن كتب العلم المسمى علم الرجال والجرح والتعديل؛ كتاب التاريخ للبخاري وما تلاه من كتب، ليست ففط كتبا خادمة لعلوم السنة النبوية لتميبز من تعتمد روايته ومن لا تعتد ، ومن سمع منهم الراوي ولم يسمعه منهم، أو بيان ما أخطأ فيه من الروايات، ونحو ذلك من التفاصيل المتعلقة بعلوم الحديث .
بل هي كتب دالة من جهة أخرى على تطور الحضارة الإسلامية في وقت مبكر ، وذلك من الجهات الآتية:
1-إن هذه الدواوين عبارة سجلات كبيرة للحالة المدنية للمسلمين ، إلا أنها لم تكن تابعة لجهة رسمية ، ولم تكن عامة للأمة ولكن لخاصتها وهم كل من طلب العلم ورواه، حيث دون فيها أسماء الرجال والنساء وأنسابهم، وأماكن ميلادهم وتاريخ ميلادهم متى توفر، وحوت تواريخ وفياتهم وأماكنها بالتحديد وهو مما أهتمت به اهتماما كبيرا . 
ويمكن للناظر فيها أن يجد أمورا أخرى تتعلق بالأولاد والزواج في سياقات غير مقصودة ، وأكثر من ذلك ستجدون الناس الذين غيروا أماكن إقامتهم.
 2-ومن أهم ما حوته هذه الدواوين الجرح للرواة وبيان أسباب ضعفهم، وكثير من هذه الأسباب راجعة إلى العدالة كالكذب عموما أو في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو ارتكاب الكبائر ، أو معاص مؤثرة في قبول الحديث ، وحتى بعض خوارم المروءة أحيانا، هذا فضلا عن قضايا الانحراف العقدي ابتداء من الزندقة وهو الانتماء الى جماعات سرية تهدف لهدم الدين عن طريق وضع الأحاديث، إلى الانتماء إلى فرق ضالة (جماعات محظورة) كالخوارج والشيعة والناصبة والقدرية وغيرها ، وهذا في حقيقته يعتبر أرشيف قديم لحالات السوابق العدلية ، وإن كان مدونوه غير منتمين إلى قطاع العدالة ، بل إلى قطاع التعليم الذي كان حرا يومها .
3-وما دمنا ذكرنا قطاع التعليم فهذه الدواوين تعتبر سجلات كبيرة لطلبة العلم في ذلك الزمان ، مع تدوين شيوخهم الذين أخذوا عنهم مباشرة ، والذين رووا عنهم بطريق غير مباشر ، وما حصلوه مشافهة أو من الكتب ، وربما صحب ذلك تقييم هؤلاء الطلاب في مراحل تحصيلهم، لكن الاهتمام الأكبر كان بتقييم لما صاروا شيوخا معلمين ، يقييم مستوى آدائهم من جودة المادة المقدمة للطلاب، ونسبة الإتقان فيها، وهنا نؤكد أن مصطلح السرقات العلمية ظهر ونشأ في هذه السجلات،  وكل من كشف من سراق الحديث ومنتحلي الروايات ، قد سحبت منهم الثقة ، ووصموا بوصمة السرقة التي تجعله في عداد المتروكين الذي لا يؤخذ عنهم العلم أو قل المفصولين من الحياة العلمية .
    ومما هو موجود في بعضهم تحديد تخصصاتهم التي أتقنوها حيث ضعف بعضهم في مجالات دون أخرى كمن ضعف في ااحديث دون المغازي أو في الحديث دون القراءات أو الفقه وهكذا ...
  ومما تجدونه أيضا قضايا انتقال هؤلاء الطلاب والشيوخ من بلد إلى آخر ، الذي له ارتباط باثبات تلقي العلم وتلقينه ، وما التعليم كان حرا ، فتحديد أماكن الرواية هو بمثابة تحديد جهة الانتماء ، والتنصيص على الانتقال هو تدوين وتوثيق للانتقال من جهة إلى جهة أخرى.
 4-هذا فضلا عما حوته من أمور كثيرة تتعلق بالمناهج التربوية والتعليمية ومناهج البحث والتوثيق ، في أشياء يمكن جمعها وتصنيفها ضمن الحياة الثقافية والعلمية لتلك العصور، سواء من حيث أطرها النظرية أو وسائلها المادية المتاحة في نقل الثقافة والعلوم .
هذه خاطرة سجلتها اليوم، وأني طالما ذكرت فحواها للطلاب في مادة علوم الحديث ، عندما أريد أن أقربهم من تصور حياة المحدثين الذين رووا لنا السنة، وكيف عرفنا من هم؟ وأين كانوا ؟ وكيف طلبوا العلم؟ وكيف مستواهم في تحصليهم ودرجتهم من حيث الثقة؟ ..ونحو ذلك .
فعلماؤنا رحمهم الله قد سطروا بتكليف رباني لا بشري دواوين وسجلات تأدى بها واجب حفظ الدين والسنة، ونابت أيضا عن واجبات صارت تقوم بها في أزمنة تأخرت وزارات الداخلية والعدل والتعليم والتعليم العالي ..فرحمهم الله رحمة واسعة .

الأربعاء, 08 نيسان/أبريل 2026 11:03

تقييدات قاعدة الجرح مقدم على التعديل غير منشورة

تقييدات قاعدة الجرح مقدم على التعديل 
قال: إن القاعدة تنص على أن الجرح مقدم على التعديل، وهو يريد أن يعمل بها في الحياة العامة لا في رواة الحديث.
فقلت له : إعمال قاعدة واحدة دون نظر فيما يقيدها أو يوجهها، هو كالعمل بالنص معزولا عن بقية النصوص التي قد توجه معناه أو تقيده ، وذلك لا يجوز .
قال : وما علاقة ذلك بقاعدتنا ؟
قلت له : لو أعملت هذه القاعدة بعمومها وإطلاقها لما سلم لك أحد من الناس سواء في التاريخ أو اليوم ، وسواء في رواه الحديث أو غيرهم، إذ لا يخلو المرء من أن يكون له محبون ومبغضون ، وراضون عنه وساخطون ، ولذلك فإن العلماء الذين نصوا على هذه القاعدة نصوا على قواعد أخرى تقييدها ، وإلا لما سلم لهم حتى أمثال الإمام مالك والشافعي رحمهم الله تعالى، ومن القواعد المقيدة لها .
أولا : النظر في عبارة الجرح هل هو مفسر أم لا ؟ فمن ثبتت عدالته من جهات موثوقة لا يجوز أن تهدر عدالته لمجرد كلام مرسل دون بينة قاطعة، فمن ثبتت عدالته بقين لا تزول عنه إلا بيقين ، كمن ثبت إسلامه بيقين لا يزول إلا بيقين بمثله، والفقهاء قد نصوا في قواعدهم أن اليقين لا يزول بالشك وأنه لا يزول إلا بيقين مثله .
ثانيا : النظر في العلاقة بين الجارح والمجروح ، إذ كثيرا ما تكون الخلافات الشخصية سببا للقدح كما تكون الروابط سببا للمدح ، ولذلك قالوا يتجنب قدح الساخط ومدح المحب" في قضايا الرواية على وجه الخصوص، لأن للساخط قد يلغى جانب الحسنات، وعكسه المحب الغالي ، وقد قيل 
وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ ....وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا
ثالثا : ومما هو قريب من سابقه وليس هو بل هو أعم منه قولهم جرح الأقران يطوى ولا يروى ، وهو أعم لأن قدح الساخط قد يكون لخلاف شخصي، أما جرح الأقران فقد لا يكون سبب أصلا ، والمجروح قد يكون في غفلة تامة عنه ، إذ دافع جرح الأقران هو الحسد ، ولا يخلو جسد من حسد ، لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه، والحسد قد لا يكون بسبب الإساءة بل قد يكون بسبب الإحسان إلى اللئام ، وهذا ليس خاصا بالرواة، بل يعم كل من يشتركون في الصنعة أو شيء ما فتجدها بين النجارين والحدادين والتجار إذا كانت مادة تجارتهم واحدة .
رابعا : ومما له صلة أيضا بتقييد القاعدة أيضا النظر في الخلاف المذهبي أو العقدي ، وهو مما يؤثر في الأحكام في كثير من الأحيان ، وهذا أمر مشهور بين المتعصبين للمذاهب أو للمدارس داخل المذهب الواحد ، وفي التاريخ وجدنا خلافا بين شايع علي بن أبي طالب رضي الله ومن ناصبه العداء وانحاز لأهل الشام، وقد ورث ذلك الموقف لأجيال ، وكان من أئمة الحديث الجوزجاني الذي كان ناصبيا فلم يسلم من طعنه كل شيعي أو من فيه تشيع أو من روى فضائل أهل البيت.
خامسا : ومما ينبغي التنبه له أن معايير الجرح والتعديل قد تختلف ، لذلك نجد في الناس المتشدد والمتساهل والمعتدل ، فمن لم يجرحه إلا متشدد معروف بتشدده في مقابل تعديل المعتدلين لم يلتفت إلى قوله ، كما أنه إذا عدل شخصا فإن تعديله يكون مقدما على تجريح غيره.
سادسا : ومما تقيد به أيضا أن ينظر في عدد الموثقين وعدد المجرحين ، فإذا كان المجرح فردا والمعدلون جماعة ، فلما الميل إلى قول الفرد –ولا سيما إن كان غير مفسر أو مفسرا بأمر لا يقدح- ونترك قول الجماعة تواطأت ، فهذا الفرد إن لم يثبت عنه أحد الموانع السابقة فالوهم في جانبه أقرب منه في جانب الجماعة .
سابعا : وأخر شيء تقيد به القاعدة المذكورة النظر في حال الجارح، فقد يكون أصلا غير معتد به في ذلك المجال لأنه ليس من أهله ، أو يكون هو أصلا مجروحا فيه ، فكيف يقدم قول الجاهل أو قول المجروح على قول المختصين الموثوقين الذين عدلوا الراوي أو الشخص المراد التعامل معه ، وفي علم الجرح والتعديل لم يقبلوا تجرح الأزدي وكثيرا ما يقولون جرحه الأزدي وهو مجروح.
...
لا أدري هل فهم صاحبي هذه القواعد أم لا ، وهل اقتنع أم لا ؟
المهم أننا قيدناها لعلها تفيدنا في الحديث أو في الحياة العامة .-

الأربعاء, 08 نيسان/أبريل 2026 10:54

خلاصات في الحرب الإيرانية غير منشورة

خلاصات في الحرب الإيرانية
(1)
من أسباب اختلاف المعلقين هذه الحرب ، أو قل من أسباب قيام الحرب الإعلامية الموازية في الفضاء الافتراضي،  اختلافهم في حكم الشعب الإيراني هل هو شعب مسلم أم لا ؟ إذ من المعلقين من يعتقد كفر كل شيعي دون تفصيل أو استفصال،  بناء على ما هو مدون في كتب علمائهم ومسجل عن كثير منهم من كفريات صريحة، ومنهم من يقول لا جزم باعتقاد كل واحد منهم لذلك ، وحتى من وقع في الكفر لا يقع عليه حكم الكفر؛ بناء على عقيدة العذر بالجهل والتأويل، ومنهم من يفرق بين عامة الشعب ورؤوسهم الدينيين؛ فيعذر العامة دون من يراه قد قامت عليه الحجة من كبارائهم . 
وبناء على هذا النظر (والنظر لا ينحصر في هذه الحيثية) فإن الفريق الثاني والثالث يجب أن يكون موقفهم مؤيدا للمسلم ضد الكافر ، وهذا أمر واضح . فإن محبة انتصار الكافر على المسلم يعد من تولي الكفار الذي يجعل إيمان المرء في محل نظر .
وأما الفريق الأول فلا يستغرب منه أن يقول ضرب ظالم بظالم ، وكافر بكافر، بل إنهم لما لم يجهلوا أن الكفر درجات،  ربما جعلوا الرافضة أبعد عن الحق من اليهود ، كقضية الروم أهل الكتاب مع الفرس عبدة النار
 لكن السؤال الذي يطرح على هؤلاء، ما موقفكم من الشعوب والدول السنية يا ترى ؟ هل هي مسلمة في نظركم؟ هل المجتمعون على قبر البدوي والراقصون حول مجسم الكعبة ، وغيرهم من المحكومين بغير الشرع من جاكرتا إلى طنجة مسلمون عندكم؟ وهل يؤيدون اذا خاضوا حربا مثل التي تخوض إيران ؟
 أم أن أحكام الكفر والإخراج من الملة ستكون انتقائية، وربما يدخل فيها ضابط جديد متعلق بالحدود السياسية للدول، حيث أن كل واحد سيستثنى قرابته وأهل وطنه، أو من هم تحت حكم ولي الأمر الذي يرتضيه حتى ولو لم يكن حاكم بلده؟ ؟؟؟
كتبت هذا لأبين للمتناقضين أهل الأهواء تناقضهم، وكذا لأكشف عما قد يكون جبن بعضهم عن التصريح به مما يعتقده في باطنه ، وإلا فمناقشة القضية الأصلية بابها العقيدة لا السياسة ، وزمان تقريره يفترض أنه سابق للأحداث ، وكل واحد قد علم مشربه .
 (2)
تحدثنا في الحلقة السابقة عمن حصر النظر في جانب العقيدة أو عمن جعلها العامل الراجح في تحليله أو تعليقاته، وننتقل في هذه الحلقة إلى جانب آخر على التسليم الجدلي بالاستواء بين الطرفين في الكفر ، أو بغض النظر عن ذلك ، وهو جانب الظلم في هذه الحرب، فإن الإسلام دين العدالة وقد أمر ربنا بالحكم بالعدل بين المسلمين وبين غير المسلمين ، بل لو كانت الخصومة ببن مسلم وغير مسلم في أمر غير عقدي فإن الحكم لابد أن يكون بالعدل، وقد حكم رسولنا صلى الله عليه وسلم ببئر لصالح كتابي بيمينه ضد مسلم عجز عن البينة، وفي هذه الحرب التي يخوضها تحالف الشر ، إيران معتدى عليها ، وسبب الاعتداء عليها ليس هو سب الصحابة أو تكفير أهل السنة أو جرائمها في سوريا أو في إيران نفسها ، بل تضارب مصالحها مع مصالح تحالف الشر، هذه المصالح التي جعلت إيران منافسا للكيان في أطماعه التوسعية، وقد تعدى دعم إيران لأعداء الكيان كل الحدود، بل إن خطر مشروعها النووي ينسيهم خطر ذلك الدعم، وقد ضربت وهي تقف موقف المدافع عن شعبها ومنشآتها وعن استقلالها، وكل من يجادل في كونها معتدى عليها في قضية الحال فهو لا يستحق أن يخاطب .
   إذا كان ديننا يفرض علينا الوقوف مع المظلوم ولو كان كافرا، ولو كان ظالما في قضايا أخرى، فوقوف المسلم المقسط يجب أن يكون مع إيران المعتدى عليها.
وهنا نقول لكل من أضرت بهم إيران -وقد أضرت منذ وجودها بكل العالم الاسلامي بما في ذلك الجزائر وليس فقط سوريا -إذا لم نطبق قوله تعالى (ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا ) في هذا الموضع فخبروني أين هو موضع تطبيقها؟ ومما يقال لمن عايش العدوان العراقي على الكويت ، ثم العدوان الأمريكي على العراق، ألم يكن نظام صدام البعثي ظالما في عدوانه على الكويت بل ومجرما في حق شعبه ، واجتمع في قلوب المسلمين المنصفين إنكار ظلم صدام وإجرامه، مع إنكار العدوان الأمريكي وحصاره لشعب العراق( بسنته وشعيته من المسلمين وبعثه وجميع طوائفه) .
وإذا كنا نرى أن ما لحق بعضهم هو عقوبة ربانية لطغيانهم الذي جاوز كل الحدود ، فإن ذلك لا يلغي الواجب الشرعي تجاه من نعتقد أنه مسلم، أو من نعتقد أنه مظلوم.
ملاحظة : بعض الناس يريدون أن أقول ما في قلوبهم فقط أو أنظر إلى هذه الحرب من الزاوية التي حصروا فيها نظرهم ، ولذلك سارعوا للتعليق على المنشور السابق رغم أني كتبت أنه الحلقة الأولى. وكنت اول الأمر اكتفيت بمشاركة ما كتب الشيخ ابن حنفية حفظه الله ثم بيان جمعية العلماء ورأيت أن ذلك كاف عن الخوض في هذه الحرب ، لأن القضايا الكبيرة تترك للعلماء الكبار،  ولما رأيت الجهل والعبث والتناقض واستغلال الأحداث لغايات خطيرة اولها ضرب مصداقية العلماء بغض النظر عن موقفهم، ثانيها: نشر منهج التكفير  للمسلمين تحت غطاء محاربة التشيع وثالثها استغلال الحدث للتهوين من التشيع بل ولجعل الشيعة هم أهل الإسلام الحق ، عزمت على كتابة هذه السلسلة ، فيرجى ممن كتبت لعلاج انحرافه أو قصر نظره أن لا يكرر طرح ذلك في التعليقات .
(3)
كنت أود أن أجعلها هذه المقالات خلاصات، ولكن الثانية طالت، وسأجعل الثالثة خاتمة بإذن الله مهما طالت، تحدثنا فيما سبق عن طرف انحاز صراحة أو ضمنا إلى تحالف الشر ، مبررا ذلك بالتكفير العام لأهل إيران، أو بأن إيران كانت ظالمة في أمكنة وأزمنة أخرى، واليوم أتحدث عمن انحاز إلى إيران لأنها مسلمة ومظلومة في قضية الحال، ولكن وقع في كلامهم لغط تضمن غلطا ، نبيه فيما يأتي :
بعض الناس يظهر أن في قلوبهم غل كبير للعلماء ، لا يكادون يضيعون فرصة للنيل منهم أو ضرب مصداقيتهم والقدح في نياتهم أو دعوة الناس إلى عدم اتباعهم ، ومثل هذه المواضع التي تتأجج فيها العواطف هي أنسب الفرص لتحقيق مرادهم، (ولعل بعضهم يقومون بالدعاية لشخوصهم فهم الفاهمون المخلصون المستقلون )، وبعضهم لا يسلم منهم حتى العالم الذي يوافقهم الرأي ، حيث ينقد تصريحه بضعف اللهجة، وعدم الصراحة الكافية ، أو أنه ما كان ليقول الحق لولا علمه بأن ولي أمره يأذن بذلك..الخ، وعلامة هؤلاء أنه عندما ينتقد أحدهم عالما أخطأ دائما يستعمل عبارات التعميم للعلماء والشيوخ، ومن علامتهم أنهم لا يناقشون الحجج بل الشخوص؛ مرة من جهة الانتماء ومرة من جهة المقاصد وهكذا .
ومن هؤلاء من يخصص لا يعمم ولكن تخصيصه أشر من التعميم، فيوجه النقد لعلماء أهل السنة خصوصا ، مع أنه في مقام نقد عالم واحد أو عدد منهم، وهو يعلم أنه يوجد من خالفهم من أهل السنة، ومقصود هؤلاء واضح هو الدعاية للتشيع ، وهم إما متشيعون فعلا ويمارسون التقية ، أو هم في طريق التشيع وبداية التشيع دائما تكون سياسية، ثم تتحول إلى عقدية، ولا مجال هنا لاحسان الظن الا بمغفل يردد ما يقال بلا وعي، لأنه لا مبرر للتعميم، ولأنه لا معنى للحط من أهل السنة إلا رفع الشيعة، وعند بعضهم هذا الأمر مصرح  به لا مستنتج، وكيف أحسن الظن بمن يسفه كل من يتحدث عن مكانة الصحابة في هذه الأيام ، أو يرد على من يطعن فيهم بزعم أن الوقت غير مناسب، مع أنه دعاة التشيع في بلاد أهل السنة لم يتوقفوا يوما عن دعوتهم حتى في أيام هذه الحرب، بل إن نشاطهم يزداد فيها، وصوتهم يعلو ويتكلمون بكل عزة وفخر لأن الدولة التي يوالون صارت في نظرهم بطلة وحامية الإسلام والمسلمين.
ومما ينبغي قوله في هذا السياق أن جيش إيران البطل يقاتل أعداء الأمة قتالا شرسا يحمد عليه، لكن قتاله هذا لا يعدو أن يكون دفاعا عن وطنه إيران وعن شعبه شعب إيران، وليس هو قتال دفاع عن المسلمين غير الإيرانيين، ولا عن راية الإسلام في العالم، فإنه لم يفعل ذلك من قبل، ولا يمكن أن يفعل ذلك .
وبقيت تساؤلات واعتراضات بابها باب السياسة المحض، أفضل الإضراب عنها، لأني ما تكلمت بعد إحجام إلا لبيان أمور شرعية وأخطاء رأيتها منتشرة وقدرت خطورتها.
والله هو الهادي إلى سبيل الرشاد .

الأربعاء, 08 نيسان/أبريل 2026 10:48

موقف العلامة ابن باديس من الصحابة والخلافة والشيعة غير منشورة

موقف العلامة ابن باديس من الصحابة والخلافة والشيعة 
أولا : موقفه من الصحابة والخلفاء الراشدين (الترضي وإثبات الخلافة)
من أوضح أصول السنة التي سار عليها ابن باديس رحمه الله، الترضي على جميع الصحابة وإثبات الخلافة ، فقد كان معظما للسلف عموما وللصحابة خصوصا، داعيا للاقتداء بهم ، كما سطره في الأصول العشرين وغيرها من المواضع، وقال في موضع بعبارة صريحة لا لبس فيها : » والصحابة كلهم عدول « ( )، وكان رحمه الله إذا ذكر الصحابة يترضى عنهم دون تفريق أو تمييز ( ).
 يترضى على الشيخين أبي بكر الصديق  ( )وعمر الفاروق  ( )، كما يترضى على عثمان  ( ) وعلى علي ( ) رضي الله عنهم أجمعين ، بل قال مدافعا عن عثمان رضي الله عنه وقال:» فعلى الناظر في تاريخ عثمان رضي الله عنه أن يتثبت ويتحرى حتى لا يقع في ظلم وباطل في حق هذا الإمام الشهيد العظيم «( )
وكان مثبتا لخلافة الأربعة ومقرا بأن خلافتهم صحيحة لا مطعن فيها، وإذا ذكرهم أو عصرهم يقول الخلفاء الراشدون أو عصر الخلفاء الراشدين( ). وكان أيضا يترضى على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه( ).
بل وكان يدافع عن التابعين وقد وصف المتجرئ عليهم بالجهل وقلة الدين ، قال  " فهذا والعياذ بالله طعن صريح في التابعين ثاني القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية على لسان المعصوم عليه الصلاة والسلام وكفى هذا دليلا على ما وراء ذلك من كلمات لا تصدر إلا عن جهل وقلة حياء ورقة دين"ثم أعلن البراءة من ذلك الكلام من قائله ما دام مصرا على كلامه( ) وإذا كان هذا موقفه ممن طعن في التابعين فكيف يكون موقفه ممن يطعن في الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
ثانيا : موقفه من الشيعة (التضليل وعدم التكفير)
    قال ابن باديس رحمه الله في مقدمته لكتاب العواصم لابن العربي وهو يعرف به : فتعرض فيه لآراء في العلم باطلة، وعقائد في الدين ضالة، وسماها قواصم، وأعقبها بالآراء الصحيحة والعقائد الحقة مؤيدة بأدلتها النقلية، وبراهينها العقلية المزيفة لتلك الآراء والمبطلة لتلك العقائد وسماها عواصم" فذكر جملة من الطوائف والفرق ومن جملتها  "غلاة الشيعة والفرقة المتعصبة للأشخاص باسم الإسلام"( )، ولفظ الشيعة في تاريخ الإسلام أطلق على المفضلين لعلي على عثمان ، وأطلق على أقوام لم يكن شأنهم تفسيق الصحابة أو تكفيرهم ؛ ولذلك قيد العبارة بغلاة الشيعة.
ومع تضليله للشيعة وبراءتهة من كل من يطعن في السلف ، فإنه كان يراهم مسلمين ، لا يحكم عليهم الكفر العام والمعين ، ومما يدل على ذلك إنكاره على سلامة موسى الكاتب المصري الذي استعمل عبارة توحي بإخراج الشيعة من الإسلام، فقال بعد تعليقه على جهل الكاتب المذكور المذكور بحكم التصوير :"وليس جهله بهذا هو الذي يدعونا إلى الإنكار عليه. ولكن قوله: "والتشيع نوع من الانشقاق عن الإسلام" هو الجدير بكل إنكار. فقد حسب نفسه لما عرف شيئا من تاريخ الفنون أنه عارف بمذاهب الإسلام، فحكم على الشيعة بالانشقاق عنه. وهذا الكاتب لم يكفه أن ينفي- في أكثر ما يكتب- عن الإسلام كل ما يحسبه فضيلة؛ حتى جاء يحاول أن ينفي عنه أمما كاملة من أبنائه ونعوذ بالله من سوء القصد وقبح الغرور"( ). ففهم ابن باديس من عبارة الانشقاق التي استعملها سلامة موسى في سياقها أنه لا يعتبرهم من المسلمين ولذلك رد عليه.
وتخريج حكمه هذا هو على عقيدة العذر بالجهل ، واشتراط إقامة الحجة لتكفير من وقع في موجبات التكفير ، وقد قرر رحمه الله في الأصول العشرين أن الجاهلون والمغرورون أحق الناس بالرحمة ، وقال في موضع :" وإذا استمر على فعله مستحلا له بعد تعليمه وإرشاده يكون قد أنكر معلوما من الدين بالضرورة وهو أن العبادة والدعاء منها لا تكون إلا لله فيحكم بردته نظير مستحل الصلاة بلا وضوء بلا فارق«( ). فشرط التعليم والإرشاد قبل الحكم من دعا غير الله تعالى بحكم من أنكر معلوما من الدين بالضرورة.
   وعدم التكفير هذا ليس خاصا بالشيعة بل هو عام لكل الفرق التي كان يصفها بأنها إسلامية ، بما فيها القائلين بخلق القرآن كالمعتزلة ومن تابعهم ( ) .

الأربعاء, 08 نيسان/أبريل 2026 10:45

من صور الخيانة العلمية في تحقيق المخطوط غير منشورة

من صور الخيانة العلمية في تحقيق المخطوط
معنى السرقة العلمية والخيانة للأمانة وصورها في البحث العلمي معلومة لدى أكثرنا ومتصورة، فهل تتصور الخيانة والسرقة في تحقيق المخطوط؟ أعنى ما عدا القسم الدراسي والتعليق على نصوصه.
الجواب: نعم ، تتصور ، ومن ذلك :
١- ما يفعله البعض من ادعاء إعادة تحقيق كتاب طبع من قبل، فيصور لنا في أوله صفحات من المخطوط يدعي اعتماده وهو لم يعتمد عليه أصلا، وقد تكون شواهد الخيانة جلية في الفروق الموجودة بين ما أثبته وما في تلك الصفحات .
٢- أن يوكل المحقق إلى غيره أمر النسخ والمقابلة، مقابل أجر معلوم، ويكتفي هو بالتعليق على النص، وتتفاقم المعضلة إذا كان المستأجر غير خبير بالتحقيق واصطلاحه، وربما يفتضح عندما يستأجر أكثر من واحد فيظهر التناقض في التعامل مع النص أو في التعليق عليه.
٣- بعض الناس يعتمد على نسخة مطبوعة اعتمد محققها على نسخة خطية ، فيزعم الاعتماد على النسخة الخطية ، وهو لم يزد على النظر في النسخة المطبوعة ، وهذا تدليس لا يقبل سواء كانت تلك النسخة فريدة أو نسخة من بين عدد من النسخ التي وقف عليها فعلا .
٤- ومن أظهر صور الخيانة تعمد التغيير بالزيادة أو النقص أو التصويب في الأصل دون إشارة إلى ذلك ، السهو وارد وقلم المؤاخذة لا يرفع عن صاحبه إطلاقا ولكن التعمد يصير الصغيرة كبيرة ، فالتصويب هو تزوير في الوثيقة بل الواجب إثبات ما وجد ثم يصحح ويجوز أن يصحح بشرط أن يبين مع وجده في النسخة أو النسخ.
والزيادة كذلك كذب على المؤلف فالبياض أو السقط يبين أنه كذلك ثم يجتهد في تقديره، وأي أضافة دون بيان يعد خيانة، (ولو كان بحسن نية).
وكذلك النقص فما لم يفهمه أم يتضح له يرسمه أو يصف رسمه ويبين أنه لم يستطع قراءة ، أما تجاوزه كأنه غير موجود فخيانة أيضا .
وفي بعض الحالات وجدنا من حذف من المخطوط صفحة كاملة، لأنها تخالف ما يعتقده، كما حدث مع أحد محققي كتاب التمهيد للباقلاني، وقديما اتهم أحد العلماء محققا بحذف مبحث متعلق بالنسخ من مقدمة كتاب في التفسير، فلما ناقشه وجده من منكري النسخ في القرآن!!؟ وهذا إن صح خيانة مع الاصرار والعياذ بالله .
٥- ومن الصور أيضا السطو على جهد الغير في مقابلة النسخ، وكثيرا ما نقرأ لمحققين يتهمون من يحقق الكتاب بعدهم بفعل ذلك، وقد يذكر بعضهم دلائل ، وأصدق تلك الدلائل أن يقع في أخطاء لا يتنبه لها إلا بعد طباعة الكتاب، فيجد مدعي التحقيق قد تابعه عليها.
٦- وتوجد صور أخرى غريبة تتعلق بالسطو على العمل كاملا ، فينشر بغير اسم صاحبه ، سمعنا عن ذلك في حوادث متعددة ولا يستطيع المرء إثباتها إلا بالاعتراف أو أحكام قضائية لأن احتمال الإدعاء وارد، والبينة هي الحكم، وذلك أن بعضهم قد يستأمن شخصا على عمله ليراجعه، أو ليطلع عليه، أو ليوصله إلى الناشر ، فيقوم بنشره باسمه والعياذ بالله ، ومثل هذا يحدث في التآليف أيضا .
هذا ما جاد به الخاطر في سانحة عابرة ، ولعل لأهل الاختصاص والتتبع والنقد وما يضيفونه ويستدركونه.

الثلاثاء, 13 كانون2/يناير 2026 23:39

فضائح علمية في السنة الامازيغية المزعومة غير منشورة

فضائح علمية في السنة الامازيغية المزعومة
هذا موضوع كتبت فيه ما يكفي قبل 15 سنة ، ولكن لا بأس أن نغير  طريقة العرض والمناقشة، لعل تجديد الخطاب يفيد في إقناع بعض من استغفل.
أولا
**في المغرب أول يناير موافق ل 14 يناير غريغوري ...يعني أن التقويم عندهم يوليوسي تماما كتقويم الكنائس الأرثوذكسية التي رفضت تقوبم غريغور فقط لأنه كاثوليكي .
***في الجزائر أول يناير موافق ل 12 يناير غريغوري ، يعني من سنة 1830 وهو كذلك لم يتغير .. وهي السنة التي أدخلت فيها فرنسا التقويم الغريغوري إلى الجزائر .
وإذا زعم زاعم أن تقويم السنة الشاشناقية موجود منذ 950 قبل الميلاد . فيقال له :
** إن كنت مغربيا ، فأنت تزعم أن يوليوس المسكين لم يكتشف شيئا لما عدل التقويم الروماني القديم، وإنما سرق التقويم الشاشناقي ، وأنى لك أن تثبت ذلك.
***وإن كنت جزائريا ، فأنت تزعم أكثر من ذلك ، تزعم أن غريرغور لم يصحح خطأ يوليوس إلا بعد أن وقف على التقويم الشاشناقي، وهيهات أن تثبت ذلك .
ثالثا :
والأن تأمل ذلك التطابق ببن أسماء الشهور الاثنا عشر،  من أخذها من الآخر الرومان أخذوها منا أم نحن أخذناها منهم؟ 
يناير هو يناير ، فبراير صار فورار ... المشكلة أن الشهور التي هي أرقام رومانية نفسها شتتمبر أو سكتنمبر ثم توبر ثم وامبر أو نونمبر  وجمبر أو دوجمبر . ولا يخفى عليكم أنها أخذت أسماء الأرقام من سبعة إلى عشرة لأن بداية السنة كان في مارس، ولذلك كان الزيادة والنقص في الشهر الأخير الناقص أصلا وهو فورار المسكين (فهل السنة الشاشناقية أيضا كانت تبدأ في مغرس ثم غيرت ؟؟).
مهما جادل المرء في تلك الشهور لسليها رومانيتها، فلن يجادل في شهرين أخذا 31 يوما طغيانا، وسمي باسم امبراطورين رومانيين يوليو (يوليوس) المتوفي 44 قبل الميلاد، وغشت ( أوغست) المتوفي 14 قبل الميلاد .
فمن الأقدم ومن أخذ تاريخ الآخر ؟؟؟ 
وللفائدة أو فضيحة علمية رابعة . 
قدماء المصريين بما فيهم ساشناق فعلا كان عدد أيام سنتهم 365 أو 366 بوما ، لكن عدد شهور السنة كانت 13 شهرا، 12 شهرا متساوية فيها 30 يوما ، والشهر الثالث عشر أما 5 أيام أو 6 أيام .
وبداية السنة عندهم موافقة ل 11 سبتمبر غريغوري أو 12 .
وللفائدة أيضا أو الفضيحة الخامسة 
فإن السنة الفلاحية بدايتها هي بداية الخريف ونهاية الصيف ، مع الشروع في موسم الحرث، وفي الموروثات الشعبية أشياء تدل عليه، وكان الفرس وغيرهم يحتلفون بهذه البداية بما يواقف 15 أكتوبر غريغوري أو بعده، وهو اليوم الذي يسمى المهرجان.

الثلاثاء, 13 كانون2/يناير 2026 18:35

خاطرة في التجديد في علم العقيدة الإسلامية غير منشورة

خاطرة في التجديد في علم العقيدة الإسلامية
من الأشياء التي ينبغي أن يدرجها المدرسون للعقيدة الإسلامية في المغرب الإسلامي (شمال وغرب افريقيا)
تلقين الأجيال محبة الفاتحين الأوائل من الصحابة عمرو بن العاص وعبد الله أبي السرح، والتابعين عقبة بن نافع وحسان بن النعمان وأبي المهاجر دينار رضي الله عنهم .
والفقهاء العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز إلى القيروان ومنهم إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، وعبد الله بن يزيد الحبلي وإسماعيل بن عبيد الأنصاري وعبد الرحمن بن رافع التنوخي رضي الله عنهم.
وذلك أنهم داخلون في مفهوم السلف وفي القرون الثلاثة التي شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية، حين قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ".
وإن محبة الصحابة رضي الله عنهم جميعا من الإيمان، ومحبة الناشرين للإسلام فحتا للأرض والقلوب من الإيمان ، وينص على هؤلاء لخصوصية المنطقة التي ننتمي إليها، ونظرا بمجاهرة أهل الردة والجاهلية الجديدة بوصفهم بالغزاة المتوحشين، في المقالات والمحاضرات والأغاني وغير ذلك من وسائل النشر.
وذكر أعلام الصحابة في كتب الاعتقاد معهود نحو الخلفاء أو العشرة وغيرهم ممن دعت الحاجة إلى ذكرهم لطعن من طعن فيهم من الفرق الضالة ، كعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه .
ومنهم من ذكر غيرهم ممن أتى بعدهم باعتبارهم رموزا للسنة والاتباع .
ومن مؤلفات الاعتقاد كتاب عقيدة الإمام أحمد الذي ألفه أبو الفضل عبد الْوَاحِد بن عبد الْعَزِيز التَّمِيمِي (ت:410)
ومما ورد في آخر هذا الكتاب ما يأتي: 
-"وَكَانَ يَقُول [يقصد الإمام أحمد] أَصْحَاب الحَدِيث أُمَرَاء الْعلم.     
-وَكَانَ يَقُول إِذا ذكر الحَدِيث فمالك بن أنس هُوَ النَّجْم.
-وَكَانَ يَقُول سُفْيَان الثَّوْريّ جمع الْحَالين الْعلم والهدي.   
-وَكَانَ يَقُول سُفْيَان بن عُيَيْنَة حفظ على النَّاس مَا لولاه لضاع.
-وَكَانَ يَقُول الشَّافِعِي من أحباب قلبِي. 
-وَكَانَ يَقُول هَل رَأَتْ عَيْنَاك مثل وَكِيع.
-وَكَانَ يَقُول أَنا أحب مُوَافقَة أهل الْمَدِينَة.  
-وَكَانَ يحب قِرَاءَة نَافِع لِأَنَّهَا أَكثر اتبَاعا".
فكل هؤلاء الأعلام ورد ذكرهم في كتاب عنوانه الاعتقاد ومضمونه الاعتقاد، ولا شك أن لذلك مقتضياته التي اقتضه في ذلك الزمان والمكان، فلا نستهجن الفكرة ولا نتسرع إلى دفعها، بل نحن مدعوون إلى تأمل هذا الموضوع المطروح بجدية ومسؤولية وعمق نظر.

خاطرة مجتزأة من محاضرة "أساسيات العقيدة الإسلامية في ظل التحديات المعاصرة" ألقيت بتاريخ 07 رجب 1447 هـ الموافق لـ28 ديسمبر 2025 بمقر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. 

  


الإثنين, 12 كانون2/يناير 2026 10:15

أيام برد العجوز غير منشورة

 أيام برد العجوز 
    بعد الأيام الباردة الممطرة ذات الرياح العاصفة في فصل الشتاء تأتي أيام يرى فيها الناس الصفاء، ويطمئنون فيها إلى الدفء وتزهر الحقول حتى يُظن أنه الربيع قد سبق وقته، ولكن الفصل قبل أوان ذهابه في أواخر مارس يعود ليذكر الناس بأن الفصل فصله والميقات ميقاته؛ فتمر على الناس أيام هي أشد أيام السنة بردا وهي أيام يختلف موقعها من سنة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر، فيما يظهر، (والأشهر أنها سبعة أيام أربعة منها في فبراير وثلاثة في مارس، كما في المعجم الوسي) ، وقد لاحظت العرب تكرّر رجوع هذه الأيام كلّ سنة فسمّتها أيّام العجوز أو أيّام برد العجوز، بل أعطت لكل يوم منها اسما خاصا، وقد اختلفوا في عدتها فالمشهور أنها سبعة أيام وقيل خمسة، وعدها الثعالبي ثمانية: وهي على الترتيب عنده: 1-الصِّن 2-والصِّنَّبْرُ 3-والوبْر 4-وآمر 5-ومؤتمر6-ومعلل 7-ومطفي الجمر 8-ومكفئ الظعن، ومن جعلها سبعة اعتبر السادس والثامن واحدا، وقال الجوهري:"وأيّام العَجوزِ عِنْد الْعَرَب خَمْسَة: صِنّ وصِنَّبْر وأُخَيُّهما وَبْر ومُطْفِئُ الجَمْر ومُكفِئُ الظَّعْن. وكما اختلفوا في العدد اختلفوا في الترتيب، ولكل اسم من هذه الأسماء مناسبة ووجه اشتقاق مذكور في معاجم اللغة العربية.
وقد جمعها البازجي في مجمع البحرين في قوله 
صن وصنبر ووبر يذكر ... وبعده الآمر والمؤتمر
كذا معلل ومطفي الجمر ... هاتيك أيام العجوز فادر
   وسبب تسميتها بذلك واضح وهو أنها آخر أيام البرد واشتقاقه من العَجز كما في شرح أدب الكاتب وغيره. 
   لكن خيال بعض العرب قد نسج لسبب التسمية حكايات خرافية، كما صنعو لها شعرا.. 
1-فمنهم من قال: كانت امرأة من العرب قد اهترمت، وكان لها سبعة أولاد فقالت لهم: زوجوني وهم لا يكترثون لها فلما أصرت عليهم.. قالوا لها: بيتي لنا سبع ليال على ثنية هذا الجبل لكل ابن ليلة لنزوجك بعد ذلك، فجاءوها بعد السابعة فوجدوها قد توفيت. وروى القصة الثعالبي وجعل الأبناء ثمانية ونقل أنهم قالوا لها :"إن كنت تزعمين أنك شابة فابرزي للعراء ثمان ليال فإننا نزوجك بعدها". فماتت قبل تمامها.
2-وقيل: إنما سميت أيام العجوز لأن العرب جزت الأصواف والأوبار مؤذنة بالصيف، وقالت عجوز منهم لا أجز حتى تنقضي هذه الأيام فإني لا آمنها، فاشتد البرد  بعدها، وأضر بكل من قد جز ولم يسلم إلا العجوز ومالها.
3-وقريبا من هذا المعنى ما روي أن العجوز كانت كاهنة من كهان من العرب؛ أخبرت قومها ببرد سيقع في أواخر الشتاء وأوائل الربيع فيسوء أثره على المواشي؛ فلم يكترث قومها بقولها وجزوا أغنامهم واثقين بإقبال الربيع؛ فلم يلبثوا إلا أياما حتى وقع برد شديد أهلك الزرع والضرع، فقالوا حينها هذا برد العجوز أي البرد الذي تنبأت به العجوز وأنذرت به قومها.
4-وقال آخرون: الصواب أن العجوز هي التي عجلت بجز صوف أغنامها لحاجتها إليه وثقتها بالحر، فلما جاء البرد، أهلك أغنامها وكان عددها سبعة، فكان كل يوم يهلك واحد منها.
5-وخارج كتب الأدب أروي لكم ما حدثتني به جدتي –وهو أعلى سند-وثبتني فيه غيرها مما بلغ عندي حد الشهرة، أن عجوزا كانت تسكن جبال جرجرة، قد آذاها برد شهر يناير؛ فلما انقطع الثلج وطلعت الشمس وذهب الشهر، سبته بأقذع سب، فسمع الشهر سبها فامتلأ غيظا وأراد الانتقام منها؛ فلم يجد بدا إلا أن يلجأ إلى صديقه فورار(فبراير) فطلب منه أن يسلفه يوما وليلة لينتقم من تلك العجوز ..وقد وجد فورار كريما حيث أعاره سبعة أيام بلياليها فسلط يناير على العجوز عاصفة هوجاء وبردا شديدا؛ وقضى عليها وعلى نعاجها التي خرجت بها إلى المرعى..تقول الجدة رحمها الله ..وقد تحولت العجوز إلى حجارة جامدة وهي لا تزال في ناحية من نواحي جبال جرجرة كذلك ..(ولعل لكل أهل جبل في شمال إفريقيا عجوزهم المتجمدة في ناحية من نواحيه)   
   ومنهم من يسمي هذه الأيام بالحسوم ويجعلها الأيام التي أهلك فيها قوم عاد، كما ورد عن وهب بن منبه في تفسير قوله تعالى : (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) [الحاقة: 6-7] ذكره الثعلبي المفسر(ت:427) في الكشف والبيان والثعالبي الأديب (ت:429) في ثمار القلوب. 
   وجاء في شرح نظم بيوع ابن جماعة لابن خجو الحساني (ت:956) (2/830 ت سمير سمراد) :"ومن البدع المحرمة ترك الاشتغال يوم الحاجوز وأيام الحسوم ويوم وقوف الشمس"(فأما الحاجوز فهو الفاتح من يناير، وأيام الحسوم فأولها 25 فبراير وآخرها 4مارس، ويوم وقوف الشمس هو يوم 24 جوان )
ولعل الحديث عن هذه الأيام يستحق أكثر من هذا؛ ولذلك وجد من ألف فيها مؤلفات أشهرهم الفيلسوف يعقوب بن إسحاق الكندي (ت 260)، والحمد لله رب العالمين..

في ظلال حديث «اعْلَمْ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ»
«اعْلَمْ أبا مسعود لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ» هي موعظة نبوية همس بها في أذن من استغل وضعه الاجتماعي ليظلم ويستعلي على من هم دونه، وليمارس تعسفا في استعمال سلطة منحت له بحكم الشرع، إنها موعظة خوطب بها رجل حر كان يضرب مملوكه بالسوط، فهو سيد حر بقدر الله تعالى وقد أعطي سلطة التأديب بشرع الله، ولكنه في تلك اللحظة كان غافلا عن نعمة الله عليه، فهو لم يختر أبويه وكان يمكن أن يولد عبدا مملوكا،  وكان غافلا عن رقابة الله تعالى، الذي منحه سلطة التأديب، فإنه جل جلاله عليم بحاله إن عاقب العبد وهو لا يستحق العقوبة، أو إن كان يستحقها لكنه تجاوز القدر المستحق، فجاءه الخطاب النبوي بكلمات موجزة بليغة (اعلم) إن لم تكن تعلم وتذكر إن كنت تعلم (لله أقدر عليك) أي أن الله القادر الذي لا يعجزه شيء، والقدير الذي منحك هذه هذه القدرة من جهة تسليطك على هذا العبد اجتماعيا هو أقدر عليك (منك عليه) أي من قدرتك على هذا العبد الضعيف، المعنى إن كنت تظلمه لأنك تقدر ولا يقدر فالله تعالى القدير أقدر ، وإن كنت تظلمه لأنك تسمى في مجتمعك سيدا وهو يسمى عبدا، فالله تعالى هو السيد المطلق وملك الملوك يملكك وما تملك وأنت له عبد. ولم يكن الصحابي رضي الله عنه الواقع في هذه الزلة جاهلا بما سمع ولا جاحدا ، ولكنها كانت ساعة نسيان للتفس وغفلة عن الله تعالى، ولذلك فإنه ما إن ذكر حتى ارتعدت فرائسه فقد (سقط السوط من يده) كما جاء في رواية، وإنه لما علم أنه قد ظلم غيره، وتذكر أن الرب الملك القدير قد حرم الظلم على نفسه، وأنه وعد المظلومين بنصرتهم على الظالمين، وأول ذلك بإجابة دعائهم الذي كشف دونه كل الحجب، سارع للتوبة بالندم على فعله ومحاولة جبر خطئه وتصحيحه حتى يرضى عنه المظلوم، فلم يجد أحسن من أن يعتقه لله ويمنحه الحرية، فلا شيء أحب إلى العبد من أن يصبح حرا، ولا شيء يرضيه وهو يعيش لحظات الظلم والذل والمهانة أن يعلن له بما يرفع عنه سبب ذلك الظلم والمهانة إلى الأبد، ولعله قد علم سلفا أن الرسول أمر بعتق العبد إذا ظلم وسماه كفارة، فحينها سارع الصحابي التائب إلى إعلان عتقه قبل أن يقدم عذره أو اعتذاره للرسول الكريم أو للعبد المظلوم، فضمن توبته وندمه واعتذاره في كلمة واحدة هي (هو حر لوجه الله) ، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم مبينا أن ما فعله كان متعينا في حقه، فالظاهر أنه قد ظلمه ظلما كبيرا وضربه ضربا مبرحا، فقال له :"أما أنك لو لم تفعل للفحتك النار" لو لمستك النار، ومثل هذا الوعيد لا يستحق إلا على ما كان ظلما ولا شك، وسواء كان العتق كفارة أو كان سببا لرضا المظلوم وعفوه عن ظالمه، فقد عرف الصحابي الطريق إلى فك رقبته، وليعلن بعدها عن تحقق جميع أركان التوبة قال (لا أضرب مملوكا بعده أبدا) فاجتمع فيه الترك حيث ألقى السوط من بده والندم على فعله والسعي للتصحيح لنيل عفو المظلوم حيث سارع إلى عتقه لوجه الله ، وأخيرا صرح بالعزم على العود إلى مثل صنيعه.
اللهم إنا نعوذ بك من أن نزل أو نضل أو نظلم أو نظلم أو نجهل أو يجهل علينا.

الحديث بجميع ألفاظه ورواياته في صحيح مسلم 

الجمعة, 12 كانون1/ديسمبر 2025 10:33

كلمات في الحياء غير منشورة

كلمات في الحياء 
1-    قال ابن القيم في مدراج السالكين ج٣ ص٢٤٩
"ولهذا كان خلق الحياء مشتقا من الحياة اسما وحقيقة، فأكمل الناس حياة: أكملهم حياء، ونقصان حياء المرء من نقصان حياته، فإن الروح إذا ماتت لم تحس بما يؤلمها من القبائح، فلا تستحي منها، فإذا كانت صحيحة الحياة أحست بذلك، فاستحيت منه".
2-قال ابن القيم رحمه الله في الجواب الكافي (ص: 69)
"فمن لا حياء فيه فهو ميت في الدنيا شقي في الآخرة، وبين الذنوب وبين قلة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطرفين، وكل منهما يستدعي الآخر ويطلبه حثيثا، ومن استحى من الله عند معصيته، استحى الله من عقوبته يوم يلقاه، ومن لم يستح من معصيته لم يستح الله من عقوبته".
3-قال ابن تيمية رحمه الله كما في المجموع(10/ 109)
"والحياء مشتق من الحياة؛ فإن القلب الحي يكون صاحبه حيا فيه حياء يمنعه عن القبائح فإن حياة القلب هي المانعة من القبائح التي تفسد القلب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {الحياء من الإيمان} وقال: {الحياء والعي شعبتان من الإيمان. والبذاء والبيان شعبتان من النفاق} فإن الحي يدفع ما يؤذيه؛ بخلاف الميت الذي لا حياة فيه فإنه يسمى وقحا والوقاحة الصلابة وهو اليبس المخالف لرطوبة الحياة فإذا كان وقحا يابسا صليب الوجه لم يكن في قلبه حياة توجب حياءه، وامتناعه من القبح كالأرض اليابسة لا يؤثر فيها وطء الأقدام بخلاف الأرض الخضرة. ولهذا كان الحي يظهر عليه التأثر بالقبح وله إرادة تمنعه عن فعل القبح بخلاف الوقح الذي ليس بحي فلا حياء معه ولا إيمان يزجره عن ذلك".
4-قال ابن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم(1/ 501)
"واعلم أن الحياء نوعان:
 أحدهما: ما كان خلقا وجبلة غير مكتسب، وهو من أجل الأخلاق التي يمنحها الله العبد ويجبله عليها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " «الحياء لا يأتي إلا بخير» " فإنه يكف عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويحث على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو من خصال الإيمان بهذا الاعتبار، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من استحيا، اختفى، ومن اختفى، اتقى، ومن اتقى وقي.
وقال الجراح بن عبد الله الحكمي - وكان فارس أهل الشام -: تركت الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع...
النوع الثاني: ما كان مكتسبا من معرفة الله، ومعرفة عظمته وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهذا من أعلى خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان... وفي حديث ابن مسعود: " «الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى؛ ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله» " خرجه الإمام أحمد والترمذي مرفوعا.
وقد يتولد من الله الحياء من مطالعة نعمه ورؤية التقصير في شكرها، فإذا سلب العبد الحياء المكتسب والغريزي، لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح، والأخلاق الدنيئة، فصار كأنه لا إيمان له.
5-قال الماوردي في أدب الدنيا والدين (ص: 247)
"اعلم أن الخير والشر معان كامنة تعرف بسمات دالة، كما قالت العرب في أمثالها: تخبر عن مجهوله مرآته، وكما قال سلم بن عمرو الشاعر،
لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد عن الخبر
فسمة الخير الدعة والحياء، وسمة الشر القحة والبذاء. وكفى بالحياء خيرا أن يكون على الخير دليلا، وكفى بالقحة والبذاء شرا أن يكونا إلى الشر سبيلا".
6-قال الراغب الأصفهاني في الذريعة إلى مكارم الشريعة (ص: 207-208)
الحياء: انقباض النفس عن القبائح، وهو من خصائص الإنسان، وأول ما يظهر من قوة الفهم في الصبيان، وجعله اللَّه تعالى في الإنسان ليرتدع به، عما تنزعه إليه الشهوة من القبائح فلا يكون كالبهيمة.
وهو مركب من جبن وعفة، ولذلك لا يكون المستحي فاسقًا ولا الفاسق مستحيًا لتنافي اجتماع العفة والفسق، وقل ما يكون الشجاع مستحييًا والمستحي شجاعًا لتنافي اجتماع الجبن والشجاعة، ولعزة وجود ذلك تجمع الشعراء بين المدح بالشجاعة، والمدح بالحياء نحو قول الشاعر:
يجري الحياء الغض من قسماتهم ... في حين يجري من أكفهم الدم
وقال آخر:
كريم يغض الطرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دواني
...والذين يستحي منهم الإنسان ثلاثة: البشر: وهم أكثر من يستحي منه، ثم نفسه، ثم اللَّه - عز وجل -، ومن استحيا من الناس ولم يستحِ من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره، ومن استحيا منهما ولم يستحِ من اللَّه فلعدم معرفته بالله - عز وجل -، فإن الإنسان يستحي ممن يعظمه ويعلم أنه يراه أو يسمع نجواه فيبكته، ومن لا يعرف اللَّه فكيف يستعظمه، وكيف يعلم أنه مطلع عليه. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (استحيوا من اللَّه حق الحياء " في ضمنه حث على معرفته، وقال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) تنبيهًا على أن العبد إذا علم أن اللَّه يراه استحيا من ارتكاب الذنب، وقد سئل الجنيد - رحمه الله - عما يتولد منه الحياء من اللَّه تعالى، فقال:" رؤية العبد آلاء الله عليه، ورؤية تقصيره في شكره"،
7-قال ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة (1/ 277)
"ثمَّ تَأمل هَذَا الْخلق الَّذِي خص بِهِ الانسان دون جَمِيع الْحَيَوَان، وَهُوَ خلق الْحيَاء الَّذِي هُوَ من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرا وأكثرها نفعا، بل هُوَ خَاصَّة الانسانية؛ فَمن لَا حَيَاء فِيهِ لَيْسَ مَعَه من الانسانية إلا اللَّحْم وَالدَّم وصورتهم الظَّاهِرَة؛ كَمَا انه لَيْسَ مَعَه من الْخَيْر شَيْء، وَلَوْلَا هذاالخلق لم يقر الضَّيْف، وَلم يوف بالوعد، وَلم يؤد امانة، وَلم يقْض لَاحَدَّ حَاجَة ، وَلَا تحرى الرجل الْجَمِيل فآثره والقبيح فتجنبه، وَلَا ستر لَهُ عَورَة، وَلَا امْتنع من فَاحِشَة، وَكثير من النَّاس لَوْلَا الْحيَاء الَّذِي فِيهِ لم يؤد شَيْئا من الأمور المفترضة عَلَيْهِ، وَلم يرع لمخلوق حَقًا ، وَلم يصل لَهُ رحما، وَلَا بر لَهُ والدا".
8-روى أبو عبد الرحمن السلمي (ت:325) في آداب الصحبة (ص: 73)
 عن أبي محمد الجريري (ت:311) قال :"تعامل القرن الأول فيما بينهم بالدين زمانا طويلا حتى رق الدين ثم تعامل القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء، ثم تعامل القرن الثالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة   ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى ذهب الحياء، ثم صار الناس يتعاملون بالرغبة والرهبة". 
ثم  قال : فكنت أستحسن هذه الحكاية لأبي محمد الجريرى فوجدت مثلها للشعبي فزادها حسنا .
ثم ذكر سنده إلى الشعبى (ت:110) قال:" تعامل الناس بالدين زمانا طويلا حتى ذهب الدين، ثم تعاشروا بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثم تعاشروا بالحياء   ثم تعاشروا بالرغبة والرهبة، وأظنه سيأتي بعد ذلك ما هو شر منه".

الجمعة, 12 كانون1/ديسمبر 2025 10:24

ذكريات مخيمات اللاجئين في تندوف غير منشورة

ذكريات مخيمات اللاجئين في تندوف (1)
إن السفر الطويل وحيدا رغم ما يحفه من آفات ومخاطر ، يعتبر في عصرنا نوعا من الخلوة، خلوة قهرية يجد فيها المرء نفسه معتزلا الناس جبرا لا اختيارا، فتكون فرصة له لتعمير وقته بذكر الله تعالى أو مراجعة نفسه عموما أو في مواقف معينة، كما أنه قد تهجم عليه خواطر متعلقة بمشاريع مستقبلية فيضع خططها، وقد تستولي عليه ذكرايات الماضي باسترجاع أحداثها، ومحاولة ترتيبها واستذكار تفاصيلها والوقوف مع عبرها، وقد يتنقل من هذا الى ذاك، ومن خاطرة إلى أخرى، ولا يشعر بكيفية الانتقال ولا بسرعة مرور الزمن ، وربما يغفل حتى عن مراقبة سرعة سيارته، كأنه نائم لكن عيناه مفتحتان، و قد حدث لي هذا الصباح شيء لم يحدث من قبل من شدة الغيبة، فبينما أنا سالك طريقا عبرته ربما مئات المرات -وأقل الجمع اثنان-، من باب الوادي إلى تلمسان ، لم استفق إلا وأنا أرى لافتة في الطريق السيار تقول إني في اتجاه العاصمة، والحمد لله اللطيف بعباده الحفيظ عليهم.
لقد بدأت الرحلة بالذكر ولا شك، ولكن سرعان انتقلت إلى موضوع أهمني منذ مدة، تتابعت عليه منشورات في الفيسبوك، لا أذكره حتى لا يتشعب بنا الحديث، ثم وأنا أحلله ذكرت مواقف حدثت لي في تندوف أثناء زيارتي لمخيمات اللاجئين الصحراويين فيها، وقد كانت خمس زيارات في أربع سنوات، كانت مناسبتها ما يسمى ملتقيات حوار الأديان إلا زيارة واحدة كانت ملتقى خاصا بتكوين وتوجيه الأئمة فيها، وانتقلت من حادثة إلى حادثة، ومن زيارة الى أخرى، وذكرت بعض المشايخ الذين فقدناهم، الشيخ الحبيب يزيد حمزاوي ومواقفه والشيخ الوقور أبا عبد السلام وكلماته وتواضعه، والشيخ المحب نذير حمودي وأعماله -وقد تعرفت عليه هناك - رحمهم الله تعالى وغيرهم من الأحياء والأموات، وممن لا ندري ما فعلت بهم الأيام رحمنا الله وإياهم أجمعين.
وأبدأ بآخر لقاء لقينا فيه الرئيس السابق محمد بن عبد العزيز ، قبل اشتداد مرضه ووفاته رحمه الله، حيث استقبل الوفد الجزائري تكريما له على اسهامه في إنجاح تلك المتقيات، ولكن في تلك المرة لما تداولنا الكلمات، فاجئني الشيخ يزيد -ولا أدري هل تفاجأ غيري- بمحاولته إقناع الرئيس بتوقيف تلك الملتقيات المسمات حوار الأديان، وقوله أن أهل تلك الكنسية الأمريكية لا يؤمنون لا السلام ولا بالحوار ولا حقوق الإنسان، وردد مرارا عبارة تكتيك بلهجته المعروفة التي لا تخلو من حماس وانفعال، أي كل ما يقولونه ويزعمونه إنما هو تكتيك، وقد أجابه الرئيس بكل هدوء على كل جملة قالها بنظيرها خاتما إياها أيضا بكلمة تكتيك ، كما صنع الشيخ يزيد،  والذي فاجئني ليس هو القناعة بذلك في حد ذاتها، فأنا وإياه منذ أن تحدثنا في الموضوع متفقان على ذلك، وكنا حدثنا بذلك المسؤولين الجزائريين، وكذا بعض المسؤولين الصحراويين، وذلك في السنة الأولى التي حضرت فيها ، ولكن المفاجئ لي هو المقام والتوقيت، وأن الشيخ يزيد لم يحدثني بما زوره في نفسه، وربما زاد من انفعالي الذي وصفته بالافتجاء، التخوف من ردة فعل المضيف لنا في خيمته، وهو الذي أظهر لنا إكراما وتواضعا طال عجبنا منه، لكن جوابه الهادئ المرتب جعل الجلسة تمر عادية، وعرفني باختصار أن ممارسة السياسة ليست لأمثالي.
    وقبل أشهر قلبت النت بحثا عن أخبار تلك الملتقيات وعن الصور التي كانت تنشر إشهارا لها، فلم أجد لها أثرا ، وقد كانت من قبل موجودة، فقلت لعل الجميع أيقن أخيرا أن تكتيك الأمريكان كان أمتن، وأن الرجاء في رأفة رعاة الخراب؛ أشد ضلالا ممن يعلق الأمل على السراب.

ذكرايات مخيمات اللاجئين تندوف (2)
٢- من أهم الأشياء التي لاحظتها على هامش تلك الملتقيات ، حيث كنا ننتقل بين المخيمات لالقاء المحاضرات، والإجابة عن أسئلة الناس، الأمر الذي جعلني اكتشف شدة تمسك الصحراويين بدينهم،  وكما يقال بتعبير عصري إنه مجتمع محافظ بل شديد المحافظة، أبديت ملاحظتي لبعضهم فعلمت أنهم يرون أن الأمر في تراجع، وممن تحدثت إليه بذلك شيخ كبير زارنا اسمه سيد أحمد قيل لنا أنه رئيس حكومة سابق، فعلل لي الأمر بأن الاستعمار الاسباني اقتصر على المدن فقط ، ولم يختلط بالمجتمع الصحراوي، كما هو حال الاستعمار الفرنسي. 
٣-ومما سمعته من هذا الشيخ فاذهلني جدا، قوله -ونحن نتحدث عن مهمة مينورسو وعن إشكالية إحصاء السكان الذين لهم التصويت في استفتاء حق تقرير  المصير -: أنهم لم يعدوا الناس الذين كانوا راضين بمساكنة الاسبان في المدن ولم يهاجروا، قال: إن فقهاءنا قالوا لنا انهم ليسوا مسلمين!! فذكرني بأسنى المتاجر للونشريسي، وحسام الدين للأمير عبد القادر، ولم أكن اعلق على كلامه إلا بالسؤال.
 ومما أحفظه من كلامه أنهم قالوا للوسطاء (مينورسو) نحن نريد استفتاء على تقرير المصير، وهم يريدون الحكم الذاتي ، والآن نحن نقبل بأن يدرج في استفتاء تقرير المصير خيار ثالث هو الحكم الذاتي، لكن المغرب رفض ذلك، وإذا فسرنا القرار اللغز الأخير لمجلس الأمن بهذا المعنى، فإن الأمم المتحدة تكون قد تأخرت كثيرا في الاستجابة لهذا المقترح .
٤-كنت البارحة عزمت على تدوين كل تلك الذكرايات، لكني وجدتها كثيرة ، وأشغالي وواجبات الوقت زاحمت تلك الرغبة في تسجيلها ، ولا سيما أنها تحتاج إلى نوع ترتيب ، فاكتفي بما سجلت البارحة واليوم وقد قدمتها لتعلقها بأحداث الأمم المتخذة الأخيرة ، وأرجئ باقيها لوقت لاحق أن أطال الله في العمر، والحمد لله رب العالمين .

الجمعة, 12 كانون1/ديسمبر 2025 10:21

كلمات حول الحزبية المقيتة غير منشورة

كلمات حول الحزبية المقيتة
1-حقيقة الحزبية المقيتة المفرقة هي عقد الولاء والبراء في غير الكتاب والسنة، عقده في شخص أو جماعة أو فكرة أو مسألة شرعية ظنية.
2-الحزبية المقيتة هي التي تجعلك تمدح المبتدع وتهون من ضلالاته إذ كان من حزبك، بينما تقدح في السني وتقصيه لخلاف فرعي إذ لم يكن منه.
3-الحزبية المقيتة هي التي تجعلك ترفع الجاهل إذا كان من جماعتك، وتضع العالم وتجحد علمه إذ لم من يكن منها
4-الحزبية المقيتة هي التي تجعلك توالي العاصي ومن تبين انحرافه إذا كان من جماعتك، وتعادي الطائع والمصلح إذ لم من يكن منها.
5-الحزبية تبدأ بالولاء في غير الله تعالى وتنتهي باعتقاد العصمة في الحزب أو قائده، ثم حصر جماعة المسلمين أو الناجين في حزبهم دون غيرهم.
وأزيد عليها 
الحزبية المقيتة هي التي تجعل صدرك يضيق عندما تقرأ هذه الحقائق التي لا يجادل فيها مؤمن يحب المؤمنين .

الخميس, 11 كانون1/ديسمبر 2025 15:49

أربعون خاطرة في نصرة وخدمة اللغة العربية غير منشورة

أربعون خاطرة في نصرة وخدمة اللغة العربية 
1-العربية لغتنا، ليس مجرد شعار، وتعظيمها ليس بمجرد الإشادة بالكلام، بل بالأعمال الجادة الباقية والمشاريع المثمرة تعليما واستعمالا.
2-تهميش اللغة الرسمية العربية لعقود لا يعوضه الاحتفال السنوي بيومها العالمي، ولا الكلام عن فضائلها وخصائصها شهرا  ولا عاما كاملا.
3-خدمة للغة العربية، أئمة المساجد والجمعيات الثقافية والنوادي مدعوون لتنظيم دورات لشرح الأجرومية، تنطلق هذه الأيام وتختم قبل شهر رمضان.
4-خدمة للغة العربية، الجمعيات والأئمة والمعلمون وغيرهم مدعوون للإسهام في حملة توعوية افتراضية وميدانية، من أجل تعريب لافتات المحلات.
5-مما يدخل في خدمة اللغة العربية؛ تعليم الخطوط العربية، سواء المستعملة في الكتابة أو الزخارف،
وتنظيم مسابقات تشجيعية في هذا المضمار.
6-تشجيعا على تعريب لافتات المحلات التجارية؛ لابد من توجيه مؤسسات تصميم اللافتات، إلى استعمال الخطوط والزخارف العربية الجميلة.
7-يدخل في خدمة اللغة العربية: دعم دور النشر التي تطبع الكتاب العربي، والمجلات العربية، وكذا الجرائد الناطقة بالعربية الفصحى.
8-الشراء والقراءة للكتب والمجلات والجرائد العربية، هو تقوية لملكتك اللسانية، وتوسيع لمداركك العقلية، وخدمة ودعم للغة العربية.
9-خدمة للغة العربية لابد من دعم وتشجيع الكتاب باللغة العربية، الكتاب الملتزمين بالأدب العربي وقوانينه، وبالشرع الإسلامي وحدوده.
10-لا ينبغي قصر اليوم العالمي للغة العربية في الحديث عنها أو تكريم من خدمها، بل هو موعد لاختتام وتقييم أنشطة، ولإعلان انطلاق أخرى.
11-كان أسلافنا يهتمون بتحفيظ الشعر للناشئة، الشعر القديم الموزون كالمعلقات ونحوها، ومما يشجع على ذلك تنظيم مسابقات من جهات مختصة.
12-في الجامع الأخضر سنة٣٦ كان يدرس: الأجرومية والقطر والمكودي واللامية والجوهر المكنون وديوان الحماسة وديوان المتنبي وأمالي القالي.
13-كان الابراهيمي يدرس يوميا: رسم القلم ومبادئ النحو والصرف وقطر الندى والمعلقات السبع، والجوهر المكنون، ومقتطفات من الشعر الفحل والأمثال ومفردات لغوية في غاية الأهمية.
14-لن تنتصر اللغة العربية ما دمنا مستعدين فقط لانفاق ملايين الشتائم ضد فرنسا ولغتها،
دون أن ننفق دينارا خدمة للغتنا في بلدنا.
15-في بلدنا المترامية الأطراف شيوخ وأساتذة متضلعون في مختلف علوم اللسان العربي،
لابد أن تفتح لهم أبواب المساجد والجمعيات والنوادي.
16-مسابقات خدمة اللغة العربية كثيرة؛ يمكن أن تكون في الشعر أو المقامات حفظا وإنشاء، وفي القصة تأليفا وقراءة، أو النحو وغريب القرآن.
17-أنفع المسابقات المسابقات المحلية؛ التي تكون في الأمور التأسيسية في اللغة العربية، وتتوقع فيها مشاركة واسعة للناشئة والشباب.
18-خدمة للغة العربية علينا بإنشاء مواقع وقنوات إلكترونية تجمع فيها الدروس العلمية التكونية في علوم اللسان العربي المسموعة والمصورة.
19-يمكننا جميعا الانتصار للغة العربية بتعريب أسماء حساباتنا والدعوة إلى ذلك، وبتجنب العامية والتزام الفصحى في منشوراتنا وتعليقاتنا.
20-نسهم في خدمة اللغة العربية بالتعريف بالشيوخ المبرزين في علومها، والاشهار للدروس القائمة، والدلالة على روابط ما هو مسجل منها.
21-مما تخدم اللغة العربية دروس تعليم القراءة والكتابة المسماة "محوا للأمية"، فلا ينبغي الاستهانة بها لأن ضحايا فشل المدرسة كثر.
22--من أعظم مظاهر الإضرار باللغة العربية: الكتابة بالعامية خاصة في الجرائد ولافتات المحلات.
23--اللافتات الرسمية يجب تصحيحها لغويا مثلا يكتب حذار بلا ياء، اعط حق المرور لا تخلى عن الطريق، يمنع الركن والوقوف لا الوقوف والتوقف
24--مما يخدم اللغة العربية ترجمة المؤلفات والمقالات العلمية في العلوم الكونية كالطب والهندسة والكمياء وغيرها، تمهيدا لتعريب تدريسها
25-على أساتذة الأطوار الثلاثة في التعليم جمع الأخطاء اللغوية في مختلف الكتب المدرسية، وتقديمها للوزارة في يوم اللغة العربية لتصحح
26-تخدم العربية بترجمة أدبها إلى اللغات العالمية، لا بترجمة الأدب الأجنبي إليها فهذا يهدم أدبها ولا سيما إن كانت مخذولة في أوطانها.
27-التخصصات الجامعية التي يمكن أن يوظف خريجوها أساتذة للتعليم الابتدائي؛ لابد أن تفرض فيها مادة اللغة العربية نحوا وصرفا وأدبا.
28-قبل أن تسجل إعجابك بالمنشور أو تشاركه؛ غير كتابة اسم حسابك إلى الحرف العربي، واعلم أن الانتصار للغة العربية هو انتصار للإسلام.
29-مما يخدم به أهل اليسار اللغة العربية: إنشاء المكتبات الجوارية، ومكتبات المساجد، ثم تزويدها بالمصادر والمراجع اللغوية المتنوعة
30-ننتصر للعربية أيضا بتطهير لهجاتنا العامية من الكلمات الفرنسية التي غزتها فشوهتها، ومجاهدة النفس على استبدالها بالكلمات العربية.
31-إقامة الندوات والملتقيات حول الأدباء والشعراء الذين أثروا وخدموا العربية في العصر الحاضر؛ مما تنصر به اللغة العربية.
32-للنهضة باللغة العربية تؤسس في كل ولاية جمعية لأهل النحو والأدب والشعر، ولا يكفي وجود الجمعيات الثقافية التي لها اهتمامات أوسع.
33-يقترح إنشاء صفحات ومواقع لتصحيح الأخطاء الشائعة في لغة الإعلام؛ التي غزت لغة المتحدثين والكتاب، نحو كتاب تقويم اللسانين للهلالي.
34-المستوى الأول للغة العربية هو تعلم الحروف مع مخارجها وصفاتها، وهو ما يجب أن يلتزم به المعلم في التعليم الابتدائي عمليا ثم نظريا.
35-اللغة العربية في كليات الآداب تعاني من تغريب عنيف، همش علوم اللسان العربي الأصيلة؛ التي تفيد في فهم القرآن؛ من نحو وصرف وبلاغة.
36-الشعر العربي هو الشعر الموزون المقفى، الذي يخدم اللسان ويعمق الانتماء، والشاعر المستحق للتكريم هو الملتزم بالوزن والقافية.
37-من أسباب خلود اللغة العربية، القرآن الكريم الذي لم يفرط في حفظه جيل من الأجيال، فلابد أن يستمر ذلك وأن يشمل كل أولاد المسلمين.
38-مما تخدم به اللغة العربية تطوير برامج رقمية للترجمة منها وإليها، وتحويل المنطوق إلى مكتوب والعكس، والتدقيق الإملائي والنحوي.
39-يجب على كل مسلم أن يعمل على جعل اللغة العربية لغة العلوم الإنسانية والكونية، ولغة التعليم العالي في جميع التخصصات دون استثناء.
40-من الانتصار للعربية كتابة المازيغية ولهجاتها بالحرف العربي، تدوينا وترجمة للتراث الشفهي شعرا وأمثالا وقصصا، وكذا إعدادا للمعاجم.

الخميس, 06 تشرين2/نوفمبر 2025 22:11

فشلنا في التربية غير منشورة

فشلنا في التربية
هذه الكلمة كان الألباني رحمه الله يكررها كثيرا في أشرطته في السنوات الأخيرة من عمره ، وهو من النقد الذاتي الذي كان يستوجب مراجعة من انتسب إلى طريقته في الدعوة والإصلاح للأولويات في العمل الدعوي، وما يقر الألباني أنه لم يحققه كما يجب ، هو حال بقية الجماعات الإسلامية.
 وعدم النجاح في التربية له مظاهر تدل عليه سوى مظاهر التعالم وتنزيل الأغرار والمتطفلين على العلم أنفسهم منزلة العلماء بل ومنزله الموجهين للعلماء ، ولقطار الدعوة ومسيرتها ، فمن مظاهر تلك ظاهرة التساقط في الطريق التي أهونها ترك الدعوة مع لزوم الاستقامة ومن التساقط الالتزام الظاهري باللسان والشكل مع فساد القلوب والمعاملات، ومنها الارتماء في أحضان العدا وبيع الدين بالدنيا .
والتزم الدعاة المنهج القرآني في التربية المستفاد أولا من طول مدة التنزيل ثم من نوعية القرآن المنزل في الفترة المكية ثم من التكرار للمعاني المنزلة هو صمام الأمان ، فطول مدة التنزيل فيها من المعاني؛ أن العلم الكثير دون عمل منهج مخالف لهدي القرآن فالعلم يراد للعمل والعمل سبيل لتزكية النفوس وتقوية الإيمان ، والقرآن المنزل أولا كان تركيزه على المواعظ وذكر الجنة والنار ، هذا مع تصحيح الأغلاط الكبرى التي تمس جوهر الدين من توحيد ونبوة وبعث، وأما التكرار فأمره واضح في القرآن المدني والمكي، فعذاب النار لم يذكر في آية أو سورة ، والأمر بالتقوى لم يكن في آية أو سورة ، وحتى القصص تكرر في أكثر من سورة ، وهذا لأن التربية تحصل بالتكرار ، وهي مختلفة عن التعليم الذي يكفي فيه ذكر الحكم مرة واحدة ...
 ونحن اليوم بدلا من أن نواصل البناء، ونستمر في التقدم إلى الأمام ؛ نجد أنفسنا نجابه ثمار فشلنا وفشل من سبقنا في ميدان التربية ، يجد الدعاة أنفسهم ينفقون الجهود والأوقات في جهاد أبناء الدعوة والصحوة المنحرفين والعاقين والمنقلبين والمغرورين الذين صاروا عبئا كبيرا على الدعوة ولا سيما مع كثرتهم ، وخاصة مع هذه الوسائل التي أتاحت لكل من أمتلك هاتفا ووجد من ينفخه من امثاله، أن يتخيل نفسه سلطانا للعلماء وشيخا للإسلام .

الأحد, 19 تشرين1/أكتوير 2025 18:50

نافذة على التاريخ : عملية العصفور الأزرق غير منشورة

نافذة على التاريخ : عملية العصفور الأزرق

كتب بتاريخ 20 أفريل 2019


أنيسي اليوم كان كتاب "عملية العصفور الأزرق" للشيخ محمد الصالح الصديق، منذ مدة وهو ينتظر دوره لقراءته وقد جاء، وذلك أني كثيرا ما أدفع السآمة والفتور بتغيير جبهة القراءة ووجهة البحث، إلى جهات بعيدة عن تخصصي؛ ولا سيما الكتابات التاريخية المتعلقة بالجزائر .
ولقد استمتعت بقراءة أحداث فصل من فصول هزيمة فرنسا على المستوى السياسي والعسكري، هزيمة تتعلق بأهم عملياتها السرية لضرب الحرب التحريرية الكبرى، وبعد الفراغ منه رأيت أن ألخص أحداث القصة للقراء في مقالة موجزة؛ مع تضمينها تعليقات مقتضبة .
لقد كانت هذه المؤامرة التي عرفت عند المجاهدين "بعملية العصفور الأزرق" مؤامرة محبوكة من جهاز المخابرات الفرنسية حبكا دقيقا في ظنهم؛ مما جعل المسؤولين السياسيين يسبقون الأحداث ويتنبؤون بانهيار وشيك لجيش التحرير الوطني، ولكن دهاء المجاهدين الأحرار حولها إلى نصر عظيم لجيش التحرير، وقد عُرف بالعملية في غلاف الكتاب بأنها:"أخطر عملية وأخسها دبرها قادة الاستعمار الفرنسي لإحباط ثورة الجزائر التحريرية، فقلبها عليهم دهاة الثورة، فكانت بردا وسلاما على الجزائر، وشؤما ووبالا على فرنسا" .
بداية القصة كانت مع تعيين جاك سوستال اليهودي سنة –1955- واليا على الجزائر؛ حيث دبر بمعية أجهزته مؤامرة تقضي بتكوين مليشيات مسلحة مدربة تلتحق بالمجاهدين في منطقة القبائل، وتتوغل في صفوفهم، ثم تشرع في اغتيال القيادات، وإذا نجحت العملية وسعت إلى الجهات الأخرى، وكلفت أجهزته بإدارة خطواتها الأولى خائن من الخونة المخلصين من ناحية عزازقة، كانت له شركة نقل بري خاصة تسمى "العصفور الأزرق"؛ ولكن مشيئة الله أعمت بصيرة الخائن الذي فكر شخص واسع العلاقات وكتوم ليقوم باختيار هؤلاء الشباب الذين سيتم تجنيدهم؛ فلم يجد أصلح لهذه المهمة من صديقه "أحمد زيدان" الذي كان يمتلك مطعما في مدينة عزازقة؛ لكنه بهذا الاختيار قد أخطأ خطأ فادحا، لأن أحمد زيدان كان رجلا وطنيا قد انضم للثورة؛ لكنه كان يتكلف قول وفعل ما يبعد عنه شبهة التعاون مع المجاهدين
    فلما عرض عليه الأمر لم يجبه صاحبنا فورا ، وطلب مهملة للتفكير، لأنها مهمة صعبة وخطيرة، ثم انه سارع للاتصال بمسؤول الناحية محمد اعزورن (المعروف بالسي سعيد وسيصبح أحد العقداء) وهذا الأخير أعلم مباشرة كريم بلقاسم المسؤول الأول على منطقة القبائل في تلك المرحلة، وبعد مشاورة محمدي السعيد وعلي ملاح (والمعروف بالسي الشريف وسيصبح أحد العقداء وقائدا للولاية السادسة بعد مؤتمر الصومام) اتفق الأربعة على "التعاون مع سوستيل لتحقيق المشروع" وكُلّف محمد إعزورن بمهمة اختيار المناضلين المخلصين الأذكياء القادرين على تحمل أعباء هذه المخاطرة، ولا يمكن أن تشك فيهم الادارة الفرنسية.
 وحينها أعلن أحمد زيدان القبول للعميل، وتم تجنيد ما لا يقل عن 600 شاب، جمعوا في معسكرات مختلفة بغرض تدريبهم قبل إطلاقهم لاختراق صفوف المجاهدين، وفي سنة 1956 صار لاكوست هو والي الجزائر فتايع المشروع، ولما صرح تمهيدا لإطلاق العملية بتاريخ 28 سبتمبر 1956 بقوله: "سنتحصل في أواخر أكتوبر على نتائج هامة لها دلالتها الكبيرة جدا... وقد بدأ المسلمون يرفضون أوامر قادتهم، كما ان الفرق المسلحة لم تعد تخفي مللها وتعبها"؛ أصدر كريم بلقاسم الأوامر بالالتحاق الفوري لأعضاء المنظمة بصفوف جيش التحرير بعدتهم وعتادتهم؛ وكان ذلك في 30 سبتمبر.
 ولم ينس أحمد زيدان أن يهدي ثلاث طلقات للعميل ليرديه قتيلا قبل أن يلتحق بالمجاهدين في الجبال؛ فكانت الحادثة فاجعة بأتم معنى الكلمة للمخابرات الفرنسية وجيشها..
 هذه هي القصة باختصار.. وفي الحقيقة كنت انتظر من الكتاب تفاصيل أكثر وتدقيقا في الأخبار، وخاصة أن العقيدة السعيد اعزورن (ت1988) كان صديقا حميما للمؤلف، أسفت لسرعة انتهاء القصة، ولكني وجدت عوضا في تلك القائمة الطويلة التي حوت نحو 260 اسما من أعضاء هذه المنظمة، حتى أن عينى دمعت، وأنا أقلب تلك الصفحات وأقرأ تلك الأسماء...كما أن للكتاب في هذه الطبعة الثانية ملحقات مهمة فيها فوائد وزوائد.. رحم الله الشهداء الأبرار.

" البدعة أحب إلى إبليس من المعصية"
قراءة تحليلية لمدلول النص وسياقه ومجال إعماله.
هذا النص ليس آية قرآنية ولا حديث نبويا ولا أثرا عن الصحابة وقع الاتفاق عليه ، وإذا لم يكن كذلك فهو ليس وحيا معصوما يجب على المسلمين الإذعان له .
لكنه كلمة حكيمة قالها الإمام سفيان الثوري وهو من أئمة أتباع التابعين الذين يصيبون ويخطئون ويحتج لأقوالهم ولا يحتج بهم، وإذا بحثنا عن حجته، وجدناها منصوصة له حيث قال رحمه الله معللا حكمه :"لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها"، فجنس البدعة حسب رأيه أخطر من جنس المعصية من هذه الحيثية ، لا من كل الجهات . 
ومعنى كلامه أن الواقع في البدعة إنما هو متدين بها يحسبها الهدى أو طريقا إلى رضا الله سبحانه، بينما الواقع في المعصية فهو يعلم أنه في سخط من الله تعالى، لذلك فإن الأول تدعوه نفسه للثبات على بدعته ، وبينما نفس الآخر تلومه عما هو فيه، ولو قدرنا ورود ناصحا إليهما فإن الواقع في البدعة سيشمر للدفاع عن بدعته والاستدلال عليها بما زين له الوقوع فيها ، بينما يحني العاصي رأسه حياء وإقرارا بسوء صنيعه ، وإن أخذته العزة بالإثم بأنه لن يدافع عن المعصية ولكنه إما أن يهاجم الناصح أو يحاول أن يجد لنفسه المسوغات التي ألجأته للمعصية، وأما الدفاع عنها فهو الاستحلال الموجب للكفر الذي لن يجرأ عليه، وهذا أيضا يبين أن العاصي أقرب إلى التوبة من المبتدع.
     وهذه الكلمة بهذا التفسير أقول بهذا التفسير لا شك في صوابها، وهي في المعني قريبة من عبارة :"إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة" (رويت مرفوعة ولا تصح)، ولعل الأسلم أن نفسرها بالقرب من التوبة والبعد عنها ونعبر بذلك، ولا نطلق حكم الحجب أو عدم التوبة بإطلاق كما قال الثوري، لأن الله تعالى هو الهادي الذي يهدي لنوره من يشاء والقلوب بين إصبعيه يقبلها كيف يشاء، ومن هدى صناديد من أهل الكفر لن يعز عليه أن يهدي من وقع في البدعة، وقد تاب من البدع في القديم والحديث أناس لا يحصون عددا والحمد لله رب العالمين.
    ومن الأدلة الشرعية على هذا الكلام قوله تعالى {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } [الكهف: 103، 104] قوله تعالى {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } [فاطر: 8] فإن قيل هذه الآيات وردت في الشرك والمشركين قيل العبرة بعموم اللفظ ، وجنس البدع ولا سيما الاعتقادية منها آيلة إلى معان شركية أو قريبة منها، فبدعة القدرية مثلا بدعة آيلة للشرك ، فإن من يقول إنه يخلق أفعاله فقد جعل نفسه شريكا لله تعالى في الخلق، ولذلك قيل القدرية مجوس هذه الأمة .
   وبعد النظر في حجة الثوري ومعناها وتقييدها نرجع إلى النص الأول :"البدعة أحب إلى إبليس من المعصية" فهل عدم التوبة أو ضعف احتمال التوبة يجعل المخالفة أحب إلى إبليس ؟ الجواب نعم فالشيطان غايته الاضلال {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82، 83] ولا يزال بالعبد حتى وهو في سكرات الموت ، وهنا نذكر بما قلنا أولا في شرح كلمة سفيان وهو أن جنس البدعة أحب إلى إبليس من جنس المعصية الذي يختلف عن القول بأن عموم البدع أحب إلى إبليس من عموم المعاصي ، وهذا معنى باطل لم يقصده سفيان الثوري رحمه الله تعالى وسيأتي شرح علة ذلك.
وخلاصة معنى قوله إلى حد هذا البيان : أن البدعة من حيث بعد صاحبها عن التوبة أحب إلى إبليس من المعصية .
    ثم إننا أمام مصطلح البدعة الذي له مدلول في اللغة ومدلول آخر في الشرع وربما تكون له مدلولات عرفية حسب مقاصد من تحدث بها، فأي المعاني أراد رحمه الله تعالى ؟ لا شك أنه لم يرد المعنى اللغوي الذي هو بمعنى المحدث، وإنما المعنى الشرعي الذي يعني المحدث في الدين الذي يقابل السنة ، وهي المقصودة في قول النبي صلى الله عليه وسلم :"كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ، وهذه البدعة تشمل بدع الأقوال والعقائد وأيضا بدع الأعمال والعبادات ، فأيها قصد الثوري بكلامه ؟ فيقال إن معرفة قصده يكون بمراجعة كلامه ومورد البدعة فيما أثر عنه ، ثم العصر الذي وجد فيه ما هو جنس البدع التي كان يواجهها الثوري رحمه الله ويحذر منها.
فأما إذا نظرنا في كلامه فإننا نجد قوله :"من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة وهو يعلم خرج من عصمة الله ووكل إلى نفسه" راوه عنه ابن وضاح في البدع والنهي عنها وأبو نعيم في الحلية، ونجد أيضا قوله :"من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه ولا يلقها في قلوبهم" رواه عنه أبو نعيم في الحلية ، وهذان النصان خاصان ببدع الأقوال والاعتقادات كما هو واضح ، وإذا عدنا إلى عصر أتباع التابعين فإن البدع التي كانت قد ظهرت وجابهها الجهابذة منهم كمالك والثوري وأضرابهم هي بدع الأقوال والاعتقادات أعنى مقالات الجهمية والقدرية والشيعة والخوارج، وأما بدع الأعمال فكانت قليلة ولم تأخذ في ذلك العصر طابع العموم ، وإنما عمت مع ضعف الفقه الإسلامي وانعزال طائفة العباد والزهاد وتميزهم عن الفقهاء والمحدثين ، مما جعلهم يقعون في محدثات من العبادات غير متقيدة بمروايات السنة وضوابط الفقهاء .
   وإذا حكما السياق التاريخي لهذا النص نفهم كلمة الثوري على هذا النحو البدعة الاعتقادية من حيث بعد صاحبها عن التوبة أحب إلى إبليس من المعصية.
تفريع على التحليل
    وهذا النص سواء خصص بالبدع الاعتقادية التي لا شك في دخولها فيه أو حمل على عموم البدع باعتبار معنى البعد عن التوبة ، فإن العلماء يسوقونه في مضمار التحذير من البدع والزجر عن التلبس بها ، وليس مساق عقد المقارنات بين آحاد البدع وآحاد المعاصي على سبيل العموم .
    ومن شرد ذهنه على هذا المعنى الأخير ولم يراع حيثية المقارنة ولا السياق التاريخي ربما وقع في شناعات من الأقوال ، وخاصة إذا أدخل في البدعة البدعة العملية سواء كانت حقيقية أو إضافية، وسواء كانت متفقا على بدعيتها أو مختلفا فيها ، فقد تجد بعض العامة وأشباههم من يجعل القراءة الجماعية للقرآن (وهي محل خلاف عند المتأخرين) أو استعمال السبحة في الذكر بقصد العد (وهي مباحة على الراجح) بدعة أشر وأشنع وأحب إلى إبليس من شرب الخمر الذي هو أم الخبائث ومن قتل النفس الذي هو أعظم ذنب بعد الشرك بالله تعالى.
    وإذا سألتهم عن دليلهم على زعمه هذا يتلوا عليك كلام الثوري تلاوة من يتلو القرآن إلا أنه لا يجوده ، معتقدا قطعية دلالته وحجيته وما هو إلا كلام بشر يصيب ويخطئ ، وقد رأينا مدلول كلامه وحاجته إلى التقييد وأنه خاص ببدع الاعتقاد ولو سلمنا شموله لبدع الأعمال فكون جنس البدعة أخطر، لا يستلزم أن كل بدعة أخطر من كل معصية ، اللهم إلا إذا كان فعلهما واحدا أعنى أن فعل المبتدع والعاصي واحدا ، فالقتل فعل واحد لكن قتل الخارجي للمسلم أخطر من قتل قاطع الطريق له، واستعمال آلات الطرب واحد لكن يزعم التقرب بها إلى الله أبعد منه من الذي يلهو بها لهوا مجردا.
    هذا على سبيل التنزل وإلا فإن الترجيح بين آحاد البدع وآحاد المعاصي مرجعه إلى النظر المقاصدي الذي لا تراعى فيه حيثية واحدة وهي جهة الفاعل كما في قول الثوري ولكن تراعى فيه حيثيات أخرى منها ما يتعلق بالمآلات والأثر على الناس والمجتمع، ومنها ما يتعلق بدرجات المفاسد، من جهة ما يترتب على الفعل من إخلال بمقاصد الشارع أهو الإخلال بالضروريات أم الحاجيات أم التحسينيات، وإذا كان في جميعها إخلال بالضروريات فينظر في ترتيب الضروريات وهكذا. فأمر الموازنة أمر علمي دقيق ولا يتم بمثل هذا العبث الذي يتجرأ عليه العوام وأشباههم في عصر شيوع القلم وانتشار الجهل.
    وإن من أشر البدع في دين الله تعالى بدعة تحكيم الرجال واعتقاد عصمتهم وتنزيل كلامهم منزلة القرآن حيث يحتج به من غير نظر في مخالفته وموافقته ، وفي هذا العصر شاعت هذه البدعة مكتسية ثوب السنة فانطلت على كثير من الناس، حيث استخرجت آثار للسلف كان تساق مساق الوعظ والاستئناس وصارت تسوق على أنها قواعد السنة فتوضع في غير محلها لتهدم أصولا قطعية ثابتة ، ومن تلك الآثار قول ابن المبارك : "من خفيت علينا بدعته لم تخف علينا ألفته"، الذي نقل من سياقه بعيدا عن مراد صاحبه بنفس الطريقة ، واستعمل في هدم أصل حسن الظن بالمسلم المعروف باستقامته، وفتح به الباب للتجسس وتتبع العورات ، ولإلقاء التهم بالظنون الكاذبة ثم الوشايات المغرضة التي تتضمن استباحة ما هو أكثر من عرض المسلم نسأل الله العفو والعافية والهداية والتوفيق.

الجمعة, 22 آب/أغسطس 2025 10:53

111-من مشكلات خطبة الزواج غير منشورة

من مشكلات خطبة الزواج
نظرة في حديث إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه.
كثير من الأسئلة التي تطرح على المفتين ويلتمس فيها النصح والتوجيه في مجال خطبة الزواج؛ يكمن وراءها تصور فاسد وفهم غلط لقضية مهمة في هذا الباب،  إذ كثير من السائلين من الخاطبين أو المخطوبات يظنون أن المعيار الأساسي والوحيد لقبول الولي أو المخطوبة للخاطب هو الدين والخلق، وبعضهم يبنى هذا التصور على حديث مشهور بين الناس لفظه:" إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" فيزيد الطين بلة حيث سيعتقد أن رد خطبة ذي الدين والخلق أمر محرم ، وربما يجعله كبيرة باعتبار هذا اللفظ .
   وأول حل لهذه العقدة وما يتفرع عنها من مشكلات أن نعلم أن هذا الحديث ضعيف قد ضعفه البخاري وغيره، فلابد من حذفه من خلفية الناس التي تطرح مشكلاتها.
وعلى فرض صحته فهذا الحديث ليس هو الحديث الوحيد الذي يحكم قضايا الزواج ، فلا يجوز للمرء ان يلغي أحكاما ثابتة بالقواطع أو متفقا عليها بحديث فرد معناه مصادم لها، لذلك نقول إن هذا الحديث لو صح لكان دالا على ترجيح الدين والخلق على المال والجاه والنسب لا أكثر ، فكما أن الرجل رغب بالظفر بذات الدين وترجيحها على ذات المال والنسب والجاه فكذلك المرأة ترغب في ذلك. 
   وبعد تصحيح الحكم الذي هو الترجيح بين صفات الخطاب لا أكثر، يقال ان الفتنة والفساد المذكورين إنما ينتجان عند كثرة رد الخطاب وشيوع العنوسة التي تفتح باب الزنا، أو عند ترجيح الفاسق لأجل ماله وجاهه مما يؤدي الى الشقاق والطلاق. وليس المراد أن الفتنة والفساد في رد خاطب متدين لسبب من الأسباب الآتي ذكرها مع قبول غيره ممن هو أفضل منه أو مثله.
   وبعد بيان موضع الفتنة والفساد ننتقل إلى الأمور الأخرى المعتبرة قطعا في الخاطب ، فالقدرة المالية او المادية مثلا وهي الباءة التي علق بها النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالزواج، لا يختلف في اعتبارها، فلابد للخاطب أن يكون له مال أو قدرة على اكتسابه؛ بحيث يضمن للزوجة نفقتها الواجبة حسب العرف السائد، وهي تشمل في حياة المدينة المعاصرة المسكن والعلاج فضلا عن الطعام والكسوة، ففاقد الباءة أمره النبي صلى الله عليه وسلم الصوم، ولم يأمره بأن يتقدم للخطبة ليزيد من توقد شهوته، وليعلق بنات المسلمين لسنين عديدة ، ثم لعله يتركها إلى غيرها، فلا يتقدم للخطبة إلا من استطاع الباءة، وولي المرأة السوي الراشد لا يقبل إلا خطبة من استطاعها؛ ولو كان الخاطب في قمة التدين والتقوى والورع، وقد قال النبي صلى الله علين وسلم في صحابي جليل إنه صعلوك لا مال له ليرجح عليه غيره.
   وبعد القدرة المادية لابد من النظر في العيوب المانعة من الزواج، والمقصود بالدرجة الأولى العيوب الموجبة للفسخ من جنون وعته، أو مرض خطير ومعد، أو عنة ونحو ذلك، فالدين والخلق لا يلغي اعتبار السلامة من هذه العيوب، بل ومن بقية العيوب الأخرى من أمراض مزمنة أو بتر أعضاء أو دمامة شكل، وقد روى البخاري أن الصحابية امرأة ثابت بنت قيس اختلعت منه مع انها قالت لا اعتب عليه في خلق ولا دين ، ولكنها أبغضته ، وفي بعض الروايات أن ذلك لدمامته،  وفي بعضها أنه كان قصيرا أيضا، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم خلعها مع أن زوجها كان ذا خلق ودين وباعترافها كما ذكرنا.
   وبعد اعتبار العيوب يأتي النظر في معاني الكفاءة التي ذكر الفقهاء، وهي أمور غير توقيفية وإنما عرفية تختلف باختلاف الزمان والمكان، والمقصود بالكفاءة أن يكون الرجل مكافئا للمرة أو أعلى منها حتى لا تنخرم قوامته، فالغني للغنية كفء والحر للحرة كفء، والشريف نسبا للشريفة كفء، والعربي للعربية، والحضري للحضرية، وهذا الموضوع العرفي الاجتماعي؛ إنما راعاه الفقهاء لأنه أضمن لاستقرار الزواج ونجاحه وعدم فشله وانحلاله، وليس المعنى عندهم بطلانه أو عدم صحته، إلا في أحوال كقول الحنفية إن للمرأة أن تزوج نفسها لكن يحق لوليها فسخ الزواج إذا كان الزوج غير كفء .
   ونصل في نهاية هذا المقال إلى أن الفقهاء بنوا فقههم في مسائل الخطبة بعيدا عن هذا الحديث فكأنه غير موجود ، ومن صححه خصه بالمعنى المذكور اولا وهو معنى الترجيح والأفضلية لا وجوب قبول الخاطب إذا كان ذا دين وخلق وإلغاء كل الاعتبارات الأخرى،  التي دلت النصوص على اعتبارها أو الأعراف التي لا حصر لأحوالها وجزئياتها.
   وننبه أن مراعاة العرف هنا إنما في مقام تنزيلي على سبيل النصح والافضلية ، وليس على سبيل التشريع والالزام،  حتى لا يعترض معترض بأن النص مقدم على العرف وهذا في قضية الكفاءة وكذا في العيوب أيضا ، والله أعلم.

الأحد, 15 حزيران/يونيو 2025 21:20

التلاميذ المتجولون غير منشورة

التلاميذ المتجولون
ينبغي على القائمين على المدارس القرآنية أن يفتحوا أبواب تسجيلات خاصة بالعطلة الصيفية التي تدوم قرابة ثلاثة أشهر، وذلك لاستقبال أفواج جديدة من أولاد المسلمين الذين لم يتيسر لهم الانتظام في هذه المدارس خلال الموسم الدارسي، عسى يحفظوا شيئا من القرآن الكريم، ومبادئ العقيدة الآداب الإسلامية، فإن لم يتسر ذلك طيلة العطلة فعلى الأقل نصفها.
ولا يخفى أن كثيرا من الأولاد لا ينتسبون إلى المدارس القرآنية بسبب كثافة البرامج الدراسية، وقد يكون هذا الامتناع نابعا من ارادتهم، وقد يكون نابعا من إرادة أوليائهم وهو الغالب، وبعيدا عن مناقشة أسباب هذا الامتناع ، نقول إن المدارس القرآنية التابعة للمساجد أو الجمعيات لابد أن يكون أصحابها أهل رسالة دعوية تسع جميع فئات المجتمع مهما كان مستواهم في التفكير والتدين، فالمدرسة القرآنية مكان للتربية والدعوة ، وينبغي أن تكون متاحة لجميع من قصدها، وليست مجرد مكان لتخريج الحفاظ!!.
ونحن نعلم أنه لو اتجه كل أولاد المسلمين طيلة السنة إلى المدارس القرآنية لحفظ القرآن لما وسعتهم، لأنه يلزمنا حينها توفير ما يقابل عدد أقسام المدارس الابتدائية والاكمالية والثانوية، وأنى لمعلمي القرآن والقائمين على المدارس القرآنية القيام على ذلك، سواء من حيث الهياكل أو التأطير،  فإذا كان هذا الامتناع لدى البعض مؤقتا بزمن؛ فعلينا أن نرحب بكل من يطرق باب القرآن في أي وقت وأن لا نرده ، فنحن دعاة هدفنا تعليم الناس الخير.
والواجب على القائمين على المدارس القرآنية أن يستعدوا نهاية كل موسم دراسي لاستقبال هؤلاء التلاميذ وادماجهم في أفواج خاصة لها برنامج يناسبها، ويفرغ لهم معلمون متطوعون يجتهدون في تعليمهم وتهذيبهم خلال هذه المدة.
  واننا لنعجب من معلم يرد من جاءه يتودد، يريد تعلم كلام الله تعالى ، بدعوى أنه تلميذ متجول يريد أن يقضي العطلة في المسجد ثم ينصرف، يقولها البعض بتذمر، في حين كان ينبغي له أن يقول كيف لي أن ارد هذا الذي جاء يريد القرآن في فصل الحر حيث يقصد أقرانه وأمثاله أماكن اللهو واللعب ، ومنهم من ينخرط في مخيمات ورحلات الاختلاط والمجون، فالمعلم الرسالي يفرح بمن يقبل عليه ، وإن لم تكن له قدرة على استقبال المزيد حزن وتحسر،  وإن عجز على الاستقبال في عام أعد العدة للعام المقبل.
وبعضنا غفر لنا ولهم يعد رد من يأت في هذا الوقت من السنة نباهة ، ويحسب أن انقطاع من ينقطع عن مدرسته فور الدخول المدرسي خسارة ، وليس ذلك بالنباهة ولا تلك بالخسارة ، فالنباهة تقتضي أن نكيف نظام مدارسنا حسب واقع مجتمعنا،  ولا نتعامل مع الأطفال بمعايير الأزمنة التي كانت المدرسة القرآنية هي الملاذ الوحيد لهم . والخسارة هي أن تضيع فرصة تعليم هذا الطفل حفظ أحزاب يصلي بها عمره كله، وأن يفوتك أجر تصحيح طريقة تلاوته للقران، وأن لا تنال فضل تعليمه عقيدته وتأديبه بآداب الاسلام.
   قد يعتذر البعض بأن الأمر فوق طاقته ، وقد يرى أخرون أن الاهتمام بالقدماء المداومين أولى من الجدد المتجولين، وقد يقول اخرون أن فيهم من يؤثر على نظام المدرسة وعلى طلابها بسوء خلقه وعدم انضباطه ، فيقال ان استيعابهم في أفواج خاصة بتوقيت يخصهم وتفريغ معلم لا يشترط فيه الكمال ليعتني بهم يدحض كل هذه الأعذار. 
   والذي نحتاجه فعلا هو تصحيح النية أولا ، وقوة العزيمة وحسن التدبير ثانيا ، وبعد ذلك يأتي التوفيق والمدد الرباني، والكلام في الموضوع قد يطول، وحسبنا ما يوصل الفكرة ، نسأل الله تعالى السداد القبول .

الجمعة, 07 آذار/مارس 2025 22:49

وقت وجوب الإمساك غير منشورة

يكثر السؤال عن وقت الامساك أو بالأحرى عمن سمع الأذان أيكمل سحوره أم يتوقف ، وقد آثرت أن يكون الجواب بالرجوع إلى أصل المسألة كما هي مدونة في كتب الفقه والخلاف عند المتقدمين ، ليفهم الجواب فهما جيدا ويعرف أن ما قاله بعض المعاصرين متوسطا بين الآراء القديمة قول لا وجود له عند السلف والفقهاء المتقدمين .

وقت وجوب الإمساك
اختلف العلماء في أول وقت الامساك على قولين :
القول الأول : وقت الامساك وهو الفجر الثاني المستطير الأبيض أي وقت دخول صلاة الصبح .
    وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء المجتهدين ومنهم الأئمة الأربعة وغيرهم.
القول الثاني : وقت الامساك يكون بعد الفجر الأبيض.
     نسب إلى أبي بكر وعلي وحذيفة وابن مسعود، وهو ثابت عن الأعمش وقال شيخه مسلم بن صبيح: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
   وقريب من هذا اختيار ابن حزم حيث ربط وجوب الامساك بالتبين الذي يكون حتما بعد طلوع الفجر.
   وقريب منه أيضا قول بعض المعاصرين ومنهم الألباني في خصوص من سمع النداء وكان السحور بين يديه لم يقض حاجته منه.
أدلة القول الأول :
1-قوله تعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) مع حديث سهل بن سعد قال : أنزلت : وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود  ولم ينزل  من الفجر  فكان رجال إذا أراد الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد من الفجر فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار (متفق عليه) .
2- حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال " لما نزلت حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر قلت يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين عقالا أبيض وعقالا أسود أعرف الليل من النهار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن وسادك لعريض إنما هو سواد الليل وبياض النهار " متفق عليه
3-حديث عائشة  إن بلالا يؤذن بليل فقال رسول الله  كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر أخرجه البخاري
أدلة القول الثاني :
1-حديث أبي هريرة مرفوعا : إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه  أخرجه أبو داود غيره وصححه الحاكم والألباني
2 حديث عاصم عن زر بن حبيش عن حذيفة قال :"تسحرت مع النبي  ولو أشاء أن أقول هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع"، أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه الألباني.
3-حديث أبي غالب عن أبي أمامة قال: أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر قال : أشربها يا رسول الله قال نعم، فشربها، أخرجه أبو يعلى والطبري ، وصححه أحمد شاكر وحسنه الألباني .
ولهم أدلة أخرى نقلية ومن الأقيسة أيضا ذكرها الطبري في تفسيره نتركها لشدة ضعفها .
الترجيح
والصحيح الذي لا شك فيه ولا ارتياب هو القول الأول لأن الأحاديث في ذلك متفق على صحتها وقطعية في دلالتها قال القرطبي :"وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (إنما هو سواد الليل وبياض النهار) الفيصل في ذلك"، وما استدل به المخالفون غير صحيح ولو صح منها حديث لوجب تأويله حتى لا يخالف نص القرآن والسنة الصحيحة.
أولا : وأما الآثار المروية عن الصحابة فالثابت منها ليس صريحا في المراد، وهي محمولة على المبالغة في تأخير السحور ، ولذلك حصر ابن عبد البر الخلاف مع الأعمش فقال في التمهيد (10/ 62):"وهو إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش فشذ ولم يعرج على قوله والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس على هذا إجماع علماء المسلمين فلا وجه للكلام فيه".
ثانيا : وأما الأحاديث التي ذكرت حجة للمذهب الثاني فكلها مدخولة لا تصح.
1-فأما الحديث الأول فتفرد به حماد بن سلمة وهو متكلم في حفظه إذا روى عن غير ثابت وحميد، وقد اضطرب فيه فمرة رواه عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومرة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة، ومرة عن يونس عن الحسن مرسلا، ومرة عن حميد عن أبي رافع أو غيره عن أبي هريرة موقوفاً، وقد ضعفه أبو حاتم الرازي كما في العلل لابنه (رقم:340)
   وقد تأوله بعض الفقهاء بتأويلات على فرض صحته منها حمل الأذان على الأذان الأول، ومنها حمله على معنى أذان المغرب أو مطلق الأذان على معنى تقديم الطعام على إجابة النداء، أو على حالة الشك وعدم التبين كما هو مذهب ابن حزم.
2-وأما الحديث الثاني وهو حديث حذيفة، فقد اختلف في رفعه ووقفه وتفرد برفعه عاصم وهو متكلم فيه والصواب رواية من وقفه، أعله بهذه العلة النسائي كما في تحفة الأشراف، وابن القيم في حاشية سنن أبي داود، وشعيب الأناؤوط، وكذا مقبل بن هادي في أحاديث معلة (رقم:117) وبين أن لفظ الموقوف مخالف للمرفوع أيضا، وهو يدل على تأخير السحور فحسب.
3-وأما الحديث الثالث فضعيف أيضا، وقد تفرد به أبو غالب وهو ضعيف الحديث، ضعّفه أبو حاتم، والنسائي، وابن سعد، وابن حبان، وغيرهم ، ومن قواه فإنما قصده أنه يعتبر به وليس ضعيفا جدا، وإعراض أصحاب الكتب التسعة عن هذا الحديث يدلنا على وهنه وعدم الحاجة إليه في الفقه.
تفريع منهم
-على مذهب الجمهور : قال النووي في شرح المذهب (6/311) ذكرنا أن من طلع الفجر وفي فيه طعام فليلفضه ويتم صومه فإن ابتلعه بعد علمه بالفجر بطل صومه وهذا لا خلاف فيه اهـ
-وعلى المذهب الثاني كما فهمه ابن حزم ، قال :"فَمَنْ رَأَى الْفَجْرَ وَهُوَ يَأْكُلُ فَلْيَقْذِفْ مَا فِي فَمِهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، وَلْيَصُمْ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ" المحلى (4/ 366).
-أما على مذهب الأعمش فالوقت ممتد حيث قال: لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت. وقد فهم الطبري أن الامساك عنده لا يكون إلا عند طلوع الشمس.

الخميس, 06 آذار/مارس 2025 16:28

معضلة الإله المتجسد غير منشورة

معضلة الإله المتجسد

د. يزيد حمزاوي _ رحمه الله تعالى _
قلتم إن المسيح هو الإله المتجسد الذي أنجبته مريم، وقد أخبرتْنا أناجيلكم أن مريم تطهرت من دم الولادة بعد 33 يوما على عادة النساء اليهوديات، فمن الذي نجس مريم حتى تتطهر؟ وهل يُنجس الإله أمه!؟
وقلتم: إن المسيح هو الإله الواحد، وقلتم: إن المسيح اختتن، مما يعني نزع جزء من عضوه الذكري، فهل يعني هذا أنه نزع جزء من الإله وألقي في الزبالة؟
وقد كان المسيح الإله المتجسد يقطع شعره وأظفاره وهي جزء منه، فهل كان قطع بالختان غرلته، وهي جزء من الإله الثالوثي المتجسد ليتلقفها من بعده المتبركون بها فيحوطونها بعنايتهم ورعايتهم حتى ضاعت منهم على حين غفلة بعد قرون طويلة!.
قالوا المسيح هو الإله.
قلنا لكن المسيح صفعه الرومان على خده، فالسؤال المطروح الذي لم يجيبوا عنه هل وقعت الصفعة على خد الأب أم الابن أم الروح القدس أم الثالوث أم من غيرهم؟
قالوا إن الإله الأب تجسد، أي أن الأب وهو روح اتخذ جسدا وهو جسم المسيح وعاش في فلسطين بعدما كان منذ الأزل في السماوات أو في كل مكان ـ كما يقول النصارى ـ الذين يؤمنون بوحدة الوجود، والسؤال المطروح: إن اليهود والرومان بصقوا على المسيح في فلسطين فهل وقعت البصقة على وجه الإله الأب المتجسد أم ماذا؟
وقالوا إن الإله من فرط حبه للبشر اختار أن يموت على الصليب ليكفر ذنوب البشر، والسؤال المطروح من مات تحديدا على الصليب؟
هل هو المسيح الإله، أم هو المسيح الإنسان، أم الاب الإله، أم الإله الروح القدس أم الإله الثالوث أم يهوه أم إلوهيم أم جميعهم؟
والنصارى يقولون إن الآب الإله روح، فكيف يموت الروح، طبعا إن كان هو المقتول على الصليب؟
إذا كان المسيح هو الإله الوحيد الذي اختار طواعية أن يموت على الصليب، فيعني ذلك أنه اختار الانتحار، فهل يجوز الانتحار في دينكم؟
فلتم إن المسيح هو الإله، وقد رأيناه يبكي حزنا على صديقه لعازر لما مات، فهل يحزن الإله وهل يبكي الإله!؟
تقولون إن الاب الإله روح، وهو في كل مكان، ثم تقولون إن المسيح الإله صعد وجلس ولا يزال على يمين الاب، فكيف يجلس على يمين الاب والاب روح يحيط بكل شيء!؟
وإذا كان الاب والابن واحد فكيف يجلس أحدهما على يمين الأخر، فبأي عقل تفكرون، واتركوا حكاية اللاهوت والناسوت، لان الناسوت مات على الأرض وانتهى، أما إذا لم يكن الناسوت قد مات فمن الذي مات على الصليب، هل الإله هو الذي بقي في قبره ثلاث ليال في ظلمة القبر!؟
ما هذا الإله الذي يقتله عبيده من اليهود والرومان ثم يوضع رغما عن أنفه بين التراب والجنادل والديدان ونتن الأبدان!؟
إن المسيح هو يهوه كما تقولون، فهل يمكن لليهود زمن المسيح أن يؤمنوا بأن إلههم الذي أخرجهم من مصر بقوته بعد أن اغرق فرعون وجنده لا يقدر على شرذمة من اليهود المتآمرين وثلة من جند الرومان المحتلين؟
يفتخرون بكلمة إنجيلية أين شوكتك يا موت؟
وأنا أقول أين شوكتك يا أيها الإله الميت؟
إله يموت!!!!
نعم ليس غريبا أن تموت الإلهة الفرعونية واليونانية والرومانية والفارسية والمتراسية.. أما إله العالم الإله الخالق للموت والحياة فلا يموت إلا في مخيلة بولس والمخبولين ممن أضلهم الشيطان.
إن الإيمان بموت الإله الحق جهالة وغباوة وحماقة، والإيمان بأن الموت هو سبيل الغفران هو خرافات لم يقل بها إلا المزورون الذين زوروا الأناجيل.
المخطوطات بين أيدينا والترجمات بين أيدينا، من أراد أن يناظر في ذلك قَبِلنا بل نحن مستعدون أن نمنح كل مناظر عن تزوير الكتاب المقدس ألف دولار إذا كان قسا صغيرا وعشرة ألاف دولار إذا كان من القسس المعروفين، لكن بشرط واحد أن تكون المناظرة داخل الكنيسة يوم الأحد ومصورة ويحضرها جمهور الكنيسة.
هل تقبلون؟
هل تجرؤون على ذلك؟
نحن في الانتظار.
لا نقول هذا الكلام من قبيل العنترية، لكننا موقنون أن دين الكنيسة مغشوش مسموم.
إن دين الكنيسة طريق مسدود بل قل مفتوحا لكن إلى جهنم وبئس المصير.
لا نتمنى لأحد أن يهلك في جهنم، لكن هذه هي مسؤولية الداعية أن يظهر الحقائق كما هي بلا لف ولا دوران ولا تزييف ولا ابتسامات دبلوماسية تنتهي بصاحبها إلى مصاحبة الشيطان وأتباعه في كل زمان ومكان في بحيرة الكبريت التي حذر منها كتابكم المقدس إلى أبد الآبدين.
صدقوني النصرانية ليست حلا بل مشكلة.
صدقوني المخلص هو الله وحده وليس المسيح.
صدقوني الكنيسة إما جاهلة أو مكابرة، فلا تُسْلم مصيرك إلى أولئك الذين يقودونك إلى حتفك وضياعك.
أيها النصراني المحب للنجاة والخلاص يوم الحساب الأخير! لا تظن أن كلمات المحبة والحب كافية أن تنجيك ما لم تؤمن بالله وحده، وما لم تشرك به لا ناسوتا ولا مسيحا ولا ثالوثا...
ربما لن تقبل مني إن دعوتك إلى قراءة القرآن لمعرفة الحق، لكنني لا بأس بأن أدعوك لإعادة قراءة الكتاب المقدس قراءة متأنية غير متعصبة ناقدة نافذة فستجد أن المسيح رسول خلت من قبله الرسل، لم يقل اعبدوني ولم يقل أنا إله أو ابن إله أو ثالوث أو أقنوم.
كما أنني أدعوك إلى اقتناء عشرات الترجمات للكتاب المقدس الحديثة وتقارنها بالترجمات القديمة لتعرف حجم ما يُحذف ويضاف إلى كتابك المقدس، أما الروح القدوس فهو أصم أبكم لا يحرك ساكنا، لا يدافع عن الوحي، وقد ترك اللجان التي تكتب الكتاب المقدس تعمل ما تشاء في معتقداتك الراسخة، فتبدلها يوما بعد يوم.
إن بعض النسخ الجديدة حذفت ثلاثين بالمائة من النسخ القديمة، وسيتفاقم الأمر بعد سنوات أو عقود قليلة، ونبوءتي التي أتنبأ بها أنه بعد عقود قليلة فإن النسخ الكتابية الجديدة ستصبح قريبة من كتب العقيدة الإسلامية التي لا تؤمن بالكفارة والفداء والخطيئة الأصلية والصلب والتجسد وقيامة يسوع....
أنجو بنفسك الآن قبل أن يفوت الأوان.
وإذا خشيت أن يكون كلامي خداعا أو فخا اتصل بنا عبر البريد الالكتروني وليكن بجانبك من تثق فيه من رجال الكنيسة، وراقبه كيف يهرب من أسئلة أهل الإسلام وحجة المختصين في تشخيص ومعالجة داء التزوير، وراقبه بنفسك لتعرف كيف يلقي على المسلمين شبهات واهية فارغة...
لا تتسرع، أحضر رجال دين آخرين من الكنيسة التي تنتمي إليها للالتقاء بنا، سنريكم مخطوطات كتبكم التي بين أيدينا، سنظهر لكم الترجمات الحديثة ونكشف لكم مئات النصوص التي بُدلت وغيرت حذفا وإضافة وزيادة وتغييرا وتبديلا وتنقيحا وتعديلا وتحريفا وتزويرا واستهزاءا....!!!
ليست هذه كتب مقدسة فلقد دنسها المزورون، ونحن من واجبنا أن نكشف التزوير، ومن مسؤوليتنا أن نوضح لك ألاعيب المحرفين، ثم لك الحرية التامة وحدك أن تختار: إما الجنة أو النار.
لا تخف فلسنا إرهابيين ـ كما يصورنا البعض ـ فلن نخيرك بين الإسلام أو القتل.
ولا تطمع فلن نقدم لك مقابل إسلامك الزيت والسكر.
والذي يجزيك هو الله القائل في كتابه:
(وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة: 72
(مَنْ عَمِل صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل: 97
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) المائدة: 65 التي بشر بها الإنجيل من ليس معه، ومع كثرة تشدقه بالمحبة حتى للأعداء، فالمسيح المحب وكُلِّي المحبة الذي يعشق أعداءه ويحب مضطهديه والكافرين به الذين أحبهم في الدنيا كثيرا، لقد كانت محبة وقتية ظرفية، ومن يضحك يضحك أخيرا، لقد خزن إله المحبة الكراهية إلى يوم الدينونة والانتقام ليوم الحساب، حيث لا مكان لـ "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر"، حيث لا مكان لـ "باركوا لاعنيكم وأحسنوا إلى مبغضيكم"، حيث سيُلقي إله المحبة جميع أولئك الذين أحبهم بلا مقابل في الدنيا إلى نار كبريتية مشتعلة إلى أبد الدهور .

الجمعة, 21 شباط/فبراير 2025 10:07

الفرق بين الدليل الأصولي والدليل التنزيلي غير منشورة

الفرق بين الدليل الأصولي والدليل التنزيلي
أو الفرق بين أصول الاستدلال وأصول الافتاء
(تتمة لمقالات نفي كون العرف دليلا أصوليا)
أولا : الدليل الأصولي
إن الدليل في أصول الفقه هو المثمر للحكم الشرعي، وأصل الأدلة كلها هو كتاب الله تعالى لأن الله تعالى هو المشرع ، وهو الحاكم بين عباده بما أراد جل شأنه ، وقد أنزل نبيه صلى الله عليه وسلم منزلة ليست لغيره فجعل طاعته من طاعته ، وأمر بالاقتداء به ، لأنه كان مفسرا لكتابه بقوله وعمله ، ثم دلنا كتاب الله ورسوله الكريم على أن الأمة بعد محمد صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على الغلط، وأنها معصومة محفوظة من ذلك حتى تبقى حجة الله قائمة على العباد إلى أن تقوم الساعة ، ومنه استفيدت حجية الإجماع في مسائل الشرع، ودلنا كتاب الله تعالى أيضا وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم على مشروعية الاجتهاد والقياس ، ووقع الاجماع النظري والعملي عليه في القرون الأولى ، وبهذا انحصرت الأدلة الشرعية المثمرة للأحكام التكليفية في هذه المعاني الأربعة : كتاب الله تعالى والسنة النبوية والإجماع والقياس.
   لكنا وجدنا من الأصوليين من زاد على هذه الأربعة أدلة أخرى :
   فمنهم من ذكر شرع من قبلنا ، فوقع تنازع فيه ، وهو عند تحرير محل النزاع تحريرا جيدا يظهر أنه دليل لأن مورده هو الكتاب والسنة لا غير ، واحتمال طروء النسخ فيه لا يؤخره عن كونه دليلا كما لم يؤخر بقية نصوص الكتاب والسنة مع كونها محتملة للنسخ.
    ومنهم من ذكر الاستصحاب ، وعند التحقيق في معناه الشرعي نجده راجعا لاستصحاب الكتاب أو السنة أو الإجماع استصحاب أحكامها أو عموماتها لا يخرج عنها ، ولذلك نقل الاتفاق على حجيته وهو بهذا المعنى متفق على حجيته.
    وأبرز المالكية دليلا جعلوه خامس الأدلة هو عمل أهل المدينة، وعندما تأمل المحققون منهم ومن غيرهم معناه وجدوه لا يخرج عن معنى السنة النبوية، بل هو أقوى أنواعها من جهة النقل وهي السنة المتواترة .
    وأبرز الشافعية دليلا سموه أقل ما قيل ، وعند النظر فيه نجد مبنيا على الإجماع إذ هو عدم مجازوة محل الإجماع إلا بدليل.
   وتكلم كثيرون عن حجية قول الصحابي الذي لا مخالف له ، وهو في الحقيقة أدنى درجات الإجماع السكوتي، إذ الاجماع السكوتي توفر فيه شرط الانتشار ، وقول الصحابي لم يتوفر فيه ذلك ، ومصدر حجيته هو عدم اجتماع الأمة في عصره على الغلط .
   ومنهم من أبرز دليل الاستصلاح أو المصلحة المرسلة ، واستخرجه من مسائل القياس ، وهو راجع إليه نوع من أنواعه مبني على مناسب مرسل وسمي قياسا مرسلا، العلة فيه وصف علمت ملائمته لمقاصد الشريعة في الجملة .
   ومنهم من ذكر الاستحسان، وهو عند جمهور من احتج به ودافع عنه راجع إلى تغليب قياس على قياس أو تغليب دليل جزئي على قاعدة قياسية، وهو في نهاية الأمر عندهم إما راجع لحجية القياس أو لحجية الدليل الذي تم تغليبه.
   وإذا أعدنا النظر في هذه الأدلة المستدركة وجدناها كلها راجعة إلى الأدلة الأربعة لا تخرج عنها ، ولكن المتأخرين استحسنوا إفرادها بالبحث من أجل ضبط ما يدخل تحتها وتمييزه عما ما لا يدخل ، وكذا من أجل التحقيق في حجيتها وخاصة بعد أن نقل الاختلاف فيها .
ثانيا : الدليل التنزيلي
    وهناك أدلة أخرى تذكر عند بعض المتأخرين ، وكثير من المعاصرين على أنها أدلة شرعية مثمرة للأحكام ، وهي ليست كذلك ، وإنما هي في حقيقة أمرها أدلة تنزيلية يعتمدها المفتي في نوازله -وهي أحكام خاصة-؛ ولا يعتمدها الفقيه في استنباطه الأحكام الشرعية التي هي أحكام وقوانين عامة .
    ولا يخفى الفرق بين الحكم العام التشريعي ، وبين الحكم الخاص التنزيلي ، إذ الأول نجده في كتب الفقه الإسلامي ومثمره هو الدليل الأصولي الذي نجده في كتب أصول الفقه، وأما الثاني فنجده في كتب الفتاوى والنوازل الفقهية، ومما يسهم في إثماره الدليل التنزيلي الذي نجده في كتب القواعد الفقهية.
    1-ومن تلك الأدلة سد الذرائع الذي يعبر عنه بالنظر في مآلات الفعل محل السؤال، وهو نظر خاص بالنازلة الواقعة والمسؤول عنها، فالذرائع تسد بمنع ما أصله الإباحة إذا قدر المفتي أنه يؤدي إلى مفسدة ، فإن اختلف الحال ولم يكن ثمة داع إلى المنع رجع وأفتى بالإباحة المذكورة في كتب الفقه والتي دلت عليها الأدلة الشرعية المثمرة للأحكام.
    2-ومنها أيضا دليل مراعاة الخلاف ، وهو نظر في الأسباب التي سبقت الفعل، وفي قوة دليل الفقيه المخالف لنعتبره، ولنعذر المستفتي الذي اعتمد على فتواه، فلا نصدر حكما في أصل المسألة، ولكن في آثارها المترتبة عنها، فنفتيه بلازم تلك الفتوى وإن كنا لا نقول بها، ومنه فالمفتي بمراعاة الخلاف لم يغير مذهبه لأجل خلاف مخالف، فلو جاءه آخر عمل بذلك العمل بهواه أو عصيانا أو جهلا ؛ لم يعمل معه قاعدة مراعاة الخلاف، بل يفتيه بما هو مقرر في كتب الفقه لا يحيد عنه.
   3-ومنها العرف الذي ينبغي أن يحكم في أقوال الناس وتصرفاتهم التي جاءوا يسألون عنها، باعتباره محددا لمراد كلامهم ومقاصد أفعالهم، فالعرف يحدد نية الحالف ويبين المحلوف عليه إذا لم يكن بينا من مجرد اللغة ، والعرف يبين أيضا ما يجب على كل من المعاقدين من تبعات إذا ما خلا عقدهما عن النص عن الشروط ، ومنه قيل المعروف عرفا كالمشروط شرطا، وهذا يوضح أن اعتمد العرف لا يتضمن تشريعا عاما ، وإنما هو موضح لمراد المتكلم، وكذلك يعمل به في تقدير أمور ترك الشرع تقديرها لاختلاف أحوال الناس كالنفقة ونحوها.
أسباب التساهل:
     ومما يدلنا على أن الذرائع ومراعاة الخلاف والعرف ليست أدلة شرعية ، نص الفقهاء على أنها منقسمة إلى ما هو معتبر وغير معتبر، وذلك بالنظر في الأدلة الشرعية التي تدل عليها فتبين أنها محكومة وليست حاكمة.
   ولكن المتأخرين تساهلوا فعطف بعضهم القواعد الفقهية الكلية الخمس على الأدلة الشرعية ، كما فعل ابن السبكي وتبعه عدد من الأصوليين، ومما ساند هذا التساهل بإدراج القواعد الفقهية في أصول الفقه ؛ تحول الاجتهاد في تلك الأعصار إلى اجتهاد مذهبي مبني على التخريج الذي من ألوانه التخريج على القواعد الفقهية الكلية والمذهبية .
    وهذا هو توجيه ذكر كثير من المالكية لهذه الأدلة التنزيلية ضمن كتب أصول الفقه مضمومة إلى الأدلة الشرعية .
    وقد كان لآخرين ولا سيما من المعاصرين دافع آخر لهذا التساهل، وهو الدفاع عن صلاحية الشريعة التي كانت متهمة ولازالت بأنها محدودة لا تسع مستجدات العصر ومختراعاته ، بسبب محدودية نصوصها ومصادرها، فأراد هؤلاء المدافعون عن الشريعة أن يقنعوا أنصار القوانين الوضعية بصلاحيته الشريعة بتبديد تصورهم لمصادرها ، واجتهدوا في تكثيرها ليبينوا لهم أنها أغنى من مصادر القانون، ولقد كان يكفيهم أن يشرحوا لهم الأدلة الأربعة أو أن يسردوها عليهم فروعها السابق ذكرها ، هذا وحده كاف لكل مسلم طرأت عليه شبهة ، وأما الملحد الذي غايته إزاحة الشريعة حتى لو كان كافية ، والذي يعتقد عدم لزوم الحكم بها ولا هي صالحة، فلن يقنعه وجود هذه الأدلة ما دام مرجعها كلها إلى الله جل جلاله ، وماذا يفيد مثل هذا أن تحدثه عن العرف ومراعاة الخلاف والذرائع أو عن الاستقراء والاحتياط أيضا، فإن من كفر بالأصل لا يرده إلى الإسلام حديث عن فرع أو فروع، فإن هؤلاء كان ينبغي تحديثهم عن الله جل جلاله ليقتنعوا بكلامه ويتبعوا صريح أحكامه ، ويسهل بعدها البحث معهم فيما لا نص فيه وكيفية ايجاد حكمه التشريعي العام أو التنزيلي الخاص، إلا أن الهزيمة النفسية لدى كثيرين جعلتهم وهم يترجون المنخلعين عن الشريعة يجتهدون في تكثير الأدلة، ويكثرون الكلام في شرح المصلحة والاستحسان والاستصحاب والعرف ونحوها، ويوسعون دائرة استعمالها طمعا في إقناعهم ولكن هيهات.
     ولقد كان ذلك خطأ منهم، فالشريعة التي أزيحت لم ترجع والأفكار المغلوطة التي دونت في ظرف معين موجهة لفئات معينة، صارت مادة تدرس وتطبع ، حتى انتشر سوء التصور للأدلة الشرعية حتى عند المتخصصين ، وكما ضمت الأدلة التنزيلية إلى الأدلة التشريعية، كذلك انتشر تصوير غير سديد لمفهوم الاستصحاب جعله يشمل صورا لا ترجع إلى الكتاب والسنة والإجماع ، وانتشر تصوير ناقص للاستصلاح جعلها لا تختلف عن التحسين والتقبيح العقلي؛ لا يحتاج إلى استقراء في الشريعة ولا نظر في ملائمة المصلحة لمواردها.
    ولقد كان يكفي –كما ذكرنا من قبل- في رد الشبهة بيان المصادر التي يعتمد عليها في الاجتهاد المطلق فإنها واسعة شاملة محيطة ، فالقرآن الكريم آياته كثيرة، والآية الواحدة منه تحمل في طياتها المعاني العديدة، والسنة تتضمن آلاف الأحاديث ودلالاتها متنوعة، والإجماعات غزيرة، والقياس مصدر غير محدودة نتائجه، وهذه الأدلة الأربعة كفيلة بتغطية كل ما يحتاجه المسلمون إلى قيام الساعة.
    وأما القواعد الفقهية سواء الكلية أو غيرها، فإنها من العلم الذي ينبغي للقاضي والمفتي الإحاطة به للاستناد إليه في النوازل التي تتشابك فيها الأدلة وتتعارض فيه الأحكام المدونة في كتب الفقه، وهي قواعد ناتجة عن استقراء فروع شرعية وربما دلت عليها أدلة ؛ فهي في أصلها ثمار وليست مثمرة، وإن لاعتبارها شروطا لابد أن تتوفر، ومجالات لا يجوز أن تتجاوز، وضوابط لابد أن تراعى، واستثناءات لابد أن تعلم.
    وهذا العلم قد استقل عن الفقه، وهو مستقل عن أصول الفقه بكتبه التي صنفت فيه، فينبغي أن يطلب في محله ، ولا يفيد الطالب له أن تنقل له منه نتف في كتب علم الأصول، فكل علم لابد أن يؤخذ من مظانه، والأمر نفسه يقال عن علم المقاصد وهو علم تنزيلي أيضا يحتاج إليه المفتي أكثر مما يحتاج إليه الفقيه، فليس هذا العلم داخلا في أصول الفقه، ولا هو مسقط لفائدة علم أصول الفقه، إذ غاية غاياته هو الترجيح بين المصالح والمفاسد، أو ترتيب المصالح أو المفاسد في النوازل الحاصلة.
    والخلاصة أن الدليل الكاشف عن حكم الله تعالى ومراده هو الدليل الأصولي وهو منحصر في الأدلة الأربعة وفروعها، وأما الأدلة المتعلقة بإعمال الحكم في الواقع، وعدم إعماله أو تأخيره أو ترجيح غيره أو كيفية إعماله أو مقداره ، فهو تنزيلي وقد نسميه أصلا من أصول الافتاء وليس أصلا من أصول الاستنباط.
        
         

الأحد, 16 شباط/فبراير 2025 14:15

الفقه الإسلامي من الترف العقلي إلى الاجهاد العقلي غير منشورة

الفقه الإسلامي من الترف العقلي إلى الاجهاد العقلي
أعدت قبل أسابيع نشر حلقات الكتب الصفراء التي انتقدت فيها نماذج للكتب التي كانت تصنع بها عقول المسلمين في عصور الانحطاط ، وكان نصيب علم الفقه من مخطوط وضع للمبتدئين شُرِحت وشُرِّحت –تخفيف الراء وتشديدها – فيه مسألة ابتلاع الذباب متى يبطل الصوم ، فرأيت متعرضا علق على آخر موافق : فكيف تصنع لو حدث لك ذلك ، فلم أنشط يومها لأشرح له ، أن المشكلة ليست في مسألة واحدة نادرة الوقوع، ولكن في عشرات أو مئات من جنسها تدرس للمبتدئين، وآلاف المسائل ضخمت كتب الفقه الإسلامي بلا طائل، وهي لو حدثت فأنسب مكان لها هو كتب النوازل لا كتب الفقه.
     ومما كنت نشرته في تجلية هذا المعنى المراد مسألة من نام مبتلعا خيطا ثم أصبح صائما الموجودة في فروع الشافعية ، وقد صرحت فيه أن طرح هذه المسائل يعد من مظاهر الترف العقلي، الذي لا فائدة منه ترجى في تكوين عقلية الفقيه ، ومن يزعم أنها تمارين تروض عقل الفقيه، يقال له بل هي تمارين تورث كلل عقل الفقيه ووهنه؛ بكثرتها وغلبتها وطول زمان الاشتغال بها، ومن يقول إن من فائدتها استثمار بعضها في النوازل المعاصرة، يقال له هو خطأ وقع قديما لابد من الاقرار به، واستفادة بعضنا من واحد من ألف من تلك المسائل لا يجعل تسطيرها صوابا ولا الاستمرار بشغل الناس بها صوابا، لأن الواجب على أهل كل زمان أن يجتهدوا في نوازل عصرهم وأن ينتجوا ما تحتاجه أمتهم، وليس من واجب أهل عصر أن يفكروا نيابة عن بقية أن أهل العصور التالية لزمانهم، بل إن إرهاق العقول بهذه القضايا الذي كان على حساب ربط الأحكام بأدلتها الشرعية وعللها وحكمها، يعتبر عائقا من عوائق تكوين المجتهدين القادرين على التصدي للنوازل والمستجدات بما يوجبه شرع رب العالمين.
   وهذه المسائل التي لا مناص من تصنيفها في خانة :"الترف العقلي" موجودة بكثرة، تقرأها العقول الحرة المستنيرة على كره ومضض، وتقرأها العقول الصفراء المتجرة بإعجاب وتعظيم، والخلاف بين الفريقين تاريخه في أيامنا هذه قد تجاوز قرنا من الزمن، وكل يعمل على شاكلته.
   وقد عن لي أن أضيف إلى المقالين العابرين السابقين مقالا ثالثا طويلا نوعا ما، أنقل فيه القارئ الصابر من ذلك الترف الذي قد يجد فيه بعضنا شيئا من المتعة، إلى نموذج آخر من المسائل أقسى على العقول نوعا ما، يتداخل فيها الفقه الافتراضي بالرياضيات ، ولا أرى من القراء من سيستعذبها شكلا –لا موضوعا- إلا أهل الرياضيات.
وهذه أربع مسائل مختارة من المذاهب الأربعة ..
المسألة الأولى :
أول مسألة نمثل بها وهي أيسرها نأخذها من فروع المالكية، من مسائل قضاء الفوائت، التي منها فروع متعلقة بالشك ، إحداها الشك في ترتيب الفوائت ، ننقلها على لسان ابن جزي الغرناطي إذ يقول في القوانين (ص:51) : الثَّالِث الشَّك فِي ترتيبها مَعَ علم عَددهَا كمن نسي ظهرا وعصرا إِحْدَاهمَا للسبت وَالْأُخْرَى للأحد وَلَا يدْرِي أَيَّتهمَا للسبت وَلَا للأحد، فَالْمَشْهُور مُرَاعَاة التَّرْتِيب فَيصَلي ثَلَاث صلوَات ظهرا بَين عصرين أَو عصرا بَين ظهرين ليحصل التَّرْتِيب بِيَقِين، والقانون فِي ذَلِك أَن تضرب عدد الصَّلَوَات فِي أقل مِنْهَا بِوَاحِد وتزيد على الْمَجْمُوع وَاحِدًا فَلَو نسي ثَلَاثًا صلى سبعا وَإِن نسي أَرْبعا صلى ثَلَاثَة عشر وَإِن نسي خمْسا صلى إِحْدَى وَعشْرين وَأي صَلَاة بَدَأَ بهَا ختم بهَا".
فمادامت الاحتمالات غير متناهية فابن جزي رحمه الله قدم لنا قانونا نصلُ به إلى عدد الصلوات التي يجب أن يصليها المرء حتى تبرأ الذمة مهما كانت الاحتمالات ، حتى لا نرهق أنفسنا في حفظ حالات واحتمالات غير متناهية، فصاغ لنا هذا القانون: س =ع × (ع-1) +1
س : عدد الصلوات التي لابد أن يصليها ، وع : عدد الصلوات الفائتة غير المرتبة
المسألة الثانية :
وأنا أقرأ المسألة السابقة قلت : رحم الله الإمام أبا حنيفة فإنه لم يقل بوجوب الترتيب أصلا، لأن الوجوب لا يثبت إلا بدليل ، وقوله أصح اعتماده أرحم حيث إنه يغنينا عن ذلك الفرع وفروعه اللامتناهية، ولكن مذهب أبي حنيفة لم يكن هو الآخر خاليا من المسائل الفقهية الحسابية، ومن أوائل تلك المسائل التي تجدها عند الحنفية مسألة نضح البئر التي وقعت فيها نجاسة بحسب حجم النجاسة التي وقعت فيها، فيجب في بعضها نضح عشر دلاء وفي أخري عشرين أو ثلاثين أو أربعين ، حتى نصل إلى التي يجب نضحها كلها، وهنا تطرح مسألة بئر وجب فيها نزح عشرين دلوا، ولسبب ما أحدُ تلك الدلاء تم صبّه في بئر طاهرة، فنحتاج الآن إلى تطهير البئر الثاني ، فكم دلوا يجب نزحه من البئر الثانية ؟ الجواب الأمر سيختلف حسب ترتيب الدلو المنزوح من الأولى –لأنها بعضها أنجس من بعض-، وهذا الكاساني رحمه الله سيشرح لنا التفاصيل في بدائع الصنائع (1/ 77) : فَنُزِحَ الدَّلْوُ الْأَوَّلُ وَصُبَّ فِي بِئْرٍ طَاهِرَةٍ، يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا:  أَنَّ الْبِئْرَ الثَّانِيَةَ تَطْهُرُ بِمَا تَطْهُرُ بِهِ الْأُولَى حِينَ كَانَ الدَّلْوُ الْمَصْبُوبُ فِيهَا، وَلَوْ صُبَّ الدَّلْوُ الثَّانِي يُنْزَحُ تِسْعَةَ عَشْرَ دَلْوًا، ...وَلَوْ صُبَّ الدَّلْوُ الْأَخِيرُ يَنْزَحُ دَلْوًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْأُولَى بِهِ".اهـ
وللتوضيح نقول : ولو صب الدلو الثالث ينزح منه ثمانية عشر، ولو صب فيه الدلو التاسع عشر ينزح منه دلوان، وحتى لا نلولو عشرين مرة نحفظ هذه القاعدة الرياضية التي صياغتها كالآتي: س =(20-ع) +1
س : عدد الدلاء المطلوبة في النضح ، وع : ترتيب الدلو الذي صب فيها .
المسألة الثالثة :
ومن المسائل التي صادفتها في فروع الشافعية ولها تعليق بالحساب فروع متعلقة بالمتحيرة، وهي المرأة التي استمر بها الدم ولا عادة ولا تمييز تترك الصلاة والصوم والطواف في مدة أكثر الحيض وهي خمسة عشر يوما، ولكن تلك الأيام مجهول موقعها في الشهر.
فقد ذكر النووي من مسائلها مسألة قضائها الفوائت كيف تصليها فتبرأ ذمتها ، وهي مسألة يزيدها تعقيدا عندهم وجوب الغسل واحتساب زمانه واختلاف الطرق في تخريج المذهب، لذلك أنقل من فحوى كلامه الطريقة التي عزاها للجويني مقتصرا على ما تعلق بعدد الصلوات التي تصلى .
فلو كانت صلاة صبح واحدة ، فإنه تصلي صبحين في أول الشهر وصبحين في أول يوم السادس عشر (2/ 474) "لأنه إن قدر ابتداء الحيض في نصف الصبح الأولى فسد ما أتت به في النصف الأول من الشهر وانقطع في نصف الصبح الأولى من أول السادس عشر" فيصح لها آخر صبح صلته ..وذكر لو كانت مائة صلاة صبح :"ضعفتهن وزادت صلاتين ثم قسمت الجملة نصفين فصلت في أول شهر مائة صبح وصبحا متواليات، ثم صلت في أول السادس عشر مائة وصبحا".
وأما إذا تعددت الصلوات فيقول (2/ 475):" فإن كانت أجناسا بأن أرادت عشرين صبحا وعشرين ظهرا وعشرين عصرا وعشرين مغربا وعشرين عشاء فهذه الصور تخالف صورة المتفقات من حيث إنه إذا قدر فساد صلاة بانقطاع الحيض احتمل ذلك كل صلاة من الأجناس الخمسة، فكل جنس يحتمل بطلان صلاتين منه فيجب لهذا الاحتمال أن تزيد على الضعف: عشر صلوات، من كل جنس صلاتين".
وهذه معادلة معقدة نوعا ما فيها متغيرين ، الأول الصلوات المقضية ، من صلاة إلى خمسة وهو المتغير  الأهم؛ ونرمز له ب (ع)، والثاني : عدد تكرار الصلاة الواحدة ومتعلق بالأيام ونرمز له ب (أ)
وتكون المعادلة على هذا الشكل : س= أ (2ع) +2ع
فالصورة التي ذكر النووي س =20 (2×5) + 2 ×5 = 210
وإذا كانت الصلوات خمسا والأيام خمسا = 5 (2×5) + 2 ×5 = 60
وإذا كانت الصلوات ثلاثا مثلا صبح وظهر وعصر والأيام أربع =4 (2×3)+ 2×3 =30
وهكذا ...
المسألة الرابعة .
ومن الفروع التي يشترك فيها الحنابلة والشافعية فروع تتعلق بالماء القليل التي يتنجس وإن لم يتغير أحد أوصافه وقد حدوه بالقلتين ، ولكن القلتان المحال إليهما لم تكن رائجة فاضطروا لبيان ما يقبلها بالأرطال ، ولكن الأرطال كان منها العراقي ومنها المصري وما وافقه ومنها الدمشقى وما وافقه ، ومنها الحلبي ومنها القدسي ..
لذلك ذكروا فروعا خاصة لبيان حجم هاتين القلتين منها قولهم إنها 500 رطل بالعراقي وغيره من الأرطال وجاء في شرح منتهى الارادات بعد الحديث عن مقدارها بأرطال المدائن قال (1/24) :" وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عَقِيلٍ: أَظُنُّهَا تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ (وَمِسَاحَتُهُمَا أَيْ الْقُلَّتَيْنِ. أَيْ مِسَاحَةُ مَا يَسَعُهُمَا مُرَبَّعًا: ذِرَاعٌ وَرُبُعٌ طُولًا وَ) ذِرَاعٌ وَرُبُعٌ (عَرْضًا. وَ) ذِرَاعٌ وَرُبُعٌ (عُمْقًا) قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ (بِذِرَاعِ الْيَدِ) .
قَالَ الْقَمُولِيُّ الشَّافِعِيُّ (وَ) مِسَاحَةُ مَا يَسَعُهُمَا (مُدَوَّرًا ذِرَاعٌ طُولًا) مِنْ كُلِّ جِهَةٍ مِنْ حَافَّتِهِ إلَى مَا يُقَابِلُهَا (وَذِرَاعَانِ) قَالَ (الْمُنَقِّحُ: وَالصَّوَابُ وَنِصْفُ ذِرَاعٍ عُمْقًا) قَالَ الْمُنَقِّحُ (حَرَّرَتْ ذَلِكَ فَيَسَعُ كُلُّ قِيرَاطٍ) مِنْ قَرَارِيطِ الذِّرَاعِ مِنْ الْمُرَبَّعِ (عَشَرَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثَيْ رِطْلٍ عِرَاقِيٍّ) اهـ.
وَذَلِكَ أَنْ تَضْرِبَ الْبَسْطَ فِي الْبَسْطِ، وَالْمَخْرَجَ فِي الْمَخْرَجَ، وَتَقْسِمَ الْحَاصِلَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي يُخْرِجُ الذِّرَاعَ، فَخُذْ قَرَارِيطَهُ وَاقْسِمْ الْخَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ عَلَيْهَا يَخْرُجُ مَا ذُكِرَ.
فَبَسْطُ الذِّرَاعِ خَمْسَةٌ، وَمَخْرَجُهُ أَرْبَعَةٌ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ثَلَاثًا: طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا، فَإِذَا ضَرَبْت خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ وَالْحَاصِلَ فِي خَمْسَةٍ حَصَلَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ.
وَإِذَا ضَرَبْت أَرْبَعَةً فِي أَرْبَعَةٍ وَالْحَاصِلَ فِي أَرْبَعَةٍ حَصَلَ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ فَاقْسِمْ عَلَيْهَا الْأَوَّلَ يَخْرُجْ ذِرَاعٌ وَسَبْعَةُ أَثْمَانِ ذِرَاعٍ وَخَمْسَةُ أَثْمَانِ ثُمُنِ ذِرَاعٍ.
فَإِذَا جَعَلْتهَا قَرَارِيطَ وَجَدْتهَا سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ قِيرَاطًا وَسَبْعَةَ أَثْمَانِ قِيرَاطٍ، فَاقْسِمْ عَلَيْهَا الْخَمْسَمِائَةِ يَخْرُجْ مَا ذُكِرَ، .... وَأَمَّا قِيرَاطُ الْمُرَبَّعِ نَفْسِهِ فَيَسَعُ عِشْرِينَ رِطْلًا وَخَمْسَةَ أَسْدَاسِ رِطْلٍ عِرَاقِيٍّ.أهـ
والشاهد في كلام البهوتي أنه أحالنا إلى معادلتين رياضيتين لنصل الى تحديد الحجم المراد .
ولا أخفي عليكم أنه خفيت علي أمور في هذه المعادلة فلا أقدر على شرحها ، سوى ما سأذكره:
فالمعادلة الأولى توصلنا إلى النتيجة المتوصل إليها بالأذرع وهي: ذِرَاعٌ وَسَبْعَةُ أَثْمَانِ ذِرَاعٍ وَخَمْسَةُ أَثْمَانِ ثُمُنِ ذِرَاعٍ = ذراع وربع  طولا × ذراع وربع عرضا × ذراع وربع عمقا = 1.953 ذراع
والمعادلة الثانية : مبنية على اختيار الرطل العراقي وهو 500 ÷ 46 قيراط وسبعة أثمان قيراط = عَشَرَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثَيْ رِطْلٍ عِرَاقِيٍّ.=10.666 رطل عراقي.
المهم النتائج المذكورة جاءت مطابقا تماما للمعادلات الرياضية ، وارجو أن يعذرني القارئ فإني لم اعتقد يوما صحة حديث القلتين لذلك لم اهتم بكل ما بني عليه .
وبالنسبة للمعادلة الأخيرة إن لم تكن حنبليا عراقيا وأردت حسابها بالوحدات الأخرى فهذه هي المعطيات الذي ذكرت قبل في الكتاب في تقدير القلتين فيها تساوي : 446 رطلا مصريا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ. ومثله المكي والمدني، أو 107 رطلا دمشقيا وَسُبْعُ رِطْلٍ، أو 89 رِطْلًا حلبيا وَسُبْعَا رِطْلٍ، أو 80 رِطْلًا قدسيا وَسُبْعَانِ وَنِصْفُ سُبْعِ رِطْلٍ ، 71 رِطْلًا بعليا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ.
وقبل أن يعترض معترض على هذه الأمثلة التي قد يراها غير مجهدة للعقل كما زعمتُ، ألتمس منه أن يعود إلى المصدر وأن يقرأها بعيدة عن مقالي الذي بذلت فيه كل وسعي لتفهيهما للقارئ الكريم، وأن يقرأها بعد ذلك على مبتدئ ثم يحاول تفهيمه إياها.
 وعند الحكم على الأشياء لابد أن نضع دوما موازنة بين الربح والخسارة أو بين المصالح والمفاسد أو بين التكاليف والنتائج ، وإذا حكمنا بوجود خطأ في التاريخ فهذا لا يعني أنه يمكننا تغيير التاريخ الماضي ، ولكن لأننا نريد عدم تكرار أخطائه، وأن نرسم طريقا جديدا لعهد جديد نركز فيه على المصالح بأيسر التكاليف وأقل المخاطر، والتراث القديم يبقى دائما مرجعا للمختصين الذين يحسنون الاستفادة منه .
   ولعل بعض المهتمين بقضية التكامل المعرفي يكتب لنا موضوعات تصب في تقاطع الفقه مع الرياضيات في غير أبواب المواريث والزكاة ، وكذا المواقيت والقبلة، بل بأبواب الرهن والوصية والعتق والشركات وغيرها من الأبواب، فربما يزداد بعضنا قناعة بما رميت إليه في هذا المقال ، ولعل بعضنا يحتج على حرمان الطلاب الشعب العلمية والتقنية في الثانوي من الالتحاق بتخصص العلوم  الإسلامية، وقد كان أنجح الطلاب في الجامعة يأتون من هذه الشعب، حيث ابتداء من هذا العام لم يُبق في الألوية الثانية إلا على شعبة العلوم التجريبية التي نخشى أن يطال أهلها الحرمان، بعد أن رأيت سكوتا تاما على ما حدث هذا العام، واستغفر الله العظيم لي ولعلمائنا العظام، الذين حفظوا لنا الإسلام، على مر الدهور الأيام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


الإثنين, 10 شباط/فبراير 2025 17:58

طالب العلم وجرد المطولات غير منشورة

طالب العلم وجرد المطولات:
تفريغ لمحاضرة ألقيت بتاريخ 15 أكتوبر 2024 في قناة جرد كتب التفسير على التلغرام
إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد فإن الموضوع الذي سنتناوله إن شاء الله متعلق بجرد المطولات، من ناحية أهميتها وضوابطها.
لكن قبل الحديث عن المطولات نتحدث عن المؤلفات الموضوعة في العلوم وأنواعها والغرض من وضعها، وكذا منهج الاستفادة من هذه المؤلفات، لنصل إلى المطولات منها.
فنقول إن المؤلفات التي وضع علماؤنا في مختلف العلوم الشرعية سواء كانت العلوم المصادر المتعلقة بالقرآن الكريم أو بالسنة النبوية، أو المتعلقة بالعلوم المقاصد ؛ كالعقيدة الاسلامية أو الفقه الاسلامي أو الاخلاق، أو المتعلقة بالعلوم الآلية من علوم اللسان العربي أو علوم القرآن والحديث وأصول الفقه، عبر القرون مختلفة في أحجامها، وهي منقسمة إلى مختصرة موجزة، ومتوسطة، ومطولة.
وسبب هذا الاختلاف (الاختلاف في الحجم) يرجع إلى الفئة المستهدفة بها، إذ للعلماء في مؤلفاتهم أهداف تربوية فضلا عن الأهداف التعليمية، ولا يظنن أحدكم أن هذه القضايا المطروحة في عصرنا ضمن  العلوم المنهجية والعلوم التربوية قضايا مستحدثة؛ لم تكن موجودة عند سلفنا وعند علمائنا السابقين، فهي موجودة عندهم وكانت معمولا بها وإن لم تؤلف فيها الكتب؛ بل إننا نجد التصريح بكثير منها في بعض المصادر، فلو رجعنا مثلا إلى المؤلفات الموضوعة في أدب الطلب ومنهاجه وأخلاق طالب العلم ، فإننا نجد كثيرا من هذه الأشياء التي نظنها مستحدثة ونسميها تعليمية أو بيداغوجية ونحو ذلك.
فمن أسباب اختلاف أحجام الكتب في الفن الواحد مناسبتها لمرحلة من مراحل طلب العلم، ومن الأسباب أيضا اختلاف طبيعة الفن، فلا شك أن الكتاب المؤلف في الحديث والتفسير -وهما من العلوم المصادر- ليس كالكتاب المؤلف في العلوم الآلية كعلوم الحديث وأصول الفقه، إذن أحجام الكتب تختلف باختلاف طبيعة الفن، وتختلف في الفن الواحد وبحسب الفئة المستهدفة.
وذلك أن العلم الذي يطلب يمر بطورين:
الطور الأول: تعلم الفرض العيني الذي يجب على كل مسلم، من تعلم القرآن الكريم واللغة العربية، والعقيدة الإسلامية، وفقه العبادات، والآداب، وهذا الطور نسميه الطور الابتدائي أو طور أولي وأساسي، وهو موجود في المدارس الاسلامية عبر كل المراحل والحقب التي مرت بها دولة الاسلام وحضارة الإسلام.
الطور الثاني: وهو تعليم يتعلم فيه المسلم الفروض الكفائية، وهي كل ما زاد على الفرض العيني، ويتوسع فيما سبق من العلوم القرآن الكريم والفقه واللغة العربية، ويتطلع إلى دراسة علوم أخرى، وفي الفروض الكفائية تدرس العلوم الآلية والعلوم المكملة الأخرى كالفلك والهندسة ونحو ذلك من العلوم.
    والمراحل التي حددها العلماء من حيث الإجمال ثلاثة : مرحلة المبتدئين في دراسة هذه العلوم الكفائية، يعني كل من يريد أن يتخصص ويتدرج في العلوم الشرعية، وليست العلوم التي يكون بها مسلما، لأن تلك العلوم هي الفروض العينية التي يكون بها مسلما ويعبد الله بها، والتي يشترك بها الكبير والصغير، الرجل والمرأة وكل فرد من أفراد هذه الأمة، أما الدراسة النظامية التي يتكون فيها طالب العلم، ففيها مرحلة الابتداء ومرحلة التوسط ومرحلة الانتهاء.
     وقد وضع لكل مرحلة مقررات متناسبة معها فمثلا: في التفسير كتب مؤلفة في غريب القرآن أو كتب مختصرة مثل تفسير الجلالين، وفي المرحلة المتوسطة تفاسير متوسطة وقد ألفت تفاسير فيها مجلدان أو ثلاث مجلدات أو أربع مجلدات مثل تفسير البغوي من التفاسير المعاصرة تفسير السعدي وأيسر التفاسير للجزائري، وللمنتهين التفاسير الكبيرة كتفسير الطبري وتفسير ابن كثير ومن التفاسير المعاصرة التحرير والتنوير وروح المعاني ونحو ذلك، وعندما تقارن بين تفسير الجلالين في مجلد وبين تفسير السعدي في أربع مجلدات ، وتفسير الطبري في 20 مجلد سيظهر لك أن الحجم في تزايد حسب المرحلة.
في علوم الحديث نجد في المرحلة الأولى مثلا البيقونية أو نخبة الفكر وهي كتب موجزة تشرح شرحا متناسب مع مستوى المبتدئين، وفي المرحلة المتوسطة نجد الموقظة للذهبي أو إرشاد طلاب الحقائق للنووي واختصار علوم الحديث لابن كثير، وفي المرحلة التالية نجد تدريب الراوي في مجلدين أو كتاب فتح المغيث للسخاوي مطبوع في ثلاث مجلدات وفي خمس مجلدات، ففي كل مرحلة يزداد حجم الكتاب ونصل في مرحلة المنتهين إلى الكتب المطولة.
الطول يختلف من فن إلى آخر فالطويل مثلا في علوم الحديث ممكن يكون في مجلدين أو ثلاث لكن المطول في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم يكون في عشر مجلدات وأكثر كشرح صحيح البخاري لابن الحجر العسقلاني.
فالعلوم الآلية مهما كانت طويلة فإن حجم كتبها صغير، والعلوم المقصودة تكون دائما الأطول.
والكتب المختصرة توضع للدارسين حتى تحفظ وتشرح فهي بمثابة المقررات المدرسية، أما الكتب الطويلة فإنها توضع للقراءة والبحث ولتعتمد في التأليف وليدرسها المنتهون في العلوم.
المنهج الأمثل في الدراسة وفي ترتيب العلوم:
هناك طريقتان:
 - 1طريقة من يدرس فنا بجميع مراحله، ثم ينتقل إلى فن آخر بجميع مراحله : وهذه الطريقة الاعتماد فيها على الحفظ الخالص، والفهم فيها يكون فهما سطحيا.
2- طريقة من يدرس العلوم مرحلة فمرحلة: وهذه هي الطريقة الأوفق، ومعنى ذلك أن الدراسة تكون أفقية باتباع مرحلة المبتدئين ومرحلة التوسط ومرحلة المنتهين، لأن العلوم بعد المرحلة الأولى تتكامل فيما بينها ، فمثلا: الفقه في المرحلة الأولى –كما هو حال المتون- توجد فيه تعريفات وشروط وأركان وليس فيه أدلة وليس فيه تعليل ولا شرح مستفيض، فهو مستغن عن أصول الفقه، لكن في مرحلة ثانية عندما ننتقل للتدليل والتعليل فإننا نحتاج إلى شيء من أصول الفقه وإلى شيء من علوم الحديث، فلا يمكن أن ننتقل إلى مرحلة ثانية ونحن لا نعرف شيئا من العموم والاطلاق أو القياس والعلة ، ولا عن الحديث صحيح والضعيف أو المرفوع الموقوف ونحو ذلك من المصطلحات، فمن انتقل الى هذه المرحلة دون العلوم الأخرى سيكون تكوينه ناقصا وإذا انتقل الى مرحلة ثالثة فتكون الحاجة أكثر إلى هذه العلوم.
    وعندما ندرس أصول الفقه مثلا في المرحلة الأولى لا نحتاج إلى شيء كثير من العلوم الأخرى ، اللهم إلا قليلا من الفقه لفهم الأمثلة، ولكن في المرحلة الثانية نحتاج إلى علوم العربية وعلوم الحديث ، وإلى الفقه المدلل والمعلل، وفي المرحلة الثالثة سنحتاج أيضا إلى توسع في العقيدة ومقالات الفرق ونحتاج إلى علم المنطق.
وفي التفسير في المرحلة الاولى عندما تدرس تفسير الجلالين أو زبدة التفسير مثلا ، قد لا تحتاج إلى علوم مكملة ولكن في مرحلة ثانية عندما تدرس كتابا متوسطا في التفسير فإنك تحتاج إلى علوم القرآن وفي مرحلة أعلى ستحتاج إلى علوم العقيدة والفقه والأصول والحديث.
إذن الدراسة لابد من أن تكون أفقية من مرحلة المبتدئين، إلى مرحلة المتوسطين ثم مرحلة المنتهين والعلة في ذلك أن العلوم الشرعية تتكامل فيما بينها ، وهي في أصلها كانت مجتمعة كلها في عصر الصحابة والتابعين، لأن منبعها ومصدرها واحد ن ثم أخذت تتفرع وينفصل بعضها عن بعض مع تقدم الزمان، وهذا هو سر الاشتراك والتكامل فيما بينها.
فالتكامل بين العلوم الشرعية طبيعي، لأن العلوم كلها ترجع إلى كتاب الله والنبي صلى الله عليه وسلّم، والعلوم الآلية كلها وجدت من أجل فهم نصوص الوحي والعلوم الأخرى ثمار له، فالعلوم إما ثمار للوحي أو خادمة لفهمه، وإذا كان المنبع واحد ووسيلة الاستثمار واحدة فلا غرابة في أن يكون هذا التكامل الذي يسعى البعض لإثباته وهو ثابت بداهة.
طبعا وضعنا الحالي في المدارس والجامعات لا يقاس عليه، فنحن ندرس وفق نظام الانتقال لكن كل ما ندرسه هو مرحلة واحدة مع الأسف، ومما تجدر الإشارة إليه هنا ما نصح به ابن خلدون وغيره وهو أننا عندما ندرس في المرحلة من المراحل، فالأفضل أن نقلل الفنون التي تدرس في الوقت نفسه وأن نقارب بين مجالس الفن الواحد حتى ننتهي منه، فمن يقرأ كتابا واحدا يكون تحصيله أفضل ممن يقرأ كتابين، ومن يقرأ كتابين يكون تحصيله أفضل ممن يقرأ ثلاثا، وكلما ازدادت العلوم التي تدرس كلما ضعف التحصيل ، وفي الجامعة يدرس الطلبة عشرة مواد دفعة واحدة، ولذلك ضعف التحصيل، ولذلك نقول على من أراد التحصيل عليه أن يتفرغ بعد التخرج من الجامعة لطلب العلم وفق المنهجية المثلى، ومن ذلك إعادة دراسة المختصرات في الفنون ثم الكتب المتوسطة ثم جرد المطولات التي دعيت لأتحدث عنها وللترغيب لدراستها في هذه المحاضرة.
وهذه الدراسة لابد أن تراعى فيها ضوابط وشروط ولذلك أطلت في هذا التمهيد وذلك حتى أضع الطالب والسامع في السياق، إذن عندنا علوم شرعية وعندنا مراحل في طلب العلم ونحن نتدرج فيها مرحلة فمرحلة وفق منهجية تكون أكثر إنتاجا.
ولهذا الغرض ألف العلماء في منهج طلب العلم، حتى يكون الطريق الذي نسلكه صحيحا ولا نجعل مسارنا في طلب العلم محلا للتجربة التي قد تكون دائرة بين النجاح والاخفاق، ولكن المنهجية المسطرة التي يسطرها العلماء تكون أكثر إنتاجا، والطالب الملتزم بها يكون أكثر توفيقا من غيره.
جرد المطولات، أهميتها وكيفية الاستفادة منها:
أولا: لابد أن نشير أن جرد المطولات لا يصبر عليه إلا ذوو الهمم العالية، والمنهج التربوي التي وضعه علماؤنا فيه معنى التدريب والترويض، فهذا الانتقال من الكتاب الصغير إلى الكتاب المتوسط إلى الكبير، هو تربية للنفس وترويض لها على التحمل، لأن النفس تحتاج إلى مجاهدة حتى تجلس للحفظ وتجلس للدرس لأن ذلك مخالف لهواها، إذ هي تميل إلى الراحة وإلى عدم التقييد، وتميل إلى التخفف دون حمل الأشياء الثقيلة، والصبر على هذه القراءة لا يكون إلا بالتدرج، فقد يكون الأمر بالنسبة للطالب في أول الطريق ثقيلا، ثم إنه بعد ذلك يجد حلاوة العلم بما يحصل وبما يحفظ، فإن العلم إذا خالط العلم بشاشة قلبه أحبه، فيصبح حينئذ يلتذ به، ففي المراحل الأولى يجد الطالب ثقلا حتى مع الكتب الموجزة كما يجد نوعا من الصعوبة، فإذا لم يصبر عليها فكيف سيصبر على المطولات التي تقع عشر مجلدات وعشرين مجلدا؟
لقد صبر الناس قديما على تلك الكتب لأن العلم أصبح مختلطا بلحمهم وبعظمهم، وأصبح جزءا من شخصيتهم، وأصبح أحدهم يلتذ بالقراءة كما يلتذ غيره بأكل الحلوى أو كما يلتذ بالنظر إلى المشاهد الجميلة، وسماع العصافير في البساتين، ويجد نشوة وهو يقلب صفحات الكتب كنشوة ذلك الذي يعد النقود، أو أعظم منه ، فهذا التعود الذي أورث محبة هو الذي جعلهم يصبرون على قراءة هذه الكتب ويصبرون على تأليفها ويصبرون على سماعها ونسخها من أولها إلى آخرها، وأنتم ترون حجم المؤلفات التي ألف علماؤنا في تفسير القرآن وفي شرح الحديث النبوي وفي التاريخ الاسلامي وفي الفقه الاسلامي، وبعضها قد تجاوز الخمسين مجلدا والسبعين مجلدا ، وهذه الكتب إنما وصلت إلينا عن طريق الإملاء والنسخ لا عن طريق الطباعة التي لم تكن موجودة في عصرهم ، المقصود من هذا الكلام أن هذا الجرد الذي نتحدث عنه يحتاج إلى صبر ويحتاج إلى ترويض لهذه النفس بما هو أدنى منها حتى تألف العلم والقراءة.
وفي تاريخ الاسلام نجد قصصا كثيرا حوته كتب تراجم العلماء حول القراءة والهمة العالية في التأليف والكتابة وخاصة عند علماء الحديث، إذ كتب الحديث أصغرها حجما كبير، فسنن ابن ماجة من أصغر الكتب السنة حجما مطبوع في أربع مجلدات أو مجلدين ضخمين وهو أصغر السنن، ومعجم الطبراني يقع في أكثر من عشرين مجلدا، ومسند الامام أحمد مطبوع الآن في خمس وأربعين مجلدا.
     لذلك كان المحدثون من أعلى الناس همة في هذا المجال كتابة للحديث وسماعا له وقراءة له وصبرا على مطولاته، ولهم حكايات عجيبة في هذا المضمار، فالمحدث أمامه كتب كثيرة يجب عليه أن يسمعها جعلت بعضهم يسعى لقراءة الكتب الطويلة في المدد الوجيزة، ومن النماذج التي تروى -وهي أعجب هذه النماذج- ما حدث للخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في القرن الخامس الهجري حيث جاء أحد المحدثين إلى بغداد يسمى اسماعيل الضرير عنده سند عالي للبخاري، وكان غرضه العبور وليس الاستقرار في بغداد، فاغتنم الخطيب البغدادي الفرصة وسمع منه صحيح البخاري في ثلاثة أيام، تصوروا أن الرجل كان مسافرا وعنده أشغال ومع ذلك جلس عنده الخطيب يومين للسماع من المغرب إلى الفجر، وفي اليوم الثالث أدركه في السوق في جانب آخر من بغداد وسمع عنه صباحا من الضحى إلى المغرب ومن المغرب إلى الفجر حتى أكمل صحيح البخاري كاملا جردا من أوله إلى آخره، كان هو يقرأ على الشيخ والشيخ يسمع ويصحح، ويروى قصص كثير كمن سمع البخاري في خمسة أيام ومن سمع صحيح مسلم في سبعة أيام.
في مجال الفقه من أعجب ما ينقل العز بن عبد السلام (ت 660 ه‍) سلطان العلماء أنه قرأ نهاية المطلب في دراية المذهب للجويني الذي يقع في نحو عشرين مجلدا في ثلاثة أيام، حتى أن البعض استنكر الخبر وقال كيف يقرأه في ثلاثة أيام؟ وهذا الكتاب شرح لمختصر المزني عند الشافعية وشروح هذا المختصر كلها كبيرة الحجم منها الحاوي أو بحر المذهب أو البيان، ويؤثر عن البلقيني أنه كان يقول كنت أقرأ مجلدا في اليوم، فلما نمي إليه أن البعض أنكر أن يكون العز بن عبد السلام قرأ هذا الكتاب في ثلاثة أيام، قال أنا لا أستبعد هذا ..ويؤيد ذلك أن العز بن عبد السلام عندما يقرأ شرح مختصر المزني لا يجد فيه الإشكالات التي يجدها غيره، وهو يقرأ سردا لا يشكل عليه شيء فيه ولا يحتاج أن يتأمل إلا بعض القضايا التي ربما تكون جديدة عليه، لأن العز ربما كان قرأ الحاوي للماوردي أو بحر المذهب للروياني قبله، ولعله لما قرأ نهاية المطلب كان شيخا ومتضلعا قد بلغ رتبة العلماء.
هذا من أغرب ما يروى في جرد المطولات من حيث الهمة العالية والصبر، وهذه الحكايات ليس القصد منها الدعوة إلى قراءة هذه المطولات في وقت وجيز، ولكن القصد منها هو بيان علو الهمة وضرورة الصبر والتضحية، فهذا الذي يصل الليل بالنهار ليسمع الكتاب وليقرأ الكتاب ويضبطه لا شك أنه ترك أمورا كثيرة، وربما ترك حتى الطعام والشراب فلا يتوقف إلا لأداء فريضة الصلاة.
وفي ميدان التفسير تروى قصة الإمام الطبري رحمه الله لما أراد أن يؤلف كتابا في التفسير، فأراد أولا أن يؤلفه في ثلاثمائة مجلد، ولكن قصرت همم الطلبة عن ذلك ، فاقتصر على هذه الموسوعة الضخمة التي تقع في ثلاثين مجلدا أو عشرين كما في بعض الطبعات، مما يحكى في هذا الباب أن ابن خزيمة المحدث المعروف سأل محمد ابن بالوية وقال له بلغني أنك كتبت عن ابن جرير تفسيرا وأنك كتبته مباشرة منه، فقال له: نعم كتبته كله املاء من سنة ثلاث وثمانين إلى السنة خمس وتسعين، استغرق كل هذه المدة لأن الكتاب لم يكن قد جمع وإنما كان الطبري يؤلف ثم يملي ما ألف ولم يتمه إلا بعد مضي اثني عشرة سنة ، فصبر هذا المحدث على السماع والتقييد كل هذه المدة ولم ينقطع ، وإنا إذا رجعنا إلى كتب التراجم سنجد فيها أخبارا كثيرة في جرد المطولات لكنهم لا يسمونها بهذه التسمية، لأن هذا المصطلح ظهر في هذا العصر، للتمييز بين الكتب التي تشرح والكتب التي تجرد وتقرأ قراءة، فعندما نقرأ في كتب متقدمة أن فلان قرأ تفسير الزمخشري على فلان فهذا من جرد المطولات، وعندما تجد كلمة قرأ أو تجد كلمة أملى، وبعدها يذكر كتاب فيه عدد من مجلدات فهذا من قبيل جرد المطولات، ومن مظان هذه الأخبار كتب الفهارس التي يذكر فيها العلماء سماعاتهم وإجازاتهم ن فتجد في فهرس ابن خير يقول مثلا أجازني فلان بتفسير الطبري، وهو في تلك العصور المتقدمة لا يحصل على الإجازة من الشيخ إلا إذا كان نسخ الكتاب على الأقل وقابله وصححه، وهناك من يأتي بعبارة صريحة فيقول قرأت تفسير كذا على فلان عن فلان عن فلان يعني بالسند إلى مؤلفه، الخلاصىة أن هذا الجرد هو سنة درج عليها علماؤنا نجدها في تراجمهم وفي ما يسمى بالبرامج أو الفهارس والأثبات، وهذه الكتب يدون فيها العلماء أسانيدهم والكتب التي سمعوها وقرأوها على شيوخهم، وفيها الموجز وفيها المتوسط وفيها المطول.
ما أهمية قراءة المطولات؟
أهمية قراءة المطولات يمكن أن نبرزها في خمس عناصر:
1.    تنمية الملكة العلمية، سواء ملكة الفقه، أو ملكة التفسير، أو ملكة الحديث، لأن تنمية الملكة تكون بإعمالها، الانتقال من تلك المبادئ وتلك الكليات، وتلك القواعد التي تلقيتها في الكتب المختصرة والمتوسطة، في الكتب المبسوطة ستعملها، وليس الفقيه من حفظ مختصرا، وليس الأصولي من حفظ مختصرا في القواعد دون تطبيق ودون تعميق لتصور تلك القواعد التي درسها، وقد نبه ابن خلدون رحمه الله تعالى وهو يتحدث عن علم أصول الفقه في مقدمته الى هذه القضية (قضية الفرق بين الكتاب المختصر والكتاب المبسوط) حيث يقول: وبعد ذلك كله فالملكة الحاصلة من تعلم تلك المختصرات إذا تم على سداده؛ بمعنى اذا درسنا تلك المختصرات كما ينبغي، نقول فهي ملكة قاصرة عن الملكات التي تحصل من الموضوعات البسيطة المطولة، فثمة فرق بين الذي يدرس العلم من كتاب مختصر ويكتفي به، والذي يدرس العلم من الكتب البسيطة المطولة، والعلة هي كثرة ما يقع من التكرار، فالمسألة تتكرر بصيغ شتى، والمسألة لما يذكرها العالم بكلام مبسوط تكون مفهومة باختلاف المختصرة تحتمل المعنى وغيره، وقد يساء فهم مراده، ويقرر ابن خلدون أن التكرار هو الذي تحصل به الملكة، أي التكرار الذي فيه معنى الترويض الفكري والتدريب على تطبيق القواعد، فالملكات تتكون بالتكرار حتى في الرياضيات ونحوها كما ترونها بحل التمارين المتشابهة، وكذلك المعاني التي تتكرر بصور مختلفة تنمي الملكة، فمن يقرأ مسائل الفقه المتتابعة في كتاب مطول يستنتج الضوابط الفقهية ويتعرف على علل الأحكام ويتدرب على تفريع الفروع، وكذلك من يقرأ تفسير الجلالين ليس كالذي يقرأ في تفسير السعدي ولا كالذي يقرأ في تفسير ابن كثير، لا شك أن المراتب مختلفة وكلما اتسع الكتاب كلما اتسعت العبارة كلما كانت الملكة المحصلة أمتن وأقوى.
2.    ومن فائدة جرد المطولات التعرف على جزئيات العلم وفروعه، إذ الذي يضع كتابا مختصرا، الأصل في عمله حتى يكون مفيدا أن يقتصر فيه على المفاتيح الضرورية، لا أن يجتهد جمع كل فروع العلم وجزئياته، ومخالفة هذا المبدأ هو ما صير مختصرات المتأخرين مذمومة وموصوفة بالألغاز، لأنها تجمع العلم الكثير في الألفاظ القليلة مع إخلال واضح بالبلاغة، فأصبحت الألفاظ حاجزا بين الطلاب وبين حقيقة العلم ، يحفظ فيظن أنه يعلم وهو في الحقيقة لا يعلم. وهذا بخلاف المختصرات التي وضع العلماء المتقدمون فإنها كانت تعليمية، روعيت فيها أمور منهجية (من ناحية التقديم والتأخير، ومن ناحية مراعاة همة المبتدئ وإمكانية فهمه لها فضلا عن حاجته إليها ، فيؤخر ما ليس في إمكانه وما يحتاجه عاجلا للمرحلة الثانية أو المرحلة الثالثة)، فإذا كان سيدرس كتبا وضعت للمرحلة الأولى، التي تجنب فيها ذكر جزئيات كثيرة، فأين سيجد هذه الجزئيات؟ لن يجدها إلا في الكتب الأكثر توسعا والأكثر بسطا، وهذا شيء معلوم، ففي الكتب المبسوطة نقف على قواعد وضوابط لا تذكر في الكتب المختصرة، ونجد فيها عددا كبيرا من المسائل المفرعة على القواعد، وفي الكتاب الموضوع للمبتدئين نجد مثالا واحدا، وأما في الكتاب المبسوط فإن الأمثلة ستتعدد وتتنوع، وسنجد المستثنيات والتقسيمات وغير ذلك.
3.    ومن فوائد جرد المطولات التعرف على مظان المسائل، فمسائل العلم كثيرة جدا، وكل مسألة فقهية يحتاج إليها إلا وهي موجودة في كتب الفقه بعينها أو نظيرها، وكذلك كتب التفسير فيها كنوز عظيمة، إذ كل العلوم الشرعية موجودة فيها، مسائل العقيدة، ومسائل الفقه، ومسائل  السلوك، لأنها كلها مستنبطة من كتاب الله تعالى، وسنة المصطفى محمد ﷺ، لكن أين نجدها؟ هل نجدها في سورة الفاتحة أو سورة البقرة أو في سورة النور؟ وعندما تقوم بالجرد أي مسح كتاب من أوله إلى آخره ستتعرف على مظان مسائل لم تكن تعرف أنها موجودة في ذلك المكان أو لم تكن تتصور أن المفسر سيتطرق لها تحت ظل تلك الآية في تلك السورة، لأن ما يدل عليه القرآن من معاني تتباين أنظار العلماء في الوصول إليه واستنباطه، فما تجده عند أحدهم ما لا تجد عند آخر ، والكتاب المطول مظنة جمع أكبر عدد من الاستنباطات.
    وإذا ضربنا مثالا بجرد كتب الفقه الاسلامي، نطرح سؤالا أين نجد أحكام الجنين والسقط؟ لا يوجد في كتب هذا العنوان، لكن عندما اقرأ الكتب المطولة ستجد بعض مسائله في باب النفاس، أعني البحث في الدم الذي يعقب السقط هل يعتبر نفاسا ومتى يعتبر نفاسا، وستجد بعضها في أحكام النكاح كمسألة العزل، وبعضها في أحكام الجنائز هل يصلى عليه وهل يدفن أم لا، وبعضها في باب الديات، وبعضها في الميراث. فقبل أن تقرأ المطولات لا يكون عندك تصور لجزئيات الأحكام ومظانها وأما بعد القراءة فقد حصل المطلوب، ومما يتعلق بهذا المعنى الوقوف على اختلاف ترتيب الأبواب، إذ المؤلفون يختلفون في ذلك ، وأضرب لكم أمثلة: أحكام المساجد لا شك أنهم تكلموا فيها، لكن أين؟ في باب الوقف أم في باب الصلاة ؟ وأيضا أحكام السباق أين تكلموا فيها؟ في أبواب المعاملات المالية أم في باب الجهاد؟ وأيضا إحياء الموات أين ذكر في المعاملات الملية أم في باب القضاء؟ البعض لا يقرأ إلا كتابا فقهيا واحدا وعنده في ذهنه فهرس فقهي واحد يعتمد عليه أثناء أنجاز البحوث، وكثيرا ما يتوهم أن مؤلفا أهمل بابا لأنه لم يجده في الموضع الذي ألفه ، وهذا الأمر لا يختلف في العلوم الأخرى كعلوم الحديث وأصول الفقه وعلوم القرآن وغيرها.
4.    ومن فوائد جرد المطولات التعرف على مناهج المؤلفين في كتبهم، فعندما نقرأ كتابا في التفسير سنرى هل اعتمد المفسر الطريقة النظرية التي ندرسها في عصرنا : شرح الغريب، ثم أسباب النزول، الخ ، أم كان له منهج آخر؟ وما هي المواضيع التي يطيل فيها أكثر من غيرها ؟ وما هي الأشياء التي يركز عليها ؟ أحكام القرآن أم بلاغة القرآن. قديما كان الطلبة يتعرفون على مناهج المؤلفين بالقراءة ولا يحتاجون إلى دراستها ، كما هو حالنا اليوم في الجامعة، فطالب العلم يقرأ بنفسه صحيح البخاري وصحيح مسلم والسنن والمسانيد، وإذا احتاج إلى تخريج حديث لم يحتج إلى من يعرفه بهذه الكتب لأنه قد تعرف عليها على طريقة ترتيبها من قبل، ولكن في عصرنا لما ترك الطلبة قراءة كتب السنة احتاجوا إلى دراسة مادة منهجية اسمها طرق التخريج، فيعرفون بالكتب ومحتوياتها وطريقة ترتيبها، لو بقينا على سيرة سلفنا في التحصيل لما احتجنا إلى طرق التخريج، فعلماؤنا قديما كانوا يخرجون حديثا، من غير دراسة شيء اسمه طرق التخرج لاستغائهم عنه بجرد كتب الحديث من أولها إلى آخرها، وفي عصرنا هذا مع الأسف الشديد صرنا ندرس للطلبة مناهج المفسرين ولا ندرسهم التفسير ، وندرسهم مناهج المحدثين ولا ندرسهم كتب الحديث، نعم هذا هو الواقع نحكي للطلة عن العلم ولا ندرسهم العلم، المقصود أن العلماء قديما كانوا في غنية عن دراسة المناهج، لأنهم كانوا يدرسون كتب التفسير واحدا واحدا، تفسير الزمخشري، وتفسير الرازي وتفسير الطبري وتفسير أبي حيان وتفسير القرطبي ، ومن خلال هذه الدراسة سيتعرف على محتواها وعلى الفروق المنهجية التي بينها، وفي الحديث "ليس الخبر كالمعاينة" فلا تستوي المعرفة التي يأخذها الطالب من دراسة مناهج المفسرين أو مناهج المحدثين، أو مناهج الفقهاء مع المعرفة المستفادة من تقليب صفحات هذه الكتب صفحة صفحة، ومهما أمليت على الطلاب وشرحت لهم منهم البخاري في صحيحه فإن كلامي سيبقى فيه غموض ما لم يفتحوا صحيح البخاري لتصفحوه بأنفسهم، وإننا ربما نحكي للطلاب كثيرا عن تفسير الطبري وتفسير ابن كثير وستمتحنهم ويأخذون علامة 19 من 20، ومع ذلك لا يمكن أن يقال عنهم إنهم خبراء بهذه الكتب، حتى يطلعوا عليها ويقرأوها، فإذا جردوها  صاروا أعلم من أستاذهم الذي وصف لهم الكتب وهو لم يقرأ إلا أجزاء متفرقة منها.
5.    قديما كان جرد المطولات من أسباب حفظ الكتب وبقائها، كما أن الإعراض عن قراءتها كان سببا لاندثارها فالمخطوطات التي كانت تدرس كان الطلبة يعتنون بها ويقرؤونها كثرت مخطوطاتها، فوصلت إلينا، والكتب التي هجرت ولم تجد من يقرأها ولا من يعتني بنسخها، صارت في عصرنا في عداد المفقودات. إذن الاعتناء بالمطولات كان سببا لحفظها وترك قراءتها أدى إلى اندثارها.
     وفي عصرنا هذا قراءة هذه الكتب يؤدي إلى انتشار فائدة الكتب وليس إلى انتشار الكتب بحد ذاتها، وعدم قراءة هذه الكتب يؤدي إلى ذهاب فائدتها، بمعنى الكتاب موجود وموضوع في الرفوف، والعلم الذي فيه لا أحد يعلمه، لا أحد يصل إليه، وإذا كان الطلاب يقرأون هذه الكتب، ويستفيدون منها وبعد ذلك يتحدثون بما فيها وينشرونه فهذا سيكون نوعا من الحفظ لها، أما إذا كانت هذه الكتب المطولة تزين الرفوف فحسب، فهي موجودة حسا ومنعدمة معنى، وهذا نوع من التضييع لها.
أدب قراءة المطولات: كذلك سجلت فيها خمسة آداب:
1.    عدم تخطي المراحل. فإذا أراد أحد أن يدرس علوم الحديث فلا يبدأ بفتح المغيث للسخاوي لأنه لا يستطيع، والعلماء قد رتبوا لطلب العلم مراحل مراعاة لقدرات الإنسان وتدرجا في التعليم وترويضا للنفس، لذلك فإن تخطي المراحل سيؤدي إلى الفشل وعدم المواصلة، سيؤدي إلى الملل، لأنه لم يتدرب من جهة ولأنه يجد نفسه يقرأ أشياء ولا يفهم معناها من جهة أخرى ، لأنها فوق مستواه .
2.     ضرورة تقييد الفوائد والفرائد، فعندما نقرأ الكتاب المطول لابد أن نقيد، وإذا توقفنا نضع علامة تدل على مكانه ، نقطة بقلم الرصاص أو سطرا، أو ورقة ، وقديما كانوا يكتبون عبارة بلغ ، وتقييد الفائدة يكون بأن نضع لها عنوانا مع الإشارة الصفحة والمجلد، فتقيد المعلومات الجديدة، والمسائل الموجودة في غير مظانها، كالفائدة الأصولية أو الحديثية في كتاب التفسير، فمثل هذه الفوائد لا ينبغي الغفلة عنها، وتسجل هذه الفوائد في ورقة تكون معدة سلفا أو كراس، وقد وجدنا علماء سابقين ألفوا كتبا جمعوا فيها ثمرات مطالعتهم مثل كتاب الخبايا الزوايا للزركشي حيث أنه لما قرأ شرح الوجيز للرافعي وروضة الطالبين للنووي في الفقه الشافعي وجد بعض الفوائد كما ذكرت في غير مظانها، فجمعها لنا في هذا الكتاب، وهو ربما جمعها لنفسه ثم أراد أن يعم النفع فجعلها في كتاب سماه خبايا الزوايا، وكذلك كتاب بديع الفوائد لابن القيم رحمه الله هو أيضا ثمرة المطالعة وجرد المطولات، جمع فيه فوائد لغوية وفقهية وأصولية وتفسيرية. والعلم صيد والكتبة قيد كما قال بعض السلف، وقال آخر إذا سمعت الفائدة فاكتبها ولو على الحائط. وقال آخر اكتبها ولو على ظهر الذي يجلس أمامك. لأن الكتابة تدعو إلى تثبيت تلك الفائدة.
3.     عدم الاستعجال وتوزيع المجالس: ذكرنا من قبل قصصا في علو الهمة في القراءة، ولكن لابد أن نعلم أن تلك السرعة كان لها أسبابها، والذين قرأوا تلك الكتب الضخمة في مدد وجيزة، وكان أكثرهم علماء وأدباء عندهم قدرة على الفهم والتحمل، فابن حجر العسقلاني سمع صحيح البخاري في عشرة أيام قراءة ضبط وتصحيح، وأحدنا لو يكتب صحيح البخاري في عشرة أيام سيخرج لنا أردأ النسخ في التاريخ، وذلك لأننا لسنا في مستوى ابن حجر، لذلك فإذا أردنا أن نجرد صحيح البخاري علينا أن لا نستعجل لتكون قراءتنا متقنة ونحصل منها الفائدة المرجوة، وقد قال الزهري:" من طلب العلم جملة ذهب عنه جملة"، وإنما يطلب العلم على مر الأيام والليالي، ولا شك أن قراءة الجرد تختلف عن قراءة التعليم، ففي التعليم نجلس مجلسا فيه ساعة وساعة ونصف، ولو كل يلقي فيها جديدا لكان الأمر منهكا، بل في الشرح والتكرار وبالتذكير بما هو معلوم سلفا ، وأما بالنسبة لجرد المطولات فإن المعلومات ليست كلها جديدة لأنه يفترض في الطالب أنه درس المرحلة الأولى المرحلة الثانية فالتكرار موجود وسيجد حتما فوائد جديدة وتفريعات على تأصيلات ولكن سبق له أن اطلع عليها لذلك يمكن أن يدرس وساعتين كاملتين وربما ثلاث ساعات مع مراعاة الاستيعاب والقدرة على التحمل، وأن يكون الرائد في ذلك عدم الاستعجال. لأننا إذا صرنا نقرأ بألسنتنا وقلوبنا مشغولة عن الكتاب، فهذا قراءة بدون فائدة.
4.     القراءة جماعة: من الآداب نحرض عليها القراءة جماعة للمطولات، قديما كان جرد المطولات يتم على الشيخ متقن، وفي زمننا هذا يتعذر في أكثر الأحيان تجد هذا الشيخ، وإذا وجدته لم تجده فارغا، وغالب من يجلس للتدريس في زماننا يدرس كتب المراحل الأولى ويكررها، لقلة المعلمين  ولدنو همة المتعلمين. لذلك اقترحت القراءة جماعة من أجل الثبات والمواصلة، فإن الملل يتسارع إلى نفوس أكثرنا، والجماعة مثبتة ومشجعة ورافعة للهمة ودافعة للملل، فإذا فتر واحد مثلا وجد من يسأل عنه وإذا انقطع حصة أو اثنتين فالمجالس تستمر ويمكنه الرجوع إليها بعد ذهاب الفتور، بخلاف الذي يقرأ منفردا فلا شيء يلزمه بالانتظام ، وإذا انقطع لم يجد من يحفزه ، وسوف حتى يترك قراءة الكتاب إلى الأبد، إذن القراءة جماعة فيها معنى رفع الهمة والشعور بنوع من الالتزام، وفيها أيضا شيء آخر مهم وهو المباحثة في القضايا المشكلة أو التي تحتاج إيضاح وتبادل الآراء ونحو ذلك.
5.     جرد المطولات لا يعني شرح المطولات: إذا ذكرت إن القراءة جماعة فيها إثارة للمسائل، فهذا معناه إثارتها من حين لآخر ومرة بعد مرة، وإلا فالغالب يقرأ ولا يعلق عليه، لأنه بمثابة المراجعة أو توسيع لما هو معلوم، وأما الوقوف مع كل مسألة فإنه سيحول القراءة إلى الشرح وذلك يجعل المدة تتضاعف بلا فائدة ، والفائدة العظمى هي في قراءة الكتاب لا في التعليق عليه، ومما ينظر إليه حين الشروع في القراءة عامل الزمن وتحديد عدد الجلسات ومدتها حسب حجم الكتاب ومدة نقدرها ابتداء، فإذا كان الكتاب فيه مثلا ألف صفحة، وأنت تقرأ منه صفحتين في الأسبوع، فمعنى هذا أن إنهاء الكتاب يتطلب 500 أسبوع أي عشر سنوات، وبعبارة أخرى أنت لست تنوي إنهاء الكتاب، والواجب علينا أن نتعلم التخطيط فنقول كتاب فيه ألف صفحة لابد أن نتمه في سنة فنقسمه على 50 حصة فيكون الناتج 20 صفحة في المجلس ، وإذا لم يكن ذلك ممكنا فنزيد في زمن الحصة أو نضيف حصة ثانية في الأسبوع، فالتخطيط ضروري وليس ضروريا أن يكون دقيقا ، فالوقوف عند المشكلات أو مع الفوائد الجديدة يكون بحسب الحاجة ، ولا يمكن حده، وقضية عدم تخطي عدم تخطي المراحل مهم جدا لأنه إذا كان في الجماعة من ليس في مستواهم فإنه سيبقى يسأل عن المراد بأكثر المسائل، وهنا سنتقهقر إلى شرح المطولات، ولذلك نؤكد أن الجماعة لابد أن تكون من متقاربين في المستوى حتى يتجنب هذا العائق، وما ذكر في هذا الضابط نجد له تنظيرا في كتب المتقدمين فالشروح كانت تسلط على الكتب الصغيرة، وأما الكتب المطولة فكان من يسجل عليها نكتا وتعليقات، ومنها ما يسمى بالحواشي التي تشرح فيها كلمة، وجملة، والحاشية ليس فيها لب العلم وإنما هي نكت وتعليقات وتقييدات متفرقة.
    ونختم هذا المجلس بكلمتين لابن الجوزي رحمه الله تعالى الكلمة الأولى يتحدث فيها عن المطالعة حيث قال في صيد الخاطر: "وإني أخبر عن حالي ما أشبع من مطالعة الكتب، إذا رأيت كتابا لم أره من قبل كأني وقعت على كنز"، ثم يقول بعد ذلك: "ولو قلت اني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعد في الطلب"، يعني أن هذا كان في مرحلة ما قبل أن يجلس للناس ويصبح واعظا ومدرسا، وقبل أن يتأهل للتأليف ، قال عشرون ألف مجلد، وهذه ثمرة جرد المطولات دون كلل وملل.
ثم يقول :"فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم ومن قدر هممهم وحفظهم وعبادتهم وآرائهم وعلومهم ما لا يعرفه من لم يطالع، ثم يقول وأصبحت استزري ما الناس فيه واحتقر همم الطلاب"، وهمة ابن الجوزي رحمه الله لا تدانيها همة ، صاحب الكتب الكثيرة في الفنون العديدة الحديث والتفسير والتاريخ والوعظ والأدب وغيرها، وصاحب القصص الغريب في حفظ الوقت، ويكفي أنه لما توفي عدت أوراق مؤلفاته وقسمت على أيام حياته فوجد أنه لو اعتبرناه بدأ التأليف منذ يوم ولادته لكان قد ألف في كل يوم كراس، هذا دون عد ما كتبه تعلما وتذكرة لنفسه .
ثم كلمة أخرى أيضا قالها في الكتاب نفسه وهو يتحدث عن الهمة العالية في طلب العلم وأن العلوم ليس لها نهاية ، ونحن عندما نتحدث عن مراحل الطلب ونقول الثالثة للمنتهين فهذا تقريب أو تعبير عن بداية مرحلة لا نهاية لها ولا تحد بكتاب أو كتابين، والطلاب غالبا يحتاجون إلى التوجيه في المرحلة الأولى والثانية ، ومن وصل إلى الثالثة فلا يحتاج إلى توجيه، لأنه قد عرف الطريق بل هو سيصر موجها لغيره، وهنا نذكر أن المرحلة الثالثة لا يصح أن تقف عند كتاب، والبرامج المقترحة تذكر نماذج لكتب تقترح ، ولكنها تعطي للبعض تصورا مغلوطا، فقد يتصور البعض أنه لكي يصبح مفسرا يكفيه أن يقرأن ثلاثة كتب وهذا خطأ، فالمذكور هو نماذج، والمرحلة الثالثة لا نهاية لها .
يقول ابن الجوزي رحمه الله مستدركا: "غير أن العمر قصير والعلم كثير، فينبغي للإنسان أن يقتصر من القراءات إذا حفظ القرآن على العشر، ومن الحديث أن يقتصر على الصحاح والسنن والمسانيد" يعني لا نتبع القراءات الشواذ الكثيرة ولا الأجزاء الحديثية التي لا حصرها، وهذا كلام صاحب همة عالية فهو يحتقر همم طلاب زمانه، فكيف لو رآنا اليوم وسمعنا، طبعا هذا الكلام نقوله من أجل رفع الهمم، وليس من أجل إماتة الهمم، يعني ننظر كيف كانت همم هؤلاء العلماء الذين سلكوا الطريق فأدركوه ساروا على المنهاج ووصلوا رحمهم الله رحمة واسعة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الكلمات مفيدات، ونسأل الله سبحانه وتعالى الإخلاص فيها حتى تكون في ميزان حسناتنا وحسناتكم، وسبحان الله وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.  

الجمعة, 07 شباط/فبراير 2025 21:24

موقف طالب العلم من الأحداث المستجدة في العالم الإسلامي غير منشورة

موقف طالب العلم من الأحداث المستجدة في العالم الإسلامي
محاضرة القيت عبر التلغرام في قناة مبادرة تبيان
يوم 09 ديسمبر 2024
  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين : أما بعد فإنه يتجدد طلب الحديث عن هذه الأحداث مرة بعد مرة، وكأني أشعر أن الطلبة يشعرون بأنهم مقصرون في هذا الجانب أو أن بعضهم يرى غيره مقصرا فيه، وقد رأيت في اقتراح هذا الموضوع فرصة للحديث عن المنهج الوسط الذي ينبغي أن يسلكه من نسميه طالب علم، وهو داعية متدرب ، وفي المستقبل القريب أو البعيد هو داعية . وقد قسمت الموضوع إلى تمهيد وثلاثة عناصر : الأول دوافع الاهتمام والثاني : ضوابط الاهتمام والثالث مظاهر الاهتمام.
تمهيد
 إن للداعية المسلم ، سواء كان معلما في مدرسة أو إماما في مسجد وفي أي موقع كان؛ صفات لابد أن يتحقق بها، فتصبح جزء من شخصيته، وهذه الصفات لا تحدث فجأة بل بالتراكم والتتابع.
 فإذا كنا نقول إن من صفات الداعية أن يكون فقيها في دين الله تعالى، فالملكة الفقهية لا تحصل فجأة ، ولكن بتراكم على مر السنين من خلال مختلف العلوم والمواد والمواضيع التي يدرسها، فهو في الظاهر يدرس ويحفظ ويمتحن ، ولكن في الباطن هناك مكتسبات يحصلها لا يمكن أن نقيسها بنقطة ولا غيره، وهذا هو العلم الحقيقي، وهذا هو هدف التكوين ، إنه هو تلك الشخصية العلمية التي تبنى وتكتسب، حيث إن هذا الطالب في المستقبل يحسن التصرف مع القضايا التي تطرح عليه بحثا عنها، وتلخيصا لها، وتعبيرا عنها وإقناعا للناس بها، وهكذا ...ومثل هذا المطلوب لا يتأتى بالحفظ المجرد، ولا يحصل أبدا بتقييد العقل وتكبيله في مراحل الدراسة، بل يحصل بإطلاقه في إطار الحدود المعلومة في شرعنا .
    وكذلك هذا الداعية الذي نريده لابد أن يكون فقيها بواقعه وبيئته ومجتمعه الذي يعيش فيه، ونريده أن يكون مطلعا على واقع أمته في وطنه الكبير، -حاضر العالم الإسلامي- ولا يمكن أن يؤجل تكوينه في هذا المضمار إلى ما بعد التحصيل، أولا لأن تلك الغاية –ما بعد التحصيل- غير معروفة ولا هي محدودة، وثانيا لأن الذي يحتاجه ليس معلومات ثابتة تحفظ ولكن هي أيضا ملكة في فهم الواقع وتحليله وتحديد الواجبات المتعينة تجاهه في إطار الممكن، وهو ما نسميه بالوعي، والوعي أعم من أن يكون مجرد متابعة أحداث جارية .
   وإذا كان هذان الأمران مطلوبان في مسيرة طالب العلم داعية المستقبل، فلابد أن يحصلهما جميعا بالتوازي، لكن مع مراعاة التوزيع العادل للحجم الساعي، بين الفقه في الشرع والفقه في الواقع، ثم ترتيب أوليات الفقه الشرعي ومصادره الأكثر إفادة، وكذلك ترتيب الألويات في فقه حاضر الأمة ومصادره الأكثر إفادة.
   وإذا لم يضبط الطالب نفسه واتبع نفسه ما تهوى؛ فإنه سينجر إلى متابعة الأحداث والتعليق عليها وسيجد متعته فيها وينساق وراءها، وهي أحداث متتابعة ينسي كل واحد منها سابقه، حتى يصبح طالب العلم طالب أحداث لم يجمع سوى قيل وقالوا ...وفي الجهة المقابلة فإن الداعية الذي لا يفقه ما يجري ما في بلده وفي العالم الإسلامي ...قد يقع في أخطاء تضر بدعوته خاصة أو أمته عامة، وقد يتحول إلى ألعوبة يتحكم فيه بعض الناس بما يسوق له من أخبار يحصر فكره فيها ويوجهه من خلالها.
أولا : دوافع الاهتمام بما يجري في العالم الإسلامي
1-إن الإيمان يفرض عليك أيها الطالب أن تهتم بأمر المسلمين؛ فتفرح لفرحهم وتحزن لحزنهم، وهذا الاهتمام من معنى الولاء للمؤمنين الذي هو فرع عن محبة الله تعالى ، قال تعالى ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) وقال (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) (التوبة:71)، المعنى أنهم يحبون بعضهم بعضا ويتعاطف بعضهم مع بعض بسبب الايمان الذي جمعهم.
   وقال صلى الله عليه وسلم:"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ثم شبك بين أصابعه، (متفق عليه)، وقال صلى الله عليه وسلم:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" رواه مسلم. وقال : "المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، وهم يد على من سواهم". رواه أبو داود وصححه الألباني.
  بعده هذه الأدلة لا نحتاج إلى الحديث الضعيف جدا :"من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".
   وهذا الشعور لا يتم إلا بالاطلاع على حال المسلمين، في سيبريا والصين والفلبين ومانيمار والصومال وإريتريا والسودان والتشاد ومالي ونيجريا، وسوريا ومصر والبوسنة وألبانيا وأمريكا وأروبا ... وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
2-وإن هذا الاهتمام داخل في معنى النصح للمسلم الذي هو من حقوق المسلمين التي كان الصحابة يبايعون عليها، والدين النصيحة كما في الحديث ، وقال صلى الله عليه وسلم :"انصر أخاه ظالما أو مظلوما ". وقال :"ما من امرئٍ يخذل امرءاً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحدٍ ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته" رواه أبو داود وحسنه الألباني.
3-وهذا الاهتمام من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ومما ورد في ذلك في خصوص من كان بعيدا عن النبي صلى الله عليه وسلم ما حدث أبو هريرة رضي الله عنه فقال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في القنوت اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم سنين كسني يوسف" رواه البخاري.
وقال أبو هُرَيْرَة أيضا: نَعَى لنا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ النَّجاشِيَّ صاحِبَ الحَبَشَةِ، يَومَ الذي ماتَ فِيهِ، فقالَ: اسْتَغْفِرُوا لأخِيكُمْ. وقالَ: إنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَفَّ بهِمْ بالمُصَلَّى فَكَبَّرَ عليه أرْبَعًا. متفق عليه واللفظ للبخاري.
4-وإننا عندما نتأمل القرآن الكريم نجده قد عالج أمورا واقعية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، كغزوة بدر وغزوة أحد وغزوة الأحزاب وصلح الحديبية وفتح مكة وغزوة حنين، وتحدث كثيرا عن المنافقين وعلاماتهم وعن الكفار  وخططهم وأقوالهم ...وما ذاك إلا لتبصير المسلمين بواقعهم وبما يجب عليهم، وتنبيها لهم على أخطائهم حتى لا تتكرر .
5-وإننا أيضا نؤمن بعالمية الدعوة الإسلامية، وعلى ذلك دلائل كثيرة في كتاب الله تعالى ، وهذا يفرض علينا الاطلاع على أحوال العالم لفتح قلوب أهله وأرضهم، ولما كانت الدعوة الإسلامية عرفت تراجعا في العصور الاخيرة، بسبب الحكم الشيوعي في الصين والجمهوريات الروسية سابقا، وبسبب التنصير في إفريقيا والسودان واندونسيا، وتسلط البوذيين على الهند والنصارى على الفلبين، فإنه يجب علينا أن نعرف واقع الأمة القريب والبعيد؛ من أجل صد العدوان وكبح حركة الردة والتنصر.
ثانيا : ضوابط هذه الدراسة المطلوبة
1-الحذر من مصيدة اللهو وتضييع الوقت باسم فقه الواقع وتتبع أحوال المسلمين، فمن ينقذ الناس لا يضيع نفسه ، وفي مقدمة كتاب الماجريات ذكر قصة للشيخ العلامة محمد المختار بن محمد المختار الشنقيطي أثرت في مؤلفه إبراهيم السكران -فك الله أسره-  فآثرت أن أشيد بها ، حيث ذكر سائلا شكى من هجره القرآن، وجواب شيخ عابد وقور تضمن حكاية حادثة له كيف أضاع قيام الليل بسبب متابعة التويتر.
    وفي هذا السياق مما ينصح به الطلبة قراءة تلبيس إبليس لابن الجوزي رحمه الله، لندرك أن الشيطان لا يغوى فقط العامة والعصاة، بل إن للشيطان تلبيسات على الطلبة والعلماء والدعاة، يلبس على الفقهاء والمحدثين وعلى المتخصصين في العقيدة واللغة وهكذا ...ولن تجدوا الصور المعاصرة في هذا الكتاب طبعا، ولكنكم ستجدون فيه الفكرة والدلائل العامة، ومما أحكيه لكم أنه عندي بحوث غير تامة لما أجلس في مكتبي لا أتذكرها، بعضها ينسي بعضها، ولكن عندما أجلس في المسجد بعد العصر أو المغرب لقراءة وردي من القرآن يأتيني الشيطان ويذكرني بتلك البحوث واحدا واحدا، عسى أن يخرجني من المسجد.
    فالطالب مطالب بالحفاظ على التوازن المطلوب ، وقد كتب السكران في ذلك عنوانا منبها على المراد (بين فقه الواقع والغرق في الواقع).
2-إن الاطلاع على أحوال المسلمين لا يعني خوض الطلاب فيها، بل إن حدوث الحدث فرصة لقراءة التاريخ السابق له، فلما اندلعت الحرب في البوسنة قديما مثلا كان ذلك محفزا لكثير من الطلاب أن يرجعوا إلى قراءة تاريخ الدولة العثمانية في شرق أروبا ، ولما اندلعت الحرب في الشيشان بحثنا عنها في الخريطة أين هي؟ وما تاريخ الإسلام فيها؟ ومتى احتلها الروس ؟ وكذلك تجدد الأحداث الهند يدفع إلى قراءة تاريخ الاسلام في الهند، وما سبب تحول الحكم فيها من يد المسلمين إلى البوذيين، وهكذا مع أحداث غزة وأحداث سوريا الأخيرة، بهذه الطريقة تكثر القراءة التاريخية وينمو الوعي، لأنه لا يفهم الواقع إلا بفهم التاريخ ، وإنه إذا قرأنا كثيرا فقط يحق لنا أن نتكلم قليلا .
   وبالنسبة للأحداث المعاصرة فليس شأن طالب العلم تتبعها لحظة بلحظة، ولكن يكفيه خلاصاتها التي يستقيها من مواقع إخبارية إسلامية أو محايدة، والنظر في تحليلات موثوقين، وذلك قد لا يأخذ منك ساعة من نهار أول الأمر ثم تتناقص بعدها، وقد يقول قائل ساعة من الزمن شيء كثير، فيقال له قلنا إنها تتناقص بعد، وهذه الساعة لا يقال إنها على حساب الفقه يعني بدل الاشتغال بالفقه أربع ساعات ستصير ثلاثا، لأنا نقول إننا بحسب علمنا بواقع الطلاب اليوم نحن متيقنون أنه سينقص ساعة من متابعة التفاهة وليس من دراسة الفقه، أعنى أنه بدلا من أن يضيع من وقته ساعتين في التفاهة فإنه باهتمامه بأمر المسلمين سيضيع ساعة فقط، بل إن آلام المسلمين ربما ستكون علاجا له من متابعة التفاهة والتافهين.
   ومن عبارات السكران المهمة في كتابه (المتابعة المتفرجة والمتابعة المنتجة) وإن كان مراده مختلفا عما رمينا إليه آخرا.
3-لابد أن ننبه أن الإدمان له آثار سلبية منها: فتور الهمة في الطلب واستمراء حديث السياسة السهل، ومنها حصول الهزيمة النفسية والاحباط ، وهذا الأخير قد يؤدي إلى التطرف الفكري؛ فإن القانط اليائس سينقلب مقنطا للناس، وبدلا من الانخراط في السعي للعلاج الذي يتطلب صبرا ووقتا، يتحول الطالب والداعية إلى إصدار أحكام التكفير والتفسيق والتبديع، ويعلق النصر الأمة على أمور ليست بيده ليستريح هو من الاجتهاد والعمل .
4-ولابد أن لا تغطي أحداث على أحداث أخرى، بل لكل حدث حظه، وقد رأينا أنظار كل الناس متجهة إلى السودان فلما جاءت أحداث غزة نسي الناس كلهم السودان، ثم جاءت أحداث سوريا فكاد الناس ينسون غزة ، وبؤر التوتر في العالم كثير منها منسي، فاليمن أهله يعاني والصومال مقسم، وأهل شمال مالي يعانون التقتيل والتهجير وهم أقرب إلينا، ونحن في غفلة عما يجري هناك...الخ.
5-ثم إن الاشتغال بأمر المؤمنين البعيدين لا ينبغي أن يشغلنا عن أمور المؤمنين القريبين ، ولا يجوز أن يشغل الأمة عن واجباتها اليومية، ففي بداية طوفان الأقصى انتشرت مقولة مزورة منسوبة لابن تيمية بوجوب تكسير الاقلام وتمزيق الكراريس في الوقت الذي تكون فيه الأمة تخوض معارك كبرى، وقد نشرتُ يومها كلاما لابن تيمية يبين فيه أن الجهاد منقسم حسب التخصصات فالفقيه يطلب منه ما هو من اختصاصه وكذلك الصانع وغيره، فكل فرد من الأمة يجاهد من موقعه وفي مجال اختصاصه، ومن الجهالة نشر تلك المقالة القاتلة بين الطلاب في العالم الإسلامي كله، والناشر يعلم أن القتال غير ممكن ولا متعين إلا على من هو هناك في مواقع التماس مع العدو، ومما ينبغي أن يتذكر أن فرنسا لما احتلت الجزائر سنة 1830 قد جلبت مع عساكرها جيشا من القساوسة وعلماء الاجتماع والآثار ، وكل واحد منهم كان له مهمته الاستعمارية الاستيطانية...
  وإن التاريخ السياسي للأمة الاسلامية كان مليئا بالاضطرابات التي لم تتوقف يوما، ومع ذلك فإن العلماء لم يتركوا واجب التعليم والتأليف لحظة واحدة، ومما قرأناه في تاريخ حرب التحرير الجزائرية أن العقيدة عميروش منع المعلمين من الالتحاق بالثورة إلا بقدر الحاجة، وقال لمعلم :"أنت في موقعك أعلى رتبة مني"، وأرسل عددا كبيرا من الطلاب لمواصلة التعليم في الخارج، ولم يقل إن هذا وقت حرب لا وقت التعليم وطلب العلم.
ثالثا : ما هو المطلوب
1-أهم شيء هو وحدة الشعور وتحصيل الوعي وهو واجب بكل حال .
2-نشر ذلك الوعي دون دخول في المهاترات الفارغة كما هو حادث الان في أحداث سوريا، والحديث عن الماضي القريب والبعيد أسلم للطالب المتدرب..
3-زيادة الاهتمام بتكوين الذات لأن الاسلام ينتصر بالمسلم القوي لا بالمسلم الضعيف، وأسباب القوة في الإسلام كثيرة، فالتكنولوجيا من أسباب القوة والإعلام من أسبابها وعلم الاجتماع من أسبابها ، وتعلم اللغات كذلك ...وهنا أذكر شيئا مهما جدا ، لا شك أنكم قرأتم منشورات لإيدي كوهين أو سمعتم مقاطع لأفخاي أذرعي وهو يخاطب المسلمين بالعربية، ورأيتكم إسهامهم في الحرب النفسية ضد المسلمين وهم يكتبون ويتكلمون باللغة العربية ، ولا شك أنكم أيضا رأيتم في المقابل بعض مقاطع المقاومة مكتوبة باللغة العبرية، ألم ينبهكم ذلك إلى أهمية التحكم في لغة العدو، بعض المسلمين فكر في مخاطبة اليهود بالطريقة نفسها، لكنهم مع الأسف لا يملكون اللغة ، فلا لتكسير الأقلام مهما كانت الظروف.
4-مما يتعلق بالقدرة والإمكان هو الدعم المادي إسهاما وحثا عليها وإرشادا توعية ، وما دامت في الجزائر إمكانية دعم المسلمين مفتوحة سواء في غزة أو غيرها فلا ينبغي التخلف عنها.

الجمعة, 29 تشرين2/نوفمبر 2024 18:32

من وحي طوفان الأقصى (23) غياب صورة معركة الجزائر العاصمة غير منشورة

من وحي طوفان الأقصى (23) غياب صورة معركة الجزائر العاصمة
تحدثت كثيرا عن ملحمة العزة وماسيها حتى غضب علي أبناء ثامار فاغلقوا  حسابي القديم، ولكني مع ذلك لم أكن أكتب كل ما يجول بخاطري لأسباب تختلف بين فتور الهمة وتقدير المصلحة والجدوى المرجوة ... فمما كتبت فيه الموافقات التي لحظتها بين ثورة الجزائر واحداث ملحمة العزة، ولاحظت في المقابل تخلف عنصر مهم لم تحصل فيه الموافقة ، وقد رجوت أول الأمر تحققه كما رجا ذلك الملثم في نداءاته، وهو التحاق أبناء وأحفاد عرب البقاع المحتلة بركب الملحمة، وخوضهم معركة تشبه معركة الجزائر العاصمة في المناطق المحتلة ، ثم لما أيست من ذلك كتبت مشيرا إلى أسباب التخلف، وهو التفسخ والتحلل و الذوبان الذي عرفته الأجيال الناشئة في أحضان مجتمع أبناء ثامار ، واكتفيت بالاشارة دون التصريح بأحكام الهجرة والتجنس التي قد لا يناسب ابرازها في وقت نحن نرجوا الاستجابة العملية الفورية، وتصحيح الوضع لا الغرق في جدالات أحكام الردة وكيف التوبة منها ، وكذا مناقشة من يوزع رخصا للعيش بين ابناء ثامار لمصالح مرجوة، وقد تبين حين جاءت ساعة الجد انها مجرد فرضيات وخيالات وأحلام ... ومهما يكن الأمر فإنه يظهر لي والله أعلم أن من خطط للملحمة لم يعد العدة الكاملة لهذا الأمر بالذات.. إذ لو وجدت خلايا منظمة في تلك المناطق لظهر نتاجها ، واغلب العمليات التي تنوقلت روادها من أهل الضفة ، وتوجد أخرى قام بها اولاد العرب واحفادهم هناك لكنها قليلة وفردية لا تدل على وجود إطار منظم لها ...أؤكد في هذا المقال أن معركة الجزائر العاصمة تستحق ان تدرس وتستحق أن تطبق ، طبعا هي ليست ذلك الفيلم الذي صور، ولكن الفيلم فيه تقريب للواقع التاريخي وليس هو أيضا محض خيال ...وتصوروا معي لو أن اعمالا تخريبية صحبت الأحداث لقطاعات الكهرباء والاتصال مثلا، كيف يكون صداها وتأثيرها ؟ تصوروا تفجيرات لجسور أو سدود أو أي عمل آخر يكون فيه اضرار بالعدو .. كيف يكون الوضع بعده ؟ لا شك أن لذلك تأثيرا على أبناء ثامار شعبا وحكومة وجيشا ... لكن هي معركة واحدة تتبعها معارك بإذن الله تعالى حتى يتم التحرير ...وما ذلك على الله بعزيز ...

السبت, 26 تشرين1/أكتوير 2024 19:16

تواريخ الاحتلال الفرنسي للمدن الجزائرية غير منشورة

تواريخ الاحتلال الفرنسي للمدن الجزائرية
هذه محاولة لرصد التسلسل التاريخي لسقوط المدن والمناطق الجزائرية سقوطا تاما في يد الاستعمار الفرنسي -دون اعتبار للثورات المضادة-.
ومن مناهج البحث العلمي المنهج الوصفي الذي يعتمد على ترتيب المعلومات وفق معايير معينة لنصل بالملاحظة الى نتائج علمية دون حاجة الى تحليل، ومن المناهج المنهج التحليلي الذي يبحث في تفسير الظاهرة وعللها ونقدها وهذا المنهج غير محدودة نتائجه.
الجزائر العاصمة 1830
عنابة 1830
مستغانم 1833
بجاية 1834
قالمة 1834
البليدة 1835
رشقون (بني صاف) ولاية عين تموشنت 1836
قسنطينة 1837
وهران 1837
سكيكدة 1838
جيجل 1839
بودواو-بومرداس- 1840
المدية 1840
شرشال-ولاية تيبازة- 1840
المسيلة 1841
بوسعادة-ولاية المسيلة- 1841
ثنية الحد-ولاية تيسمسيلت- 1841
معسكر 1841
سيق-ولاية معسكر حاليا- 1841
البويرة-الأخضرية- 1842
تبسة 1842
مليانة-ولاية عين الدفلة حاليا- 1843
دلس- ولاية بومرداس حاليا- 1844
تادمايت- ولاية تيزي وزو- 1844
تلمسان 1844
باتنة 1844
بسكرة 1844
تيزي وزو-المدينة- 1845
سور الغزلان-ولاية بويرة- 1845
يسر-ولاية بومرداس حاليا- 1846
بني ورثيلان –سطيف حاليا- 1847
سطيف 1848
أولاد نايل-ولاية الجلفة- 1849
الأغواط 1852
تقرت 1854
وادي سوف 1854
عين الحمام-تيزي وزو- 1857
عين صالح 1899
أدرار 1900
تامنغاست 1902
بشار 1905
تندوف 1934

السبت, 26 تشرين1/أكتوير 2024 19:10

الأدلة القرآنية على حجية السنة النبوبة غير منشورة

الأدلة القرآنية على حجية السنة النبوبة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، أما بعد فهذه ورقات أردت أن أجمع فيها أدلة القرآن العظيم الدالة على لزوم اتباع سنة نبينا الكريم، دلالة إليها تقريبا لها من طالبيها، وتأكيدا على أن حجية السنة مسألة قطعية لا تزال من قبيل المعلوم من الدين بالضرورة لدى العام والخاص؛ ورفعا لكل شك في أن من جحد السنة جملة فقد جحد النبوة وأنه ملحد من الملحدين، لا يصدق دعواه الإيمان بالقرآن الكريم إلا جاهل بدينه ومغفل لا دراية بكتاب ربه سبحانه ، وقد تضمن هذا الجمع أكثر من مائة دلالة واضحة صريحة ، وقد صنفتها في مطالب أربعة هي كالآتي.
المطلب الأول : الأدلة التي تدل على أن السنة وحي من الله تعالى
لقد قرن الله تعالى بين اسمه الجليل واسم في نبيه في الشهادة التي هي الركن الأول من أركان الإسلام، وجعل الإيمان به من الإيمان بالله تعالى فلا يؤمن ولا يكون مسلما ولا معصوم الدم والمال من زعم أنه يؤمن بالله تعالى ولا يؤمن برسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، بل إن من كذب محمدا صلى الله عليه وسلم يعتبر مكذبا لجميع الرسل ، ودعوة الرسل واحدة وهي الدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده، ولما كان الإيمان بالله تعالى لا يقف عند حد الاقرار بوجوده وملكه للكون، بل لا يتم إلا بإخلاص العبادة لله تعالى حبا وتعظيما خوفا ورجاء وتعظيما وطاعة وانقيادا واستسلاما ، فإن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم لا يقف أيضا عند حد الاقرار بصدقه في دعواه النبوة والرسالة، بل لا بد بعد تصديقه في خبره من اتباعه والاقتداء به وطاعته في أوامره ونواهيه.
قال الشافعي (فقرة 236-241):" وضع الله رسوله من دينه وفرْضِه وكتابه، الموضعَ الذي أبان - جل ثناؤه - أنه جعله عَلَمًا لدينه، بما افترض من طاعته، وحرَّم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قَرَن من الإيمان برسوله مع الإيمان به، فقال تبارك وتعالى: " {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } [الأعراف: 158]، وقال: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ (62) " [النور] .
فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذي ما سواه تَبَع له: الإيمانَ بالله ورسوله معه، فلو آمن عبد به، ولم يؤمن برسوله: لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبداً، حتى يؤمن برسوله معه، وهكذا سَنَّ رسولُ الله في كل من امتحنه للإيمان".
ومن هذا التقرير فإن كل دليل في القرآن يوجب الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم فهو دليل على حجية السنة النبوية ، وهذا أمر جلي في سيرته فإن المعاصر للنبي صلى الله وسلم لو قال له أشهد أنك رسول الله ولكن لا أتبعك ولا أطيعك لكان كافرا ، وحال غير المعاصر لن يختلف حاله إذا قال ذلك ، كما أن تعظيم النبي صلى الله وسلم ومحبته ونصرته لا يختلف حكمه بين من عاصره ومن لم يعاصره، فإن ذلك من مقتضى الإيمان والتصديق ، وضده من مقتضى الكفر والتكذيب .
ولذلك كان أول دليل ذكره الشافعي على حجية السنة في كتابه هو الإيمان بالرسالة ، ونحن في هذا المقام نتجاوز ذكر أدلة الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ، التي قد يفهم منها الملحد في آيات الله أنها دالة على مجرد التصديق دون الطاعة والاتباع ، وننتقل إلى ذكر جنس الأدلة التي تؤكد على أن النبي صلى الله وسلم رسول مسدد بالوحي وأن الوحي لا يقتصر على القرآن الذي هو كلام الله تعالى المعجز المتعبد بتلاوته ، وأن الأصل فيما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال تشريعية إنما هو الوحي الإلهي وإلا فهي تحت رعاية هذا الوحي لا تخرج عنه
أولا : أدلة تؤكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم متبع للوحي
إنما كان الرسول رسولا بنزول الوحي عليه ، والوحي أعم من أن يكون القرآن الذي هو كلام الله تعالى .
وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع الوحي
1-فقال سبحانه {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } [الأنعام: 106]. الوحي أعم من القرآن كما هو معلوم والقدر الزائد عليه إنما نجده في السنة، وأيضا فإن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن وعمله به هو إما تأكيد لمعناه إن كان واحدا أو تعيين له إن كان متعددا، فهو صلى الله عليه وسلم أفهم الناس للقرآن المنزل عليه.
2-وقال جل وعز : (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)
3-وقال تعالى : { وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [الأحزاب:2].
وبعد أمره صلى الله عليه وسلم باتباع الوحي نقل عنه الاقرار بأنه متقيد بالوحي
4--فقال تعالى {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ } [الأنعام: 50] فالرسول صلى الله عليه وسلم بعد تبليغه القرآن مأمور بأن يتبع الوحي ، وقد قال -وأقره الله تعالى- بأنه لا يتبع إلا الوحي فما وجد مطابقا للقرآن فهو عمل بالقرآن وما وجد أكثر تفصيلا فهو تفسير للقرآن وتبيين له ، ومصدر ذلك التفسير والبيان هو الوحي المتبع.
5-وقال سبحانه { إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ } [الأحقاف: 9].
6-وقال تبارك وتعالى : {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ} [الأنبياء: 45] وقد أنذر صلى الله عليه وسلم بما تلا من آي القرآن وبما ذكر به من مواعظ وما جاء من أخبار يوم القيامة وغيرها مما ليس مذكورا أو ليس مفصلا في القرآن.
7-وقال جل جلاله {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15] وفي هذه الآية تأكيد لما سبق مع إضافة تجنب العصيان وهذه دلالة مستقلة تأتي، وقبلها اقراره صلى الله عليه وسلم أن تبديل الآي ونسخها إنما هو من جهة الوحي، والمنسوخ منه ما جاء مصرحا به في القرآن ومنه وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإزالته وذلك الأمر وحي، كما أن وضع كل آية في موضعه وكل سورة إنما كان بوحي من الله تعالى.
ثانيا : الشهادة له بالاهتداء إلى الصراط والهداية إليه
وبعد الأمر باتباع الوحي والاقرار من الرسول صلى الله وعليه بكونه متبعا له وإقرار الله له تأتي الشهادة له بالاهتداء إلى الصراط المستقيم والهداية إليه.
8-فقال له رب العزو سبحانه : {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161].
9-ثم قال له : {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [الشورى: 52] وهذه الهداية هي المسماة هداية البيان والإرشاد.
ثالثا الرسول صلى الله وسلم لا يعصي
ولازم اتباع الوحي عدم مخالفته ، وتقصد المخالفة يسمى عصيانا وهذا مما ينزه عنه الرسول الكريم .
10-قال سبحانه :{ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [الزمر: 13] فالرسول كان قاصدا الامتثال والطاعة في كل أقواله وأفعاله، وما دام الأمر كذلك مع إقرار الوحي كانت حجة جميعها .
رابعا : تسديد خطأ النبي صلى الله عليه وسلم
والرسول صلى الله عليه وسلم قد يتصرف تصرف المبلغ والمعلم كما كان يتصرف التصرف العادي ، وقد يتصرف في قضايا لم ينزل فيها وحي ، وما كان مخطئا فيه فقد جاءه التصويب من السماء ، وهذا يدل على أن كل ما لم يتعقب فيه من أقوال وأفعال فهو جار على مقتضى الوحي وموافقته.
11-وقد قال تعالى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67]
12-وقال سبحانه: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ } [التوبة: 43].
13-وقال جل جلاله : {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [التحريم: 1]
14-وقال سبحانه : {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى } [عبس: 1، 2]
وقلة التصويبات القرآنية دالة على الأصل المذكور ومؤكدة له.
خامسا : أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم وحي
    ومن نصوص القرآن الدالة على حجية السنة والدالة على أنها وحي آيات تتحدث عن أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم بين الناس ومنها :
15-قوله تعالى {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105] فالكتاب المنزل هو القرآن الكريم وهو مصدر القوانين ، وحكم الرسول صلى الله عليه وسلم بين الناس يكون بما تضمنه من الحق وما أراه الله تعالى، فأخبر الله عن أمرين اثنين لابد من تمايزهما أحدهما كتاب منزل وهو وحي ، والثاني : ما أراه الله تعالى وهو وحي آخر.
16-وقال جل في علاه : {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ } [المائدة: 48] وهذا أمر لا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد امتثله، ومنه فإن أحكامه كلها لا تخرج عما أنزله الله وشرعه .
17-وقال سبحانه : {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49] وهذا مثل سابقه فما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون مخلفا لما أنزل الله تعالى.
سادسا : الرسول صلى الله عليه وسلم مبين للكتاب
ومن أدلة القرآن الدالة على حجية السنة من جهة كونها وحيا: أدلة تؤكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم مبين ومبين للقرآن الكريم .
18-فقال تعالى {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ} [الزخرف: 29] فالحق هو القرآن الكريم والرسول المبين هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي بين لهم الحجج وأزال الشبه.
19-وقال : ( أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ) (الدخان:13)
20-وقال سبحانه :  {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [النحل: 64] فالقرآن بعد تنزيله يحتاج إلى تبيين من الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك البيان هو سنته المنقولة عنه.
سابعا : الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بالوحي
   وخلاصة الأدلة السابقة أن الرسول صلى الله عليه مأمور بتبليغ الوحي وباتباع الوحي وأنه مسدد بالوحي ، لذلك قال ربنا عزوجل مبينا حال النبي صلى الله عليه وسلم وما ينطق به .
21-فقال سبحانه وتعالى : {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]
ثامنا : السنة هي الحكمة المنزلة من عند الله تعالى
     في القرآن الكريم آيات كثيرة تخبرنا أن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم شيئان الكتاب والحكمة ، ولما كان الكتاب هو القرآن الكريم ، فلم يبق شيء نزل معه إلا تفسيره وتطبيقه الذي هو السنة النبوية لا غير .
22-قال الله تعالى :{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129]
23- وقال سبحانه :{كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151] فذكر الله تعالى في الآيتين تلاوة وتزكية وكتابا وحكمة ، فالتلاوة للكتاب المتعبد بتلاوته والتزكية بالحكمة النبوية المرافقة لنزوله والمتكررة مشاهدتها لهم.
24-وقال جل جلاله : {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} [البقرة: 231].
25-وقال عز وجل : {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]
26-وقال تبارك اسمه :{وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا } [النساء: 113].
27- وقال سبحانه { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } [الأحزاب: 34].
28-وقال تعالى {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]
     قال الشافعي (فقرة 252-257) :"فذكر الله الكتاب، وهو القُرَآن، وذكر الحِكْمَة، فسمعتُ مَنْ أرْضى من أهل العلم بالقُرَآن يقول: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يشبه ما قال، والله أعلم.
لأن القُرَآن ذُكر وأُتْبِعَتْه الحكمة، وذكرَ الله منَّه على خَلْقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يَجُزْ - والله أعلم - أن يقال الحكمة هاهنا إلا سنةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتَّم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول: فرضٌ، إلا لكتاب الله، ثم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لِمَا وصفنا، من أنَّ الله جل وعز جَعَلَ الإيمان برسوله مقروناً بالإيمان به.
وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مُبَيِّنَة عن الله عز وجل معنى ما أراد، دليلاً على خاصِّه وعامِّه، ثم قرن الحكمة بها بكتابه، فأتبعها إياه، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم".  

المطلب الثاني : الأدلة الآمرة بطاعة الرسول مقرونة بطاعة الله تعالى
   بعد أن ذكرنا الأدلة التي تبين أن السنة وحي من الله تعالى، ننتقل إلى جنس ثان من أدلة القرآن على حجية السنة وهو الأدلة التي تأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مقرونة بطاعة الله تعالى، وهذا الجنس يتضمن أنواعا حسب الألفاظ الدالة على هذا الأمر، الأول : الأمر بطاعة ورسوله ، والثاني : الثناء على من أطاع الله ورسوله ، والثالث :  التحذير من مخالفة الله ورسوله ، والرابع : الأمر بالتحاكم إلى الله ورسوله والرجوع إليهما، والخامس : التصريح بأن طاعة الرسول من طاعة الله تعالى.
   ووجه دلالة جميع هذه الآيات جعل طاعة الرسول صلى الله وسلم في منزلة طاعة الله تعالى، ومعصية الرسول في منزلة معصية الله تعالى، وحكم الرسول في منزلة حكم الله تعالى ، مع أن الحكم لله تعالى وحده، ولا يجوز يقال إن من أطاع الله فقد الرسول فتكون طاعة الرسول تحصيل حاصل، لأن كلام رب العالمين كله حكمة وليس فيه لغو ولا كلام غير مفيد، والفائدة في هذا الاقتران هي ما ذكرنا فكما أن من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كذب الله تعالى، فكذلك من عصى رسوله فقد عصاه، ومن أطاع رسوله فقد أطاع الله ، وهو ما صرح الله تعالى به، ولقد كرر الله تعالى هذا المعنى في كتابه بصيغ عدة وفي سياقات مختلفة ليترسخ هذا الأمر في نفوس السامعين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وفي كل العصور قال تعالى (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (الأنعام: 19) ولا يتطرق إليه أدنى شك.
أولا : الأمر بطاعة الله ورسوله والتسوية بينهما
   أما النوع الأول فهو آيات تأمر صراحة بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تحتاج إلا إلى تلاوتها وعدها وفي 14 آية ، 12 منها فيها الأمر بالطاعة وواحد الأمر بالاستجابة، وواحدة الأمر بالإرضاء.
29-قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31، 32]
30-{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132]
31-{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } [النساء: 59].
32-{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92]
33-{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1]
34-{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ } [الأنفال: 20]
35-{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]
36-{ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } [الأحزاب: 33]
37-{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ } [النور: 54]
38- (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } [محمد: 33].
39-{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [التغابن: 12]
40-{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المجادلة: 13]
41-{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [الأنفال: 24]
42-{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (التوبة62)
ثانيا : الثناء على من أطاع الله ورسوله
  والنوع الثاني من هذا الجنس آيات ليس فيها الأمر بالطاعة لله ورسوله ولكنها تتضمن الثناء على من أطاعهما، والإخبار عن جزائه ومنزلته يوم القيامة وعن فوزه ونجاته ودخوله الجنة، وهي عشر آيات تتحدث عن جزاء الطاعة أو الاستجابة أو الرضا أو التسليم .   
43-{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (النساء:13)
44-{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } [النساء: 69]
45-{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]
46-(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } [النور: 52]
47-{يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [الأحزاب: 71].
48-{ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 17]
49-{ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [الحجرات: 14]
50-{ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172]
51-{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ } [التوبة: 59]
52-{ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] والتسليم هو الانقياد والطاعة
ثالثا : التحذير من معصية الله ورسوله
    والنوع الثالث من جنس الآيات التي قرنت بين طاعة الله وطاعة رسوله : الآيات التي تحذير من معصية الله ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا التحذير جاء بصيغ كثيرة منها : التحذير من المعصية ومن التولي عن الطاعة والندم على عدم الطاعة ، والتحذير من المشاقة والمحادة والتوعد بالحرب، والتحذير من الخيانة أو التقديم بين يدين الله ورسوله ، وإعلان البراءة والوعيد بالقتال.
53- (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ } [النساء: 13، 14]
54- (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]
55-{ إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } [الجن: 23]
56-{وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (النور:47) .
57- {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا } [الأحزاب: 66]
58- {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 13]
59-{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (محمد32)
60-{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 4]
61- (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 63]
62-{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ } [المجادلة: 5].
63-{ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ} [المجادلة: 20]
64-{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } [البقرة: 279]
65-{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]
66-{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]
67-{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1]
68-{وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } [التوبة: 3]
رابعا : الأمر بالتحاكم إلى الله ورسوله والرجوع إليهما
والنوع الرابع هو الآيات التي تأمر المسلمين بالتحاكم إلى الله تعالى وإلى رسوله الكريم ، وهو تحاكم إلى الكتاب المنزل ورجوع إلى الرسول في حياته وإلى سنته بعد مماته، ودلالة هذه الآيات من أصرحها وهي تجعل التحاكم شرطا في الإيمان فعلم أنه شيء زائد على مجرد التصديق بالنبوة وأن رفض التحاكم إلى الله ورسوله هو شأن المشركين مثلهم المنافقين .
69-{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } [الأحزاب:36]
70-{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا } [النساء: 61].
71-{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } [المائدة: 104]
72- (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ } [النور: 48]
73-{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (النور 51).
74-{ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]
قال الشافعي (فقرة:266):"ومن تنازع ممن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رَدَّ الأمر إلى قضاء الله، ثم قضاء رسوله، فإن لم يكن فيما تنازعوا فيه قضاء، نصًّا فيهما ولا في واحد منهما، رَدُّوه قِياساً على أحدهما".
خامسا : طاعة الرسول من طاعة الله
وآخر نوع نذكر التصريح بأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى ، وفي ذلك آيتان:
75-{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80]
76-{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [الفتح: 10]

المطلب الثالث : الأمر بطاعة الرسول واتباعه والاقتداء به والتحاكم إليه
   والجنس الثالث من أدلة القرآن على حجية السنة النبوية الأدلة الآمرة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أمرا مفردا عن طاعة الله والأمر اتباعه والاقتداء به والتحاكم إليه، ولكثرة هذه الأدلة وتعددها نقسمها إلى الأنواع الآتية :
أولا : الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أمرا مفردا
وهذا النوع يتضمن الأمر الصريح بالطاعة أو الاستئذان وتعليق الهداية والفلاح بالطاعة .
77- قال تعالى :{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]
78-وقال سبحانه : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ (النساء:64)
79-وقال :{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [النور: 53]
80-وقال : {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [النور: 56]
81- وقال : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } [النور: 62]
82- وقال عز وجل { وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [النور: 54]
83- وقال جل جلاله : (فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا } [الفتح: 16]
84-وقال {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } [الفتح: 9] ومما قيل في التفسير تعزروه تعظموه بالطاعة وتوقروه بجعله سيدا متبعا.
ثانيا : التحذير من معصية الرسول ومخالفته
  ولازم الأمر بالطاعة التحذير من معصيته ومخالفته ومشاقته ، وقد ورد هذا المعنى في آيات كثيرة بصيغ عدة منها :
85-قوله تعالى :{ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ } [الشعراء: 216]
86-وقوله سبحانه :{وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ } [النساء: 81]
{ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 16]
87-وقوله جل جلاله :{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ ) (المجادلة8)
88-وقوله عز وجل : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [المجادلة: 9]
89-وقوله :{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [النساء: 115]
90-وقوله تعالى :{ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا } [النساء: 42]
91-وقوله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } [الحجرات: 2] قال ابن العربي (4/ 146) :"حرمة النبي- صلى الله عليه وسلم- ميتا كحرمته حيا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه؛ فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به".
ثالثا : الأمر باتباع الرسول والاقتداء به
   ومن الآيات الدالة على حجية السنة الآيات الآمرة باتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به ، والصيغ الدالة على هذا المعنى كثيرة ، وهي واضحة الدلالة في وجوب الاتباع وأن الاتباع علامة الإيمان وسبب النجاة .
92-قال تعالى :{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ } [البقرة: 143]
93-وقال سبحانه {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)
94-وقال عز وجل{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53]
95-وقال تبارك وتعالى :{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } [آل عمران: 101]
96-وقال {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ) [الأعراف: 157]
97-ثم قال (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]
98-وقال سبحانه :{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]
99-وقال جل جلاله :{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [يوسف: 108]
100-وقال :{وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} [إبراهيم: 44]
101-وقال :{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا } [الفرقان: 27]
102-وقال سبحانه :{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]
103-وقال جل جلاله :{مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ } [التوبة: 120].
104-وقال :{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم: 4] وصاحب الخلق العظيم قدوة للعالمين.
105-وقال { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء215)
106-وقال سبحانه {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ } [الممتحنة: 4] وإذا كان إبراهيم عليه السلام قدوة فإن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا كذلك.
رابعا : التحاكم إلى الرسول والرضا بحكمه
ومن أنواع هذا الجنس الأمر بالتحاكم والتقاضي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
107-فقال تعالى : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } [النساء: 65]
108-وقال بعدها : (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء: 65]
109-وقال سبحانه : {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء: 83]
110-وقال {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [المائدة: 42]
خامسا : الرسول يحرم ويحل
ومن الدلالات على حجية سنته صلى الله عليه وسلم الإخبار عنه أن يحلل ويحرم ، وذلك لا يكون إلا بإذن الله تعالى وأمره .
111-فقال تعالى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [التوبة: 29]
112-وقال سبحانه : { يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } [الأعراف: 157].
الخاتمة
تم بحمد الله جمع ما رأيت دلالته ظاهرة ومباشرة على حجية السنة النبوية ، ويمكن للناظر أن يستدرك على ما ذكر ما خفيت دلالته أو ما خفيت علي دلالته وهي في نفس الأمر ظاهرة، وأختم هذه المقالة بإعادة ما قرر في أولها من أنه لا يوجد في الواقع من يؤمن القرآن ولا يتبع السنة ولا يوجد من يؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم ثم لا يتبع سنته ، فالمعرض عن النبي صلى الله عليه وسلم مكذب له ، والرافض لسنة النبي صلى الله عليه وسلم مكذب للقرآن الكريم ، وظهور دلالات القرآن وتواترها يجعل الأمر قطعيا معلومات علما ضروريا يرفع كل عذر ويزيل كل شبهة عن كل عربي قرأ القرآن، ومنه فكل منكر للسنة وحجيتها يعتبر كافرا كفرا بواح، هذا بغض النظر عن لوازم قوله المؤدي إلى  إنكار جمع من الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين .

الخميس, 10 تشرين1/أكتوير 2024 11:30

من وحي طوفان الأقصى (22) يا أهل السنة إنكم متفقون غير منشورة

يا أهل السنة إنكم متفقون
يا أهل السنة إنكم متفقون في عقيدتكم في القرآن والسنة والصحابة الكرام، وإنما اختلفتم في موقف سياسي مصلحي، وكلكم إن شاء الله متفق على أن الموقف السياسي لابد أن يكون منسجما مع العقيدة غير ناقض لها.
 إلا أن فريقا منا يرى تغليب النظر إلى الواجب في الساعة الراهنة وإعمال الموازنة العادلة لترجيح أقرب المصالح لا أخلصها، إذ لا مصلحة خالصة اليوم، والتعامل مع الرديء الموجود أولى من التعلق بالجيد المفقود. والمفسدة الناجمة عن موقفنا -وهي الدعاية للتشيع -نحن نقدر أنها ضئيلة ، ويمكن تداركها بالوسائل المناسبة في الوقت المناسب، بل إن موقفنا الحالي مما يضعف تلك الدعاية في تقديرنا.
وفريق آخر منا يرى أن الواجب النظر في المآلات، وما هو معلوم من من أهداف الرافضة في المنطقة وتاريخها القذر في القديم والحديث، وربما يقدرون أن المصلحة المذكورة موهومة ولا تقارن مع مفسدة الدعاية لدين الرفض ومحاولة تحسين صور المجرمين ومحو جرائمهم في حق أهل السنة في إيران والشام والعراق واليمن، ولقد رأينا من جعل من رؤوسهم شهداء ورموزا للأمة.
   وأنا اعتقد أن كلا الفريقين لم تخف عليه مبررات الفريق الآخر، وإنما وقع الخلاف في تقدير المصلحة الراجحة، وإذا كان الأمر كذلك فلابد أن لا يطول الجدال في المواقف، لأن ذلك يوغر الصدور وقد يؤدي إلى التفرق المذموم، والعادة أن أزمات الأمة العامة وقضاياها الكبرى تكون جامعة لا مفرقة، وقضية فلسطين كانت ولا زالت موحدة لصفوف أهل السنة ولابد أن تبقى كذلك، وكنا نود أن تكون اختبارا يسقط فيه المندسون والعملاء الجبناء، وخاصة أننا نعيش في ظل أنظمة جلها مطبع أو سائر في طريق التطبيع، ومع الأسف هم محسوبون على السنة وليس لهم فيها نصيب.
  رأيت هذا الرأي:
1-وخاصة أننا رأينا بعض من يبطن التشيع ويمارس التقية، أو يميل إلى التشيع من بعض الأفراد والطوائف، قد وجد الفرصة ليجهر بما كان يخفيه وسط هذه الضوضاء، والناس لم تعد تفرق بين من ينتصر لموقف الرافضة وبين من يستغل الحدث للترويج لعقائدهم.
2-من جهة أخرى فإنه قد زرع في الأمة متصهينون تابعون لأنظمة صنعتهم، وقد وجدوا هم كذلك فرصة ليبينوا للناس عدم انفرادهم في مواقفهم، ولا سيما عندما يقرأون من يعمم حكم تكفير الرافضة، ووجدوا فرصة وسط هذا الاختلاف ليجددوا الهجوم على أهل السنة في فلسطين وغزة الأبية.
***وما دمنا جميعا متفقين على الأصول المذكورة أعلاها، وكلنا واع بالمخاطر المذكورة ، فلنشتغل بييان عقيدتنا في السنة النبوية ولنتجه إلى نشر فضائل الصحابة الكرام ومناقبهم ...لأننا إذا تأمنا واقع هذه الأمة التي نعدها على الخريطة الجغرافية سنية -والتي نخاف عليها من التشيع- نجد أغلبها إما جاهلا كل الجهل بأصول السنة، وإما مقلدا تقليدا هشا لا يكاد يثبت أمام أضعف الشبهات.
وأكرر ما قلته في مقال سابق أنه على السني صحافيا كان أو كاتبا حرا أو شيخا إن تحدث عن أعمال المقاومة فلينسبها إلى لبنان واليمن والعراق ويكفيه ذلك، حتى تخف الدعاية التي يرمي الرافضة إليها.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

الخميس, 10 تشرين1/أكتوير 2024 11:26

من وحي طوفان الأقصى (21) لا لتأليه أمريكا غير منشورة

لا لتأليه أمريكا
بعض المحللين بدلا من النظر في الوقائع الراهنة مع تقديم تفسيرات أو نقد لها؛ يهجم مباشرة إلى الحديث عن النهايات البعيدة والتي ربما يراها قريبة، وذلك أنه يغلب عليه أثناء التحليل هاجس التنبؤ الصحيح؛ وذلك أنه جعل  هدفه من التحليل هو أن يقال : لقد قال هذا فلان قبل شهر، قبل ثلاثة أشهر وقبل سنة، وحينها يفرح ويقول مفاخرا : ألم أقل لكم؟ هل رأيتم صدق تحليلاتي؟ وكثيرا ما تكون هذه التنبؤات التي يسميها تحليلات مبنية على مسلمات لا تخفى على أدنى الناس معرفة بأحوال العالم؛ نحو شدة بأس قوى الشر وتكاتفها، ومنه فإن نتيجة تنبؤاته معلومة من مقدماتها وهي حتمية الهزيمة، ويغفل هذا المحلل البائس أنه يمارس بكلامه حربا نفسية على كل من يقرأ كلامه، لا أقول إنه يمارس حربا نفسية مؤثرة فيمن هم في الميادين لأن هؤلاء في الغالب لا تصلهم تحليلاته وإن وصلت لا يعبؤون بها، وهم قد تكونوا  تكوينا نفسيا عاليا إلى جانب تكوينهم البدني، ولكنها حرب ضد غيرهم وخاصة ممن يثقون فيه من مواطنيه، ومن يحسبونه على شيء من الدراية والفهم، وربما تؤثر على من هم في الميادين من جهة إحباط منعويات جهات الإسناد أو من يطلب منه مستقبلا الالتحاق بالميادين، وأقل ما تورثه هذه التحليلات البائسة تأليه أمريكا وجعلها هي مدبرة الكون لا راد لحكمها ولا مفر مما تقدره على الأمم الضعيفة، وأن المفلح هو من أدرك بطشها فعرف كيف ينحني لها في الوقت المناسب، وإن الكيس الفطن إنما يتكلم بالكلام المفيد في اللحظة التي يطلب منه الكلام فيها، فإن رأى نفسه عاجزا فعليه أن يصمت، وإن رأى في كلامه ضررا فليصمت أيضا، والمعنى أن يقول خيرا أو ليصمت، والخير كما قد يكون تبشيرا وقد يكون تحذيرا أيضا، ولا يمكن أن يكون أبدا ترهيبا أو تأييسا وتضخيما لقوى الشر الطاغية في هذا العالم.

الإثنين, 07 تشرين1/أكتوير 2024 19:24

طوفان الأقصى : أعمق الآثار وأهم الثمار غير منشورة

طوفان الأقصى : أعمق الآثار وأهم الثمار
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد : فبعد مرور عام من غزوة الطوفان الأقصى، وبعدما كتبنا كثيرا عنه التمس مني أكتب شيئا عما استفدت منه أو عما يرى ثمرة من ثماره، فقلبت النظر في آثاره العميقة وفي ثماره اليانعة التي أثمرها فانتخبت منها ثلاثة قدرت أنها أهمها وأعمقها رأيتها تحققت عند الكثيرين وأود أن تتسع دائرة تحقيقها قدر الإمكان، وهي كالآتي:
أولا : إنها قضيتنا وستبقى قضيتنا
إن قضية فلسطين والأقصى قضية إسلامية وهي قضية الأمة الإسلامية جمعاء، وهي أم القضايا ولابد أن تبقى كذلك؛ مهما كانت الظروف التي تمر بها أقطارنا، ولقد رأينا علماء الجزائر وهم يعيشون تحت نير الاحتلال الفرنسي لم يسكتوا عن قضية الفلسطينية منذ سنواتها الأولى أيام الانتداب الانجليزي إلى غاية حرب 48 وما بعدها، فكان لهم دور بارز في الإسناد المادي والمعنوي، وفي عصرنا هذا قد نشأت أجيال وخلفت خلوف فرط كثير منا في تعريفها بما لها من حق في تلك الأرض وتلقينها ما عليها من واجب تجاهها، إنها أجيال لم تدرك زمان حروب فلسطين القديمة ولا انتفاضات أهلها الحديثة، فلما جاءت هذه الغزوة المباركة أحيت ذكرى الأقصى في قلوب العالمين وجعلت ذكره على طرف كل لسان، فانبعث أمل التحرير في النفوس في جديد واشتعلت الجذوة التي كادت أن تنطفئ، ورأينا لهيبها ينتقل إلى أولادنا فصاروا يرسمون خريطة فلسطين ويتوشحون الكوفية ويقلدون أصوات المجاهدين، ويتطلعون إلى متابعة أخبار إثخانهم في العدو، وإن سماعهم للخطب والدعوات التي كانت ترفع كل يوم، ومشاهدتهم لمظاهر الدعم الشعبي لإخوانهم، قد حفر -مع ما سبق وصفه من حالهم- في كيانهم أن فلسطين أرض إسلامية وعاصمتها القدس مسرى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد رسخ في أذهانهم أن قضية فلسطين هي قضيتهم التي لابد أن يتمسكوا بها حتى تتحرر بإذن الله، وكفى بهذا غنيمة أحرزتها أمتنا وكفى به نصرا على الأعداء وعلى مزوري الخرائط وكل من يحاول تبديل الحقائق، أقول هذه الكلمات وأنا أتذكر أيام طفولتي لما كنا نتابع أخبار حرب المخيمات في لبنان ومجازر صبرا وشتيلا الأليمة، وقد عاينت وأيقنت أن تأثير الخبر مع الصورة أبلغ من الكلمات المجردة .
ثانيا : إنها قضية حلها في الجهاد والجهاد ألوان
لقد مرت القضية الفلسطينية في العقود الأخيرة بأسوأ مراحلها، حيث وضع بعض من كان يجاهد سلاحه ورضي بالتقسيم وتعلق بأمل سلم موهوم بشعار مخزٍ: الأرض مقابل السلام، وتلا ذلك موجة التطبيع مع الكيان الغاصب التي وقع في فخها أنظمة عربية عديدة، ولما كاد الثابتون على العهد ييأسون، جاء هذا الطوفان المبارك ليعيد إلى الأمة ذكر الجهاد وذكرياته، وأقنع بأحداثه كل المخلصين أن لا حل لقضيتهم إلا بالعودة إليه، ولقد أباح لنا الطوفان أن نتحدث عن الجهاد دون خوف أو خجل، وأن نسمي أبطال فلسطين بالمجاهدين بعد أن صارت كلمة الجهاد متهمة، لا تكاد تذكر إلا في المناسبات التاريخية، ولا تروى إلا عن الأمم الخالية.
إن هذا الطوفان قد فضح سذاجة وعمالة الطامعين في السلام مع الغاصبين، كما أنه عرى الجبناء المطبعين أمام شعوبهم وأبطل حججهم، فأي سلام يكون مع هؤلاء المجرمين وأي تطبيع يصح أن يبرم تتجاهل فيه أشلاء آلاف القتلى ويغتاظ منه مئات الآلاف من المشردين، لقد أقام أبطال غزة الحجة على الأمة حكومات وشعوبا؛ فأبانوا لهم أن هزيمة العدو ليس أمرا محالا، وأكدوا لهم أن الجهاد فرض ماض إلى قيام الساعة، وأنه إن ترك برهة فلإعداد عدته ليس إلا.
ولقد علمنا الطوفان وعلم أبناء الأمة أن الجهاد الذي أصله الجهاد بالنفس ليس محصورا فيه، وأنه محاط بألوان أخرى من الجهاد تخدمه وتسنده، يمكن لأهل الأقطار البعيدة عن ساحة الوغى أن يسلكوها؛ وهي ألوان لا تختص بمكان كما لا تتعلق بزمان ، وعلى رأسها الجهاد بالمال بدعم أهل الثغور والرباط سواء بتسليحهم أو تضميد جراح أهلهم وإطعامهم وإيوائهم، ومن ألوان الجهاد أيضا الجهاد الاقتصادي الذي تعلمته الأمة من خلال المقاطعة التي نبهتنا إلى عظيم أثر المال في بناء القوة، سواء القوة العسكرية في الحرب أو القوة السياسية في السلم، ومن ألوانه الجهاد الإعلامي الذي له دور في الدعاية والتعريف بقضية فلسطين في العالم بأسره من خلال نقل آلام المضطهدين ومعاناتهم ، وله دور من جهة أخرى في الحرب النفسية ضد العدو وجنوده، ورفع معنويات المجاهدين في الثغور وصب الصبر على أهلهم المكلومين.
ولقد سألني –إثر محاضرات ألقيت -كثير من الطلاب احترقت قلوبهم شوقا إلى الإسهام في نصرة إخوانهم، ولكنهم لم يجدوا ما ينفقون، سألوا عن دورهم وما يمكنهم تقديمه، فأجبتهم بأن نشر الوعي هو واجب كل المثقفين، وأن عليكم نقل هذه الحرقة التي قلوبكم إلى غيركم، وإن لم تكونوا أصحاب أموال لكنكم أصحاب أقلام وكلمة تقدرون على تحريض أرباب الأموال على الإنفاق، وعليكم أن ترفعوا من هممكم في العلم الذي تطلبون فلا يكون غاية مطلبكم شهادة أو وظيفة ؛ وليكن أهل غزة قدوة لكم فإنهم لم يطلبوا العلم من أجل عيش عاجل رغيد، ولكن جعلوه سلما لنصرة قضيتهم في كل مجال، فليكن طلبكم للعلم من أجل تقوية أمتكم، وإن قوة وطنكم من قوة الأمة لأن قوة الكل تأتي من قوة أجزائه، وإذا فقهتم المعنى الواسع للمقاطعة فعلى كل واحد منهم أن يلغي من ذهنه فكرة الاغتراب في أروبا، لأنه باغترابه سيبيع منتجات عقله إلى الأعداء، وكل مغترب هو الآن في خدمة اقتصاد الغربيين، وكل عالم يقدم لهم ثمرات عقله إنما يهديهم ما يتقوون به على أمتنا، وقد رأيتم أروبا كيف كشفت عن حقيقتها إذ هبت جل أقطارها لدعم الكيان الغاصب.
ثالثا : إحياء لحمة الوحدة والولاء المطلق في الإيمان
مما ينبغي الوقوف عنده مليا أن قضية فلسطين قد جمعت قلوب المسلمين المخلصين، ونفت الخبث عنهم، وهي لا تزال كذلك منذ بدايتها؛ فقد جمعت فلسطين الجزائريين على مختلف انتماءاتهم السياسية سنة 1948 ، كما كشف يومها عن ملاحدة شعوبيين كانوا مندسين في صفوف الحركة الوطنية فلفظتهم وطهرت صفوفها منهم، وهي كذلك اليوم قد اجتمع على نصرتها كل المسلمين المخلصين في هذه البلاد وغيرها، وكشفت أيضا عن جيوب شاذة صنعتها فروع الصهيونية في العالم فلفظتهم الأمة ومقتتهم. وإن من أجمل الأشياء أن يجد أبناء الإسلام الذين فرقتهم السياسة وغيرها -وهي أكثر ما يفرق الناس- مظلة تجمعهم ؛ وتذكرهم برابطة الدين الذي لن يجدوا غيره ليجمعهم، وإن من بركة هذا الطوفان أنه ذكرنا برابطة الإيمان التي تربطنا بأهل فلسطين وبجميع أهل الأوطان الإسلامية؛ كما أنه نبه كثيرا منا إلى أن الاشتغال بمعالي الأمور وكبيرها يعتبر أحد سبل الوحدة العملية المنشودة، وربما دعا كثيرين في هذا القطر وغيره إلى إعلاء عقيدة الولاء والبراء التي اعتراها التحريف والانحراف من جهات عدة؛ فحال دون الوحدة الإسلامية المطلوبة والمنشودة؛ فقد أدرك الناس أن الولاء في الإيمان لابد أن يعلو على الأعراق والقوميات، ولابد أن يتجاوز حدود الأوطان والأقطار، ولابد أن تذوب دونه الانتماءات الحزبية الضيقة، ولابد أن لا يتأثر بالاختلافات الكائنة بين المؤمنين مهما كان نوعها. فإن قيل إنه ليس كل الناس أدرك ما تقول يقال إنما ننوه بهذا ونذكره ليتنبه من لم ينتبه، وليلتحق بالركب من لم يلتحق، نسأل الله الهداية والتوفيق والسداد والرشاد والإخلاص في القول والعمل.
 
 
 

الأحد, 29 أيلول/سبتمبر 2024 22:54

خواطر وتعليقات على الحلل السندسية في الأخبار التونسية غير منشورة

خواطر وتعليقات على الحلل السندسية في الأخبار التونسية
1-علاقة الفقهاء بالحكام
في (1/ 63-64) من مقدمة المحقق لكتاب الحلل السندسية في الأخبار التونسية قائمة بأسماء العلماء الذين تم إعدامهم في تونس من طرف الحكام العثمانيين وذلك في ما بين سنة 1084 و1117هـ (1673-1705م) أي في مدة 33 سنة، وعددهم ثمانية رحمهم الله، وثلاثة آخرون حكم عليهم بالموت لكن لم يتم تنفيذ الحكم فيهم، وهؤلاء العلماء فيهم الأتراك وفيهم التونسيون الأصليون .
 قرأت تلك القائمة وقلت: هذه أحكام القتل الصادرة في حق العلماء دون تتبع أحكام الحبس والنفي، وهذه الأحكام كانت لها أسبابها وسياقاتها وهي لا تعني أن الظلم والاضطهاد قد نال جميع العلماء، ولكن هذه صورة موجزة لمدة قصيرة في بقعة واحدة من أرض الإسلام الواسعة، وأقل ما تفيده تكذيب دعوى أطراف ذيول المستشرقين المدعين للحداثة؛ الذين يقدحون في الشريعة الإسلامية بزعم تحالف الحكام والعلماء ضد الشعوب وأن الفقه صنعه الفقهاء تقربا للحكام، وهو زعم يدل على جهل تام بمحتوى الفقه الاسلامي وجهل مطبق بالتاريخ الإسلامي أيضا، وقد كانت الدعوى قديما على لسان الذيول –فيما أحسب- خاصة بالفقه السياسي؛ فلما جاء أطراف الذيول أساؤوا فهم الرأي الخاطئ وعمموه إلى الفقه كله، وهذه التهمة في الحقيقة ناتجة عن محاولة استنساخ تاريخ أوروبا النصرانية واسقاطه على تاريخنا؛ مع سطحية متناهية في التفكير ومعيار النقد حيث كان دليل ثبوت التهمة إقرار النظام الملكي وما شابهه؛ وعدم تمثل المبادئ الديمقراطية في كتبهم.. وبعضهم ربما يستثني بعض الأعلام الذين نالهم الظلم نظرا لشهرتهم ليوهم الناس أنها نماذج شاذة معزولة في تاريخ الأمة الممتد في الزمان والمكان؛ فيحترز عن الاعتراض بهم ويجعل القارئ يتخيل أن الفقهاء كلهم كانوا من جملة خدم السلطان إلا أحمد بن حنبل وابن رشد وربما يضاف إليهم العز بن عبد السلام وابن تيمية.
   والمتصفح للتاريخ يجد الحكام الصالحين والذين هم دونهم؛ على أنهم جميعا خلطوا بين الصلاح وضده على تفاوت بينهم، والعبرة بما غلب، وفي الوقت الذي تكون لبعضهم علاقة حسنة مع علماء تكون له علاقة سيئة مع غيرهم، ولا رابط بين هذه العلاقات وبين الفقه الاسلامي السياسي فضلا عن غيره من حيث تأصيله ووضعه وقد يكون لها ارتباط بتنزيله وتطبيقه.
في سنة 1084هـ/ 1673 قُتل مصطفى برناز وابنه وهما تركيان
في 1088/ 1677 قُتل يوسف درغوث التركي وتوارى محمد فتاتة التونسي فنجى من القتل.
في 1106 / 1694 قُتل مصطفى بن عبد الكريم ونجا من القتل عالمان آخران وهما المفتى عبد الكبير درغوث وأبي الغيث البكري
في 1109/ 1697 قُتل حمودة بن محمد فتاتة
في 1110/ 1699 قُتل محمد العواني الشريف القيرواني
في 1117هـ/ 1705م قُتل أحمد بن محمد التونسي وعلي بن محمد الصمادحي.
2-التوازنات في تعينات حاكم تونس العثماني
جاء في مقدمة تحقيق الحلل السندسية ج1 ص 92 عن ولاية الباي العثماني حسين بن علي " واختار حسين خوجة صاحب بشائر أهل الإيمان لكتابته الخاصة إرضاء لعنصر الاتراك ، كما قرب الشيخ محمد سعادة ودعاه لتأليف كتاب قرة العين في فضائله في فضائله إرضاء للعنصر التونسي، ثم اختار الوزير السراج ليؤلف الحلل السندسية ..إرضاء للعنصر الأندلسي ".
 3-كيف نقرأ التراث وننقده
في ترجمة محمد بن محمد الأندلسي الوزير السراج التي وضعها محمد الحبيب الهيلة في مقدمة تحقيق للحلل السندسية في الأخبار التونسية لفت انتباهنا إلى قضية منهجية مهمة وهو يتحدث عن أدب السراج حيث قال (1/76) :"لكن رغم هذه العيوب التي عرضناها –حسب مقاييسنا العصرية- نجد السراج معدودا من بين أكابر شعراء عصره، نظرا إلى أن ما أنتجه من الشعر يخضع للقيم الذوقية والحدود الفنية الشائعة في ذلك العهد". وهذا التنبيه يعد قاعدة مهمة جدا لابد أن يضعها كل قارئ للتراث بقصد الاستفادة أو النقد نصب عينيه، فإن كل ما انتج من نصوص ومؤلفات وما أعمل من مناهج وطرائق في التأليف خاضع لبيئة المؤلف ومعايير عصره، ونحن عندما نريد تقييم انتاج فردي لعالم من الأعلام لابد أن نقارنه بما انتجه معاصروه أولا وفق معايير عصره، ثم في مرحلة ثانية نقارنه بما كان قبل عصره وبعده مباشرة ، فالتقييم الأول يوضح لك منزلته بين أقرانه وما تميز به عنهم والثاني يبين لك ماهي عناصر التقليد والتجديد في انتاجه وما كان فيه تابعا لمن سبقه وما خرج فيه عن المعهود في اتجاه ايجابي أو سلبي، وأما من يحكم معايير عصرنا على منتوج فرد أو عصر محاكمة مطلقة عن الزمن قد يقع في التحريف والتزييف كما يقع في الظلم أيضا.
فقد حكم المحقق على المترجم بأنه من أكابر شعراء عصره بمعايير عصره وأما بمعايير عصرنا أو معايير العصر العباسي كما أشار إلى ذلك في صفحة 66 فإنه قال ص 74 :"لا يعد أدبا رفيعا ".
ويسحب هذا المعنى على كل قراءة للتاريخ وأحداثه ومواقف صانعيه التي لابد ان تكون محفوفة بالنظر إلى الظروف السياسية المحيطة بالحدث والبيئة الاجتماعية التي صدر فيها وأعراف الناس ونحو ذلك، ومن لم يلتزم بذلك صدرت منه محاكمات مجحفة في حق الرجال وانتاجهم ومواقفهم وفي حق الأمم أيضا، وما أكثر هذه المحاكمات الجائرة في هذا الفضاء التي تصدر من قلوب غافلة أحيانا وقلوب حاقدة أحيانا أخرى.
4-هل في الصحابة بربر؟
وأنا أقرأ للوزير السراج (ت:1149هـ) صاحب الحلل السندسية تبين لي أنه مجرد ناقل ومرتب للمعلومات التاريخية وذلك من خلال توثيقه للنقول، والمقارنات والتصحيحات التي أثبتها المحقق، ومع ذلك ففكرة الكتاب جيدة إذ حاول أن يجمع كل ما يتعلق بتاريخ مدينة تونس وكذا المدن التابعة للقطر المسمى إفريقية في ذلك الوقت وهي دولة تونس الحالية كما حاول التوفيق بين التاريخ السياسي والتاريخ الثقافي حيث جمع بين تاريخ الدول والأمراء والملوك الذي حكموا تلك المدن وبين تراجم العلماء الذين سكنوها أو نسبوا إليها. ومما ازعجتني في كتابه هذا نقله لعبارات الإطراء الطويلة المسجوعة المتكلفة في حق بعض الأعلام، وروايته لبعض الخرافات غير المعقولة المنقولة عن المتصوفة، وحكايته لروايات مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم في فضل المغرب وإفريقية كحديث :"خير الأرض مغاربها" (1/221) وأحاديث :"ليأتين أناس من أمتي من إفريقية يوم القيامة وجوههم أفضل نورا من نور القمر ليلة البدر" ، و"بساحل قمونية باب من أبواب الجنة يقال له المنستير من دخله فبرحمة الله ومن خرج منه فبعفو الله " و"من رابط بالمنستير ثلاثة أيام وجبت له الجنة " (1/225-229) .
وهذه الموضوعات المفتريات قد نقلها من كتاب الفتن لنعيم بن حماد وطبقات علماء إفريقية لأبي العرب وهي كتب مسندة، وما أثار عجبي أكثر خبر رواه عن أحد شيوخه بلا إسناد فيه فجوة مدتها قرابة عشرة قرون كاملة وزيادة؛ مفاده وجود عشرة من الصحابة من البربر، قال رحمه الله :"حدثني شيخنا أبو العباس بُرناز قال أخبرني شيخنا سيدي أحمد المغربي في أيام قراءتي عليه في بلاد زواوة أن ببلاد المغرب مقبرة فيها عشرة من الصحابة بعثهم أهل المغرب رسلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا مسجده الشريف فلما وقفوا سألوا عنه صلى الله عليه وسلم بلسانهم :"آذا آمازان إيربي" وهي كلمة بربرية : فآذا معناه أين، وآمازان معناه رسول، وإيربي معناه ربي ، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :"آشكاب؟" معناه -والله أعلم- أي شيء تريدون؟ انتهى من خطه " (1/221) ثم ضبط الكلمات البربرية بالحروف تجنبا لتصحيفها. وحكاية الخبر لوحدها كفيلة لرده وتكذيبه، وقد كان جديرا به أن لا يدنس كتابه بمثل هذه الترهات.
5-روايات في أصل البربر أو بعض البربر
قال التجاني (هو عبد الله بن محمد صاحب الرحلة كان حيا سنة 717هـ) :"وأهل توزر من بقايا الروم الذين كانوا بإفريقية قبل الفتح الإسلامي، وكذلك أكثر بلاد الجريد لأنهم حين دخول الإسلام أسلموا على أموالهم ، وفيهم قوم من العرب الذين سكنوها بعد الافتتاح ، وفيهم أيضا من البربر الذين دخلوها من قديم الزمان عند خروجهم من بلادهم ؛ فإن بلاد البربر إنما كانت فلسطين وما وجاورها من بلاد الشام ، وكان ملكهم جالوت المذكور في القرآن الكريم ، فلما قتله داود عليه السلام تفرقوا في البلاد وتوجه أكثرهم إلى إفريقية وبلاد المغرب ، وكانت أفريقية للروم فأجلتهم البرابر إلى جزائر البحر كصقلية وغيرها ، ثم تراجعت الروم إلى بلادها على موادعة وصلح مع البربر فاختارت البربر سكنى الجبال والرمال وأطراف البلاد وصارت الروم إلى البلدان والعمائر، حتى جاء الإسلام وافتتحت البلاد ففر جميع من فيها إلا من أسلم أو أدى الجزية كأهل الجريد هؤلاء". عن الحلل السندسية 1/ 378 .
وكان نقل قبل هذا عن محمد الإدريسي (صاحب نزهة المشتاق المتوفى سنة 560هـ) قوله عن أصل نفزاوة :"ومن ولد نفزاو هذا جالوت الذي قتله داود عليه السلام ، واسم جالوت ضريس بن الأصغر بن نفزاو ، ومن نفزاو تفرعت زناتة كلها ، وهم في الأصل عرب ، وإنما تبربروا بمجاورتهم للبربر من المصاميد ومخالطتهم لهم " . الحلل السندسية 1/ 367
6-كتابة قيل إنها ترجع إلى ما قبل الطوفان
قال السراج (1/ 506) :"ومن بلاد افريقية شقبنارية وهي المعبر عنها في زماننا بالكاف قال ابن الشباط (محمد بن علي التّوزري ت 681 هـ- 1282 م) وهي مدينة أولية من بناء الأوائل وهي سند جبل وبها عين ما يتفجر من صخر وينبعث إلى صهريج من صخر محكم البناء وبها آثار من بناء الأول عجيبة ، وباب المدينة عليه سطر مكتوب بالقلم الأول لا يدري ما هو ، وهذا القلم مكتوب به في تبسة وصومعة القصرين –وهي صومعة الراهب- مكتتبة من جميع جهاتها وغيرها. قال ابن الشباط : وأخبرني بعض علماء بلدنا أن ذلك القلم كان قبل الطوفان –والله أعلم- ".
هل من أخبار عن علماء الآثار عن هذه الكتابات المذكورة ؟؟
7-الملك دقيوس
قال السراج في الحلل السندسية (1/ 420) نقلا عن ابن الشباط في صلة السمط وهو يتحدث عن مدن الجريد:"وأما تقيوس فتحتها مدن بها بقايا قصر مبني بالصخر المنحوت حوله نهر ، ويقال إنه كان قصر ملك، وبعض أهلها يقول إنها سميت باسم ملكها دقيوس ، وكانت خيله تغير على سبيطلة فبنى صاحب سبيطلة مدينة قفصة وشحنها بالخيل والرجال والعدة ليمنع غارة دقيوس ولذلك بناها بين الجبلين اللذين يسلك منهما إلى نواحي سبيطلة وإفريقية ".
قال الأبي كما في الحلل السندسية 1/ 561
وإني لبار في قسمي هذا فلقد كنت أقيد من زوائد إلقائه، وفوائد إبدائه ، على الدول الخمس التي تقرأ بمجلسه من التفسير والحديث والدول الثلاث التي في التهذيب نحو الورقتين في كل يوم مما ليس في الكتب –قدس الله تعالى روحه- وشاهد ذلك ما اشتملت عليه تآليفه ، وناهيك بمختصره في الفقه الذي ما وضع في الإسلام مثله، لضبطه فيه المذهب مع الزيادة المكملة ، والتنبيه على المواضع المشكلة وتعريف الحقائق الشرعية .انتهى ما نقلهابن باديس عن الأبي.
في 1/ 563
وكان في زمنه رحمه الله من تلامذته الشيخ الأبي قدم التراويح ليلة قبل العشاء ليجتمع به تلك الليلة فلما انفصل عن صلاة التراويح لقيه فقال له الإمام من نوبت ؟ وكان الأبي إماما بجامع الهواء- فقال له قدمتها ، فقال له كنت أظنك أورع من هذا وكنت أظن أني إذا مت أخلف من يؤخذ العلم بعدي.
عبد الرحمن المجدولي التونسي 1/ 650 قال زروق كان ينقل عن الأبي أنه كان يقول ما في الكلام أشكل من ثلاث مسائل مسألة كلامه تعالى والقدرة الاكتسابية والرؤية فينبغي اعتقاد الخير فيها وترك ما سواه  .
8-المكر والمكر المضاد
لما توفي الداي يوسف سنة 1047هـ -1636م بويع بولاية تونس خلفه اسطا مراد باتفاق قادة العسكر وفي مقدمتهم كبيرهم مامي، وهذا الأخير كان يرى نفسه أنه أحق بالملك من اسطا مراد ، لكنه خشي أن لا يحظى باتفاق العسكر على تقديمه لأنه كان من قبل مملوكا للداي يوسف؛ والترك ربما يأبون تقديمه على أنفسهم، فرشح اسطا مراد وقدمه –وكان أصله مملوكا أيضا - ليمتحن به الخواطر فإن رضي به القوم نظر بعد ذلك كيف يسعى إلى خلعه ويتولى هو بعده، فيكون كمن فتح بابا بيد غيره، أو كمن اختبر السم بلسان غيره...وقيل إن مولاه أحمد ابن الداي يوسف المتوفي كان يتمنى الولاية خلفا لأبيه إلا أن صغر سنه منعه من إظهار نيته فوعده مملوكه كبير الجند بتدبير الأمر بعد تولية اسطا مراد.
لكن اسطا مراد بعد بيعته واستقرار ملكه سرعان شم رائحة ما قصده مامي؛ فعاجله بالنفي إلى بلد زغوان ثم قُتل هناك، ثم نفى أحمد بن يوسف إلى الجزائر.
بتصرف من الحلل السندسية في الأخبار التونسية (2/ 375-376)
9-نسب غريب للمعز بن باديس الصنهاجي
في الحلل السندسية في الأخبار التونسية (2/70) نقل لنسب المعز بن باديس عن عماد الدين الكاتب محمد بن محمد الأصبهاني صاحب الخريدة (المتوفى: 597هـ) بواسطة ابن خلكان ، وقد وجدته بتمامه في كتابه خريدة القصر وجريدة العصر (17/ 141-142) في ترجمة تميم بن المعز بن باديس (ت:501هـ) وقد ساق نسبه إلى قحطان ثم إلى سام ثم آدم عليه السلام . وهو لم يبين مصدره في وصل سلسلة النسب، ولكنه صرح بأخذ ديوان أشعار تميم من حفيده عبد العزيز بن شداد بن تميم بدمشق فلا يبعد أن يكون أخذها منه.
قال الأصبهاني:" تميم بن المعز بن باديس بن منصور بن بُلكّين بن زيري بن مَناد بن منقوش بن زناك [بن زيد الأصغر بن واشفال بن وزغفي بن سري بن وتلكي بن سليمان بن الحارث بن عدي الأصغر- وهو المثنى- بن المسور] بن يحصب بن مالك بن زيد بن الغوث الأصغر بن سعد -وهو عبد الله- بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن شداد بن زرعة -وهو حمير الأصغر- بن سبأ الأصغر بن كعب بن زيد بن سهل بن عمر بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حيدان بن قطن [بن عوف] بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع [بن عمرو] بن حمير -وهو العرنجج- بن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب بن قحطان..".
وهذا النسب يحتاج إلى توثق ما بين زناك أو صناك (كما في تاريخ ابن خلدون) ويحصب بن مالك.
وقد نقل ابن خلدون عن أحد مؤرخي الأندلس النسب بأقصر من هذا ومختلفا عنه على هذا النحو (6/ 203) "مناد بن منقوش بن صنهاج الأصغر، وهو صناك بن واسفاق بن جريل بن يزيد بن واسلي بن سمليل بن جعفر بن إلياس بن عثمان بن سكاد بن ملكان بن كرت بن صنهاج الأكبر"اهـ.
وعلى كل فإن نسبة بربر صنهاجة وكتامة إلى حِمْير من العرب القحطانية مشهورة في كتب التاريخ والتراجم ، وإن كان ابن خلدون يرجح غير هذا اعتبارا لقول البربر لأنهم أعرف بأنسابهم حيث قال (1/16) :"ذهب الطّبريّ والجرجانيّ والمسعوديّ وابن الكلبيّ والبيليّ إلى أنّ صنهاجة وكتامة من حمير وتأباه نسابة البربر وهو الصّحيح "اهـ. ونقل عنهم (1/12) أنهم أبناء مازيغ بن كنعان، بمعنى أن أصلهم شامي لا يمني.
ومن الآراء أن بعض البربر ورد من اليمن والبعض من الشام جمعا بين الأقوال ومن أقدم من ذكر معنى هذا القول محمد بن حبيب بن أمية بن عمرو الهاشمي، بالولاء، أبو جعفر البغدادي (المتوفى: 245هـ) صاحب المحبر إذ يقول في (ص: 365) :"ثم ملك (إفريقس) بن قيس بن صيفي بن سبأ بن كعب ابن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس ابن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن الهميسع بن حمير. وبه سميت/ إفريقية. وبلغ طنجة. ونقل إليها البربر، وكانت منازلهم بفلسطين"اهـ.
وافريقس هذا هو الذي تنسب إليه تسمية افريقية .
ومهما يكن فإن قول ابن باديس الصنهاجي (شعب الجزائر مسلم    وإلى العروبة ينتسب) متفق مع المعاني التي ذكرها مؤرخوا العرب والبربر.
10-من أخبار الأوبئة
في كتاب الحلل السندسية في الأخبار التونسية للوزير السراج ذكر لوقوع أوبئة كثيرة في أزمنة مختلفة مات في بعضها أعيان وعلماء مشهورون مثل الفقيه ابن عبد السلام التونسي، ومنها ما بالغ المؤلف في تعظيم الموت فيه تعظيما شديدا، ولم اهتم بتدوينها حتى وصلت إلى الوباء الذي ذكره في ج2 ص 457 فوجدته ألمح إلى طول مدته واتساع مقدار مساحته فطويت الصفحة لأرجع إليها، وقد قال فيها :"وفي أثناء ذلك كان الوباء ومبدؤه سنة ست وثمانين وألف [1086ه/1675-1676] وانتهى سنة سبع وثمانين وألف [1087هـ/1676-1677] وذكر بعض من مات فيه من الأعيان، وفي الصفحة بعدها أفادنا بأن الوباء امتد في المكان أيضا ووصل إلى الجزائر -العاصمة- حيث قال :"ومن هناك توجه أحمد بن يوسف داي إلى ناحية الجزائر فمات بها بالطاعون المذكور لأنه انتشر في غالب الأوطان".
في ج 2 ص 555 خبر عن وقوع طاعون آخر بتونس في سنة 1100 ذكر المؤلف أنه عم الشمال الافريقي كله وأنه دام ثمانية أشهر، والأهم من ذلك أنه أشار إلى أن عدد الموتى كان تصاعديا حيث فاق عددهم أيام الذروة في تونس وحدها التسعمائة قتيل يوميا ، وهذا نصه :"وفي شهر ربيع الأول سنة مائة وألف [1100هـ/جانفي 1689] وقع الطاعون بل كان الفناء لولا أن الله تدارك العباد بلطفه الخفي ، وقد بلغ في اليوم الواحد وقت نهايته إلى تسعمائة رقبة وأزيد ، ودام ثمانية أشهر ثم ارتفع، وكان جملة من مات بتونس ستين ألفا ونيفا والله أعلم" ، وقال في الصفحة بعدها :"وكان الطاعون منتشرا في البلاد كلها عم تونس والجزائر وطرابلس".
11-تابع لأخبار الطواعين
ذكرنا فيما مضى أن الشمال الافريقي أصيب بطاعون عام 1086ه/1675 ودام سنة كاملة، وأصيب بآخر سنة 1100ه/ 1689م ودام ثمانية أشهر ، وبلغ عدد القتلى أيام الذروة إلى 900 قتيل في مدينة تونس وحدها ..وقد ذكر صاحب الحلل السندسية طاعونا ثالثا وقع في 1116ه/ ديسمبر 1704 واستمر 6 أشهر وبلغ عدد القتلى أيام الذروة 700 قتيل في مدينة تونس ، قال السراج (2/ 701):"بلغ في اليوم الواحد نحو سبعمائة جنازة بحيث أنهم أحصوا ما تجمع من جنائز في ستة أشهر فكان أربعين ألفا ، ثم إن الله لطف بعباده" ..ولم يشر صاحب هذا التاريخ إلى تعطيل شيء من مصالح الناس الدنيوية أو الدينية بل كانت جيوش تونس محتمعة تحركت لغزو طرابلس وحاصرتها ثم تراجعت لما سمعت بجيوش الجزائر تقترب من حدودها والطاعون ينخر فيها نخرا، وقد وصف لنا الوزير السراج جنازة عالم من العلماء توفي في هذا الطاعون هو محمد بن المحجوب الحنفي(ت1117هـ/1705) فقال :"وصار له يوم دفنه المشهد العظيم وسار الباشا في جنازته راجلا ورفع سريره على كاهله تبركا" يعنى أن الجنازة حضرها الجماهير ولم يتخلف الحاكم عنها بل وحرص على حمل الميت الموضوع على سرير لا داخل صندوق.
12-كما تدين تدان
قال الوزير السراج في الحلل السندسية (2/ 486):"موعظة للمغتر بمساعدة الليالي ولم يغرس بطاحها دوحة المعروف؛ وذلك أن آق محمد الذي كان دايا بطرابلس نادى مناديه يوما بمدينة طرابلس أن كل من يقيم بها من التونسيين للعصر يأكله الحديد، وخرج التونسيون في حالة يعلمها الله ؛ فما انقضت مدة يسيرة إلا والمقادير القاهرة ساقت آق محمد الداي المذكور منفيا إلى سوسة ، وفتح دكانا واشتغل بصنع الحديد"اهـ.
وفوق العباد جميعا رب قهرهم بمقاديره
13-استراحة مع لون طريف من ألوان التعزير
فقد رجل صرة بها مصوغ ذهب زنته قدر مئة ريال ومعه عشرة دنانير شريفية ، فجعل الرجل مناديا ينادي في الناس أن من وجدها فله الدنانير العشرة التي بها ، فكان من قدر الله أن وجدها رجل يخشى الله تعالى فأوصلها إليه، لكن لما وقت الصرة في يد صاحبها وفتحها ادعى أنه كان بها عشرون دينارا شريفيا ليحرم الملتقط من الجعل الموعود به ، فتشاجرا وتحاكما إلى محمد باي فذكر كل واحد منهما حجته حسبما ذكرنا ، وبعدما سمع منهما جميعا حكم بالصرة بجميع محتواها الذهب المصوغ والدنانير للملتقط وقال:" خذها ولا تخف"، وقال لصاحبها -وهو يعلم أنه صاحبها-:" إن هذه الصرة غير الصرة التي ضاعت منك فواصل البحث عن صرتك "..
انتهى بتصرف من الحلل السندسية (2/ 561)
14-تنصيب القضاة وعزلهم ونقلهم
قال الشيخ أبو محمد عبد الواحد الزياني : أخبرني من أثق به أن عادة ملوك الموحدين قبل بتونس لا يولون القضاة أكثر من عامين، وأيضا فإنهم يرون أن القاضي إذا طالت به مدة قضائه اتخذ الأصحاب والإخوان ، وإذا كان بمظنة العزل لم يغتر، وأيضا فإن الحال إذا كانت هكذا ظهرت مخائل المعرفة بين الأقران وكثر فيهم القضاة بتدريبهم على الوقائع ؛ بخلاف ما إذا استبد الواحد بعمل فإنه لا يقع بينهم التناصف ولا يصل لمن يلي بعده النفوذ بوظيفة ما قدم لها إلا بعد حين ، وتنطمس قلوب الطلبة لإياسهم من الولاية إلا بعد مشقة ".
الحلل السندسية (2/ 161)
15-تاريخ ترسيم الحدود الجزائرية التونسية
في رمضان 1037هـ / ماي 1628م وقع نزاع بين الجزائر وتونس حول الحدود فتم الاتفاق "على أن الحدادة بين العمالتين المذكورتين وادي سيراط فما كان من غربيه فهو من عمالة الجزائر وما كان من شرقي الوادي فهو لعمالة تونس".
وقد تم التحاكم إلى وثائق صلح قديم يرجع إلى سنة 1023هـ/ 1614م تنص "أن الحد الفاصل من ناحية القبلة وادي ملاق والأحيرش وقلوب الثيران إلى رأس جبل الحفا إلى البحر كما جرت به العادة السابقة".
كذا في الحلل السندسية للوزير السراج 2/361-364
16-أغرب مشروع وحدة أو أغرب قمار
جاء في الحلل السندسية (2/ 163) من أخبار الدولة الحفصية في الشمال الافريقي في عهد حاكم تونس محمد المعروف بأبي عصيدة في سنة 709 هـ/1308م :"وكان وقع بين أبي عصيدة وبين الأمير أبي البقاء خالد صاحب قسنطينة وبجاية على أن من مات قبل صاحبه أخذ صاحبه بلاده ، فلما مرض أبو عبد الله محمد وسمع به خالد تحرك من أجل ذلك إلى تونس "...
لكن أهل تونس رفضوا تطبيق الاتفاق وبايعوا غيره بعد وفاة أبي عصيدة، ولم يتمكن من السيطرة على تونس إلا بعد 17 يوما من القتال.
17-مما قد لا تجده في كتب السياسة
كان حاكم تونس العثماني محمد باي قد مدحت سيرته ورضيت أحكامه؛ لكن أحد قادته كان يحتال على الرعية في الجباية إذا قبض منهم المال، حيث كانت الأوقية التي يضع في كفة ميزانه ليقبض بها زائدة بنحو ثمن الوزن، فكان يأخذ ذلك الزائد لنفسه ولا يورده إلى بيت المال، فتذمرت الرعية من صنيعه هذا، وانتدبوا من رفع أمره إلى محمد باي؛ فلما سمع منهم شكواهم وذكرهم لقائده سارع إلى نهرهم وتوبيخهم، وأظهر لهم رفضه لتظلمهم وقال لهم : "إني لا اعتقد صحة ما ذكرتم في حق هذا القائد وإنما هذا زور وبهتان". فانصرفوا خائبين، ولكنه بعد انصرافهم أرسل خلف القائد المشار إليه من أتى به، فأخذه على حين غرة، فلما امتحن معيار ميزانه وجده كما ادعى من رفع الشكوى، فأصدر فيه حكما قاسيا جزاء صنيعه ليجعله عبرة لغيره، وأمر بأن يحمى المعيار الذي كان يزن به؛ فيكوى به من أعلى رأسه إلى أسفل قدميه.
.....
ولعلك تتساءل في سبب نهره للمشتكين والتظاهر برفض دعواهم وتستغرب ذلك؛ والواقع أنه لا غرابة في صنيعه؛ فإن هؤلاء المشتكين رفعوا دعوى من غير أن يقيموا عليها بينة قاطعة وإنما هي شهادة يمكن أن تعارض بمثلها، ومن واجب الحاكم أن لا يميل إلى طرف حتى يتبين ويسمع من الجميع.
فإن قلت كان يسعه أن يسجل أقوالهم إلى حين التبين دون تكذيبهم ونهرهم. قيل : لعله لم ير من الحكمة أن يفعل ذلك من وجهين ، الأول: حتى لا يظن الناس أنه يولي من لا خبرة له بأمانته؛ حيث تطرق إليه الشك من أول شكاية وردت إليه.
والثاني -وهو الأهم- أنه لو أبان لهم قبول شكواهم وأنه سيتبين من دعواهم في حق هذا القائد؛ لربما كان سريان خبر عزم الحاكم أسرع إلى من فعله؛ فيجد القائد الخائن فسحة من الزمان لتغيير المعيار الذي كان يزن به أموال الناس فتبطل الحجة الدامغة عليه، وربما يختار الفرار بنفسه والتواري فتتعذر معاقبته.
انظر أصل الخبر في الحلل السندسية 2/ 562
18-من مآثر سلاطين عصور الانحطاط تشييد الجوامع والتطاول في الصوامع
جاء في الحلل السندسية في الأخبار التونسية 2/ 428 :"وكان لحمودة باشا مآثر جميلة منها بناؤه الجامع الذي بإزاء الأستاذ سيدي أحمد بن عروس ، وانفرد جامعه بصومعة ما سمعت بأحد ممن لاج أقطار الأرض يقول رأيت مثيلها ..
ولكنها والحمد لله أرانا الله تعالى نظيرتها بجامع صاحب الدولة التي لا نظير له أمير عصرنا هذا دام علاه ". (يقصد الباي حسين بن علي)
وفي 2/ 562 أن محمد باي بنى مسجدا بصومعة ترى عن بعد 15 ميلا ..
(وإذا اعتبرنا الميل 4000 ذراع فهذه الصومعة ترى من بعد 28.8 كم)

      

الأحد, 29 أيلول/سبتمبر 2024 06:11

حول تكوين الدعاة المختصين في مكافحة التنصير غير منشورة

حول تكوين الدعاة المختصين في مكافحة التنصير
     اشتغلت هذا الأسبوع بجمع المقالات والمحاضرات التي كتبتها في التنصير والنصرانية لأضمها إلى كتابي : في مواجهة التنصير، ولما شرعت في كتابة مقدمة جديدة للكتاب، ذكرت فقداننا للشيخ يزيد حمزاوي رحمه الله، الذي كان يؤدي الفرض الكفائي في هذا المجال على قدر طاقته، والذي كان في الأعوام الأخيرة قبل وفاته قد شعر بعدم كفاية الدعاة الموجودين في الساحة، فكان يدعو إلى ضرورة الاتجاه إلى تكوين دعاة متخصصين في مواجهة التنصير، والبحث عن إطار يحتضن هذا التكوين، وذلك في ظل عجز جامعاتنا عن تخريج دعاة يجمعون بين العلم والعمل وبين حمل الشهادة وحمل هم الدين؛ يمارسون الدعوة تطوعا حيث يحتاج إليهم ، في الميادين خارج أسوار مؤسسات العمل الرسمي، وكان الدكتور رحمه الله قد طلب التحويل إلى كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر ليفيد فيها بما وفق إليه لكن طلبه لم يحظ بالموافقة، ولقد سمعت الأستاذ الدكتور يوسف تيتواح يوم وفاته أمام قبره يبكيه ويتحسر على فقده وعلى رفض الكلية الاستفادة من علومه.
ولما كان الشيء بالشيء يذكر، فقد ارتحلت ذاكرتي في الزمن إلى أكثر من عقد، وانتقلت إلى الجهة الأخرى من صفوف معركة التنصير، ذكرت شابا طلب لقائي في مدينة تيزي وزو ليحدثني عن تجربة دامت أربع سنوات كاملة في ظل الردة والنصرانية، كان يريد أن يتحدث عن أشياء كثيرة لكني ركزت تساؤلاتي على أمور كنت أريدها منها أسباب ردته ومنها نشاطاتهم داخل كنيسة تيزي وزو وخارجها، ولابد أن أشير هنا أن الأمة كلها كانت تظن أن تلك الكنيسة كانت معتمدة مرخصة نظرا لنشاطها العلني الذي لم يلق أية مضايقة لسنين عديدة؛ حتى جاءت سنة 2019 فاكتشف الجميع أنها كانت تنشط خارج القانون !!!، وللعلم هي كنيسة تابعة للطائفة الخمسينية البروتسنتية، ومن عجيب ما ذكر لي هذا الشاب عن أسباب اقتناعه بهذه الديانة، أنهم كانوا يقيمون اجتماعات للذكر الجهري الجماعي يرددون فيه عبارة "أليلويا أليلويا" التي تعني "سبحوا الرب" أو سبحان الله"، قال:" كيف لا أقتنع بدعوتهم وقد رأيت أمرا خارقا أو معجزة تحدث أثناء ترديدهم لهذه الكلمة؛ حيث كان البعض يرتفع عن الأرض معاكسا قانون الجاذبية، ولا شيء يحمله".
 وأما نشاطاتهم فقد ذكر لي أنهم لم يكونوا يكتفون بأداء طقوس عبادتهم؛ بل كانوا يجتمعون لدراسة الإنجيل في خلال أيام الأسبوع ، ومما ذكر أنهم انتقلوا إلى دراسة أشياء أكثر تخصصا، فقسموا إلى فئتين، الفئة الأولى تدرس الشبهات المثارة حول النصرانية لتفنيدها، والفئة الثانية تدرس الشبهات التي يهاجم بها الإسلام والمسلمون، واختار هذا الشاب الفئة الأولى ، وقد فاجأني عندما قال لي إن مما قاموا بدراسته مطوياتي التي نشرت حول التنصير، وخص بالذكر مطوية تناقضات الإنجيل؛ فقال لقد درسناها حرفا حرفا، وقال في حديثه: لقد سئمت من الدفاع عن أشياء أنا مقر في قرارات نفسي بصدق ما يقوله المسلمون فيها، فطلبت الانتقال إلى تخصص الفئة الأخرى، قلت له مثل ماذا فقال : مثل موضوع التناقضات ومثل قضية سفر نشيد الأنشاد، فإني لم أجد شيئا مقنعا أدافع به عن وجود هذا السفر الإباحي ضمن الكتاب المقدس، ثم ذكر أن انتقاله إلى قراءة الشبهات حول الإسلام جعله يتجه إلى دراسة الإسلام من مصادره، من أجل تثبيت الشبه وتفنيد دفاعات المسلمين، ولكن صنيعه ذلك أتى بالنتيجة العكسية وهي رجوعه إلى الإسلام بعد أن تعرف عليه، وحيث أنه لما ارتد كان دون العشرين من العمر لا يعرف شيئا عن الإسلام وحقائقه ، وقد رجع إليه كما قال بعد معرفة به، فقد اضطر إلى قراءة القرآن وإلى قراءة صحيح البخاري وغيره المصادر والمراجع، قال لي:" تركت الإسلام في رمضان ورجعت إليه في رمضان بعد أن قضيت سنوات أربع كلها في الظلال".
    وفي مجال التكوين الذي استغرق جل حديثه إلي، ذكر أنهم قسموا من أراد التكوين ليصير قسا باعتبار آخر، قسم الجامعيين وقسم غير الجامعيين، فأما غير الجامعيين أي الذين فشلوا في مواصلة مسارهم الدراسي؛ فقد جمعوهم في بيت في قلب العاصمة اعتكفوا فيه لا يخرجون منه إلا مرة كل ثلاث أشهر -إن لم تخني الذاكرة - ويقيم معهم أجانب يسهرون على تكوينهم، لقد صدمني بهذا الخبر يومها ، وقد اتصلت بعد هذا اللقاء بأحد الإخوة الشباب الناشطين في مكافحة التنصير عمليا وميدانيا، لأخبره بذلك البيت وعنوانه؛ ففاجئني هو الآخر بأنه قد كتب في شأنه إلى الوزارة وجهات أخرى منذ أربع سنوات ، ولكن لا حياة لمن تنادي!!!
     أرجع إلى ما علق في ذاكرتي من حديث ذلك الشاب ، قال : وأما نحن الملتزمون بالدراسة في الجامعة فكان لنا ذلك التكوين هنا في الكنيسة، ثم انتقلنا إلى تكوين آخر خارج الجزائر في العطل الصيفية، وقد أرسلنا في الصيف الماضي -أحسبه صيف سنة 2011 - إلى مصر في مجموعة مختلطة- ذكورا وإناثا -وقضينا هناك نحو شهرين كاملين، وبينما كانوا يستعدون لإرسالي إلى جنوب أفريقيا هذا العام فارقتهم، وحسب كلامه وحسب الأقراص والكتب التي أحضر معه ، فإن التكوين تعدى مرحلة الاعداد العقدي إلى مرحلة أخرى وهي كيفية التوغل في المجتمع ؛ فقد ذكر أشياء متعلقة بالعمل الجمعوي والتنمية البشرية والبرمجيات وإنشاء المؤسسات الصغيرة الخ، وكان يستفيض في الحديث وينسى نفسه حتى يدخل في تفاصيل كانت تفقدني التركيز ولذلك لا أذكر منها إلا هذه العناوين، وأتمنى ألا أكون واهما في شيئا منها...
     والمراد من حكاية هذه القصة أننا نحن الواقفون في موضع الدفاع عن عقيدتنا عاجرون كل العجز عن التكوين أو ذاهلون عنه ذهولا تاما، بينما المنصرون الغزاة قد اهتموا بالتكوين فوق أرضنا ومن أول يوم، ولما كان الأمر كذلك -إضافة إلى أمور أخرى نضرب عنها صفحا في هذا المقال- فلا غرابة أن ترجح كفتهم كما رجحت كفة غيرهم في جبهات أخرى ، ولعلنا في قابل الأيام نتجه إلى الوجهة الصحيحة في العمل الدعوي سواء تحت ظل المؤسسات الرسمية أو خارجها ، نسأل الله أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الإيمان والطاعة ويذل فيه ويمحق أهل النفاق والعمالة والخيانة

الأحد, 29 أيلول/سبتمبر 2024 06:09

مواجهة التنصير واجب من ؟ غير منشورة

مواجهة التنصير واجب من ؟
مواجهة التنصير واجب من ؟ أهو واجب الدولة بأجهزتها ؟ أم واجب الأئمة والدعاة؟ أم هو واجب الآباء والأمهات؟ أم هو واجب كل مسلم غيور على دينه؟ وهذا السؤال في فحواه هو نفسه السؤال: الدعوة إلى الله واجب من ؟ ولكني طرحته من زاوية أضيق أو جانب دعوي محدد، ولن أجيب عن التساؤل هذه المرة من منطلق نظري فقهي، ولكن من منطلق واقعي من خلال ترتيب قصة يصطحب فيها خيال الكاتب والقارئ معا؛ لعلهما يصلان إلى الإجابة الصحيحة أو الإجابات .
في مكان قريب وقبل زمن غير بعيد؛ فتحت إحدى الجمعيات الثقافية المعتمدة المشبوهة فرعا لها، في وسط حي شعبي عامر، وكان نشاطها الظاهر تدريس اللغات الأجنبية، وتمكين روادها من الألعاب الإلكترونية، ولكن سرعان ما تبين أن من فتح الفرع واكترى المقر رجل مرتد، لكنه لم يكن يمارس الدعاية بطريق مباشر فهو أذكى من أن يفعل ذلك، ولعل أظهر شيء نقل عنه في السنوات الأولى من نشاطه؛ أنه كثيرا ما كان يدخل القاعة على الأولاد فيقول لهم : كل هذا الخير الذي ترونه من فضل أولاد سيدنا عيسى عليه السلام. ثم إن النشاط التعليمي سرعان ما توسع إلى نشاط ترفيهي دائم، حيث صار الطابق السفلي مكانا لسماع الغناء وممارسة الرقص المختلط، وصار ينظم في العطل رحلات ترفيهية يجتمع فيها الجنسان، وتطورت الرحلات مع الوقت لتصبح وجهتها فرنسا. لا نتحدث عن البرامج التي كانت تدرس، ولكن عن الأفكار التي كانت تزرع في عقول الناشئة، ولعل من أهمها فكرة التمرد على سلطان الوالدين، وعدم التقيد بقيود المجتمع –المتخلف-، ومثل هذه النشاطات التي تطبع النشء على الانحلال ومثل هذه الأفكار التي تغرس في نفوسهم التمرد ترجعنا إلى فلسفة التنصير المعاصر التي لا تجعل هدفها الأساس إدخال المسلم في النصرانية؛ ولكن قطع المسلم عن أصوله وإبعاده عن قيم دينه، لأن النجاح في هذا هو مفتاح الهدف الأساس. ولم تتوقف الجمعية عن النشاط رغم التكاليف العالية التي يتطلبها نشاطها ابتداء من الإيجار واقتناء المعدات المتطورة وأجرة المعلمين وتكاليف تنظيم الرحلات إلى غير ذلك من الأمور التي لم تظهر ولعلها أكثر مما ذكر، وهنا تتساءل معي أيها القارئ عن مصدر تمويلها؟ وأنا مثلك لا اعتقد أن ما تقدمه الدولة من دعم للجمعيات كاف لمثل هذه النشاطات، وقد قرأ الناس في الصحف أن ساوريس دعم هذه الجمعية يوم كان ينشط في الجزائر، وقرأوا أيضا عن دعم زوجة الرئيس الفرنسي لما زارت الجزائر، وسمع آخرون أن القائم على الفرع يدعي أنه يتلقى دعما من سفارة الفاتكان نفسها.. هذا ما ظهر، ولعلك تتفق معي أن ما خفي ربما كان أكثر وأخطر.
وبعد أن رافقنا الجمعية في ذكر بعض أنشطتها، ننتقل للتساؤل كل هذا حدث فما هي ردّات الفعل الكائنة والممكنة يا ترى؟ لعل أول الأشياء التي يسبق إلى خاطرك أنه كان يتوجب فعلها هو التحذير العلني من هذه الجمعية المشبوهة، لكن هل كان هذا أمرا ممكنا؟ والجمعية تنشط في إطار القانون؟ ثم كيف يتم ذلك ومن يقوم به؟ هل يمكن لأئمة المساجد مثلا أن يفعلوا ذلك؟ كلا.. فتهمة التشهير والتحريض والمتابعة القانونية أمر وارد في مثل هذه الحال، بل إن بعضهم ربما تكلم مكتفيا بالإشارة التي فهمها الناس، فجاءه تنبيه بأن المرتد قدم بلاغا ... وهل كان بإمكان أي مواطن عادي أن يقوم بشيء لتوقيف هذا النشاط ؟ هل يقصد مثلا المؤجر ليوقف العقد مع الجمعية ؟ وهل هذا يعتبر حلا للمشكلة؟ فالمحلات كثيرة ويمكن لهذه الجمعية أن تؤجر بأموالها في أي مكان تريد، بل إنها قادرة على شراء أي محل بأضعاف سعره-ولعلها فعلت- ولعل مما يتصور حدوثه أن بعض "الطيبين" سيحاول تنبيه سكان الأحياء المجاورة لمنع أولادهم من الالتحاق بهذه الجمعية، وذلك بإشاعة خبر حقيقتها، مع وضع رسائل تحذر من خطر التنصير في صناديق الرسائل، ولكن ثمرة ذلك ستكون ضعيفة، إذ في الناس من لن يفهم المراد، وفيهم من سينزعج ويعتبر ذلك تدخلا في شؤونه الخاصة، وربما يزعم آخرون أن ما يقال مجرد أوهام، وثمة حقيقة قد لا يبوحون بها ولا يجوز لنا إخفاؤها هو أن دروس الدعم وتعليم اللغات تقدم مجانا، فالجمعية لا تقبض من الأولاد فلسا، بل هي تعطيهم فوق ذلك -ومن يستطيع أن يقاوم رحلة مجانية إلى فرنسا؟؟-، ثم إن كثيرا من الآباء لم يزالوا في سكرتهم رغم ما كانوا يسمعون من أخبار سيئة عن نشاط الجمعية، حتى بلغ أولادهم سن الثامنة عشر فواجهوهم بالحقيقة المرة : لقد بلغوا سن الرشد إنهم من الآن أحرار، وأنه لا سلطان للأسرة عليهم ولا أي أحد؛ حينها عض بعضهم أصابع الندم.
ولعل القارئ الكريم لا يشك أن مثل هذه الجمعيات خطر على الأمة على دينها وأمنها واستقرارها، وهو متفق معي أن واجب مكافحتها لا يقع لا عاتق رب أسرة أمي فقير أو مثقف مستلب ثقافيا، وهو لا يختلف معي أن هذا الواجب لا يقع على عاتق إمام أضعفت همته وقتلت روح المبادرة في نفسه؛ من جهات تسلطت على مراقبة أنفاسه قبل كلماته،- وهو لا يملك غيرها-، لعلك أيها القارئ الحصيف قد وصلت إلى أن هذا الواجب هو واجب مؤسسات الدولة قبل أي جهة أخرى، فيجب عليها أن تراقب نشاطات الجمعيات المشبوهة-لا أن تراقب نشاط من يكافحها-، ويجب عليها أن تراقب مصادر تمويلها لتقوم بالواجب تجاهها، وأنا أوافقك على ما توصلت إليه، ولكن ذلك لا يعفي بقية مكونات المجتمع من مسؤولية تغيير المنكر بالكلمة وبالجاه وبالمال وبكل متاح مباح، فالنصيحة لمن يتعاون مع دعاة التنصير ويؤجر لهم المقرات أو يبيعهم إياها حتى يمتنع عن ذلك أمر واجب، والنصيحة للغافلين من الآباء والأمهات الذين يستهويهم الطمع في الدنيا وحطامها فيدفعون بأولادهم إلى موارد الهلاك أمر واجب، والتبليغ عن كل سلوك منحرف أو مخالف للقوانين تقوم به الجمعيات المشبوهة أمر واجب، وتشجيع كل عامل في مكافحة هؤلاء الخونة –ولا أخون ممن بدل دينه – بطريق مباشر أو غير مباشر أمر واجب.
وإن مما ينبغي أن يعتني به الغيورون على دينهم –في انتظار حل هذه الجمعيات وحتى بعد حلها أو في حال عدم وجودها- أن يوجدوا البدائل للشباب حتى يوقى من الوقوع في مثل هذه المصيدات، فدروس الدعم وتعليم اللغات مجانا بلا مقابل؛ أمر لابد أن تسهر على توفيره الجمعيات الثقافية الوطنية وكذا المساجد؛ حتى يُغلق الطريق أمام مثل هذه الجراثيم المندسة في المجتمع.
ولعل كل واحد منا بعد هذا التقريب لصورة من صور النشاط التنصيري؛ يمكنه أن يقترح شيئا من السبل العملية للحد من أثرها وللوقاية منها، نسأل الله تعالى لنا ولكم الهداية والرشاد والتوفيق والسداد.

نشر في الفيسبوك بتاريخ 10 جانفي 2023

الأحد, 29 أيلول/سبتمبر 2024 06:06

ممنوع انتقاد النصراني غير منشورة

ممنوع انتقاد النصراني .
بعد صدور العدد الثاني عشر من مجلة إذاعة القرآن الكريم الدولية في شهر فيفري من سنة 2009 ؛ كنت في مجلس في مقر الإذاعة، فتنامي إلى سمعي حوار بين رئيس تحريرها وأحد المسؤولين؛ حول مقال صدر فيها للدكتور يزيد حمزاوي بعنوان النصرانية وإلغاء العقل -الحلقة الأولى-، حيث فهمت أن المجلة تلقت توبيخا بسبب نشر المقال، وأمرا بتوقيف نشر ما بقي منه ؛ فتعجبت وتدخلت في الحوار مستغربا طارحا جملة من التساؤلات كيف يحصل هذا؟ وممن صدر هذا؟ من هم الذين يزعجهم مثل هذا المقال؛ الذي لا يخرج عن مقاصد الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه في بلد دينه الإسلام؟ لم تكن ثمة أجوبة مقنعة أو حتى مباشرة، والذي أذكره هو التذمر الكبير لذلك المسؤول -رحمه الله - وفحوى بعض عباراته التي أظن أنه لولا غضبه الشديد لما صدرت منه؛ معناها إنهم هنا وإنهم نافذون ويتحكمون فينا...
تذكرت هذه الحادثة التي نقشت في ذاكرتي نقشا؛ لما قرأت خبر البث المباشر للقناة الثالثة الناطقة بالفرنسية الذي تُحدّث عنه أمس في وسائل التواصل الاجتماعي؛ كما تذكرت أن صلاة الأحد ظلت تبث مباشرة لسنين من كنيسة السيدة الإفريقية بالعاصمة من ذات القناة...
وتذكرت أشياء أخرى بعضها محزن ويدعو للأسف، وبعضها مخزي يجعلك تشك حتى في كمال استقلال الجزائر وتمام سيادتها، ولعلنا ندونها في مستقبل الأيام.

كتب في الفيسبوك بتاريخ 05 أفريل 2021

الأحد, 29 أيلول/سبتمبر 2024 06:04

العقل المسلوب والوعي المفقود غير منشورة

- العقل المسلوب والوعي المفقود
ذات يوم (ربما كان ذلك سنة 2007 أو قبلها بقليل) سحب كثير من الأولياء أولادهم من القسم التحضيري للمسجد ونقلوهم إلى روضة الأطفال التي افتتحت في الكنيسة، وذلك أن الكنيسة لا تطلب دفع ذلك المبلغ الرمزي الذي كان يعطى لمعلم القرآن غير الرسمي، ولأن الوسائل التعليمية والتربوية والترفيهية المتوفرة في الكنيسة لا يوجد مثلها في المسجد ...
وفي نهاية السنة الدراسية أقيم حفل كبير للأطفال بحضور أوليائهم رجالا ونساء، وكان يتوسط الجمع القس هنري تيسي، حفل وزعت فيه الحلوى وعرضت فيه أناشيد ومسرحيات ..في جو ارتسمت فيه علامات السرور والبهجة على الجميع ..هنري تيسي لا يصدق النجاح المحقق في السنة الأولى من انطلاق المشروع، والمعلمون (المرتدون) يشعرون بالنشوة لرؤية ثمرة أعمالهم في تلك العروض، وفي المحبة التي اكتسبوها من الأطفال والأولياء، والأولياء أيضا لم تفارق الابتسامة وجوهم من دخولهم الكنيسة حيث استقبلوا بتسلم حبات الحلوى إلى خروجهم من الحفل...
لقد تم تصوير الحفل لأرشفة أعمال الكنيسة، ولصناعة قرص يتم إرساله مرفقا بتقرير عن نشاطات الكنيسة إلى الفاتكان...في القرص كانت الصور ناطقة ولم تحتج إلى معلق، سوى بعص الكلمات المكتوبة فوق الصور، وبعض التركيب ذي الدلالات العميقة ومما علق في ذهني منه:
1-تصوير الأطفال وهم يدخلون مع آبائهم واحدا واحدا، مع كتابة عبارة صحبتها علامة التعجب (avec leur parents !!!)
2-تصوير الأولياء وهم يتناولون الحلوى المصاصة، ثم تظهر سمكة تتحرك يمينا وشمالا ثم يتدلى خيط فيه طعم، وبمجرد ما تبتلع السمكة الطعم تختطف إلى أعلى الشاشة وتختفي.
3-تصوير الأطفال مجتمعين وهم في القاعة ثم تنقل صورتهم الجماعية إلى خبزة غليظة (من نوع الخبز القديم الذي كان يباع بالوزن)، ثم يظهر سكين فيقتطع شريحة من الخبزة ويفصل صورة الأطفال مع الشريحة عن بقية الخبزة ...

نشر في الفيسبوك بتاريخ 16 يناير 2020

السبت, 21 أيلول/سبتمبر 2024 13:50

الوحدة الفكرية مفهومها وحكمها ومقوماتها غير منشورة

الوحدة الفكرية مفهومها وحكمها ومقوماتها
محاضرة ألقيت يوم 17 سبتمبر 2024 بمستغانم بمناسبة الملتقى الوطني الثالث للإمام الذي كان عنوانه :دور الأئمة ومعلمي القرآن في تحصين الوطن وتأمين جبهته الداخلية".
مقدمة
   إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد :
  فإن التحديات التي تعرفها الأمة الإسلامية على اختلاف الأزمان والأوطان كثيرة مظاهرها، ومتعددة مصادرها، وأخطر هذه التحديات ما تعلق بعقيدتها وما تعلق بأمنها واستقرارها، وما هدد وحدتها الفكرية ، الوحدة الفكرية التي تنظم منهج الأمة في الحياة وتضمن اتحادها مع حفظ مختلف الحريات التي دعت إليها الفطرة وأقرتها الشريعة الربانية، ثم ضمنتها مختلف القوانين البشرية الدولية والمحلية.
   لذلك كان من الأمور الجدير بنا أن نهتم بها بعد سبر الأمور الواقعية التي ترى مهددة فعلا لوحدة الأمة أن نحللها ونبحث في خلفياتها ودوافعها من أجل معالجتها في المهد قبل استفحالها أو من أجل تحصين الأمة من الوقوع في شراكها، ومن أعظم الأشياء التي تهدد عقيدة التوحيد والوحدة الوطنية في الوقت نفسه: تمدد العلمانية باسم الحداثة أو التقدمية ، وانتشار الإلحاد وتوسع الدعاية إلى النصرانية وإلى النحل الكفرية كالقاديانية أو النحل الضالة كالشيعة ونحوها، وتنامي العنصرية العرقية أو الجهوية، وكذا الاتسلاب الثقافي الذي يخطف الأجيال الناشئة من الحضن الإسلامي بأخلاقه ولغته وجميع المظاهر المميزة لأمتنا.
   وحفاظا على وحدة الأمة بأبعادها المتعددة يتعين على نخبتها من العلماء والدعاة والمعلمين والأئمة السعي إلى إرساء دعائم الوحدة الفكرية للمسلمين في المجتمع التي هي صمام الأمان والحامية لها من مثل هذه المظاهر التي ذكرت وهي حين ترونها عقدية وفكرية وربما أخلاقية لا صلة بوحدة الوطن الذي حددت إشكالية الملتقى في إطاره، ولكنها في مآلاتها تصب في التهديد الأمني، حيث أن من ينشر هذه الأفكار ويدعمها في وطننا وجميع الأوطان العربية وغيرها إنما يسعى إلى بذر أسباب الفرقة وإلى غرس أناس يكون ولاؤهم له لا إلى الدين الذي جمعهم ووحدهم فوق هذه الأرض منذ قرون.
   وفي هذا السياق اخترت أن يكون عنوان مداخلتي : الوحدة الفكرية مفهومها وحكمها ومقوماتها
وسأقسمها إلى مطلبين الأول يعتبر تمهيديا أخلصها لتحديد مفهوم الوحدة الفكرية وحكمها وضبط حدودها
والمطلب الثاني يتعلق بمقومات هذه الوحدة الفكرية المنشود إرساؤها .
المطلب الأول : مفهوم الوحدة الفكرية وحدودها وحكمها
الفرع الأول : مفهوم الوحدة الفكرية ومضامينها
أولا : مفهوم الوحدة الفكرية
   البحث في مفهوم الوحدة الفكرية هو بحث في معنى شرعي لذلك نطلب معنى الفكر والتفكر في القرآن الكريم ، وقد ذكرت مادته في ثماني عشرة موضع، جلها وردت على جهة لأمر به والحث عليه ومن ذلك قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(النحل: 44) وورد مرة في مقام الذم في قوله: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) } [المدثر: 18 - 20] .
الفكر كما بعض المعاجم المعصرة هو: (استعدادٌ عقليٌّ يعين على المحاكمة والتأمل والتمييز، فأساسه نظر ورَوِيَّةٌ)( ).
وخلاصة المعنى أن الفكر كيفية نظر العقل إلى الأشياء تقديرا لها وحكما عليها. وهو معنى لا يمدح ولا يذم لذاته ، لأن تلك الكيفية قد تكون صحيحة وقد تكون ليست كذلك ، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في الفوائد ص 198:"أصل الْخَيْر وَالشَّر من قبل التفكّر فَإِن الْفِكر مبدأ الْإِرَادَة".
   ونرتب على هذا إن نقول إن الحديث عن الوحدة الفكرية هو حديث عن تربية العقول وتعويدها على طريقة نظر موحدة تحد من الاختلاف وتمنع من التفرق.
   وإذا أردنا أن نعرف الوحدة الفكرية فإننا لن نخرج عن المعنى اللغوي ونقول: "اشتراك مجموعة من الناس في طريقة النظر في الأمور تصويرا لها وحكما عليها".
   والذي يخصص المراد ويدخلنا في الاصطلاح هو التفصيل في المضامين الوحدة الفكرة المنشودة ومقوماتها
ثانيا : مضامين الوحدة الفكرية
   وتحقيق هذه الوحدة الفكرية متوقف على عدة مضامين نراها أساسية وهي كالآتي :
1-توحيد مصادر المعرفة أو مراجع تكوين العقل المسلم وهي نفسها مصادر التشريع المذكورة في علم أصول الفقه.
2-توحيد مناهج التفكير أو العلوم الآلية التي بها يتفاعل العقل مع المصادر وهي اللغة العربية وأصول الفقه والحديث.
3-تحقيق عقيدة التوحيد والمقصود هو قطعيات العقيدة الإسلامية المنصوصة في القرآن والسنة ، وأصولها هي مقاصد القرآن المكي الثلاثة : الألوهية والنبوة والمعاد.
4-إشهار وإظهار منهاج التعامل الإسلامي مع أصناف الناس من المخالفين والموافقين.
الفرع الثاني : حدود الوحدة الفكرية وحكمها
أولا : حدود الوحدة الفكرية
   إن الوحدة الفكرية المنشودة على ضوء المعنى المذكور والمضامين المكونة لها ؛ هي وحدة مصدرية ومنهجية وعقدية وأخلاقية، وهذه الوحدة لا يمكن بحال أن تلغي الحريات الفطرية الطبيعية ؛ بما فيها الحرية الفكرية -كما قد يتصوره البعض-، حيث تجدهم يتوجسون منها ويتخوفون منها، ولأنها وحدة أقرها الشرع وليست من ثمار الرؤى البشرية الفرعونية التي تريد صناعة قوالب تلغي العقل من وظيفته وتمنع الفكر من أساسه لتحقيق وحدة موهومة لم يرد تخيلها حتى في جمهورية أفلاطون ، وذلك نقول أن الشرع الرباني الحكيم لم يأت لمغالبة الطبيعة الإنسانية ولكن لتهذيبها وتوجيهها لتجعلها سائرة في طريق له اتجاه واحد طريق الله تعالى ونيل رضوانه ولكنه طريق واسع بحمد الله تعالى ، وكل من يحاول مغالبة هذه الفطرة فهو يرمى المحال من الطلب، ولن يشاد أحد هذه الطبيعة إلا غلبه، والشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، والضغط يولد الانفجار. فاختلاف اللغات من آيات الله واختيار للناس فيها، والدين لا يأمر بإلغاء هذا الاختلاف، ولكنه اختار لغة واحدة تكون أعلى وهي لغة دينهم توحد تفكيرهم وشعورهم وهي لغة القرآن، اختلاف الأعراق كذلك، فالدين لا يمنعه بل يحرم في النسب التغيير والادعاء، ويمنع الفخر به أو التعالي به، وقد عدّ ذلك من مظاهر الجاهلية وأقر معنى أسمى يوحدهم وهو الأخوة الدينية ، واختلاف الجهات والأوطان والبيئات، شيء طبيعي أيضا، فلا يمنع الدين الانتماء إلى البلاد والجهات والبيئات، لكن أمر بما يقربهم من بعضهم البعض ويمد الجسور، وهو التعارف، وأقر في السياق ذاته أن الأفضلية عند الله تعالى إنما تكون بالتقوى، وهو الطريق الواحد الذي تحدثنا عنه وهو بحمد الله يسع كل الناس إذا ما رغبوا في سلوكه.
   ومن هذا التقرير يتبين أن الوحدة الفكرية هي التي تحمي التعددية ولا تلغيها وتضبط الحرية حتى لا تتجاوز حدها الشرعي، وإن وضوح حدود الحرية الفكرية تجعل كل مفكر ينضبط بإطارها العام فلا سببا للتفريق بين أفراد الأمة، ومن جهة أخرى وجود تلك الحدود الواسعة تجعله يشعر بالأمان وهو يمارس فريضة التفكر والنظر والاجتهاد.
    من ألقي في روعه أن الحرية الفكرية ربما تشكل خطرا ما، يقال له إنها لا تشكل خطرا إلا على ضيقي الأفق أو ممن ابتلوا بالداء الفرعوني {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } [غافر: 29] بل إن الحقيقة على الضد من ذلك وهي أن الحرية الفكرية تحفظ وحدة الأمة من الناحية الفكرية وغيرها. وذلك أن الحرية الفكرية تدفع إلى حوار فيه يجد أفراد الأمة مجالا لتفعيل قواعد النظر والتحاكم إلى المصادر، فيحيا الفكر ويستمر، تتضح الأمور وتزال الاشكالات، ويرفع سوء التفاهم وسوء الظن وغير ذلك من موجبات التفرق، ويجعل كل واحد يتقبل الاختلاف في إطار مضامين الوحدة الفكرية وحدودها، وعلى الضد من ذلك فإن الانغلاق وإعجاب المرء برأيه مع محاولة فرضه دون محاورة من أجل وزنه وتقييمه هو سبيل نشأة العداوات، وكذا التعصب الذي يغطي العقل فيجعل من الجزئيات قطعيات يوالى عليها ويعادى عليها، وربما يلغي قطعيات شرعية في الوقت ذاته.
ثانيا : وجوب الوحدة الفكرية
   إن الأمر بالوحدة في القرآن والسنة معلوم قطعي رقاه بعض الباحثين إلى مصاف المقاصد الشرعية، فالأمر بالوحدة يفيد الوجوب بلا اختلاف ، والوحدة الفكرية لا شك أنها أحد معاني تلك الوحدة المطلوبة، فهي واجبة لذاتها وهي واجبة أيضا باعتبارها أساس كل وحدة مطلوبة في الأمة اجتماعية كانت أو سياسية أو اقتصادية ، وتتبع النصوص في هذا المقام ومحاولة استقصائها لن يقدم جديدا، ولكن الأمر بالوحدة في كتاب الله -كذا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم - قد تعددت صيغه ومنه الأمر بالاعتصام بحبل الله، والأمر اتباع الصراط الواحد، والنهي التنازع وعن التفرق ولا يغفل الأمر بأسباب الحفاظ على الوحدة كالأمر بالتعاون والنصيحة والإصلاح بين المسلمين.
فقال تعالى : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [آل عمران: 103] وقال سبحانه: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] وقال عز وجل : {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران:105] وقال عز وجل: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46] كما قال أيضا: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2] وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10]
    ومما ينبه إليه في هذا المقام أن تعذر الوحدة الفكرية -في أحوال معينة أو مع طوائف محددة - لا يلغي السعي على الوحدة في الموقف عند المصالح المشتركة وفي مواجهة العدو المشترك، وهو مجال تطبق فيه قاعدة محمد رشيد رضا التي كان ينصح بها أهل سورية ولبنان –الذين مزقتهم الطائفية- وهم يواجهون المحتل الفرنسي والتي نصها :"نتعاون على ما نشترك فيه أو نتفق عليه ويعذر بعضنا فيما اختلفنا فيه". وأعم منها في المعنى وأجمل في الصياغة قول ابن باديس رحمه الله في الأصل العشرين من أصول جمعية العلماء :"عِنْدَ المصلحةِ العامَّةِ منْ مصالح الأُمَّةِ، يَجِبُ تَنَاسِي كلَّ خلافٍ يُفَرِّقُ الكلمةَ ويصدعُ الوحدةَ ويُوجِدُ للشرِّ الثَّغْرَةَ. ويَتَحَتَّمُ التَّئَازُرُ والتَّكَاتفُ حتى تَنْفَرِجَ الأزمةُ وتزولُ الشّدةُ بإذن الله ثمَّ بقوَّةِ الحقِّ وإدِّراعِ الصَّبر وسلاحِ العلم والعملِ والحكمةِ".

المطلب الثاني : مقومات الوحدة الفكرية
    بعد أن قدمنا مقدمات ضرورية ننتقل إلى الحديث عن الأسس والمقومات التي تبنى عليها الوحدة الفكرية للأمة الإسلامية عموما ووحدتها في أقطارها من باب أولى ، وهي نفسها المضامين التي سبق ذكرها مجملا نعيد تفصيلها وشرحها في الفروع الأربعة الآتية.
الفرع الأول: مصادر تكوين العقل المسلم
   أول شيء تقوم عليه الوحدة الفكرية للمسلمين هو المصادر التي تسهم في بناء عقولهم ، وذلك أننا إذا تحدثنا عن التفكير الذي هو عملية عقلية فنحن لا نتحدث عن العقل الغريزي الذي يستوى فيه المكلفون، ولكن نتحدث عن العقل المكتسب الذي يتربى ويتكون فيختلف فيه الناس بحسب مصادر تكوينه، ومصادر تكوين العقل المسلم هي مصادر ربانية، مرجعها إلى كلام الله تعالى الخالق المدبر الحاكم جل جلاله وتفريعها هو الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة، وهي مختلفة كل الاختلاف عن مصادر الصورية اليونانية وعن مصادر المادية الغربية.
أولا : القرآن الكريم
   منزلة القرآن معلومة ، والمطلوب منا هو أن نغرس في عموم أفراد الأمة أنه كتاب حياة وهداية وأن فيه الشفاء من جميع الأمراض الإجتماعية، وأن البشرية لن تعرف طريقا إلى السعادة إلا بجعله دستورها الوحيد، يقول ذلك الكاتب في مقالاته والإمام في خطبه، ويقوله معلم القرآن لمن يحفظ القرآن بين يديه، حتى يترسخ ذلك في النفوس، ويصبح من أرسخ من البدهيات فيها، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل: 89]، وقال الشافعي في الرسالة (20):" فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها". فهذه عقيدة مركزية لابد أن يتيقنها العالم والمعلم ولابد أن تورث للأجيال، وفي تقرير مصدرية القرآن وكونه الجامع الضامن للوحدة الفكرية للأمة يقول الإبراهيمي رحمه الله (1/ 163) :"إن الأوطان تجمع الأبدان، وان اللغات تجمع الألسنة، وإنما الذي يجمع الأرواح ويؤلفها ويصل بين نكرات القلوب فيعرفها هو الدين، فلا تلتمسوا الوحدة في الآفاق الضيقة ولكن التمسوها في الدين والتمسوها من القرآن تجدوا الأفق أوسع، والدار أجمع". ويقول رحمه الله (1/ 161):"هذه هي الطريقة الواحدة التي اتبعها المسلمون الأولون فسعدوا باتباعها والاستقامة عليها، وهذا هو الإسلام متجليا في آيات القرآن، دين واحد جاء به نبي واحد عن إله واحد، وما ظنك بدين تحفه الوحدة من جميع جهاته؟ أليس حقيقًا أن يسوق العالم إلى عمل واحد وغاية واحدة واتجاه واحد على السبيل الجامعة من عقائده وآدابه؟ أليس حقيقًا أن يجمع القلوب التي فرقت بينها الأهواء، والنفوس التي باعدت بينها النزعات، والعقول التي فرق بينها تفاوت الاستعداد؟ بلى والله إنه لحقيق بكل ذلك".
ثانيا : السنة النبوية
   ومنزلة السنة أيضا معلومة وقد دلنا القرآن الكريم إلى ضرورة طاعة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه، كما أخبرنا أنه مبين لما يحتاج إلى تفسير وتوضيح {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وقد دون هذا المعنى ابن باديس رحمه الله في الأصل الرابع من الأصول الفكرية لجمعية العلماء فقال:" السُّنَّةُ القوليَّةُ والفعليَّةُ الصَّحيحةُ تفسيرٌ وبيانٌ للقرآن"، وقد نص في الأصل الثالث على أن القرآن الكريم هو كتاب الإسلام.
    ولا ينبغي الاكتفاء في ترسيخ هذين الأصلين على الجانب النظري ، بل لابد أن يتعدى ذلك إلى الجانب العملي، ولذلك طريقان أحدهما اعتماد درس التفسير وتنزيل آيه على واقع الأمة، وشرح الأحاديث النبوية ومعالجة أمراض الأمة على ضوئها، والثاني أن يحرص المفتي والمصلح وهو يجيب أو يوجه أن يربط فتواه وتوجيهه بهذين المصدرين، وإن ذلك التكرار يغرس في نفوس الناس شعورا بعظمة القرآن والسنة، وبكونهما معجزين وكاملين ومغنيين عن كل ما سواهما من الأوضاع والأفكار الغربية التي غزتنا قديما وحديثا، والتي كانت أعظم سبب فرق شمل الأمة وشتتها فأضعفها وجعلها غثاء كغثاء السيل.  
ثالثا : الإجماع المعبر عنه بفهوم السلف
   ولما كانت مدارك الناس قد تختلف حتى وإن كان مرجعها إلى القرآن والسنة الموضحة له ، فقد دلنا القرآن والسنة على مرجع ثالث يضبط لنا الفهوم المقبولة وهو الإجماع؛ حيث أن ما اتفق عليه علماء الأمة كان حجة قاطعة وما اختلفوا فيه كان فيه سعة من جهة ، ولم يجز تجاوزه إلى غيره من جهة أخرى ، فقال {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [النساء: 115] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، عقب ابن مسعود على إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى قد اصطفى له أصحابه كما اصطفاه هو؛ فقال :"ما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء".
    والطريق إلى ترسيخ هذا المعنى الاستشهاد بأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم في التفسير وبيان مسائل الشرع المتنوعة مع الترضي عنهم والترحم عليهم، وكذا تكرار ذكر مناقبهم وما جاء في مدحهم والثناء عليهم وهو في حق الصحابة رضي الله عنهم كثير في القرآن والسنة ، وفي هذا المعنى يقول ابن باديس في أصوله الخامس والسادس :"سلوك السلف الصالح « الصحابة والتابعين وأتباع التابعين » تطبيق صحيح لهدي الإسلام" ثم قال :" فهوم السلف الصالح أصدق الفهوم لحقائق الإسلام ونصوص الكتاب والسنة".
     وما يذكره علماء الأصول من مصادر كلها مرجعها إلى هذه الأصول الثلاثة، وعامة الناس تكفيهم هذه الثلاثة والأصول الأخرى إنما يحتاج إليها أهل الاجتهاد والفتوى، والذي تحتاجه الأمة هو تعظيم القرآن كلام الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم السلف ابتداء من الصحابة الكرام إلى الأئمة المتبوعين رضي الله عنهم ، ولعل تعبير ابن باديس بالفهوم بالجمع بدلا من الأفراد؛ المراد منه التنبيه إلى ما ذكرنا من أن هذه الأصل يجتمع فيه اتفاق السلف واختلافهم ، وليس خاصا بما توهمه عبارة الإجماع عند من لم يسبر غورها.
     وقد يقول بعض الناس إن هذه المصادر معلومة أو أنها بديهية فيقال له نعم إنها كانت معلومة بديهية عند عموم سلفنا فكانت هي المرجع الذي جمعهم على مر العصور، وإنه ينبغي توريثها للأجيال لتثبت كما ثبت سلفهم ، وينبغي الاهتمام بها لانقاذ جماهير من الشباب الذين قد ساء ظنهم بهذه الأصول وقد يمموا وجوههم شرقا وغربا واعتنقوا مذاهب وافدة بعضها صريح من مضادة الإسلام وأصوله وبعضها يشكك في قواطعه وأصوله ، وبعضها يخص هذه المصادر بعبادة الناس وعلاقتهم بربهم دون حياتهم العامة ومعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تتخبط فيها الأمة.  


الفرع الثاني : توحيد منهجية التفكير
    فأما منهجية التفكير الموحدة فيدعمها ثلاثة روافد لابد من العناية بها عناية كبرى تعليما وتلقينا وتدريبا وممارسة ، ويضاف إليها رابع يعتبر مكملا ومعززا لها، والمطلوب لن نجده في التفاصيل والجزئيات، وإنما نجده فيما يحصله المرء من التراكم الحاصل في شخصية كل دارس لهذه العلوم، وإن ذكرنا لهذه العلوم الأربعة ، اللغة العربية وأصول الفقه وأصول الحديث والتاريخ ، هو تنبيه للأئمة والدعاء والمدرسين إلى ضرورة تعميم هذه العلوم التي كنا قديما نسميها علوم تكوينية لأنها هي التي تكون الشخصية العلمية المتميزة عن عامة المسلمين، وكلما تمكن من شبابنا كلما كانت عندهم الحصانة التي تقيهم من أن تستميلهم الشبهات الصادة للناس عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
أولا : اللغة العربية
يقول ربنا عز وجل : {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] فقد جعل الله كتابه بلسان واحد موحد يتعلمه كل من يؤمن به ، وذلك طريق إلى إحداث لغة جامعة للأمة جمعاء فكيف بأهل الوطن الواحد، واللغة هي جزء من الانسان وهويته، ولا تعرف عقل المرء إلا بلسانه، وقد قيل المرء بأصغريه القلب واللسان، والذي ينبغي أن نعيه أن اللغة ليست اللغة مجرد تعبير عن الفكر، بل هي أحد عوامل صناعته، فاللغة المحدودة تصنع عقلا محدودا واللغة الواسعة تصنع عقلا واسعا ...وقديما قال ابن قتيبة في أدب الكاتب: «ولو أن مؤلف (حد المنطق) بلغ زماننا هذا حتى يسمع دقائق الكلام في الدين والفقه والفرائض والنحو، لعد نفسه من البكم، أو يسمع كلام رسول الله  وصحابته (رضي الله عنهم) لأيقن أن للعرب الحكمة وفصل الخطاب»، وفي العصر الحاضر كشف المفكرون عن خلفيات حرب الاستعمار للغة العربية وجهودهم في فرض اللهجات المحلية؛ وأن قصدهم هو فصل الناس عن كتاب ربهم والقضاء على عامل من عوامل وحدتهم الثقافية والفكرية ، وكل من وقع في شراكهم نحن نراه قد صار يفكر كما يفكر الاستعمار ، وقد انقلب على أمته محاربا لجميع عناصر هويتها.
ثانيا : أصول الفقه
من قواعد التفكير عند المسلمين قولهم :"إن كنت مدعيا فالدليل"، وقد تفرد المسلمون بعلم يفخرون به على غيرهم من الأمم يسمى علم أصوله الفقه؛ يدرب العقل على الاستنباط والاستنتاج ويضبط حدود نظره، فالمسلم لا يقبل الكلام من أي أحد مهما علت مرتبته إلا إذا كان مدعما بحجج صحيحة مقبولة، قال تعالى :{قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ } [الأنعام: 148] وقال :{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]
ثالثا : أصول الحديث
من قواعد التفكير عند المسلمين قولهم : "إن كنت ناقلا فالصحة"، وقد تفرد أيضا علماؤنا بالمنهج التوثيقي للمنقولات الذي طوره علماء الحديث قديما واستعاره الغربيون أخيرا منا، فالمسلم لا يقبل الكلام المنقول عن الناس المعاصرين والمتقدمين إلا بعد التبين من ثبوته وقف قوانين دقيقة يلتزم بها الناظر فيتربى عقله على المنهج النقدي الذي يعتبر ضالة مفقودة عند الغربيين وغيرهم، وقد قال تعالى :{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } [الحجرات: 6] وقال جل جلاله : {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: 157].
رابعا : علم التاريخ
وأما علم التاريخ فلا يخفى وجه تأثره على شخصية المسلم وعلى صناعة فكره واهتماماته ، وتاريخ أمتنا مرتبط بتاريخ دعوة الإسلام وبمميزات حضارتنا وبالقيم والأخلاق التي نشرها أو دان بها أسلافنا كما أن أحداثه جرت فوق أراضي نحن الآن ننتمي إليها ، وكثير من الناس يعتقد أن الأوطان بمجردها جامع ومن أسباب الوحدة وهم واهمون في ذلك فالوطنية إذا أخليت من معاني الانتماء إلى الدين واللغة والتاريخ أصبحت كلمة دعائية لا قيمة لها، أو ورقة إدارية لا صلة لها بكيان الإنسان تنال بمكان الميلاد أو بالنسبة لأحد الأبوين، والتاريخ من علوم القرآن كما قال جل وعلا: (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا) (طه:99) وهو داخل في قوله تعالى : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (الأنعام:11).
الفرع الثالث : تحقيق عقيدة التوحيد
   وإذا تحدثنا عن الفكر فإننا لا يمكن أن نتجاهل العقيدة الإسلامية التي تعتبر لب الدعوة الإسلامية ومحور دعوة القرآن الكريم ، في سياق البحث عن الوحدة الفكرية نقول إلى عقائد القرآن والسنة الصحيحة القطعية تعتبر كلها موحدة وجامعة للمسلمين ، وإني في هذه المحاضرة اخترت أن استل منها قطعيات وأصولا في العقائد وتثمر عند تحققها أصولا في التعامل، فننتقل من توحيد الله تعالى إلى توحيد التفكير ثم إلى توحيد الصفوف.
أولا : توحيد الاخلاص
من معاني التوحيد المطلوبة إخلاص التوجه إلى الله تعالى بأن يكون هو الغاية من كل قول وعمل ، وقد قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (الزمر 2-3). وإذا تحقق هذا المعنى صارت القلوب تعمل لوجه الله تعالى فتتطهر عن الأمراض المنافية للإخلاص كحب الدنيا والحرص على متاعها وعن التطلع إلى الشهرة والرئاسة، وإذا حدث هذا سهل أن يتفق المسلمون على كلمة سواء، لأن نصحهم سيكون لله تعالى ونعاونهم يكون لله، وعفوهم وصفهم وتطاوعهم يكون لله تعالى، واجتماع القلوب هو طريق توحيد.
ثانيا : توحيد الطاعة
   من معاني التوحيد توحيد الطاعة والاتباع، ولا شيء يجمع الناس مثل توحيد مصدر التشريع، وتوحيد القدوة المتبوع ، وبالابتعاد عن المصادر وتحكيم الهوى والعقول، وبترك الاقتداء بمحمد  واتخاذ من دونه أولياء متبعين: تحدث الفتن وتتفرق الأمة، النصارى إنما تفرقوا بعدما : اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ  (التوبة:31).
ثالثا: توحيد المحبة
    ومن معاني التوحيد توحيد المحبة ، فلا يحب شيء أشد من محبة الله تعالى وأن العبادة هي أعلى مراتب الحب، قال الله تعالى:  وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ  (البقرة:165). ويتبع محبة الله محبة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم محبة جميع المؤمنين ، قال سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ (المائدة:54) فذكر الله تعالى أخص صفات العباد الذين يحبهم، فكان من أولها أنهم يحبونه، والباقي من فروع محبة الله تعالى. ومنها موالاة المؤمنين ومعاداة المشركين، قال سبحانه: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (المائدة:55).
     وهذه الموالاة التي توصلنا إلى الحديث عنها من أعظم أسباب وحدة الأمة فهي التي تقيم السياج الكبير لمفهوم الأمة الإسلامية وتنظم العلاقة بين أفرادها وتحمي وحدتها، والولاية التي يجتمع فيها معنى الحب والقرب والنصرة إذا كانت معلقة بالإيمان فإن الإيمان ليست في رتبة واحدة ، ولكن أدنى الناس إيمانا له حق فيها ما لم يخرج منه.
الفرع الرابع : منهاج التعامل مع أصناف الناس
   ومن القواعد التي ينبغي أن يركز عليها العلماء والدعاة إلى الله في عصرنا بيان المنهاج الإسلامي في التعامل مع أصناف الناس ، والذي يقوم على أساس الولاء والبراء كما يقول على أساس الإنصاف والعدل حيث قال ربنا عز وجل :{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] وأكثر ما يفرق الناس اليوم ويهدد وحدتهم جهلهم بتلك القواعد الشرعية التي من أسسها إقامة الميزان العادل.
   فمما ينبغي نشره في عموم الأمة أن الناس مراتب منهم الكافر المشرك ومنهم الضال المبتدع ومنهم العاصي الفاسق، ومنهم المؤمن الذي تختلف معه في الرأي كثيره وقليله ، والتعامل معهم مختلف حسب هذه الرتب .
   وكذلك لابد أن يعلموا أن الكفار مراتب ففيهم الذميين أو المواطنين الذي يباح للمسلمين الزواج بنسائهم وفيهم المعاهد المصالح ، وفيهم الحربي ، وهؤلاء أيضا يمكن ترتيبهم فأهل الكتاب أقل شرا من المشركين والنصارى أقل شرا من اليهود وهكذا
والمبتدعة ليسوا في رتبة واحدة فالبدع فيها البدع الاعتقادية المكفرة أو المفسقة وفيها البدع العملية الحقيقية والاضافية والخلافية التي تسمى بدعة مجازا أو باعتبار ما .
والعصاة أيضا مراتب فالمعاصي فيها الكبائر وغيرها وفيها ما ضرره متعد ومنها ما ضرره خاص .
ومسائل الاختلاف بين المؤمنين مراتب ففيه ما يجوز فيه الإنكار وفيه ما لا يجوز ، ومنها ما يتعلق بالأصول ومنها ما يتعلق بالفروع.
ويتبع هذا التفريق والترتيب ضبط قواعد الحكم على الأشخاص وهو مزلة أقدام، والعناية ببيان الأحكام الشرعية لهذه الأمور من واجبات العصر، وضبط الأصول يحد من الخلاف في الفروع ، والوقاية خير من العلاج ، وإذا لم نحصن الناس بهذه القواعد سهل على المفرقين أن يستميلوهم بمعسول الكلام ومتشابهه.
والكلام في هذا العنصر وغيره من العناصر يحتمل أكثر مما سطر، ولكن المقام مقام إشادة وتوجيه لا مقام بسط ، والبسط موكول إلى الأئمة والموجهين ، نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق وأن يجمع القلوب ويوحد الصفوف، وأن يعز الإسلام والمسلمين وأن يرد كيد الكائدين في نحوهم وأن يجعل تدبيرهم في تدميرهم ، والحمد لله رب العالمين.


رحم الله إسماعيل هنية وتقبله في الشهداء
بعد كتابة مقالي السابق دفاعا عن أهل غزة ودفعا لبعض شبه المخذلين، عزمت على نشر كلمات تخص طائفة المخذلين في بلدي الجزائر -حرسها الله- وقد سبق أن علقت بها على منشورات بعض الفضلاء، فحواها إلزام غلمان ابن سلمان في الجزائر بطاعة ولاة الأمر في بلادهم، وعدم مخالفة سياستهم تماما كما يفعل مداخلة السعودية الذي صيروا كل الإخوان دون تمييز على اختلاف الزمان والمكان والأعيان: مجرمين وخونة وخوارج مسايرة لولاة أمورهم.
فأقول إن حركة الإخوان عند ولاة الأمور في الجزائر ليسوا كذلك، إذ لهم أحزاب معتمدة ومرضي عنها؛ كانت ولا زالت جزء من السلطة التنفيذية والتشريعية، فكان لهم تمثيل وزاري في الحكومات المتعاقبة وتمثيل في البرلمان بعهداته المتتالية.
وإذا رجعنا إلى حركة حماس الفلسطينية فإنها أيضا عند ولاة الجزائر حركة تحررية ومجاهدة، تستقبل قياداتها وتجلس في المنصات الرسمية مع أعلى القادة السياسيين والعسكريين ، بل إن الرئيس نفسه نفى في خطاب علني تهمة الإرهاب والتطرف التي تلصقها الدولة المطبعة جهرا وسرا بإخواننا المجاهدين عموما ومجاهدي حماس خصوصا بعد عملية الطوفان، وعقد مقارنة بين نبز فرنسا لمجاهدي الجزائر بالإرهاب ومن ينبز مجاهدي فلسطين بذلك، لذلك كان من تعليقاتي السابقة : أن ولي أمر المدخلي المصري هو السيسي، وولي أمر المدخلي الليبي هو حفتر ، وولي أمر المدخلي الأردني هو الملك عبد الله ، إلا المدخلي الجزائري فولي أمره فهو ابن سلمان ...
والزاما للمداخلة وعلى طريقتهم ومنهاجهم نقول لهم إنكم بإصراركم على مخالفة توجهات دولتكم وخطاباتها الرسمية وسياستها تجاه القضية الفلسطينة العادلة تعتبرون من الخوارج، نعم من الخوارج حتى وإن لم ترفعوا السلاح، لأنكم على مذهبكم من الخوارج القعدية، الذين لا يخرجون بالفعل لكن يدفعون غيرهم للخروج بالقول، وتلحقكم بعد ذلك كل لوازم الوصف بالخارجية الواردة في الأحاديث النبوية التي تلصقونها ظلما وعدوانا بالمسلمين المسالمين والمسلمين المجاهدين لأظهر أعداء الدين في أرض الرباط.
ولن يكون هذا المقال مقنعا بكلماته وحججه والزاماته ما لم يشفع بالأدلة المادية عليه وهي الصور، لأني أعلم أكثر المداخلة لا يقرأ ولا يفهم لكنه على الأقل يبصر، وهذه الصور لإسماعيل هنية رحمه الله أخذت له في الجزائر مع ولاة الجزائر موجودة في المواقع الرسمية الجزائرية، وليخرس المدخلي إلى الأبد، أو ليعلن عن حقيقة حاله وعمالته، فتعرفه الأمة وتستريح منه.
في الصور :
إسماعيل هنية ممسكا بيد رئيس الجمهورية.
إسماعيل هنية مع رئيس مجلس الأمة صالح قوجيل
إسماعيل هنية مع قائد الحرس الجمهوري بن علي
إسماعيل هنية يعلق وسام القدس لرئيس الجمهورية
إسماعيل هينية يتوسط في المنصبة رئيس الحكومة السابق والقيادات العسكرية
كتب ونشر في الفيسبوك في 31 جويلية 2024

من مواجهة الدعاية الشيعية في ظل حرب غزة
في صيف سنة ٢٠٠٦ قلت لخطيب استنصحني إنه من غير المناسب أن تتكلم في حزب الله الآن وهو يقاتل اليهود، لأنك ستضع نفسك في موضع التهمة ، وسيعدك كثير من العامة من الناس في صف اليهود، والناس لا يرون الحزب الآن ممثلا للشيعة أو لطائفة دينية ، وإنما يرونهم عربا أو مسلمين أو لبنانيين يدافعون عن أرضهم المحتل جزء منها، ويرونهم مناصرين لأهل فلسطين، وأظن أن كل من تكلم يومها في هذا الموضوع قد اخطأ التوقيت وجلب لنفسه التهم والسخط والجدال بلا طائل.
ثم سرعان ما توقفت الحرب بين الكيان و لبنان ، واشتعلت في العراق بين السنة والشيعة، فكان ذلك أنسب وقت لبيان خطر أحزاب الشيعة الطائفي والديني وللتذكير بخيانات الرافضة عبر التاريخ.. ثم أعدم صدام في آخر ذلك العام ، فخسر الشيعة في العالم كل ما ربحوه اعلاميا في حرب لبنان ..فصار تبيان حال الشيعة والأخزاب الشيعية أمرا مقبولا بل مطلوبا من أكثر الناس .. وما أسرع ما تتغير العواطف يخبو الحماس وتنقلب المواقف ..وصار الشيعة ملعونين حيث ما ثقفوا .. ثم ازدادت اللعنة عليهم في الحرب السورية حيث ظهرت وحشيتهم في أكمل صورها...
وهم الآن يعملون على تبييض صورتهم بتصدر مشهد المقاومة ، وبما يقدمون من دعم مادي ومعنوي لأهل فلسطين...وقد خبروا سرعة تقلب المواقف والعواطف...
ورغم أن حقيقة الشيعة قد علمت لدى عموم الأمة ، وأن التعاطف الشعبي مع أحزابها قد ضعف مقارنة مع تلك الحقبة، فإنه يقال لمن يقوم بواجب محاربة التشيع -وهو فرض كفائي لابد أن يستمر في كل حال-، إنه ليس من الضروري عند تبيين العقائد صحيحها وفاسدها أن يتكلم عن الأفراد أو الأحزاب، وليس من الضروري الجمع بين العقيدة والسياسة في خطبة واحدة ودرس واحد، ولا سيما عندما لا يسعك الشرح والتفصيل، أو عندما تختلف مستويات السامعين ...
وأما الاعلامي السني المضطر للحديث عن معاركهم وعملياتهم فليجعلها معارك مقاومين عرب أو مسلمين ولينسبهم إلى بلدانهم، وليتجنب تسمياتهم الطائفية المعروفة، لأنه لا مكان لها في حرب العدو فيها كافر محتل ...ولأن ذكر الطوائف مع تلميعها دعاية مجانية-وهو مرادهم-، وذكرها مع ذمها وهي تقاتل العدو غير مناسب كما سبق...والله الموفق والهادي للصواب
كتب في 6 أوت 2024

دفاعا عن الأقصى هذا حكم الاستعانة بالرافضة  
     إن موضوع الاستعانة بالرافضة من المواضيع التي يجتمع فيها النظر الفقهي تأصيلا والنظر السياسي تنزيلا، وقد رأينا كثيرا من العوام وأشباههم يخوض في هذه المسألة بمنشورات وتعليقات لا تمت للفقه بصلة، ولا لها في النظر السياسي نصيب، وجل ما تجده عندهم عبارات غير منظمة تتضمن كلمات ظالمة وأخرى عاطفية كجعلهم مطلق الاستعانة من موالاة الرافضة، وإنكار طلب العون ممن يسب الصحابة وفعل كذا وكذا، وهذا الكلام ونحوه مما عرف طريقه للانتشار عن طريق العوام قد يكون أصله مستمدا من شيوخهم الذين كثير منهم أشباه عوام وأنصاف متعلمين، وهم لا يتكلفون المراجعة عند خوضهم في القضايا الشرعية وغيرها؛ إلا بمقدار ما تنصر به الأحكام المسبقة لديهم.
     وموضوع الاستعانة بأهل البدع؛ موضوع مطروق منذ عصر الأئمة المجتهدين، وحكمه العام أنه يجوز للضرورة ، ومن تتبع الفتاوى والفروع وجد فيها تفاصيل تبعا لغلظ بدعة المستعان به وخفتها، أو كونهم مأمونين أو غير مأمونين، وتبعا لموضوعات الاستعانة : إذ الاستعانة تشمل الميادين المدنية كالتعليم والطب والإدارة والقضاء والتجارة وتشمل الميدان العسكري، وتبعا لحال المستعين بهم من أهل السنة بين الضعف والقوة، وبين كونه مضطرا إليهم أو غير مضطر، وبين كونه يتوقع ضررا يعقب الاستعانة بهم أو لا يتوقعه ، وبسبب تفاوت النظر في هذه الأبعاد الثلاثة اختلفت فتوى العلماء في حكم هذه الاستعانة، بل قد اختلفت الفتاوى المنقولة عن العالم الواحد، وقد نبه ابن تيمية وهو يتحدث عن هذه القضية إلى أن هذا الاختلاف المنقول عن الفقهاء فيها ليس باختلاف في الحقيقة ، وقال (28/ 213):"وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد علم المسئول حاله أو خرج خطابا لمعين قد علم حاله فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يثبت حكمها في نظيرها". وقضايا الأعيان في الأحاديث لا عموم لها بل هي من الخاص الذي يعلم خصوصه من سبب وروده وسياقه ، فكذلك الأمر بالنسبة لقضية الاستعانة بأهل البدع المعتبرة قضية فقهية تقابلها قضية الهجر المعتبرة قضية عقدية ، وهما قضيتان متلازمتان إذ القول بالهجر يقتضي المقاطعة والمنع من التعاون والاستعانة، والقول بجواز الاستعانة يستلزم إلغاء مبدأ الزجر بالهجر.
    وإذا رجعنا إلى القضية المطروحة حاليا من الاستعانة بالروافض في الجوانب العسكرية تسليحا وتصنيعا ، وكذا طلب السند السياسي أو العسكري دون أن تضم عساكرهم إلى عساكر أهل السنة ؛ فإننا نجد تعليلات الفقهاء السابقين ومفهوماتها تسع الصورة محل البحث، فإن المنع عند بعضهم معلل باحتمال توليهم وخيانتهم أو بدعوتهم لنحلتهم في وسط أهل السنة أو بتسلطهم على أهل السنة بجعلهم رؤساء عليهم، وهذه الأمور إنما تتحقق في الجانب العسكري لو كانت الاستعانة بعساكر الرافضة حيث يختلطون بعوام أهل السنة وعساكرهم، أما والاستعانة لا تقتضي ذلك سوى اللقاء مع السياسيين أو قيادات العسكريين أو الاطارات من الذين لا يخشى عليهم، فإن هذه المفاسد المتوقعة تكون ضئيلة جدا. إذ هذه الاستعانة لا تشبه بحال توليتهم في الولايات كالقضاء أو الدواوين التي تجعلهم متسلطين على أهل السنة ولا تشبه التطبب والتعليم الذي يقتضي مخالطتهم عوام أهل السنة.  
   وأما النظر في مدى الاضطرار إليهم من عدمه؛ فهو نظر في الواقع السياسي للأمة؛ والذي لا يخفى أن دول الجوار والدول العربية والاسلامية قد جرفها تيار التطبيع مع العدو؛ أو هي حليفة لأمريكا حامية العدو، ولم يبق من يمكنه مد يد المساعدة إلا الدول التي سلمت من ذلك -على تفاوت في درجة الجهر والجرأة-؛ وأجرؤها دولة إيران والأذرع المسلحة الموالية لها في البلاد العربية، والخلاصة أن واجب الدفاع عن أرض فلسطين قد تخلت عنه الدول المعدودة -طائفيا لا عقائديا- سنية ، والقائمون بهذا الفرض الكفائي من أهل فلسطين لا قدرة لهم؛ إلا بأن يستعينوا بأعداء عدوهم وأقربهم إليهم دينيا وجغرافيا وهم الرافضة، وهم لو وجدوا الدعم من أهل الإلحاد والوثنيين لقبلوه منهم، ولم يكن عليهم في ذلك أي تثريب.
    ومما يقال هنا إن هؤلاء المنكرين على حماس استعانتها بإيران كلهم ينتمون إلى دول تستعين بدول الكفر استعانة عسكرية مباشرة أو غير مباشرة، وبعض تلك الدول لا يخفى مكرها بالإسلام والمسلمين وعدم أمن جانبها، ومنه فإن المنكر عليهم قبول مساعدة دولة إيران وأذرعها في لبنان والعراق واليمن؛ إنما يطلب منهم -في حقيقة الأمر - الاستسلام والتخلي عن قضيتهم كما تخلى عنها ساسة بلدانهم ؛ الذين صار أقصى مطلبهم –إن صدقوا -حل الدولتين الذي يعبر عنه بالتنازل عن الأرض مقابل السلام (زهو تنازل واقع معجل مقابل سلام موهوم مؤجل إلى أجل غير معلوم)، والمجاهدون في أرض الرباط الذين فقهوا الواجب الشرعي واعتقدوا تعينه عليهم لا يمكن أن يسمعوا لأصوات المخذلين، ولا يمكن أن تخدعهم الفتاوى الدينية المضللة، وهم يجدون في العالم الإسلامي علماء موثوقين يبينون الأحكام الشرعية بدلائلها ومن مصادرها، وهم يقرأون كلام شيخ الإسلام المصلح الذي امتد إصلاحه إلى زماننا هذا إذ يقول (28/ 212):" فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب: كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرا من العكس".
    ولعل من الكلام الذي يصغى إليه هو كلام من يحذر من خديعة الرافضة ؛ وهذا له أصل إذ من آراء بعض الفقهاء أنه يجوز الاستعانة بأهل البدع إلا الروافض لعدم ائتمانهم ؛ وهذا الرأي محمول على غير حالة الاضطرار، ووجه عدم ائتمان الروافض كونهم يعتقدون كفر أهل السنة وإباحة دمهم ، وهذا إذا لم يكن خافيا على السياسي المتعامل معهم؛ رجي أن يسلم من ضررهم، أو أن يحد من ضررهم، حيث لا تتأثر به غايتهم التي نهضوا من أجلها.
    وإذا كان كثير من الناس يقدر أن اغتيال أسماعيل هنية رحمه الله كان نتيجة خيانة منهم ؛ فإن هذا الضرر لا يؤثر على مسار الجهاد واستمرار المقاومة بإذن الله تعالى، ولابد أن نذكر في هذا السياق الضرر المتوقع –في غير غزة- وهو التمدد الشيعي في البلاد العربية بسبب الدعاية الإعلامية والصورة البطولية التي ترسم للأذرع الشيعية في هذه الأيام، وهذه الدعاية ليست وليدة هذه الاستعانة، وهي حاصلة دونها ببروز إيران دولة معادية لأمريكا، وبتفرد حزب الشيعة في لبنان بالدفاع عن جنوبه ، وواجب صد هذه الدعاية يقع على عاتق غير الغزيين بالقول والعمل، ومن العمل المطلوب أن ينافسوا الرافضة في دعمهم الظاهر للقضية الفلسطينية، ولعل البعض ممن له تمرس بالسياسة قد يلاحظ أن الدعم المقدم للفلسطينيين محدود جدا مقارنة مع ما يمكنهم تقديمه؛ ولذلك هم يقولون إن الرافضة غير جادين في هذا الدعم، وهذا حق وهو الواقع، فإن دعمهم أحيانا بالكلام والخطابات يفوق الدعم المادي بمفاوز، والدعم المادي المقدم في تقديري لا يعدو أن يكون مالا منفقا على الإشهار، ولا يمكن أن يتعدى ما تتطلبه الدعاية والإشهار.
   ومن الكلام الذي لا يمكن أن يصغى إليه مما يلوكه بعض الناس؛ دعوى صداقة إيران وأذرعها للكيان ، وهذا كلام فارغ لا يتلفظ به عاقل، إذ تنقضه بدهيات معلومة عن الطرفين، ومن ذلك أن أطماع الكيان التوسعية تتعارض تماما مع أطماع إيران التوسعية في المنطقة ، ومن أخذ بعين الاعتبار هذه الحقيقة سهل عليه أن يستوعب دعم الرافضة للمقاومة، فإنهم يدعمون عدوا لهم ضد عدو لهم.   
   وفي ختام هذا البيان ننقل كلاما لابن تيمية فيه رد على بعض العملاء -أو الأغبياء- في عصرنا حيث سئل رحمه كما في المجموع (35/ 201) عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الرافضة ، فأجاب :" الحمد لله كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد فهو خير من كل من كفر به وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة؛ سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم، فإن اليهود والنصارى كفار كفرا معلوما بالاضطرار من دين الإسلام، والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول لا مخالف له لم يكن كافرا به، ولو قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم".
نسأل الله تعالى أن يسخر لإخواننا من جنده ومن أهل السنة من يغنيهم عن غيرهم ونسأله أن ينصرهم نصرا مؤزرا وأن يفتح عليهم فتحا مبينا ، والحمد لله رب العالمين.
3 أوت 2024

دفاعا عن الغزيين كلمات في عقيدة الإخوان المسلمين
1-تدفعنا تعليقات المخذلين وكلمات المرجفين إلى الحديث عن أمور؛ يأنف المرء عن النزول إلى تناولها، لكن لابد مما ليس منه بد، ولا محيد عما تضطر إليه ، وقد قذعت أسماعنا منذ بداية الطوفان صيحات نشاز، تقدح في الإخوان المسلمين بسبب تصدرهم مشهد الدفاع عن الأقصى وأرض الأنبياء، بإلقاء اتهامات لا زمام لها خطام؛ وفق أسطوانة آلية برمج عليها المخذلون الذين غرس فيهم الحقد على الإخوان، ومن ذلك الحديث عنهم وكأنهم فرقة من فرق الخوارج المارقة التي جاءت النصوص النبوية صريحة في ذمها والبراءة منها، وقد صور لدى هؤلاء المخذلين الإخوان وكل من يدعو إلى تحكيم شريعة الرحمن: خارجيا سفاكا للدماء، وربما شملت التهمة من يقرأ في صلاته بالآيات الآمرة بالتحاكم إلى الشرع والمحذرة من ضده.
2-والواقع أن الإخوان المسلمين في أصل وجودهم جماعة دعوية كان هدفها إرجاع أمجاد الخلافة الإسلامية ، وقد تأسست في السنة التي ألغيت فيه الخلافة العثمانية نهائيا، وقد انخرط في هذه الجماعة مسلمون على الفطرة كما ضمت تحتها منذ نشأتها إلى يومنا هذا مسلمين من مختلف المذاهب الفقهية والعقدية ، فكما وجد فيها الأشعرية والماتريدية وجد فيها السلفية ، وانشق عنها من مال إلى الغلو في التكفير؛ وليس الغلو في التكفير خاصا بمن انشق عنهم، وقد انشق عنهم من صار يؤمن بالديمقراطية أكثر من الديمقراطيين أنفسهم، ولكن بعض الكذبة يأبون إلا تلوين الإخوان بلون واحد هو أسود، ورحم الله الشيخ الألباني الذي كان كثيرا ما يسأل عن الإخوان فكان ينبه إلى أن الحكم على الجماعات لا يختلف عن الحكم عن الأفراد ، ولا يجتمع الخير كله في مسلم إلا أن يكون معصوما، ولا عصمة لأحد، كما لا يجتمع الشر كله في مسلم، وكان يدل السائل إلى عدم التعميم في الحكم لأن عقائد المنتمين إلى حركة الإخوان مختلفة كما أن منهجهم في الفقه والدعوة صار مختلفا أيضا، وقد سئل يوما عن نشر كتبهم ، فكان من جوابه أن تلك الكتب التي تحوي ما هو متفق عليه لا مانع من نشرها ، بل قال إن نشرها هو من نشر السنة التي ندعو إليها.
3- ومما أذكره في هذا السياق لقاء جمعني بأحدهم -قبل أكثر من عشرين سنة- وقد صار قطبا من أقطاب المدخلية ؛ وكان للقاء سبب ليس من المناسب طرحه هنا، وكان مما واجهته به بعد كلام ربنا عز وجل الذي يأمر بالقسط والعدل والانصاف كلام الألباني رحمه الله، فزعم أن الخلاف في فهم كلام الألباني كالخلاف في فهم كلام الله تعالى، وأن تلاميذ الألباني أولى من يشرح كلامه، فقلت له بل الألباني نفسه قد شرح فتواه ، بتحقيقه لكتاب فقه السيرة للغزالي والحلال والحرام ومشكلة الفقر للقرضاوي رحمهم الله، فبهت، وقلت له : لا أراك تنهى عن قراءة وتوزيع كتاب المواريث للصابوني ومباحث في علوم القرآن للقطان وفقه الزكاة للقرضاوي، فكأنه قال هذه لا تمس العقيدة، فتجاوزت كلامه ولم أجادله فيه وانتقلت إلى ذكر كتب العقائد ، وبدأت بكتاب أصول العقيدة الإسلامية كما قررها الطحاوي من انتخاب وشرح عبد المنعم صالح العزي وهو محمد أحمد الراشد، وثنيت بكتاب الإيمان لمحمد نعيم ياسين رحمه الله، وثلثت بسلسلة عمر سليمان الأشقر رحمه الله في العقيدة، وهي كتب أصحابها من الإخوان المسلمين، وطبعها في الجزائر الإخوان المسلمون، وأكثر من احتفل بها روجها ودرسها ودرّسها هم السلفيون، فلم يدر ما يقول ...ومثل ذلك يقال في قسم العقيدة من كتاب الجداول الجامعة للعلوم للنافعة الذي صنعه جاسم محمد مهلهل، وهو أيضا أحد أعلام الإخوان في الكويت...وكان في الجزائر من اتبع منهجه في تدريس العقيدة الإسلامية... وإن من الانصاف أن نشهد أن شركات الطباعة والنشر التي نشطت في الثمانينيات وأسهمت في سقي الدعوة الإسلامية بكل أطيافها بما فيها السلفية، كان توجه أكثرها إخوانيا وعلى رأسها شركة الشهاب بباتنة...وإني لأشفق على هؤلاء الاتباع الرعاع في بلدنا الذين لا يعلمون أن شيوخهم أو شيوخ شيوخهم إنما تعلموا العقيدة من تلك الكتب المعدودة عندهم من كتب الضلال وتربوا عليها قبل أن يتعلموها من غيرها.
4-وإن مما أؤكد عليه في هذا المقام أن هذه العداوة التي افتعلت في العقود الأخيرة ضد الإخوان لا صلة لها بالاختلاف المعروف والمعهود بين المناهج والطرائق في الساحة الدعوية فإنه اختلاف داخل في معنى النصيحة للمسلم، بل هي عداوة -نعم عداوة لا اختلاف- صنعت في مخابر أعداء الإسلام وعلى رأسها أمريكا، وهي لا تختص بالإخوان بل تعم السلفية النقية التي تؤمن وتعمل لتحقيق حاكمية الله تعالى في الأرض، وكما لا ينبغي أن يعد من انشق عن الاخوان إخوانيا، ولو ادعى أنه كذلك وحاول احتكار صفة الاخوانية ، فكذلك لا يعد من انشق عن السلفية كالمدخلية سلفيا ولو ادعى ذلك وحاول احتكار الصفة، لأن من أسقط جزء من معاني التوحيد سواء صنف في الربوبية أو الألوهية لا يمكن أن يكون على العقيدة القرآنية والسنية والسلفية، وقد كتبت فيما سبق أن هذه الطائفة صناعة غربية تخطيطا وإن نشأت في أرض الحرمين ، وهي تحارب كل من لا ترضى عنه الدوائر الأمريكية ويهدد مصالحها في الشرق الأوسط ، وقد فضحت حرب غزة ما كان مستورا، وتبينت المقاصد وزالت الشكوك، وظهر سر الهجوم على الإخوان، ثم اختراع مسميات يرمى بها السلفي الثابت على مبادئه لتضليله كالسرورية والقطبية ونحوها ...
5-وبقي أن الفت الانتباه إلى مدخلية أخرى تعمل للغاية نفسها، وهي مدخلية الأشعرية والصوفية، وإذا كانت الأولى تنطلق من أرض بن سلمان، فإن الأخرى تنطلق وتمول من أرض بن زايد وأرض غيره، وتعمل لما تعمل له الأولى، وبعضهم لا تحركه ولا تنطقه إلا أموال بن زايد التي امتدت الى جميع البلاد الاسلامية، تحركه أو تحرك من يحركه لأن بعض المشايخ مع الأسف صاروا كالدمى في أيدي طلابهم ومن يحيط بهم، ولعل من علامتهم أن ترى الأشعري الجارح تمتد مخالبه إلى جماعة الإخوان وغيرها من تيارات الصحوة الإسلامية، وإن منهم نماذج بارزة في الشمال الافريقي، ولا يغتر بما يجري بين المدخليتين من معارك، فإن من أهدافهم المشتركة التثبيط وشعل الأمة عن قضاياها المصيرية المشتركة، وكسر الصحوة الإسلامية بجميع أطيافها، والتمكين لما تعتبره أمريكا دينا تقليديا باردا لا يتعارض مع مصالحها، ويقبل بالحكام الذين تنصبهم -أمريكا- ويأمر بطاعتهم طاعة عمياء.
7-وأختم هذا المقال بدعوة العقلاء ومن يخشى الله تعالى من هؤلاء الطاعنين بالباطل في عقيدة إخواننا المجاهدين في غزة على وجه الخصوص أن يتبينوا قبل أن يندموا؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة وإن وسائل التبين متاحة ولعل أقربها إلى التناول رسالة جامعية بعنوان "جهود الجامعة الإسلامية بغزة في نشر العقيدة الإسلامية؛ من تأليف يوسف إبراهيم النجار ، وهي تحوي مقررات الدراسة في مختلف الأطوار الجامعية، مع مراجع هذه المقررات، وتحوي عناوين الرسائل الجامعية والبحوث التي أنجزها اساتذة هذه الجامعة إلى غاية سنة 2009.
أما الجهلة الذين ليس لهم في العلم نصيب؛ فيقال لهم إن من حسن الإسلام تركه ما لا يعينه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت.
28 جويلية 2024

الجمعة, 06 أيلول/سبتمبر 2024 19:30

تأملات في سورة الفتح ونظرات في واقع الأمة غير منشورة

تأملات في سورة الفتح ونظرات في واقع الأمة
محاضرة ألقيت في 29 ماي 2024
أما بعد : نلتقي أيها الأفاضل وأيها الحضور الكرام بناء على طلب من مبادرة تبيان لإلقاء محاضرة يجتمع فيها تزكية النفوس وبث الوعي بالربط بما يعيشه العالم الإسلامي هذه الأيام بقلوبهم مع غزة؛ وقد رأيت أن يكون الموضوع مرتبطا بكتاب الله تعالى مبنيا عليه إذ هو الكتاب الهادي للتي هي أقوم وإن من الواجب في هذا العصر الرجوع إليه، لأنه ما أفلح السابقون ولا انتصروا إلا بفضل اهتدائهم بكتاب الله تعالى بعد إيمانهم بما جاء فيه، فقد ملأ القران قلوبهم فاعتقدوه وعاشوا به فأتاهم النصر والتمكين من رب العالمين، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فقد كان العرب في جاهلية ظلمات بعضها فوق بعض فبعث فيهم النبي صلى الله عليهم الرحمة المهداة بالنور الذي يهدي والكتاب الذي يحكم فكان كتاب الله فاتحا لقلوبهم أولا ثم ممكنا لهم في الأرض بعد ذلك.
  وقد اخترت هذا الموضوع المتعلق بسورة الفتح التي من المعلوم أنها نزلت في صلح الحديبية، وأن المقصود بالفتح هو الصلح من حيث سبب النزول ولكنها كان في الواقع تبشر بالفتح الأعظم بفتح مكة بل بفتوحات تأتي بعد ذلك تمتد إلى ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وما سنذكره ليس تفسيرا ولكن كما ذكر في العنوان هي تأملات في السورة في مناسبتها لما قبلها وما بعدها وبعض المعاني التي تضمنتها آياتها ، وبعض المقاصد التي رمت إليها ؛ مع محاكمة واقعنا أو أنفسنا إلى ما ينبغي أن نكون عليه، وإنه مما ينبغي عليه عند قراءة القرآن أن نستشعر أن ربنا سبحانه يكلمنا ويذكرنا ويعظنا وأننا معنيون بكل كلمة فيه، فلا ينبغي لأحدنا إذا قرأ آيات أن يقول هذه نزلت في الكفارفهي لا تعنيني؛ وإذا قرأ آيات أخر يقول هذه في الصحابة وأنى لنا أن نكون مثلهم، بل سماعنا كل آية فيها تحذير أو وعيد يجعلنا نخاف أن نكون من أهله وإن كان سياقه ورد فيمن لم يؤمن، وكذلك الآيات التي علم بأسباب نزولها أو سياقها أنها في الصحابة رضي الله عنهم لابد أن نشعر أننا مخاطبون بها لأن هذا القرآن ليس محدودا في الزمان والمكان والأشخاص، وهو شامل لكل الأزمنة والأمكنة والأشخاص مهما امتدت واختلفت وتعددت،  
أولا- لا فتح إلا بعد تضحية
وأول وقفة نقفها مع هذه السورة أنه لا فتح ولا نصر إلا بعد تضحية وبذل وقتال، وقد جاءت هذه السورة في ترتيب المصحف بعد سورة محمد التي من أسمائها سورة القتال، وهذه بيان لسنة من سنن الله الكونية التي لا تتبدل. وهي سنة المغالبة وأن النصر والتمكين لا يكون إلا بعد تضحية وبذل وتسبب ، ومن تلك الأسباب القتال.
1-بيان لسنة المغالبة الكونية التي لا تتبدل
السورة اسمها سورة الفتح وهي تتحدث عن فتح وعن نصر (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3)} [الفتح: 1 - 3] وإن الفتح الذي سميت هذه السورة أعلى منزلة وأوسع معنى من النصر ، إذ النصر قد يكون في معركة فقد انتصر المسلمون في بدر وفي الخندق ولكن الفتح فتح  مكة فهو أعظم وقد يكون تتويجا لعدة انتصارات، كما أن الفتح يكون فتحا للقلوب وفتحا للأراضي وتوسعا فيها وتغلبا على أهلها .
  ولذلك نقول إن الذي نرجوه إخواننا في غزة ليس مجرد النصر ولكن الفتح ، الانتصار أن تحقق معركة الطوفان غايتها والفتح بأن تستعاد الأراضي المغتصبة، وليس ذلك على الله بعزيز.
   فسورة محمد تتحدث عن سبب من أسباب النصر وليس السبب الوحيد، وهو القتال ، وإن كان فيها حديث عن التضحية والبذل عموما ، وذلك أن أسباب النصر منها المادي ومنها المعنوي، فأما الأسباب المادية فيجملها قوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" ألا إن القوة الرمي " ولكل زمان قوته ، وقد جاءت القوة في الآية منكرة لتعم ، وفي زماننا هذه يدخل في مفهوم القوة القوة التكنولوجيا التي تطور بها الأسلحة والقوة الاستعلاماتية المتعلقة بالتجسس ونحوه مما يجعل المجاهد ممكنا من إدارة المعركة، وإن كل دارس لهذه العلوم وكانت نيته إعزاز الدين وأهله وحماية أرض الإسلام كان صاحبه مأجورا والتكليف الوارد في الآية يشمله .
ومن أسباب النصر أيضا القوة الإيمانية لأن العبرة بالسلاح وقدراته فقط ولكن بمن يحمله؛ فإذا كان من يحمل السلاح ضعيف القلب مرتعش اليد فقد يرمي بسلاحه ويفر، ولذلك فإن من معلني القوة قوة القلب التي تأتي من الإيمان بالله تعالى والثقة التامة فيه والتوكل الكامل عليه والله تعالى يقول: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) (النور:55) فبعد الإيمان والعمل يأتي التمكين والنصر ، وأكد على قوة هذا الإيمان ورسوخه بقوله يعبدونني لا يشركون بي شيئا .
ومن أنواع القوة قوة وحدة الصف والألفة والأخوة وهي ثمرة من ثمرات الإيمان والتوحيد الصحيح، وذلك أن من أحب الله أحب أولياءه وأبغض أعداءه وهذا ما نسميه الولاء والبراء، وهو مشار إليه في أخر السورة (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) وقد بين ربنا أن وحدة الصف من أسباب النصر فقال : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ )  [الأنفال: 46]
إذن هناك سنن كونية للنصر ، وهو لا يأتي بمجرد التمني بل هناك أسباب مجتمعة متظافرة منها ما ذكرنا من عدة مادية وعدة إيمانية وحدة وتماسك وولاء للمسلمبن محبة ونصرة وتأييدا.
وفي الواقع هناك أخطاء إذ في الناس من يظن أن النصر والفتح يأتي بالسياسة والمفاوضات، متجاهلين أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة أو أخذ سلابا أو اغتصابًا لا يسْتَرجَعُ إلا غلاَبا كما عبر الإبراهيمي رحمه الله ، وهذه هي السنة الكونية ، والقتال لابد فيه من إعداد ولابد فيه من تضحيات وضريبة (تقتلون وتقتلون) وكذلك لا يجوز تخطي مراحل هذه السنن أو إبطال بعض عناصر القوة كما قد يرى في تصورات فئات من الناس.
    وما نراه من إخواننا في غزة من صبر يدل على أنهم اتبعوا الخطة التي سار عليها صدر هذه الأمة وخاصة في مجال العدة الإيمانية، وأظن أنه لو حدث لنا في بلادنا ما حدث لهم لتقاتلنا فيما بيننا من أجل قطعة من خبز؛ وذلك أن الناس في الغالب الأعم مفتقرون إلى تلك التربية الإيمانية المبنية على القرآن ، ولذلك نؤكد أنه من الضروري أن نرجع إلى القرآن حفظا وفهما وعملا واعتقادا وتربية، فالقرآن منهج حياة وليس مجرد حروف تتلى، وإن حفظ الحروف هو الخطوة الأولى نحو تحقيق بقية المعاني التي خلاصتها العيش بالقرآن، كما قالت عائشة رضي الله عنها في وصف النبي صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن .
2-قراءة التاريخ من الإعداد
في هذه السورة الكريمة ذكر المولى عز وجل أن الأحكام القدرية تجري على سنن وقواعد لا تتبدل فقال : (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا } [الفتح: 23] ، وإذا أردنا النصر أو أردنا لهذه الأمة أن تستعيد أمجادها فلا بد أن ندرس سنن الله الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير ، ومعنى كونها لا تتبدل أن نفس مقدمات تؤدي حتما إلى نفس النتائج ، لذلك ينبغي أن نضم إلى معنى الاعداد قراءة التاريخ ومن ذلك سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وتاريخ الأمم السابقة التي قص عليه المولى عز وجل قصصهم وأمرنا أن نعتبر بها، يقول سبحانه في سورة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ [محمد: 10]. فقوم عاد مثلا كانوا أقواياء جبارين وفرعون كان كذلك ولكن كيف كانت نهايتهم ، والاعتبار الذي أمرنا به فيه ما يهدي إلى وجود الله وتوحيد الله وطاعة الله والالتزام بشرعه؛ وفيه ما يهدي أيضا إلى طريق النصر والفتح، ومن ذلك سيرة النبوية وفقهها بمغازيها والمراحل التي مرت بها ، فهذه السيرة لابد أن تكون مدروسة ولم ينجح إلا من اعتبر بمن قبله وإلا من اهتدى بهدي النبي صلى الله عليه وسلم . وإذا نظرنا إلى حرب التحرير في الجزائر في أسباب نجاحها، هناك عاملان مهمان ، الأول أن العلماء سنة 1931 لم يعلنوا الحرب المسلحة على فرنسا ، لأنهم نظروا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقدموا تصحيح العقائد ، واهتموا بإرجاع الناس إلى صراط الله تعالى وربطهم بالقرآن الكريم وهذا هو معنى الإعداد الإيماني للرجال وهو الأهم ، لأن السلاح بعد ذلك يشترى أو يصنع ، ولكن بناء الإنسان وإعداد النشء المؤهل هو الذي يحتاج إلى وقت أطزل وجهد أكبر ، والعامل الثاني توحد الصفوف في الفاتح من نوفمبر ، ومما درسناه في التاريخ أن سبب فشل المقاومة إبان الاحتلال الفرنسي أنها كانت محلية ، حيث أن فرنسا أخذت الجزائر قطعة قطعة مدينة مدينة ، فلما اعتبر المجاهدون بالتاريخ حرصوا أن تكون الحرب شاملة  
في الواقع لجميع أنحاء القطر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وإخواننا في غزة قد درسوا حرب الجزائر ودرسوا حرب الفيتنام ودرسوا حروبا كثيرة في العالم ، ويظهر ذلك جليا في إدارتهم للحرب وفي ثباتهم المعجز ، وقد كتبت من قبل مقالات عقدت فيه مقارنة بين طوفان الأقصى وبعض ما جرى في حرب الجزائر ، ومما ذكرته أن الطوفان يشبه هجوم الشمال القسنطيني 20 أوت 1955، كما ذكرت موافقات أخرى تراجع في المقال فهو منشور.
3-التضحية سبب للنصر ونزول السكينة
ومن أسباب النصر الكونية التضحية والاستعداد للتضحية ، وهذه السورة التي تتحدث عن الفتح جاءت بعد سورة القتال التي يقول المولى عز وجل في ختامها {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } [محمد: 38] قال (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } فالله تعالى قادر على نصرة دينه بنفسه وهو مستغن عنا والفتح والنصر كلاهما من عنده، لكن السؤال : أين محلنا نحن من هذا النصر ومن هذا الفتح؟ بل إن الله تعالى يقول في سورة الفتح ذاتها {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } [الفتح: 4] وهذا له معنى الاستغناء وعدم الحاجة إلينا ولكن أنتم مدعوون إلى هذه التضحية  والانفاق التي جعلها الله سببا من أسباب النصر ، فإذا كنا غير مستعدين للتضحية غير مستعدين للموت والجوع والعراء معناه أنه لا نصر ؛ فلابد للمسلم أن يكون مستعدا استعدادا تاما للتضحية، لأن كل ما تملكه من مال وحياة وما فيها كلها من الله عزوجل ، وهذا الصلح الذي سماه الله تعالى فتحا قارنه حدث مهم ذكره المولى عز وجل في هذه السورة يبين استعداد الصحابة الكامل للتضحية وهو بيعة الرضوان التي هي بيعة الموت ، ولم يتخلف منهم أحد وذلك لما بلغهم خبر مقتل عثمان رضي الله عنه –والذي لم يكن صحيحا-، فقال ربنا سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الفتح أو الشهادة فبرهنوا على صدقهم مع الله واستعدادهم للبذل ونجحوا في الامتحان، وهذه التضحية وهذا النصر الذي جعله الله معلقا بأسبابه يعتبر نوعا من أنواع الامتحان والابتلاء ليميز الطيب من الخبيث  كما قال سبحانه {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ } [آل عمران: 154]
ومن حكمه أيضا رفع درجات من يختارهم الله إلى جواره قال تعالى {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140].
نزول السكينة هبة من الله
ومما يلفت الانتباه في سورة السورة ذكر السكينة والتي تكرر ذكر إنزالها على المؤمنين ثلاث مرات فقال {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ } [الفتح: 4]
ثم قال {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] ثم قال :{إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الفتح: 26]
   وهذه السكينة هي طمأنينة وانبعاث الأمل في نصرة الله تعالى لعباده ، وقد ذكر في المواضع الثلاثة تنزيلها مما يدلنا على أنها هبة ربانية ، ولكن هي هبة مستحقة لمن ؟ إنها هبة لهؤلاء الذين حققوا أسباب النصر الذين أعدوا العدة وكانوا مستعدين للتضحية ، فهي هبة وجزاء حاصل حالا وثمرته حصول اليقين وتثبيت القلوب وهو سبب آخر من أسباب النصر والتمكين .
ثانيا-تسمية الصلح فتحا
1-تسلية للصحابة ووعد
    ثم إن الله تعالى ليثبت القلوب وليحصل اليقين ، قد سمى الصلح فتحا باعتبار ما سيؤول إليه وقد أتى به بصيغة الماضي رغم أنه أمر سيحصل في المستقبل ليؤكد على تحققه، وقد نزلت السورة في سياق التسلية للصحابة الذين أحزنهم ما ترتب على الصلح حيث أنهم قد صدوا ومنعوا من أداء عمرتهم ، كما أن صيغة الصلح وبعض بنوده قد رأى فيها بعضهم رضا بالدون أو رضوخا لقريش ، ولكن القراءة السياسية الصحيحة للحدث وهو إبرام الصلح قبل النظر في بنوده يعتبر انتصارا لدولة الإسلام؛ وذلك لكون أول مظاهر اعتراف قريش بوجود دولة الإسلام أو الكيان الإسلامي، فتوقيع قريش للصلح يتضمن اعترافا بوجود دولة الإسلام وكذا بقوتها، إذ لولا لهذا الاعتراف بالوجود وبالقوة لما أرسلوا رسولهم ليفاوض ولا ليوقع هذا الصلح الذي كانت بعض بنوده منحازة لقريش، ولكن كان من أبرز بنوده أن تتوقف الحرب عشر سنوات ، الخلاصة أنه لتطييب القلوب وإزالة الشك الرب الحكيم علام الغيوب سمى الصلح فتحا بهذه الاعتبارات السياسية وباعتبار ما سيؤول إليه في المستقبل القريب قبل أن تنقضي تلك السنوات العشر.
2-الفتوحات الحقيقة الموعود بها فتح مكة والعالم كله
   وقد تحقق الوعد الذي وعد به الله تعالى ، وهو المشار إليه في قوله تعالى : {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح:27) وقد كان نتائج هذا الصلح فتح مكة الذي كان عنوة بغير قتال ، وقد سبق فتح مكة فتوحات كثيرة منها فتح خيبر وإسلام من أسلم من قبائل العرب في مدة السلم، بل إن الله تعالى قد بشر في هذه السورة بفتح أعظم تال لفتح مكة سيتجاوز حدود جزيرة العرب ويتمد إلى ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال بعد الآية السابقة : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (الفتح28) وقد تحقق هذا الوعد في زمن الخلفاء الراشدين وما تلا عصرهم من دول الإسلام، فظهر الإسلام على دين المشركين والنصارى واليهود والمجوس وغيرهم ، وقامت الحجة على الخلق أجمعين بانتشار فتوحات المسلمين ودولهم التي عمت الشرق والغرب، فكان وعدا من الله تعالى وقد تحقق والحمد لله رب العالمين، قد يكون العموم هذا نسبيا في عصور سبقت ؛ ولكن في هذا العصر عصر الإعلام قد عم جميع أنحاء الكرة الأرضية، فلا يخلو بلد من البلدان ولا دار من الديار إلا وقد بلغه خبر الإسلام وتعاليمه، وأصبح الإسلام مذكورا في المحافل والمجامع الدولية، بل إنه في أعقاب الحرب العالمية كانت شريعة الإسلام مصدرا من مصادر قوانين السلم والحرب ؛ وقد أخذوا من شريعتنا قانون إعلان الحرب، المستنبط من قوله تعالى : (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) [الأنفال: 58].
  وفي زمننا هذا وفي أيامنا هذه قد شهر طوفان الأقصى بدين الإسلام مجددا؛ فثبات المسلمين في غزة وشجاعتهم وتضحيتهم وصمودهم أمام الكيان والتحالف الخماسي ؛ جعل كثيرا من الناس في العالم يبحثون عن سر هذا الثبات ، وقد أتتنا أخبار وصور عن أناس من المشاهير وغر المشاهير يعلنون إسلامهم ، ويعلنون أن إسلامهم كان تأثرا بأهل غزة، أو نقول شهرة القضية الفلسطينية مجددا جعلهم يقرأون عن هذا الدين، وقد يكون بعضهم قد قرأ عن الإسلام وتعاليمه نظريا لكن اليوم قد رأى ما أنتجته تلك التعاليم من الثبات والتضحية وكذلك من أخلاق المقاومين يوم أفرجوا عن الأسرى، فظهرت أخلاق الإسلام في الحرب وليس فقط في السلم، وفي الحرب والفتن يمتحن الناس، وفي الشدة والغضب تمتحن أخلاقهم، ولا ننسى أن من أسباب القوة والنصر التحلي بالأخلاق الحسنة ، وسورة الفتح قد جاءت بين سورة القتال وسورة الأخلاق كما سنذكره بإذن الله تعالى.
  إذن هذه السورة إنما نزلت بمناسبة صلح الحديبية وسميت فتحا تبشيرا بما بباطنها وما تلاه من فتوحات وأعظمها فتح مكة وما تلا فتح مكة مما هو داخل في معنى ظهور الدين، ولا تزال هذه البشارة مفتوحة لأن مما بشر به النبي صلى الله عليه وسلم فتح رومية ، وستفتح بإذن الله تعالى.
 3-صفات الباري الموجبة لليقين والطمأنينة وتصديق وعده
وهذه البشارات المذكورة في هذه السورة قد أحيطت وحفت بجملة من صفات الباري سبحانه وتعالى ، وقد وقفت مع هذه الصفات المذكورة في الصورة وهي توجب اليقين وتورث الطمأنينة ، وتجعل كل مؤمن يصدق وعد الله تعالى، وهنا لابد نذكر أن القرآن الكريم هو كتاب العقيدة الإسلامية فهو كتاب يخاطب العقل والوجدان في آن واحد ، وأخطأ المسلمون خطأ فادحا حين صيروا العقيدة أمورا عقلية محضة لا تخاطب الوجدان، أخطأوا حين ابتعدوا عن القرآن الكريم ومنهجه في تقرير العقائد ، وظنوا أن هداية الناس مقصورة على الاقناع بالحجة وغفلوا عن مثل قوله تعالى {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] وهل ستنفع الحجة مع من استكبر ومن اتبع هواه ، وإلى اليوم هذا ليست الشبهات هي السبب الوحيد لكفر من كفر أو انحراف من انحرف أو ردة من ارتد ، بل هناك يكفر وينحرف بسبب الشهوات، وإذا كنا نعلم أن الحسد والكبر وحب الدنيا والملك من أسباب الكفر فهل نعالج هذه الأسباب بالبرهان على وجود الخالق ووحدانيته ، إن هؤلاء إنما يدعون بمعالجة أمراض نفوسهم، وفي كتاب الله شفاء من كل الأمراض.
أرجع إلى الصفات المذكورة وهي :   
1-الفتح، والله هو الفتاح هو الحاكم بين الناس وناصر المحق على المبطل، وفاتح أبواب الرزق والرحمة وموسعها ومفرج الكروب، وهو مبصر القلوب بأنواع المعارف.
2-النصر وهو النصير {وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} [الفتح: 3] والنصير هو المعين للمؤمنين فلا يسلمهم ولا يخذلهم، وييسر لهم الغلبة بتثبيت أقدامهم وإلقاء الرعب في قلوب عدوهم.
3-الملك {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } [الفتح: 14] يتصرف في ملكه كما يشاء لا معقب لحكمه.
4-القدرة {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الفتح: 21] والقادر على كل ما يشاء، فلا يمتنع عليه شيء ولا يفوته مطلوب والقوي التام القدرة فلا يعجزه شيء والمتين الذي لا يمسه تعب.
5-العزة {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [الفتح: 7] هو القوي الذي ليس لقوته نظير، والمنيع الذي لا يتوصل إليه بمكروه والغالب الذي خضعت له المخلوقات، يل يذل له كل عزيز.
6-العلم والحكمة {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } [الفتح: 4] {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } [الفتح: 26]
7-الخبرة {بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [الفتح: 11] هو المطلع على كنه الأشياء وحقائقها والعليم بعواقب الأمور ومصيرها، ولا يجري في ملكه أمر ظاهر أو خفي إلا خبره عنده
8-البصر {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا } [الفتح: 24] هو الذي لم يزل يبصر كل المرئيات، ويرى كل الحركات، فلا يحتجب عنه شيء مهما دق، ولا تخفى عليه حقائق الموجودات
9-الشهود {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } [الفتح: 28] هو الحاضر المطلع على كل شيء، والمحيط بالخلائق علما وسمعا وبصرا، والشاهد على العباد يوم الحساب والمبين حجج حكمه
10-المغفرة والرحمة {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفتح: 14] {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الفتح: 29].
وهذه الصفات تجعلن نثق بالله تعالى ونصدق وعده تصديقا جازما ونتوكل عليه توكلا تاما؛ كيف لا والله هو الفتاح والنصير والعزيز القدير، فإذا أخبرنا الله المتصف بهذه الصفات بأننا منصورون نصدقه ونثبت ، وكذلك قد أخبرنا الله بمغيبات وهو خبير وبصير وشهيد وهذه أسماء وصفات تدل على العلم والإحاطة فالله تعالى مطلع على حقائق الأمور وعواقبها ومحيط بالخلائق كلها سمعا وبصرا وشهادة .
  فهذه الصفات وتكرارها وتعاقبها تربي المسلمين التربية الواجبة عليهم، وعندما يأتي البلاء والضيق والكرب يبقى من تريى على هذه المعاني ثابتا لا يتزلزل فلا يقنط ولا يسيء الظن بربه، الذي وعده خيرا ووعده بالنصر .
 
ثالثا- صفات من تخلف عن بيعة الرضوان
من الوقفات التي نقفها مع هذه السورة الكريمة وقفة مع البيعة ، التي قال تعالى فيها {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [الفتح: 10] وقال {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } [الفتح: 18] وقفة مع بيعة الموت التي أوجبت للصحابة الكرام الرضوان ، فأما الصحابة فلم يتخلف أحد منهم ، وأما غيرهم من الأعراب الذين لم يدخل الإيمان بعد إلى قلوبهم والمنافقين الذين كانوا في الظاهر مع المؤمنين فقد تخلفوا عن هذه البيعة إذ لم يكن لهم استعداد للتضحية ، وقد ذكروا في هذه السورة بصفات معينة علق بها تخلفهم عن البيعة نقف معها، ونحاول أن نرى تنزيلها في واقعنا اليوم.
1-أول هذه الصفات الطمع وحب الدنيا حيث قال تعالى : {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا} [الفتح: 11] فاعتذر هؤلاء بما يفيد تعلق قلوبهم بالدنيا وحطامها فذكروا الأموال والأهل أزواجا وأولادا وهي من الأمور التي زين للناس حبها ، ولكن إذا كان حب الله تعالى واقرا في القلوب فعلا قادها إلى التضحية وإيثار الله على هذه الشهوات الزائلة ، فيقدم العبد حب الله تعالى لأنه سبحانه هو من يهب له هذه الأشياء متى شاء ، ومن أنفق شيئا في سبيل الله أو تركه في سبيل الله فإن الله تعالى سيعوضه في الدنيا قبل الآخرة ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عما آلت إليه الأمة في عصرنا هذا فقال : «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» فالأمة هي القصعة والأمم الأخرى تجتمع عليها تنهشها . فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُم يَوْمئِذٍ كثير (المشكلة ليست في العدد ) وَلَكِن غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ (هذا هو حال الأمة أمة المليار والذين يقاتلون منهم أقل من مليون، أمة تعدادها عظيم والذين يقاتلون عن الأقصى بعض من بعض ) وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ (ونبينا يخبرنا في حديث آخر أنه نصر بالرعب وذلك أن المسلم العزيز بعقيدته يخشاه الكافر من بعد إذا رأه أو سمع تكبيره قبل أن يلتقي به بل جاء في الحديث من مسيرة شهر) قال في الحديث وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ» . قَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، إذن حب الدنيا وكراهية الموت هو الذي يجعلنا نعرض عن التضحية ويقتل فينا الاستعداد للبذل ، وإننا في عصر شغلتنا فيه أموالنا وأهلونا حقا ، فإخواننا يقتلون ونحن بمثل ذلك مشغولون ، فالناس اليوم أفرادا وجماعات وحكومات يقولون : ما لنا لهم ؟ تدخلنا سيصيب اقتصادنا بكذا وكذا وسنخسر كذا وكذا ، يقولون نحن لا نريد إحداث مشاكل ، وذلك أنهم ليس لهم استعداد للبذل ولا التضحية ولو باليسير، والنصرة بالمقاطعة على يسرها تعد امتحانا يسقط فيه الكثير من الناس، ألا ترون أن بعض التجار يمتنع عنها بحجة أنه لو امتنع عن بيع سلع الدول المشاركة للكيان في العدوان سيخسر في تجارته، هذا واحد من مظاهر الوهن ، وإذا كان هذا الحال شائعا فينا فلن ننتصر، نعم لا نستحق النصر لأننا قد شابهنا الأعراب في حب الدنيا ولم نشابه الصحابة في الزهد فيها، وقد يتحقق النصر من دوننا.
2-والوصف الثاني للمتخلفين هو الجبن والخوف من الموت ، وهو من معاني عدم الاستعداد للتضحية، فما سبق تضحية بالمال وهذا تضحية بالنفس، وفي هذا الوصف يقول المولى عزو جل : {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا} [الفتح: 12] بمعنى ظننتم أنهم سيقتلون ويستأصلون، فلم تخرجوا لأنكم توقعتم أن الهزيمة لاحقة بالمسلمين ولابد، فتخلفتم لظنكم أنكم ستهلكون مع من يهلك، وفي عصرنا يقول البعض لمَ ندخل في حرب نعلم مسبقا أنها خاسرة ؟ ومن يستطيع أن يجابه اليهود بعدتهم وعتادهم؟ ويواجه حلفاءهم أمريكا والحلف الأطلسي ؟ فهذا كلام الجبناء الذين لا يقين لهم ، والذين يحرصون على الدنيا وكأنهم سيخلدون فيها كما قال تعالى في وصف يهود {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } [البقرة: 96] {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ } [الجمعة: 8] والموت قد كتبه المولى عز وجل على كل نفس وقدر للمرء أجله قبل أن يولد ، {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ } [آل عمران: 154] يعني أن التخلف عن المعركة لن يكون عاصما من الموت ، فإذا جاء الأجل فإن المرء سيموت حيث كان ولو في جوف بيته، إذن هذا السبب الثاني وهو الجبن الناتج عن حب الدنيا أو توهم الخلود في هذه الدنيا .
3-ومن الأسباب : سوء الظن بالله تعالى وقد قال جل جلاله : {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ } [الفتح: 6] وقال : {وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح: 12] وسوء الظن بوعد الله إنما هو نتيجة الجهل بصفات الله وعدم الإيمان بها ، فمن لا يؤمن بقوة الله وقدرته وعزته وعلمه وحكمته وخبرته ، ولا يؤمن بأن الله مدبر كل شيء وأنه الملك الذي له جنود السموات والأرض سيقول من أين لنا أن ننتصر ؟ أنى لنا أن ننتصر ؟ وفي الواقع اليوم رأينا أن الذين لا يحبون الدنيا والذين يحسنون الظن بالله تعالى قد قلبوا الموازين ، فالجيش الذي قهر جيوش الدول العربية يوما ، لم يقدر على قهر شرذمة قليلة من المجاهدين في أرض العزة، الواجب عقلا على هؤلاء الجبناء السيئي الظن بالله أن يراجعوا أنفسهم حين يروا صمود المقاومة كل هذه الشهور ، وهي تعلن استعدادها للاستمرار، قلت الواجب أن يراجعوا أنفسهم وخاصة أنهم ربما كان لهم من العدة والعتاد أضعاف ما عند المجاهدين المرابطين، ولكن كما قلت إنه حب الدنيا انظم إليه الجبن ولفه الجهل بالله تعالى وسوء الظن بوعده الذي وعد بها المؤمنين، والواقع أن إيماننا صرا هشا ولم نرتق بعد إلى مرتبة اليقين ، التي تجعلنا نحسن الظن بربنا دائما وأبدا وفي كل الأحوال، فشابهنا حال المنافقين والمنافقات الظانين بالله ظن السوء فتخلفنا عن نصرة إخواننا الذين أحسنوا بربهم سبحانه.

رابعا- خلق محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه
آخر وقفة نقفها مع هذه السورة هي مع آخر آية فيها التي تتحدث عن خلق محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال تعالى : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ) الاية ، وفي هذا إشارة إلى أخلاق أهل النصر والفتح ، نعم هناك قوة إيمانية وعدة مادية ووحدة الصف وتضحية ، وهناك صفات أخرى جعلت الصحابة مستحقين لهذا الفتح الذي نسبه الله إلى نفسه ، ولعل من مناسبة أن أعقبت سورة الحجرات سورة الفتح التفصيل في أخلاق أهل الإيمان، وأول خلق ذكر فيها خلق التواضع لأوامر الله ورسوله الذي يقابله الكبر ، وذلك أن الصفة المشتركة بين المسلمين وأعظم صفة لهم هي الاستسلام لله تعالى، ومنها اشتق اسم الإسلام وهي بمعنى الخضوع لشرع العالمين والانقياد له ، فلا يقدم أحد من المسلمين بين يدي الله ورسوله ، ولا يرفع صوت فوق صوت النبي صلى الله وسلم ولا يقدم رأيا على سنته صلى الله عليه وسلم.
1-الولاء والبراء
نرجع إلى صفات الفاتحين المذكورة في الآية الكريمة ، والبداية كانت مع الولاء والبراء وهو نتيجة التوحيد الصحيح لأنه متعلق بمحبة الله تعالى ، فصدق المحبة الله تجعل المرء يحب المؤمنين وتجعله يبغض الكفار أعداء الدين ، قال تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) وليس العكس ، ونحن في هذه الأيام مع الأسف نسمع بعض الأصوات تتحدث عن المقاومين وكأنهم أعداء وعن المجرمين بمختلف جنسياتهم وكأنهم أولياء ، فهل هؤلاء أهل للنصر ، لن يكون ثمة نصر إلا بعد أن يزول هؤلاء الذين نراهم أشداء مع المجاهدين رحماء مع الكفار، فحين تمتثل الأمة لهذه الصفة تستحق النصر، وهذا الولاء هو علامة العقيدة الصحيحة لأن الإيمان بالله ليس هو الإيمان بوجوده كما يتوهمه بعض الناس ممن يعيش في غياهب القرون الماضية، الإيمان بالله والعقيدة الصحيحة هي التي تجعلك تحب الله وتخضع له خضوعا تاما بعد أن تتعرف عليه بصفات الكمال والعظمة التي وصف بها نفسه في كتابه ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم في سنته، وفي هؤلاء الذين عكسوا القضية عملاء دخلاء ومن علامتهم أنهم يعادون كل دعاة حركات النهضة الإسلامية على اختلاف توجهاتها ، ويعادون كل من يدعو إلى تحكيم شرع الله ويعمل للتمكين لدين الله ، وربما قالوا عنهم إنهم شر من اليهود ولنصارى ، ومن هؤلاء طوائف معروفة أسماؤها وهي ممولة من فرنسا أو أمريكا أو صهاينة العرب.
نرجع إلى الولاء الواجب فنقول إنه واجب لكل المسلمين، نعم المسلمون ليسوا هو في رتبة واحدة لأن المسلمين ليسوا في درجة واحدة من الإيمان والصلاح والتقوى، لكن كل مسلم لابد أن يكون له حظ من هذا الولاء ، وكذا البراء البراء من جميع الكفار من أجل دينهم، وهذا هو الطريق إلى تحقيق وحدة المسلمين الذي هو أحد أعمدة النصر والتمكين ، وقد شهد الله بأنه تحقق به صحابة سيد المرسلين .
2-العبادة
والصفة الثانية العبادة حيث قال تعالى (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) وذلك أن الله تعالى إنما خلق الناس للعبادة ، وأرسل الرسل لرد الناس إلى عبادة الله وحده ، وأركان الإسلام بعد الشهادة هي أعمال وعبادات، وذكر الركوع والسجود ليس لتخصيص للصلاة ولكن لكونها عمود الدين وأساس العبادات كلها وعلامة الصلاح، والمقصود تحقيق معنى الإيمان الكامل المتضمن للأعمال.
3-الإخلاص وتوحيد الرجاء
وفي قوله (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) إشارة إلى الصفة الثالثة وهي الإخلاص لله والتعلق برضوانه ، والله تعالى لا يتقبل من الأعمال إلا ما ابتغي به وجهه سبحانه ، والله تعالى عليم خبير مطلع عما في النفوس ، وابتغاء رضوانه فيه معنى توحيد الرجاء فلا طمع إلا فيما عند الله تعالى، ومن ذلك الطمع في النصرة لا يكون إلا في الله تعالى ، يرجى نصر من غيره ولا من أمريكا ولا من الأمم المتحدة ولا غيرها ، نعم الرضوان الذي نرجوه هو الجنة ، ولكن الله تعالى إذا رضي عنا نصرنا ولم يخذلنا وفتح علينا في الدنيا قبل الآخرة .
4-النور
ثم يقول المولى عز وجل (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) سيماهم في وجوهم، هذه علامتهم وهم أحياء وعندما يموتون ويوم القيامة ، وهذه العلامة هي النور الذي يكون في الوجوه ، والمسلم الذي يعمر قلبه الإيمان والقرآن يظهر ذلك في وجهه ، وفي كلامه وتعامله وأخلاقه ، وفي الآية أنه يرتسم في وجهه ، وهو نور يراه من في قلبه نور ، ونحن نرى الشهداء كيف يموتون وهم مبتسمون ، ويوم القيامة يجدون نورهم يسعى بين أيديهم ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعرف أمته يوم القيامة بأثر الوضوء ، وأكثر المفسرين تحدث عن النور يوم القيامة ولكن لا مانع من حصوله في الدنيا ، كما أن ظلمة المعصية حاصلة في الآخرة والدنيا .
5-التكاثر بالدعوة إلى الله
ثم يقول المولى عز وجل (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) وهنا ذكر لصفتين التكاثر والتآزر من خلال تمثيل الصحابة بالزرع ، وقد جاء في الحديث :" مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع " فاتفق كتاب الله وسنة المصطفى على تمثيل المؤمن بالزرع ، وهذا التمثيل فيه معاني كثيرة وضحها ابن رجب في جزء خصه لشرح هذا الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم : مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئه الريح مرة وتعدله ومثل الفاجر أو الكافر في رواية كمثل الأرزة لا تزول حتى يكون انجعافها مرة واحدة" ، ومن أوجه التمثيل ما ذكر في الآية الكريمة ، "أخرج شطأه" أخرج فراخه في إشارة للتكاثر ، والتكاثر يحتمل التكاثر بالنسل والولادة ويحتمل التكاثر بالدعوة ، وهذا الأخير هو الأهم لأن العبرة ليست بالكثرة ولكن بالكثرة المؤمنة الموحدة الفاعلة وإلا كانوا غثاء كغثاء السيل وهذا هو المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم تكاثروا فإني مباه بكم الأمم ، وقد كان مع النبي صلى الله عليه وسلم حر وعبد ثم بالدعوة تكاثروا حتى بايع النبي صلى الله عليه وسلم الآلاف ، ولم يكن التكاثر في زمن النبي صلى الله وسلم بالنسل ولكن بالدعوة وقد ظهر ذلك جليا عام الوفود .
6-التآزر والتعاون
وبعد التكاثر يأتي التآزر بمعنى تقوية بعضهم بعضا، وهذا التآزر جلي في الزرع اللين –والمؤمن لين في أخلاقه – حيث أن كل نبتة تشد أختها وتعطيها قدرة وقوة حتى تبقى قائمة .
والنصر يحتاج إلى القوة تأتي من هذا التآزر ، لذلك لا يجوز للمؤمن أن يخذل إخوانه ، وعليه أن ينصرهم بما يمكنه وبحسب المستطاع ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، والميسور لا يسقط بالمعسور ، فإذا لم يكن ممكنا المؤازرة بجهاد السلاح فهناك الجهاد الالكتروني والجهاد الاقتصادي والجهاد الإعلامي والإغاثي والطبي وغيرها فلابد من هذا التآزر الذي هو صفه المؤمنين والمؤمنون كالجسد الواحد.
ثم يقول الله تعالى : (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) متى تحصل هذه الاغاظة ؟ هل تحصل حين يكونون مفرقين مشتتين ، تحصل حين يرون اجتماعهم وشدة تمسكهم بدينهم، نحن الآن كما تعلمون مقسمون في دويلات متنازعة ومفرقون أشتاتا ، والأعداد يستمثرون في هذا التفرق والاختلاف بل إنهم يصنعونه ، ومؤسسة راند الامريكية المزروعة بلاد العرب تدرس تاريخنا وواقعنا وتقدم للساسة أمريكا الخطط والمقترحات والوسائل التي تعمل من خلالها على زيادة الفرقة والشتات بكل أنواعه دينيا طائفيا ولغويا وعرقيا وغير ذلك ، وقد وجدوا فينا العملاء والجبناء والأغبياء الذين ينفذون خططهم ، لكن حين تصطدم جهودهم وخططهم بالتآزر والتماسك والتوحد فذلك هو الذي يغيظهم ، وإن مما يغيظهم اليوم في غزة هو تماسك الشعب مع المقاومة ومما يغيظهم أيضا اتحاد فصائل المقاومة على اختلاف توجهاتهم تحت غرفة عمليات واحدة ، مما يغيظهم أنهم لم يجدوا فرجة لتفريق صف الغزاويين ، وهذا الكلام ليس للغزاويين لأن الغزاويين عرفوا الطريق فسلكوه ولكن الخطاب لنا نحن لنرجع إلى كتاب الله تعالى ، والاهتداء به وبسنة النبي الكريم ، واقتفاء أثر الصحب رضوان الله عليهم الذين زكاهم رب العالمين ثم نصرهم وفتح عليهم .
نسأل الله تعالى أن يرزقنا علما نافعا وزرقا طيبا وعملا متقبلا وأن يرزقنا الإخلاص في القول والسداد في العمل وأن ينصر إخواننا في فلسطين ويفتح عليهم فتحا قريبا ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

المؤلفات في الطب النبوي إلى عصر ابن القيم رحمه الله
بعد أن كتبت سلسلة من المنشورات فيها الأحاديث النبوية التي تتعلق بالطب تواصل معي أحد الطلبة ونقل لي كلام بعض من نصب نفسه لمقام الإرشاد والفتوى يزعم فيه أن مصطلح الطب النبوي من اختراع ابن القيم وأنه لم يسبق إليه ، فحرك ذلك الكلام همتي لأجمع المؤلفات التي سبقت ابن القيم رحمه الله بذكر أحاديث الطب النبوي سواء التي تضمنت كتاب الطب ضمن كتب الحديث أو التي أفردت وسميت بكتب الطب أو الطب النبوي، لدحض تلك الدعوى المتهافتة التي لا زمام لها ولا خطام
أولا : ضمن كتب السنة
1-الإمام مالك (ت179) في الموطأ ضمن كتاب الجامع 20 حديثا في الطب في 7 أبواب
2-ابن ابي شيبة (ت:235) في مصنفه كتاب الطب وضمنه 313 حديثا وأثرا في 64 بابا منها 130 حديثا مرفوعا
3-البخاري (ت256) في صحيحه كتاب الطب فيه 103 حديثا في 56 بابا
4- مسلم (ت261) في صححه ضمن كتاب الآداب أبواب الطب والمرض والرقى وفيها 85 حديثا
5-ابن ماجه (ت273) سننه كتاب الطب وضمنه 111 حديثا في 46 بابا
6-أبو داود (ت275) في سننه كتاب الطب وقد تضمن 70 حديثا في 24 بابا
7-الترمذي (ت279) في جامعه كتاب الطب فيه 50 حديثا في 35 بابا
8-النسائي (ت303) في سننه الكبرى كتاب الطب فيه 137 حديثا في 74 بابا
ثانيا: الكتب المفردة
1-الرسالة الذهبية لعلي بن موسى الرضا (ت203) طبع بتحقيق محمد علي البار بعنوان الإمام علي الرضا ورسالته في الطب النبوي.
2-الطّبّ النّبويّ لعبد الملك بن حبيب (ت238) طبع عدة مرات بتحقيق البار
3-الطب والأمراض لابن أبي عاصم (ت287) نقل منه ابن حجر(10/134)
4-الطب النبوي لابن السُّنِّي (ت364) مطبوع
5-الطب النبوي الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري (ت406هـ) مخطوط
6-الطب النبوي لأبي نعيم الأصفهاني (ت430) مطبوع محققا عن دار ابن حزم
7-الطب النبوي لجعفر بن محمد المستغفري (ت432) مخطوط
8-رسالة في الطب النبوي لابن حزم (ت456) ذكرها في السير (18/ 197)
9-الطب النبوي للخطيب البغدادي (ت463) مخطوط
10-الطب النبوي للحميدي (ت488) ذكره القسطلاني في المواهب اللدنية 3/ 68
11-الطب النبوي لعبد الحق الاشبيلي (ت518) في المواهب اللدنية 3/ 69
12-الطب النبوي لابن عطاف محمد بن محمد الهمداني (ت534) ذكره في السير (20/ 54)
13-الطب النبوي أو لقط المنافع لابن الجوزي (ت 597)مخطوط
14-الطب النبوي لابن قدامه عبد الله بن أحمد (ت620) مخطوط
15-شرح الحديث الأربعين في الطب النبوي، لعبد اللطيف بن يوسف الحكيم، البغدادي(ت 629) طبع بتحقيق عبد الله كنون
16-الطب النبوي لمحمد بن عبد الواحد المقدسي (643) له طبعات
17-الشفا في الطب المسند عن السيد المصطفى لأحمد بن يوسف التيفاشي ت 651 مختصر كتاب ابي نعيم مطبوع 1408
18-شرح حَدِيث الاربعين فِي الطِّبّ النبوى لأحمد بن أسعد، ابن العالمة الدمشقي (ت 652) كشف الظنون (2/ 1038)
19- أربعون بابا في الطب النبوي محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي(ت709) طبع سنة 1985 دمشق
20-الأحكام النبوية في الصناعة الطبية لعلى بن عبد الْكَرِيم الحموي (ت 720 ) مطبوع 1955
21-تذكرة في الطب النبوي لبدر الدين بن جماعة ت733 مخطوط
22-الطب النبوي للذهبي (ت748) مطبوع مرارا وطبع منسوبا لعبد اللطيف البغدادي
23-الطب النبوي لابن الأكفاني (ت749) مخطوط
24- الطِّبّ النَّبَوِيّ لداود بن ابي الْفرج الحنبلي (ت:773) مطبوع
25- شفاء السّقام في طبّ أهل الإسلام» ليوسف بن محمّد الدّمشقيّ العقيليّ(ت776) جمع فيه بين الطّبّ النّبويّ والطّبّ المتعارف كما في السحب الوابلة (3/ 1183)
26-قال في الجوهر المنضد (1/ 38) داودُ المُتَطببُ كان نَصرانياً ثم أسلمَ على يد الشّيخ ابن تَيْمِيَّة، وبرع وصنّف كتاب "الطّب النَّبوى " وهو كتاب نافعٌ علاجات ومفردات نبوية، وحكى فيه نُصوصاً عن أحمد، وكل ما ذكر فيه من الطب مركب على قاعدة مذهب أحمد، وذكر في آخره فصلاً في التشريح".
كتب في 29 أفريل 2020 (ايام حصار كورونا)